الرؤية الإسلامية لنهضة الأمة

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الدراسة كتبتها فى سجن المرج فى النصف الثانى من عام 2010, وأرسلتها كسلسلة متتابعة للنشر فى موقع حزب العمل, ولكننى طلبت من قيادة الحزب أن تدرسها وتراجعها وتقرها كوثيقة رسمية, لتصدر فى النهاية ككتاب عن الحزب يشرح رؤيته فى مختلف القضايا الأساسية ويقدمها للشعب وحركة الشباب الناهضة. وبالفعل تشكلت لجنة بعضوية: د. أحمد الخولى والأستاذ عبد الحميد بركات ود. مجدى قرقر ود. نجلاء القليوبى (الترتيب وفقا للحروف الأبجدية), وأقرت اللجنة بالتشاور معى خلال فترة السجن وبعد الإفراج عنى، باعتبارى معد ومحرر الوثيقة، أقرت الدراسة فى هذه الصورة النهائية.

ويعلم الله سبحانه وتعالى أننى رأست تحرير هذه الدراسة بنية أن تكون اسهامى الأخير قبل رحيلى عن الدنيا. أعلم أن الأجل لا يعلمه إلا الله, ولكن يتعين على المؤمن أن يعمل وكأنه يموت غدا، وأعلم أننى أقترب من سن الستين وربما لا تتاح لى فرصة للتفرغ للبحث المتأنى إذا قدر الله وخرجت من سجنى إلى مشغوليات الحياة العامة. وقد اعتبرت أن سجنى لمدة عامين كاملين منحة من الله للتفرغ للبحث والدراسة بعد العبادة، ولذلك طالبت بالحبس الانفرادى واستخدمت سلاح الإضراب عن الطعام لوقف قرار منع إدخال الكتب والصحف والأوراق والأقلام الذى تعرضت له فى الشهور الأولى، كما ناضلت من أجل استخدام مكتبة السجن العامرة بالكتب الجيدة، سواء بالاستعارة عن طريق وسيط كما كان الحال فى البداية ثم بالذهاب المباشر إليها (علمت ببالغ الأسى بعد خروجى من السجن أن عصابات حبيب العادلى قد حرقت هذه المكتبة فى إطار الهجوم الهمجى على سجن المرج بعد خروجى بيومين، والذين ادعوا أنها عصابات من اللصوص, ولا أدرى ما مصلحة اللصوص فى حرق المكتبة، ولا حتى فى فكرة اقتحام سجن؟! وهذه المكتبة مليئة بالمصاحف والأناجيل وبعض أمهات الكتب الإسلامية وآلاف من الكتب القيمة. وحرقها دليل على همجية حكم الطاغية مبارك الذى ذكرنا بجرائم التتار قبل إسلامهم فى حق الكتب عندما دخلوا بغداد!).

بعد إنهاء عدد من الدراسات العاجلة رأيت أن تكون آخر 6 شهور لإنجاز مشروع هذه الدراسة، ولذلك استخدمت سلاح الإضراب عن الطعام مجددا مطالبا بالعودة للحبس الانفرادى (وكان قد تم نقلى إلى مستشفى السجن لاستخدام العنبر الذى عشت فيه 18 شهرا وحدى لوضع المحكوم عليهم فى قضية حزب الله) فرغم أننى كنت أقوم بأعمالى الدراسية من قراءة وكتابة فى صخب المستشفى وعلى مرأى من الجميع، إلا أننى رأيت أن العودة للسجن الانفرادى ستتيح لى المزيد من التركيز والإنتاج، وقد تم ذلك بحمد الله. رأيت أهمية إصدار كتاب متوسط الحجم يشرح رؤى حزب العمل وليكن كافيا لأى مواطن أو مراقب كى يحدد موقفه منها بالموافقة أو الاختلاف جزئيا أو كليا. فحزب العمل ليس مجرد حزب سياسى يسعى إلى السلطة، ولكنه صاحب مشروع ورؤية حضارية وامتداد لمدرسة (حركة مصر الفتاة التى تأسست عام 1933)، ولكنه ليس امتدادا بسيطا لها. فقد تميز حزب العمل منذ تحوله للرؤية الإسلامية بأنه منفتح على كل التيارات والمدارس الإسلامية, ويتفاعل معها ويستفيد منها جميعا ويأخذ منها ويحترم اجتهادها، ويدعو إلى أقصى درجات التعاون بينها، وفى نفس الوقت يحتفظ باجتهاده الخاص عموما وفى كل موضوع على حدة إلى أن يثبت له شىء آخر.

ولا يقتصر الأمر على ذلك, فحزب العمل يقيم علاقات وثيقة ومخلصة مع كافة التيارات السياسية والفكرية, ويبحث دائما عن نقاط التجمع والالتقاء لصالح الأمة والوطن. ولا يدعى الحزب أبدا أنه يحتكر الحقيقة, بل يتعلم من الجميع، ولكنه كما كون قناعاته بمحض إرادته وبدون الخضوع لأى سلطان, فإنه على استعداد دائم لمراجعة أى اجتهاد له إذا ثبت له خطأه.

ويتميز حزب العمل بأنه يفتح أبوابه, بل يرحب بالمواطنين المسيحيين فى عضويته على أساس الموافقة على برنامجه السياسى مع احتفاظه وتمسكه بعقيدته الدينية، بل يرى حزب العمل أن المسيحى المتدين أقرب إلى المسلم المتدين من المسيحى غير الملتزم دينيا، حتى لقد اشترطت حركة مصر الفتاة (الجذر التاريخى لحزب العمل) على أعضائها أن يذهب المسلم إلى المسجد يوم الجمعة وأن يذهب المسيحى إلى الكنيسة يوم الأحد. والتفصيل فى فصل خاص فى هذا الكتاب.

وأخيرا فقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تنتهى هذه الدراسة وتقر فى الحزب بينما ثورة الشعب المجيدة على الأبواب، وقد تضمنت فى نهايتها دعوة صريحة للعصيان المدنى وهى دعوة الحزب منذ عام 1993. فالآن نهدى هذه الدراسة للشعب وقوى الثورة الشابة وسائر القوى الوطنية كأساس للحوار والمناقشة باعتبارها مقترحا لمشروع متكامل للنهضة الوطنية.

وإن الله الذى نصر هذه الثورة لقادر على أن يوفق شعب مصر فى مرحلة النهضة والبناء والانبعاث الحضارى من جديد، لتعود مصر سيرتها الأولى، منارة للحضارة وقائدة للعرب ومشاركة فى قيادة العالم الإسلامى، وفاعلة فى المحيطين الأفريقى والدولى، ولتأخذ مصر مكانتها التى تستحق تحت الشمس. ومن المناسب أن ننهى هذه المقدمة بالآية الكريمة التى اتخذها حزب العمل شعارا له: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).

محرر الدراسة

مجدى أحمد حسين

أمين عام حزب العمل

(1) لماذا حزب العمل؟

يقع على عاتق أى حزب موجود ويسعى للاستمرار أن يوضح هويته للحد الأقصى, فهذا التزام سياسى وأخلاقى عندما تموج الساحة بالأحزاب والتنظيمات والجماعات السياسية, ليوضح لماذا هذا الحزب وما الذى يميزه عن الآخرين؟ وإلا لماذا لا يندمج مع غيره من الأحزاب, خاصة تلك التى تماثله فى الفكر. وبدون الإجابة على هذه الأسئلة فمن الطبيعى أن تحوم حوله شبهات, أقلها الرغبة الشخصية لقادة هذا الحزب فى مجرد الظهور والتحزب لأسباب نفعية, أو التعصب لتنظيم لمجرد أنه تنظيمنا وبذلنا الجهود المضنية لتأسيسه والحفاظ عليه، وهى أمراض شائعة فى الوسط السياسى عموما، ولا أقصد بحديثى تلك الأحزاب التى نشأت واستمرت بقرار سلطوى أو برضاء حكومى, فهذه أقرب إلى الأمراض منها إلى الأحزاب.. وإنما أعنى الأحزاب والتنظيمات والجماعات الجادة التى نشأت واستمرت بقناعات أعضائها، وبصورة مستقلة عن أى نفوذ حكومى.

فما هو الاجتهاد الذى يميز حزب العمل فى الواقع السياسى الإسلامى خصوصا, والواقع السياسى الوطنى عموما؟ والحقيقة فإن حزب العمل لم يقصر فى شرح فكره وتوجهاته الفكرية والسياسية من خلال إنتاجه السياسى والفكرى الغزير. ولكن الناس تحتاج إلى إجابات مباشرة ومختصرة، من أنت؟ ما هو برنامجك؟ ما البديل الذى تطرحه؟

وحتى فى هذا الإطار فإن حزب العمل لم يقصر وقدم عدة وثائق برنامجية بمناسبة مؤتمراته العامة أو الانتخابات العامة أو بدون مناسبة (كوثيقة الإسلام دين وحضارة للأستاذ عادل حسين) ولكن بعد أن أوغلنا فى القرن الواحد والعشرين فإن الأمر قد يحتاج إلى إضافة تتحدث لجيل جديد من الشباب الذى بدأ يثرى الحياة السياسية فى العقد الأول من هذا القرن الجديد.

ماذا يعنى التوجه الإسلامى لحزب العمل؟

بعض التنظيمات الإسلامية تخفى توجهها النهائى (برنامج الحد الأقصى) وتطرح برامج حد أدنى, ذات طابع سياسى عملى بهدف التفاعل مع التيارات الأخرى، وتحت شعار أن مرحلة الحل الإسلامى لم تأت بعد. وأبرز مثال على ذلك البرنامج الذى طرحة المرشد العام السابق للإخوان المسلمين فى نقابة الصحفيين، فإذا اطلع أى قارىء على هذا البرنامج ولم يعرف من الذى ألقاه، فلا يمكن أن يتخيل أنه صادر عن حزب أو تنظيم إسلامى.

ولكننا فى حزب العمل نطرح اجتهادنا أو تصورنا الإسلامى بصورة نهائية, بدون تكتيك أو مناورة, فنحن أساسا أمام معركة عقول وقلوب، ولا معنى لإخفاء أهدافك ومراميك النهائية, وليس من المفيد أن تدعى أنك لا تستهدف بناء دولة إسلامية، لأن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق بدون إقناع الناس.

نحن لا نخفى أننا نستهدف إقامة حكومة ذات مرجعية إسلامية، ولكننا نعلن صراحة أن الوصول لهذه الهدف لا يجوز بدون إقناع الناس عبر الحوار والجدل, وشرح المفاهيم الحقيقية لما نسميه حكومة أو دولة إسلامية, وأننا مستعدون للاحتكام إلى صناديق الاقتراع فى هذا الصدد، ولكن بعد الخلاص من الحكم الطاغوتى الراهن الذى يمنع حدوث أى انتخابات حرة.

إن أمتنا التى عادت إلى العبادة والقيم الإسلامية لن تجد ضالتها المنشودة فى العدل السياسى والاجتماعى، وفى الحريات وفى الاستقلال، وفى كل معانى العزة والكرامة, إلا فى ظل الإسلام الصحيح كما هو مبسوط فى القرآن الكريم والسنة الشريفة، ونستهدف من هذه السلسلة توضيح ذلك فى صورة برنامج عملى، يمكن أن يناقشه المسلم غير المتدين أو العلمانى أو المسيحى, ويتبين من خلال الحوار صدق ما نقول، ونحن ندعو من لا يؤمن بالإسلام كمرجعية، أن يقول لنا ما الذى يرفضه فى هذا البرنامج ولماذا؟

فقد أساء للإسلام أحيانا بعض الإسلاميين بأطروحاتهم التى لا تعبر عن صحيح الإسلام، وأساء للإسلام أحيانا أخرى الجهل به أو عدم معرفة حقيقة تعاليمه. ونحسب أنه قد وضع من المبادىء والقواعد والقيم ما يسمو على كافة الشرائع الغربية، وأن المناظرة الحرة والأمينة والصريحة هى الكفيلة بتقريب وجهات النظر، وتوضيح أن الإسلام ليس قاهرا للمرأة أو غير المسلمين, وليس معاديا للفنون والآداب، بل لقد قدم أقصى ما يمكن تقديمه من الحقوق للمرأة, وقدم أقصى ضمانات لغير المسلمين, وهو أكبر راعى لإبداعات البشر الجادة فى مختلف المجالات. الإسلام ليس عائقا أمام العلم والبحث العلمى، بل يحض عليهما, ويعتبر العلم من العبادة, بل وأعلى درجات العبادة، وهو يحرض على البحث العلمى ليس فى مجال العلوم الشرعية فحسب، بل فى كل مجالات العلوم الاجتماعية والطبيعية. والإسلام لا يفرض عقيدته على أحد بالقوة والإكراه لأن ذلك يتعارض مع أبسط معانى الإيمان (تصديق القلب)، والإسلام لا يؤمن بفرض الحاكم على الناس، بل يفرض على الناس أن يختاروا ويبايعوا حكامهم، وأن الحاكم فى الإسلام أجير لا أمير، وكيل عن الأمة, يمكن للأمة أن تنزع منه التوكيل إذا خرج عن شروط البيعة.

والإسلام هو الذى فرض مساواة جميع الناس أمام القانون, فلا فارق بين أمير وخفير, ولا بين كبير أو صغير. والإسلام هو الذى فرض حد الكفاية (لا الكفاف) لجميع المواطنين الذين يستظلون بدولته لا المسلمين فحسب. والفقر هو العدو اللدود للإسلام, حتى لقد تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر). وهذا ما عنيناه باستخدام تعبير (الإسلام دين وحضارة) فالإسلام قد يكون بالنسبة للكثيرين هو الدين، ولكنه فى ذات الوقت هو حضارة سياسية واجتماعية واقتصادية (برنامج حضارى) يمكن أن تقبله كمشروعية سياسية دون أن تدخل بالضرورة فى الدين، إذا اقتنعت بهذا البرنامج الحضارى. هذا هو التقديم, ولنبدأ بالتفصيل فى المقال القادم بإذن الله.

(2) الإيمان بالله

تنطلق رؤيتنا السياسية من الإيمان بالله عز وجل، ونرفض المقولة التى يشيعها البعض, والحكام على رأسهم أن (الإيمان مجرد قضية شخصية بين الإنسان وربه)، فرغم أن الإيمان بالله حقا يبدأ بتصديق القلب بهذه الحقيقة الأولى، بين كل مؤمن على حدة وربه، وأن هذه العلاقة تظل بالنسبة للمؤمن شخصية وخاصة جدا ولا يطلع على مستواها وعمقها إلا الله وحده (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (النساء: 25), (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).

وليس لأحد فى الدنيا أن يقيم إيمان وتقوى شخص آخر (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32) فقد يتجنب الإنسان ارتكاب الشر خوفا من القانون, أو خوفا من الفضيحة, أو خوفا من العواقب, وليس خوفا من الله. وهذا الأمر لا يقدره إلا الله. وهناك من يفعل الخير لنية الشهرة والمجد والتفاخر, أو الحصول على مكاسب مادية فى نهاية المطاف، وهذه أمور لا يقدرها إلا الله. فالله وحده هو العليم بذات الصدور.

ولكن فى علاقة المؤمنين بعضهم ببعض فليس لهم إلا الظاهر، وبشكل عام فإن الصالحين يكتشفهم الناس على المدى الطويل، لأن المنافق لابد أن ينكشف يوما ما, بصورة أو بأخرى, خاصة فى المنعطفات والأزمات الكبرى, وأيضا فى عدم استقامة المنافقين فى القول (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ) (محمد: 30). واكتشاف الصالحين من الطالحين مسألة مهمة لتنظيم المجتمع فى صورة رشيدة واعتمادا على الأولين وعزلا للآخرين بناء على السلوك العملى المكشوف للجميع، وليس من خلال تتبع الضمائر ومحاولة قياس الإيمان، فليس للمؤمن أن يحاسب أخاه على درجة إيمانه ولكن على ظواهر سلوكه. فليس الإنسان قاضيا لأخيه الإنسان فى مسألة الإيمان، وهى مسألة قلبية فى المقام الأول.

ولكن حقيقة الإيمان لا يمكن أن تتوقف عند هذا المستوى وإلا ما اكتملت، فكيف نؤمن بالله دون أن نؤمن بـ (مَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) كيف نؤمن بالله، ونتجاهل تعاليمه وتوجيهاته وأوامره، كيف نؤمن بالله ونتجاهل شرائعه وما يدعونا إليه، كيف نؤمن بالله، ونعرض عن القرآن والسنة. لو فعلنا ذلك لكان إيماننا كإيمان الأوروبيين الذين يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة فى الأسبوع, وهذه علاقتهم الوحيدة بالله، بل لا يذهب أكثر من 50% منهم للكنائس ولا لمرة واحدة. وهكذا فإن الذى يطالب المؤمن بأن يكتفى بعلاقة شخصية مع الله، ثم لا يتحدث عن الله فى أمور الحياة والمجتمع، فكأنه يطالبه بالخروج من دينه. فالله سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين, ووضع لهم قواعد لتنظيم العلاقات فيما بينهم فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية, يتعين عليهم الإيمان والعمل بها, والدعوة إليها إذا كانوا مؤمنين حقا.

فالدين الحق يبدأ بإصلاح الفرد, ويستمر عاملا على هذا المحور أبدا، ولكنه يحض فى ذات الوقت على إصلاح المجتمع، بل إن إصلاح المجتمع هو الهدف الاسمى للمؤمنين فى الدنيا كإعداد واختبار للآخرة.

والمجتمع القائم على الإيمان بالله هو أكثر تحضرا وتراحما ورقيا من مجتمع قائم على المادة وحسابات المكسب والخسارة بالمعنى الفردى بحثا عن اللذة التى أصبحت هى معيار الصواب والخطأ فى البلاد الغربية, وبهذا المعنى فإن الإيمان بالله ليس مسألة فرعية، ولا يمكن أن تتوقف عند حدود الإيمان الفردى لأشخاص معزولين بلا هدف إصلاحى جماعى. إن الإيمان بالله كخالق لهذا الكون إذا أخذه المؤمن مأخذ الجد لابد أن يكون الحقيقة الموجهة لكل حياته، وإلا فإن أى موضوع أو مسألة أخرى تصبح بلا معنى أو أهمية إذا لم تكن مرتبطة بهذه الحقيقة الكلية: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاى وَمَمَاتِى لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162).

والمجتمع الذى يسوده الإيمان بالله تنحسر فيه الانحرافات والجرائم إلى الحد الأدنى، ولا نقول إنها تنتهى أو تزول، فسيظل الإنسان عرضة دائما لوسوسة الشيطان، وإغراءات الحياة الدنيا. ولكن المجتمع المؤمن تزيد فيه مساحة الالتزام الأخلاقى خوفا من الله وليس خوفا من القانون أو الشرطة أو العواقب.

يقبل المؤمن على الإنفاق فى الخير تقربا إلى الله, وكثيرا ما يكون ذلك سرا، وليس من أجل أن تنشر صورته فى الصحف، أو تمهيدا للحصول على منصب ما. وأيضا فى المجتمعات المؤمنة تقل نسبة الجريمة, ولا نحتاج لشرطى فى كل شارع وأمام كل بيت (فلا تكفى أكبر قوة ممكنة للشرطة لحفظ الأمن) لأن الجرائم تتراجع فى المحل الأول بسبب رادع داخلى, وهو الخوف من الله وحساب الآخرة. والمجتمع المؤمن هو مجتمع التكافل والتراحم الذى لا يترك الناس يفتنون فى دينهم بسبب الفقر وتأخر أو تعذر الزواج، وهذا مصدر لكثير من الجرائم والانحرافات.

الإيمان بالله يخفف للحد الأقصى (ولا نقول ينهى تماما) حدة الصراع حول المكاسب الدنيوية، والصراع المميت من أجل المال بدون ضوابط على حساب الآخرين، الإيمان بالله يشذب النزوع الأنانى، ويعزز الاهتمام بالمجموع. والإيمان بالله يردع عن العدوان على أرواح وأعراض وأموال الناس. وتظل هناك بعد كل ذلك فئة مارقة أو خارجة تستحب الانحراف على الإيمان. والإسلام يحمى المجتمع من هؤلاء بالحدود، بالقانون الرادع. فالإسلام يتعامل مع حقيقة الإنسان كما هى ولا يدعو إلى (المدينة الفاضلة) أو (مدينة الله) التى وردت فى الفكر الغربى، إذا كان معنى هذه المدينة أنها ستكون خالية من الآثام والعيوب والانحرافات. ولكنه يعالج هذه الميول بتقوى الله، وما يتبقى بعد ذلك من انحرافات (بمعنى التعدى على الآخرين) يعالج بالقانون وفقا للقاعدة (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

إذن حزب العمل يختلف عن باقى الأحزاب السياسية فى أنه يضع الإيمان بالله فى صدر برنامجه, فالإيمان بالله هو المبتدأ, وهو المنتهى, وهو غاية وجودنا كله. والقول بأنه لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة، هو قول جاهل بالدين أو سيئ النية معاد للدين، وسنوضح فى الحلقات القادمة الرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى الإسلام, التى هى منهج كامل للحياة، من واقع نصوص القرآن والسنة المؤكدة، وهو أمر لا خيار لنا فيه إن كنا مؤمنين: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: 85).

وسنبين أنه بموازين العقل فإنه أفضل برنامج للإصلاح ليس لمصر وحدها بل للبشرية جمعاء. وهذا إيماننا.

(3) مصريون

إننا (شعب مصر): مصريون عرب مسلمون، ولا نرى تعارضا بين هذه السمات الثلاث, بل نراها متكاملة غير متعارضة أو متعادية. والشخصية المصرية هى جماع لهذا المزيج بين الأبعاد الثلاثة، وأى استبعاد لأى بعد من هذه الأبعاد يشوه فهم الشخصية المصرية، ويعكس عدم إدراكها على النحو الصحيح. وليس المقصود بذلك وضع العقيدة الإسلامية بالتساوى مع المصرية أو العروبية، فالعقيدة الإسلامية هى مرجعية هذه الأمة، بينما لا توجد نظرية أو عقيدة مصرية أو عروبية. ولكن المقصود أن مصر جماعة وطنية لها تاريخها وخصائصها, ولها استقلاليتها عن باقى الجماعات الوطنية, ولها مصالحها الخاصة وحضارتها المتميزة، ولابد من فهم هذه الشخصية الضاربة فى عمق التاريخ للتعامل معها, وتطويرها إلى الأمام. وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا), وهذا يشير إلى أن الشعوب ليست نسخا متكررة (وهذا أيضا هو الحال مع الأفراد), وأن لدى كل شعب ما يقدمه للشعوب الأخرى، وما يستفيد منه ويحصل عليه منها فى عملية تبادل للخبرات والمنافع والثقافات.

كذلك فإن مصر وطننا، والوطن بالنسبة للإنسان روح وجسد لا ينفصلان، وموطن الإنسان ومسقط رأسه من أعز ما يملك، حتى اعتبرت الهجرة فى سبيل الله من أعظم أشكال الجهاد، لأن التخلى عن الوطن حتى وإن كان مؤقتا أو الإخراج منه هو من أشد النكبات التى يمكن أن يتعرض لها الإنسان, بل هو النكبة الثانية بعد الموت مباشرة. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمكة: (إنك لأحب بلاد الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت) وقد كان الصحابة تصيبهم فى المدينة أعراض الشوق لمكة، وكل ذلك رغم أن مكة والمدينة من بلاد العرب.

وبالإضافة لكل هذه المعانى العامة عن الوطن والأوطان. فإن لمصر خصائصها الخاصة:

فمصر وطن قديم شاءت له المقادير من حيث الموقع والموضع أن يتبلور بخصائص منفردة وشخصية متميزة, لعبت الجغرافيا دورا كبيرا فى ذلك، فمصر تبلورت كمجتمع حول نهر النيل بكل ما يعنيه ذلك من معانى الاستقرار والرخاء والوحدة السياسية، ثم كأنها وضعت فى علبة مغلقة نسبيا تعزلها عن العالم الآخر، بكثافة صحراوية شرقا وغربا, وبشلالات نهر النيل جنوبا (جنوب أسوان), وبكثافة بحرية شمالا وشرقا, وهو أمر يسمح لها بنوع من الحماية، والعزلة النسبية عما حولها، وأن تعيش وتنمو بحرية بحثا عن ذاتيتها الخاصة وأسلوبها الخاص والفريد فى الحياة، على خلاف كثير من البلدان التى نشأت فى العالم وكانت عرضة للاجتياح الفورى فى أى لحظة، سواء فى صورة سلمية أو حربية, حتى أن بلدانا عديدة اختفت من الوجود أو تم استيعابها فى بلدان أخرى، أو استمرت بدون هوية واضحة من شدة تعرضها للاجتياحات الخارجية.

ولكن مصر وأيضا بحكم الموضع والموقع كانت دائما فى قلب العالم متوسطة بين ثلاث قارات أساسية, وما كان لها أن تنعزل تماما إلا فى بداية تكوينها, وقد استمرت هذه المرحلة ردحا طويلا من الزمان، ولكن مع تطور آلات الحرب ووسائل الانتقال بدأت مصر تتعرض لغزوات برية من الشرق أساسا, وبدرجة أقل من الغرب والجنوب، ولكن حدث ذلك بعد أن تكونت شخصيتها, فلم يعد لهذه الغزوات تأثير جذرى على تكوينها الرئيسى وشخصيتها المستقلة، وقد مكنها الدرع الصحراوى المحيط بها من التنبه المبكر لهذه الغزوات وصدها، وعندما كانت تنفذ إليها بعض هذه الغزوات كانت تستوعب الغزاة بأكثر من تمكن الغزاة من استيعابها، قبل أن تتمكن من إجلائهم كقوة عسكرية حاكمة، بل إن كثيرا من هذه الغزوات لم يتمكن إلا من الوصول إلى الدلتا دون الوصول إلى أقصى الجنوب. ولم تتعرض مصر لأول مرة لغزو بحرى إلا فى العهد الرومانى، بعد أن أصبحت الشخصية المصرية أكثر تبلورا. والملفت للانتباه وتأكيدا لذلك، فإن العقائد المصرية كانت هى التى تنتشر فى البلاد الغازية, على عكس القانون العام الذى يقول أن الغزاة يفرضون عقائدهم. فانتشرت العقائد المصرية فى بلاد الشام وجنوب أوروبا, فى حين لم تنتشر عقائد وثقافات هذه البلدان فى مصر.

لقد لعبت هذه المعادلة الفريدة دورها الخاص فى بناء الشخصية المصرية، فمصر تتمتع بعزلة نسبية وحماية طبيعية كافية لبلورة مجتمعها الخاص، وفى نفس الوقت فهى ليست معزولة عن العالم وتتلاقح مع الثقافات الأخرى, ولكنها تصهرها فى بوتقتها الخاصة. فالأوروبى يتمصر ولا يتأورب المصرى، والشامى يتمصر، ولا يتشوم (إن جاز التعبير) المصرى.

ولكل هذه العوامل التاريخية, فمصر من الدول القليلة فى المنطقة العربية الإسلامية ذات الكيان الواضح والمتماسك والمستقل نسبيا عما حوله, بل هى تقوم وسط بحر من الفسيفساء المحيط بها من كل جانب. وهذا هو أساس ظهور نزعات قطرية انعزالية تدعو إلى (مصر أولا) أو (فرعونية مصر)، وهذا هو أسوأ فهم وتعامل مع تاريخ مصر، لأن كل ما أشرنا إليه يفيد فى توضيح الدور القيادى والحضارى لمصر فى منطقتها, ولا يفيد الانعزال أو العنصرية أو التعالى، فكل هذا يعود بالوبال على مصر, فمصر فى كل مراحل قوتها وازدهارها الحضارى لم تكن معزولة عن محيطها الشامى (كانت تسمى بلاد الشمال) أو الأفريقى.

تماسك وانسجام النسيج المصرى من الحالات الفريدة بين الأمم، وهى لم تعرف صراعات دينية أو مذهبية أو عرقية إلا بصورة هامشية حدثت أساسا بسبب التدخلات الأجنبية, وفى وجود حكم أجنبى كإبادة الحكم الرومانى للمسيحيين المصريين.

ونحن أمام كتلة واحدة فى الوقت الحاضر, أغلبيتها الساحقة مسلمة شافعية (مع قلة مالكية), والأقلية المسيحية أغلبيتها الساحقة تنتمى إلى الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وعندما جاء الرحالة الأوروبيون فى العصر الحديث لم يعرفوا كيف يميزون بين المسلم والمسيحى, لوحدة العادات والتقاليد بينهم حتى لقد قال أحدهم: (إن المسيحيين مسلمون يصلون فى الكنيسة يوم الأحد!). ولكن فى العقدين الأخيرين ظهرت مشكلة طائفية حقيقية، وطارئة، وغريبة عن تاريخ مصر وسنتطرق إليها فى فصل لاحق.

تماسك وانسجام ووحدة النسيج المصرى، يؤهلها للعب دور قيادى، كمغناطيس حضارى قادر على جذب الشتات العربى والإسلامى والأفريقى المحيط بها، وهذا دور تاريخى يتعين على مصر أن تقوم به لصالحها, ولصالح الإقليم المحيط بها, ولأن مصر بلد بطبيعته محورى فى إقليمه، ومن ثم فى العالم، فإذا لم تقم مصر بهذا الدور، فإن قوة أجنبية ستوظفها وتستخدم مكانتها لصالح هذه الأطماع الأجنبية، وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية حاليا مع مصر، حيث أصبحت مجرد حلقة أساسية فى إطار الإستراتيجية الأمريكية فى منطقتنا.

وهكذا فإن رؤيتنا بضرورة إحياء الحضارة العربية الإسلامية، لا يعنى أن ننظر إلى مصر كبلد من البلدان، ليس لأنها وطننا فحسب، بل لأن هذا الوطن له دور متميز وقيادى فى مشروع النهضة العربية والإسلامية. إننا مسئولون فى المحل الأول عن استنهاض بلادنا، وانتشالها من حالة التدهور التى تنحدر فيها فى العقود الأخيرة، النهضة المصرية مطلوبة فى حد ذاتها, لأن من لا يصلح بيته لن يصلح العالم من حوله. وواجب أى حزب أو حركة سياسية فى مصر أن تضع على قمة أولوياتها، استعادة مصر لمكانتها، واستعادة شعب مصر للحياة الحرة الكريمة، واستعادة التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وإعادة مصر من جديد إلى مجرى النهضة والحضارة، حيث أصابنا ما أصابنا من الخروج من المنافسة، وسبقتنا عشرات الأمم فى مختلف القارات ونحن نيام.

طموحاتنا كبيرة، وآمالنا عريضة تجاه حالة الصحوة والمقاومة التى تنتاب الأمة العربية والإسلامية، ولكن دورنا سيبقى فى المحل الأول استعادة مصر المختطفة، مصر التى اختطفها الحلف الصهيونى الأمريكى.

*****

مثال توضيحى: الشخصية المصرية موضوع طويل ومتشعب, وهذه رسائل مكثفة، وللتوسع يمكن قراءة مقدمة موسوعة تاريخ مصر لأحمد حسين, والدراسة المهمة للدكتور جمال حمدان (شخصية مصر) دون أن يعنى موافقتنا على كل ما جاء فيها، ولكن قراءتها مهمة لمن يريد أن يتوسع فى فهم الشخصية المصرية. ولكن نتوقف الآن عند مثال توضيحى لأحد خصائص ما نسميه (الشخصية المصرية)، فالشعب المصرى منذ فجر التاريخ لم يكن لديه أى ميل عنصرى، بل لم يكن يُعنى بأن يكون الحاكم مصريا أصيلا (بالدم) بقدر ما يُعنى بأن يكون حاكما عادلا ومتبنيا للعقائد المصرية. فمنذ وقت مبكر عرفت مصر حكاما من أصل نوبى (سودانى) وعرفت حكاما من أصل ليبى، وإن كان تقبلهم للنوبى أكثر من الليبى. وتقول بعض كتب التفسير إن الملك العادل الحكيم فى عهد سيدنا يوسف، كان من الهكسوس (أهل الشمال أو الشام). ولم تكن ثورات الشعب ضد المماليك بسبب جنسهم, ولكن بسبب ظلمهم، وعندما وجد الحاكم العادل أو المجاهد ضد الصليبيين أو التتار كانوا يلتفون حوله (سيف الدين قطز على سبيل المثال)، ولا يزال المصريون وحتى الآن يعتبرون أن صلاح الدين الأيوبى كان أفضل حاكما لمصر وهو كردى. وقد ثار الشعب المصرى لتنصيب محمد على حاكما رغم علمه بأصله الألبانى (من مقدونيا)، وفى أحدث العصور لم يعر المصريون انتباها إلى أن اثنين من أربعة رؤساء جمهورية حكموا مصر بعد 23 يوليو 1952 كانا من أصل سودانى (محمد نجيب(1)محمد أنور السادات) ورغم الجدل حولهما إلا أن أحدا لا يثير هذا الموضوع كأساس للتقييم، ولم يعر أحدا انتباها لما كتب الأستاذ هيكل عن أن والدة أو جدة السادات كانت أمة سودانية (ست البرين). فما يشغل المصريون هو العدل وليس الأصل العرقى، كما أن المصرى لا يعرف حكاية التمايز العرقى، فالمصريون بشخصية واحدة من الأسمر الفاحم السواد فى أقصى الجنوب حتى الأبيض والأشقر فى أقصى الشمال. ولا ينشغل المصريون بالدماء التركية أو العربية التى تسرى فى دماء هذه الأسرة أو تلك، وإن كان البعض يفتخر بأصوله العربية من الجزيرة العربية لأسباب دينية.

ولا شك أن هذا الموقف يسرى على كثير من البلدان العربية والإسلامية, حيث كانت الحدود مفتوحة, والتنقل واسع بين بلاد العرب والمسلمين، ولكنه لا يرتفع إلى واقع وممارسة المجتمع المصرى حيث يعد من الأكثر تبلورا فى هذا المجال، كما أن هذا الموقف الحضارى بدأ كما ذكرنا قبل العهد الإسلامى الذى دعا لإلغاء التفرقة بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الدين. ومن ناحية أخرى فإن الشعب المصرى كان لا يتفاعل إلا مع الحاكم (من أصول غير مصرية) الذى يتحول إلى مصرى صميم، ويعنى بالوطنية المصرية قولا وفعلا، ويقيم علاقاته الخارجية على أساس أنه مصرى ويمثل مصر. ونفس الشىء ينطبق على أى مواطن عربى أو مسلم أو يونانى أو من أى جنسية يستوطن فى مصر، فهو يتحول إلى مصرى، والمصريون يعتبرونه مصريا، بغض النظر عن حالة أوراقه الرسمية.

مصر الجاذبة (لا الطاردة), مصر المستقرة المتلاحمة المتسامحة التى لا تعرف التعصب العنصرى أو الدينى أو القومى، هى أكثر بلدان العرب وبلدان المنطقة الإسلامية والأفريقية، قدرة على القيام بدور قيادى يسعى للتلاحم والتقارب والتعاون. كما تفعل الصين فى جنوب شرقى آسيا، وكما تفعل البرازيل فى أمريكا اللاتينية. بل إن مصر هى البلد الوحيد الذى يمكن أن يوحد الأمة العربية, لسبب بسيط، فهى البلد العربى الوحيد المتواجد فى أفريقيا وآسيا، وهمزة الوصل الوحيدة بين الجناح الآسيوى والجناح الأفريقى للأمة العربية. ولولا الفتح العربى لمصر لما وصل الإسلام سريعا إلى أقصى المغرب, ومن ثم إلى الأندلس.

ولم يكن من قبيل الصدف أن مصر هى التى وجهت ضربات متوالية للغزوات الصليبية، حتى الانتصار الحاسم فى حطين، وأن مصر هى وحدها التى استطاعت وقف الإعصار المغولى من شرق آسيا حتى الشام. وعبر التاريخ كانت أى قوة عالمية صاعدة أو مهيمنة تدرك أن مصر هى جوهرة الشرق, التى يجب الاستيلاء عليها لفتح الشرق كله. ويرجع ذلك لكل سمات الموقع والموضع، وعوامل الاستقرار والحضارة والرخاء (الزراعة). لذلك وعبر كل مراحل التاريخ: اسأل من يسيطر على مصر؟ وستعرف من الإجابة من يسيطر على العالم؟! ولكن هدفنا الأسمى أن تكون مصر للمصريين, وهذا يجعلها قوة إقليمية وعالمية مقدرة, ولكننا لا نسعى للهيمنة على العالم!

(4) العروبة والإسلام

الفتح العربى الإسلامى لم يكن استثناءا فى تاريخ مصر وحدها, بل فى كل البلاد العربية، فهو لم يكن احتلالا أو عدوانا, ولا محاولة للاستيلاء على ثروات أمم أخرى، ولا محاولة لفرض العقيدة الإسلامية بالقوة، بل كان فى مضمونه فتح الطريق للدعوة الإسلامية فى هذه البلدان والتخلية بين هذه الشعوب وخياراتها العقائدية، دون إكراه. وكان الفتح العربى فى مضمونه صراعا مسلحا مع القوة الرومانية المحتلة لهذه البلدان، وليس مع شعوب المنطقة، بل إن تعاطف الشعوب مع القادمين العرب وبسمعتهم التى سبقتهم فى التسامح واللين والعدل والإحسان والزهد فى الحياة الدنيا، تعاطف الشعوب فى بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا هو الذى سهل الفتح العربى الذى حقق إنجازات كبرى فى مواجهة قوة عظمى (كالإمبراطورية الرومانية) فى سنوات قليلة.

كان الوافد الأخير الذى غير الشخصية المصرية من خارجها هو الدين، ورغم أن تاريخ مصر شهد الرسل والأنبياء إلا أن الراية كانت قد سلمت للسيد المسيح عليه السلام، والذى سلمها بدوره لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا فإن آخر رسالتين من السماء لم تنشأ فى مصر, ولكن على حوافها وارتبطتا بمصر بأواصر شتى. ومن الطبيعى أن تتلقفهما مصر المتدينة، فأول صفة فى الشخصية المصرية هى التدين، والسائد فى هذا الحديث ما يقال كثيرا عن العقائد الفرعونية والتى حتى وإن أخذت شكل تعدد الآلهة والشرك، إلا أنها كانت تؤمن بالحياة الآخرة إيمانا يقينيا انعكس فى كثير من الممارسات التى نرى آثارها حتى الآن من تحنيط ووضع احتياجات الميت معه، وبناء المعابد والمقابر بالأحجار، وبناء القصور الملكية وبيوت المواطنين بالطين، ولذلك لم تبق لنا إلا المعابد والمقابر. ولكن الدين الحق دين التوحيد لم يأخذ حقه لدى المؤرخين والأثريين الذين اهتموا بالتاريخ المصرى القديم، ونحن نعلم يقينا ومن نص القرآن نشأة سيدنا موسى عليه السلام فى مصر, ودوره مع الفرعون, وهذه أكبر قصة فى القرآن الكريم (تمثل جزءا من 14 جزءا من القرآن الكريم)، ونعلم قصة سيدنا يوسف، كذلك تشير الروايات إلى ارتباط إدريس وأيوب بمصر, ونعلم بمرور سيدنا إبراهيم بمصر وزواجه من هاجر.

مصر إذن ركن أساسى للدين والتدين فى المنطقة, بل فى العالم بأسره. ويطابق المسيحيون المصريون بين تاريخ كنيستهم ومجىء أحد حواريى المسيح لمصر، ورغم أن المسيح كان شاميا أو فلسطينيا, إلا أن الشعب المصرى هو الذى حمل لواء العقيدة، ولم يشهد الشرق مذابح بنفس الحجم والنطاق التى مارسها الرومان الوثنيون على المسيحيين المصريين, والعجيب أن مذابح أخرى لا تقل هولا قد مارسها الرومان على المسيحيين المصريين بعد إعلان روما تبنى المسيحية، ولكنها تبنت المسيحية بمذهب مختلف, وأرادت فرضه بالقوة على مسيحى الشرق. ولم ينعم المسيحيون فى مصر بحرية العبادة إلا فى العهد العربى الإسلامى. ولم تصبح غالبية الشعب المصرى مسلمة إلا فى العام 254 الهجرى (فى عهد أحمد بن طولون) (موسوعة تاريخ مصر أحمد حسين دار الشعب مصر الجزء الثانى الطبعة الأولى – 1973 – ص 500), وهذا أكبر دليل على أن التحول للإسلام تم بصورة طوعية وتدريجية، وهذه ممارسة لم تكن معروفة فى العالم (خاصة فى أوروبا)، فقد كانت القاعدة أن (الناس على دين ملكهم) ومن لا يدخل دين الملك يُقتل!

كذلك فإن التحول للغة العربية تم بصورة تدريجية، وقد كان انتشارها أساسا فى مواجهة اللغة اليونانية.

وكان التدفق العربى الأهم هو تدفق أفراد وشرائح من قبائل عربية، والتى انداحت فى مصر ثم فى شمال أفريقيا، وهذا ما صنع حالة فريدة من الغسيل والتمازج العرقى بين العرب وأهالى البلدان العربية (أو التى أصبحت عربية)، ولا شك أن التاريخ يسجل هجرات عربية قبل الإسلام، ولكنها لم تكن واسعة النطاق، ولم تكن تحمل رسالة، لذلك لم تترك بصمات تاريخية مؤثرة يمكن مقارنتها بالفتح العربى الإسلامى الذى أدخل المنطقة فى مرحلة جديدة تماما. وبعد أن كانت العروبة قاصرة على الجزيرة العربية، وأطراف الشام والعراق تمددت لتمثل ما نسميه الآن الوطن العربى، وقد كان الإسلام هو خالق وموجد القومية العربية، وهذه علاقة فريدة بين نشأة قومية ودين محدد، وكانت اللغة العربية الأداة الموحدة. وهذا العرض التاريخى المختصر يوضح النشأة الطبيعية المتداخلة بين مصر والعروبة والإسلام، فنحن لا نصطنع نظريات فى المعامل أو الغرف المغلقة، بل هذه الوشائج نسجت على أرض الواقع, وعبر قرون متواصلة من الزمان، فكما حملت مصر لواء المسيحية، حملت لواء الإسلام, وعلى مدار مئات الأعوام كانت الركن الركين الذى صد غزوات الصليبيين حتى هزيمتهم، ومصر من دون العالمين هى التى أوقفت المد المغولى الجاهلى.

مصر التى اختارت المسيحية ثم الإسلام، مصر المتدينة وجدت نفسها فى الرسالات السماوية، ووجدت أهم ما فى شخصيتها وهو البحث عن الله، وعن الغيب وعما وراء الطبيعة، وما وراء الموت. مصر التى كانت دائما مهمومة بهذا السر الإلهى، بهذه الحقيقة الأولى والعظمى التى تهون دونها باقى الحقائق والموضوعات والمسائل. لم يفرض عليها أحد عقيدة المسيح، بل هى دخلت مصر بدون جيوش ولا قوات ولا دول, دخلت عبر مرقس الاسكافى (من حواريى المسيح)، ومصر لم تدخل الإسلام عبر جيوش جرارة، بل جاء عمرو بن العاص ومعه 4 آلاف جندى, ولولا تعاون المصريين معه ما تمكن من هزيمة الرومان بهذه السهولة. وقد كان الباعث المباشر لفتح مصر، تأمين الشام التى حررت من الرومان، خوفا من قيام الرومان بإعادة غزوها من قواعدهم فى مصر. ورأينا كيف كان التحول للإسلام بطيئا (طبيعيا).

مصر إذن وجدت نفسها فى المسيحية ثم فى الإسلام. ومصر أصبحت عربية اللسان والثقافة والشخصية, بل قائدة فى محيطها العربى، ولذلك فإن الوحدة العربية هدف منطقى وبديهى، فأى دولة لا تعيش إلا فى محيطها الطبيعى، وقد سعت البشرية دوما إلى التجمعات الكبيرة وليس فى العهد الحديث فحسب، لأن المجتمع الأكبر يعنى ثروات وإمكانيات أكبر وقوة أكبر. ولكن التوسع الاستعمارى عبر الاغتصاب والقهر لقوميات وأمم أخرى كان مآله الفشل، أما التوسع على أساس ضرب التجزئة وتوحيد القومية الواحدة، فهو الذى يستقر وينجح، فالوحدة الألمانية والإيطالية استقرت ونجحت. وكذلك الوحدة الصينية التى تحكمها قومية كبرى أساسية.

وقد عاشت الأمة العربية منذ صدر الإسلام فى أغلب الأحوال موحدة تحت راية دولة واحدة، وربما تعرضت للانقسام إلى دولتين أو أكثر، ثم يعاد توحيدها من جديد. ومن مصلحة مصر والعرب إعادة بناء هذه الدولة العربية الموحدة مستفيدين من خبرات البشرية فى إقامة نظم اتحادية وكونفدرالية ومختلف أشكال التوحد الاقتصادى. ورغم أننا نسعى للوحدة الإسلامية أيضا عبر مختلف هذه الأشكال، ولنا فى تحالفات الغرب عبرة (الناتو الإتحاد الأوروبى النافتا مجموعة السبعة)، إلا أنه من المنطقى والطبيعى أن تكون الوحدة العربية أسهل وأقرب، ليس بسبب الجوار الجغرافى الذى يكاد يشكل وحدة جغرافية مكتملة متصلة دون انقطاع، ليس بسبب التواصل الجغرافى فحسب، ولكن أيضا وأساسا بسبب اللغة والثقافة المشتركة والوحدة الدينية للأغلبية الساحقة، والتاريخ المشترك، ووحدة المصير والتحديات المشتركة فى العصر الراهن.

ومما يؤسف له أن الدول العظمى أقل انسجاما منا بكثير من حيث التوحد القومى, ولكنها أنشأت وحدة مستقرة: الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد السوفيتى الذى تحول الآن إلى الاتحاد الروسى الصين الهند بالإضافة لنزعة التوحد من خلال التجمعات الاقتصادية فى جنوب شرقى آسيا وفى أمريكا اللاتينية. وبالمقارنة بكل هذه الدول والتجمعات، فإن الوطن العربى هو الأكثر انسجاما بما لا يقاس إلى حد انتمائه لقومية واحدة هى القومية العربية بنسبة 95% من السكان.

إن عدم إقامة وحدة عربية هو أكبر تبديد وتحطيم لحاضر ومستقبل وإمكانيات هذه الأمة، ولا شك أن القوى العظمى فى العالم لا ترحب بذلك، لأن الوحدة العربية ستؤدى إلى إقامة دولة عظمى جديدة تحافظ على ثرواتها وتنميها لمصلحتها، وتبعد القوى الخارجية التى تنهبها، بل تزاحمها فى أنحاء العالم المختلفة.

والدائرة الإسلامية الأوسع التى تمتد حتى إندونيسيا شرقا. هى الهدف التالى والموازى فى نفس الوقت لبلادنا. فمصر بموقعها وثقافتها وحضارتها أحد الأركان الأساسية للعالم الإسلامى. ولا تقوى مصر إلا بتقوية روابطها مع العالم الإسلامى (بعد العربى) ونتيجة لحالة التدهور الاستثنائى التى تعيشها مصر، فقد سبقتنا إيران وتركيا وسارتا فى هذا الطريق. ومن الملفت للانتباه أن تركيا فى عهد نجم الدين أربكان هى التى طرحت فكرة الثمانية الكبار كنواة لسوق إسلامية مشتركة (تركيا مصر إيران إندونيسيا نيجيريا باكستان ماليزيا بنجلادش) واقترحت إصدار عملة جديدة (الدينار الإسلامى)، ولكن النظام المصرى استجاب لهذه المبادرة بصورة شكلية. وتركيا الآن تقوم بتنفيذها بصورة عملية من خلال إلغاء التأشيرات وخلق أسواق مشتركة: مع الأردن ولبنان وسوريا والعراق وإيران وليبيا. والحقيقة فإن تركيا وإيران وماليزيا تعمل فى هذا الفضاء بانطلاق وتوسع غير عادى، لأن المنطقة: العربية والإسلامية منطقة فراغ، لا توجد بها تكتلات اقتصادية حقيقية، أما باقى الأمم والقارات فهى منتظمة فى تجمعات إقليمية جادة على أسس سياسية واقتصادية.

الوحدة العربية والإسلامية فريضة من الناحية العقائدية الإسلامية، ولكنها فى ذات الوقت هى عين وذروة المصلحة لمصر وللعرب والمسلمين، وسنجد دائما فى هذا البرنامج الإسلامى هذا التزاوج الطبيعى بين ما يدعو إليه الإسلام وما هو مصلحة دنيوية وأفضل الحلول العملية. فالجميع يتحدث الآن عن التكتلات الكبيرة باعتبارها صيحة العصر. وهذه دعوة الإسلام منذ أكثر من 14 قرنا، وأقيمت الدول العربية الإسلامية العظمى فى مواجهة إمبراطوريات الغرب والشرق. وكانت هى القوة الاقتصادية العالمية الأولى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

وبطبيعة الحال فإن الأمة التى لا تتوحد ولا توحد قواها تداس بالأقدام، ولذلك تجد المنطقة العربية من أسوأ مناطق العالم فى مؤشرات التنمية، وكذلك معظم البلاد الإسلامية عدا بعض البلدان الرائدة التى أشرنا إليها. ومفهومنا للوحدة العربية والإسلامية يتسع لكل أشكال الوحدة والاتحاد, ولا يلغى الشخصيات الوطنية أو القومية للبلدان والأمم، وهى فى كل الأحوال لن تكون دولة مركزية صارمة، بل ستتسم بطابع اللامركزية فى العديد من المجالات، وأشكال الوحدة والتوحد والاتحاد فى الغرب تقدم لنا خبرات معاصرة مهمة تؤكد وحدة الإرادة السياسية فى القضايا الكبرى، والتنوع الشديد فى السياسات المحلية داخل كل بلد على حدة.

ولابد أن نؤكد أن مفهوم الوحدة العربية والإسلامية لا يعنى بالضرورة التطور السُّلمى، أى توحيد كل البلاد العربية أولا، ثم توحيد البلاد الإسلامية ثانيا، فعملية التوحد قائمة بالأساس على انتزاع حرية اتخاذ القرار وممارسة الإرادة السياسية (الاستقلال) والدول التى تحقق ذلك يتعين عليها أن تتقارب بصورة أكبر وأسرع، وقد تنشأ الوحدة بين دول عربية ودولة إسلامية قبل أن تنشأ الوحدة بين بلدين عربيين, وتجارب الواقع أثبتت ذلك، فها نحن نرى تشابك العلاقات ونموها بين سوريا وتركيا وإيران بصورة أكبر من العلاقات بين الدول العربية وبعضها البعض.

إن رؤية حزب العدالة والتنمية التركى فى مجال خلق السوق الإسلامى والسوق العربى الإسلامى المشترك فى المجال الاقتصادى، حتى فى ظل وجود الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية والإسلامية باعتبار أن المصلحة الاقتصادية المشتركة مصلحة إستراتيجية للجميع فى حد ذاتها، كما أنها ستساعد على التقارب السياسى على المدى الأطول. هذه الرؤية هى الرؤية التى يروج لها حزب العمل فى مصر منذ سنوات طويلة، ولكن حكام البلاد اختاروا الانحياز البليد لأمريكا وأوروبا كتابع يقوم بتصدير بعض المواد الأولية. والواقع أن تركيا التحقت كما ذكرنا بالخط الذى تنتهجه إيران وماليزيا فى هذا المجال.

وهكذا فإن رؤى وأفكار حزب العمل تحققت فى الواقع العربى الإسلامى، وبصورة متزايدة. أما تخلف النظام المصرى عن مواكبة هذا الاتجاه التوحيدى العربى الإسلامى فهو يؤكد صواب وجهة نظرنا, لأن السياسية الرسمية المصرية أدت إلى المزيد من خروج مصر من المنافسة الحضارية العالمية، بينما أصبحت بلدان مثل تركيا وإيران وماليزيا فى بؤرة العراك الاقتصادى والحضارى والعالمى.

إن الصراع بين الأمم صراع لا يعرف الهوادة، ولن تساعد أمة أمة أخرى كى تسبقها، لذلك فإن قوة كل أمة تكمن أساسا فى توحيد قواها الخاصة، وتفجير طاقات الإبداع من داخلها وتعاون الأخوة والأقارب لمواجهة منافسة الآخرين، حتى تتمكن من الوصول إلى علاقات دولية عادلة فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.

وهكذا كما ترون نحن لا نسعى لهندسة فكرية فى الفراغ، ولكننا نهندس الوقائع القائمة بالفعل على أرض الواقع.

(5) مصر والسودان.. علاقة متميزة

امتدادا لما سبق ذكره عن تاريخ مصر ووضعها المتميز وصلتها العضوية بالعروبة والإسلام، تتميز رؤية حزب العمل عن باقى الأحزاب والتيارات السياسية بالاهتمام الخاص بعلاقة مصر بالسودان. كدائرة خاصة وأولى قبل الانطلاق للدائرتين العربية والإسلامية. بل إننا نرتفع بهذه الرؤية إلى اعتبار أن مصر والسودان بلد واحد. وقد كانت هذه رؤية الحركة الوطنية قبل 23 يوليو 1952، وكانت رؤية الدولة ككل, فقد كان ملك مصر اسمه ملك مصر والسودان. وظل حزب العمل هو الأمين لهذه الرؤية استنادا لأعماق التاريخ. (راجع تفاصيل هذا الموقف فى كتابنا: مصر والسودان), وقد لا يلقى هذا الطرح استجابة سهلة من السودانيين والمصريين بعد 60 عاما من الانفصال، ولكن برنامجنا لا يقوم على أساس ما يشعر به الناس الآن، إنما يقوم على أساس تصور مبدئى لفكرة العروبة والإسلام، وأن الاندماج الوطنى بين بلدين أو أكثر يسهل ويساعد على تحقيق هذه المهمة الكبرى، شريطة أن يكون الاندماج الوطنى له أساس تاريخى ونفسى وعقائدى, وشريطة أن يتم ذلك بصورة طوعية, وباقتناع شعبى متبادل، وبالتالى فنحن نعلم أن مهمتنا ليست سهلة فى هذا المجال بعد تنمية عوامل الفرقة والابتعاد بين البلدين، ولكننا نخاطب فى الشعبين المصلحة المشتركة الأكيدة، والمشاعر المتبادلة، والحب المتبادل بينهما.

والحقيقة فإنه لا فارق حقيقى بين محافظتى قنا وأسوان والسودان، فالناس هم نفس الناس بطبائعهم وملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم وصلات الرحم بينهم ولون البشرة واللهجة, وهذا ينطبق أكثر بطبيعة الحالة على أسوان. والحقيقة فإن الجنادل (الصخور) التى تعترض مجرى نهر النيل أو ما يسمى الشلالات هى السبب الأساسى فى عدم الاندماج الكامل بين البلدين, وليس التمايز السكانى أو أى اعتبار آخر.

مساحة السودان تعادل مرتين ونصف مساحة مصر, مع ملاحظة إن معظم هذه المساحة مأهولة بالسكان أو قابلة للتوطن فيها, فالصحراء السودانية أقل بكثير من مساحة الصحراء المصرية التى تغطى 96% من مساحة مصر!

السودان أكبر دولة أفريقية، وهو يعج بالثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية، التى تكفى احتياجات ليس مصر والسودان فحسب, بل كل العرب والمسلمين, مع التصدير للخارج. ومصر تمتلك دولة مركزية قوية ولكنها تملك ثروات أقل، ولن نقول أن مصر تمتلك الخبرة، فلدى السودان الآن خبراء فى مختلف المجالات، ولكن قد يكون المقصود خبرة العمال الماهرة فى الزراعة والمجال الحرفى والصناعى. وإن تكامل مصر والسودان من شأنه قيام دولة إقليمية كبرى وقائدة. ولذلك سعى الغرب باستمرار لوضع حواجز بين مصر والسودان، وبين شمال وجنوب السودان، سواء فى العهد البريطانى أم فى العهد الأمريكى الحالى. وقد أدى التوجه الإسلامى لنظام الإنقاذ إلى نفور النظام المصرى منه فى أول الأمر، مما ساهم فى التباعد أكثر بين البلدين, أما التقارب الذى جرى فى السنوات الأخيرة فقد كان ولا يزال خجولا محدودا، وأيضا جاء متأخرا، فالسودان الحديث الذى قامت حدوده الحالية فى ظل دولة محمد على التى وحدت مصر والسودان، هذه الحدود معرضة الآن للتمزق باستفتاء انفصال جنوب السودان، وباستمرار حركات التمرد فى دارفور, بالإضافة لبعض البؤر المتناثرة بين الشمال والجنوب (ابييه وبعض مناطق كردفان كمثال) ولا شك أن حديثنا عن ترابط مصر والسودان نعنى به الشمال أساسا وهو يمثل 75% من السكان والأراضى، وعلى أساس أن مهمة الشمال هى جذب الجنوب إلى القاطرة، بالوسائل الشعبية والسلمية, ومن الواضح أن مصر لم تقم بدورها التاريخى, ليس فى السنوات الأخيرة فحسب, ولكن منذ عام 1952, وقد كان فى ذلك خسارة للطرفين، فها هو السودان يتعرض للتمزق، وهو أمر يضعف من الكيان المصرى عندما تكون هذه هى أحوال حدوده الجنوبية، ومن حيث يأتيه نهر النيل, وعندما نصل إلى رؤيتنا الاقتصادية سندرك أن حل مشكلات مصر الاقتصادية لا يمكن أن يتحقق بصورة واقعية بعيدا عن السودان, خاصة فيما يتعلق بالمجالات الزراعية والحيوانية والمائية والسكانية, والمثير للعجب أن السودان فى كل العهود لم يكن حجر عثرة أمام أى تعاون مع مصر، ولكن مصر الرسمية هى التى كانت تبتعد عن السودان خوفا من مشكلاته الداخلية العديدة، وأيضا لتخلف فى الرؤية الإستراتيجية، وتصور أن الارتماء فى أحضان الغرب هو الذى سيحل مشكلاتنا الاقتصادية!!

ما لم تقم به مصر من 1952-2010 هو برنامجنا، وهو اعتبار توثيق العلاقة مع السودان (أو دولة السودان الشمالية المحتملة 2011) أولوية قصوى فى الخطة الوطنية، وأن تلقى مصر بثقلها فى هذا المجال، للحفاظ على وحدة شمال السودان أولا، ثم الاستعادة التدريجية لجنوب السودان كهدف أبعد، لأن استقلال جنوب السودان يتم بمؤازرة غربية صهيونية، ولم يكن بإمكان الخرطوم وحدها أن تقاوم هذا المخطط.

ويتصور النظام الحاكم فى مصر أنه داهية ومكار حين يقيم علاقات ودية مع دولة جنوب السودان، ولسنا ضد ذلك فى إطار تقليل الخسائر، ولكن دولة جنوب السودان ستولد مرتبطة عضويا بإسرائيل وأمريكا والغرب, ولن تسير فى ركاب حكومة مصر, لأنها بنت لها مدرسة أو مستشفى!! فهذه العلاقة العضوية مع الغرب موجودة بالفعل وبدأ نسجها منذ 1955 مع أول تمرد فى الجنوب.

ولا يمكن استيعاب مشكلة جنوب السودان إلا فى إطار فهم المخطط الغربى لوقف انسياب الإسلام من الشمال إلى الجنوب، لأن الإسلام هو الرابط الأسمنتى الذى يمكن أن يوحد السودان، وإذا استقر الإسلام فى جنوب السودان فسيعزز هذا الوجود الإسلامى فى وسط وشرق القارة الذى يتراوح بين 40-60% من السكان من بلد لآخر. وقد أصبح السودان معقلا مهما للإسلام خاصة بعد قيام نظام الإنقاذ 1989، وكان مرشحا لترويج الرؤية الحضارية والسياسية للإسلام فى محيطه الأفريقى, وكان لابد من إيقافه بأى ثمن، فكانت الحروب التى شنتها أوغندا وأثيوبيا وكينيا على جنوب السودان, تحت غطاء التمرد الجنوبى ودعما له. وكانت كل إمكانيات أمريكا وإسرائيل والغرب والتجمعات الكنسية الغربية تحت أمر التمرد. والتنازلات التى قدمها النظام السودانى فى نيفاشا كانت تحت ضغط الاستنزاف الحربى المستمر فى أوحال المستنقعات والغابات فى الجنوب.

وكثيرا ما يتم ترويج أن الجنوب مسيحى, فى حين أن آخر إحصاء رسمى قام به الإنجليز يقول أن سكان الجنوب: 20% مسلمون – 20% مسيحيون – 60% وثنيون. فآخر إحصاء يقول بتساوى عدد المسلمين والمسيحيين. وهو إحصاء قديم لم يعد بالإمكان التعويل عليه: ولكن لا يعنى ذلك إطلاق أحكام جزافية كالقول بأن الجنوب مسيحى. فهناك مؤشرات عكسية, حيث سعت الحركة الإسلامية فى الشمال لتوسيع نشاطها فى الجنوب، كما أن وجود أكثر من مليون جنوبى فى الخرطوم أدى إلى انتشار الإسلام بينهم. والمنافسة الحقيقية ليست بين الإسلام والمسيحية، ولكن بين انتماء جنوب السودان لأمته الأفريقية المستقلة، أو استمرار خيار التبعية للغرب، وقد أصبح مشروع الاستقلال الأفريقى مرتبطا بالإسلام، لا كراهية أو رفضا للمسيحية، ولكن لأن المسيحية لا تطرح مشروعا ذا طابع حضارى شامل: سياسى اقتصادى اجتماعى.

باختصار شديد فإن استقرار خاصرة مصر الجنوبية لن يتحقق بدون انتشار الإسلام، ودمج الجنوب فى الشمال على أساس طوعى، وهذه خطة صريحة ومعلنة تستند إلى العمل الدعوى السلمى، وإقامة علاقات تعاون وتبادل منافع مع أهل الجنوب. وهذا ليس دخولا فى منافسة مع التبشير المسيحى, وإن كان التنافس السلمى لا عيب فيه، ولكنه تبنى لموقف ضد المشروع الاستعمارى الغربى الذى يستخدم من ضمن ما يستخدم مسألة الدفاع عن المسيحية فى أفريقيا! بل على النقيض من ذلك فإننا ندعم أى نظم أو حركات أفريقية مسيحية أو علمانية تحمل مشروعا استقلاليا أفريقيا.

وهكذا فقد أصبحت استعادة الجنوب مسألة أبعد، أما المسألة الملحة، فستظل فى علاقتنا مع شمال السودان لمنع المزيد من تفتته، وتنمية ثرواته وصد المؤامرات الغربية عنه (المحاكمة الجنائية للرئيس السودانى)، وتطوير المشروعات الزراعية والتنموية معه.

من المثير للسخرية أن نتحدث عن غزو الصحراء فى مصر، ويوجد فى السودان 200 مليون فدان صالحة للزراعة (كل ما تملكه مصر 6 مليون فدان) الأرض فى السودان خصبة وتتمتع بالطمى الذى حرمنا منه بسبب السد العالى، والإنتاج الزراعى سيكون من الحصة المائية للسودان، والمنتجات تغطى احتياجات مصر والسودان, ولتكف مصر عن الصراخ فى مجال اعتمادها بنسبة 60% من غذائها على الاستيراد من الخارج, بل ستؤدى هذه المشروعات إلى فائض للتصدير للعرب والمسلمين والعالم.

وبعد أن أصبحت مصر بيئة طاردة (وليست جاذبة) للسكان لأول مرة منذ نشأتها، فإن حكامنا محدودى الأفق لا يفكرون إلا فى تحديد النسل, فى حين أن السودان بإمكانه استقبال ملايين المصريين، بل لقد دعا حكام السودان الحاليون إلى ذلك, ليستوطنوا ويعيشوا كمواطنين سودانيين، أو كمصريين مقيمين, وفى إطار فهمنا لدولة مصرية وسودانية موحدة فإننا نؤيد هذا الاتجاه، ونرى أنه سيحدث فى نهاية المطاف, ولكن بعد كثير من العذابات, لأن الحكومة المصرية لا تشجع ذلك فى إطار مخاوفها المرضية من النزعات الإسلامية فى السودان. فبعد انسداد فرص العمل فى الخليج والعراق وباقى الدول العربية، فإن السودان هو المجال المفتوح عمليا الآن للعمالة المصرية.

السودان هو الحل الوحيد لمصر لحل المشكلة الغذائية، وأيضا لحل مشكلة تكدس السكان حتى مستوى التعفن فى الوادى والدلتا, وهو الأمر الذى يعود فيفاقم المشكلة الغذائية بسبب التوسع فى البناء على الأرض الزراعية.

وتقول مصادر رسمية مصرية إن مصر يعيش فيها ما بين 2 إلى 3 ملايين سودانى، فهل يشعر بهم أحد؟! إنهم مندمجون فى المجتمع المصرى, ولا يشعر أحد بوجودهم كأجانب. هذا هو المؤشر الحقيقى للعلاقة بين الشعبين. كذلك لا يعرف كثير من المصريين أن تاريخ السودان القديم هو امتداد للتاريخ الفرعونى المصرى، وأنه يوجد بالسودان حاليا أقلية مسيحية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية المصرية.

ليبيا:

نرى أيضا أن النواة الأولى للوحدة العربية والإسلامية هى الثلاثى: مصر السودان ليبيا. ولا شك أن العلاقات التاريخية مع السودان أعمق وأشد وثوقا. ولكن ليبيا بحكم الجوار ارتبطت بمصر (خاصة برقة بشرق ليبيا) منذ فجر التاريخ, وفى كثير من الأحيان كانت جزءا من الدولة المصرية، وكما ذكرنا حكمنا بعض الليبيين فى فترة ما من تاريخ مصر القديمة. ولكن يبدو أن الفاصل الصحراوى (مئات الكيلومترات) كان أشد من شلالات النيل. ومع ذلك فإن الصحراء كانت واسطة لتنقل القبائل بين البلدين وتبادل التوطن, ولا شك أن النواة (مصر السودان ليبيا) نواة إستراتيجية, لأنها وسط الوطن العربى بالضبط، وستكون قوة عظمى إقليمية بالفعل, لتنوع إمكانياتها وتكاملها، كما أنها تتمتع بمزية التواصل الجغرافى الأرضى على خلاف مشكلة الوحدة مع سوريا فى ظل انقطاع جغرافى.

ويقوم هذا المشروع على أساس الإرادة المستقلة للدول الثلاثة، ومنذ سنوات كانت ليبيا والسودان هما المستقلتان عن الهيمنة الأمريكية، والآن انضمت ليبيا إلى مصر فى التبعية لأمريكا, وأصبح المشروع أكثر صعوبة, لأن أمريكا لا تؤيد أى تقارب عربى على أساس استقلالى.

على أى حال نحن نتحدث عن تصورنا البرنامجى، وما نسعى إليه على المدى الطويل, ولكن فى المدى القصير لابد من العمل على إلغاء التأشيرات بين البلدان الثلاثة، وإلغاء الجمارك، وتكوين سوق مشتركة بينها كما فعلت تركيا مع سوريا ولبنان والأردن!!

(6) الوضـع الـدولى

بما إننا تناولنا علاقة مصر بالعروبة والإسلام مع الإشارة بشكل خاص للعلاقة مع السودان, نستكمل الرؤية المحيطة بمصر فى العالم، حتى نعود ونتفرغ لرؤيتنا للإصلاح فى الداخل.

الوضع الدولى فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وضع موات لكل أمة تريد أن تنهض وبصورة مستقلة. فعندما يختل الوضع الدولى ويكون فى حالة انتقال من وضع إلى وضع آخر فإن هذا يضعف قبضة القوى المهيمنة, وتتاح الفرصة للأمم المستعبدة أن تنهض وتستقل بقرارها ومصيرها.

فبعد سقوط الاتحاد السوفيتى والمعسكر التابع له فى بداية التسعينيات من القرن الماضى تصور البعض أن هذا هو عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، وقد رفضنا ذلك فى حينه, وقلنا إن القوة الأمريكية الشاملة فى حالة تراجع, وإن العالم يتجه إلى حالة من التعددية الجديدة.

والآن أصبحت الصورة واضحة، فكل التقارير الإستراتيجية تؤكد استمرار تراجع الولايات المتحدة، وصعود الصين إلى المرتبة الاقتصادية الأولى عام 2020, بل لقد تغلبت على أمريكا الآن فى العديد من المؤشرات الاقتصادية، كتحقيق فائض فى الميزان التجارى، وتحول الصين إلى أكبر دائن لأمريكا, وتحول الصين إلى الدولة الأولى الجاذبة للاستثمار. كذلك وفقا للمؤشرات التجارية فإن الاتحاد الأوروبى سبق الولايات المتحدة النهوض الآسيوى فى جنوب شرقى آسيا تحول الهند إلى دول عظمى ظهور كتلة أمريكا اللاتينية ظهور نواة كتلة إسلامية سياسية واقتصادية (إيران تركيا سوريا ماليزيا السودان), استمرار سعى روسيا لاستعادة نفوذها وتأثيرها, ولكن ضمن خط متعرج وغير مستقر بين التوجه الأوروبى والتوجه الآسيوى, كل هذه مظاهر للتعددية الدولية الجديدة, وتؤكد كل الدراسات العلمية والمستقبلية أن القرن الواحد والعشرين هو قرن آسيوى, وأن أمريكا انتهى قرنها فى القرن العشرين، وتعيش الآن فى البواقى الأخيرة. وقد رفض كثيرون الاعتراف بهذا التحول نحو عالم أكثر تعددية, بسبب القوة العسكرية الأمريكية الطاغية التى لم تعد تنافسها قوة عسكرية مكافئة, والواقع أن روسيا لديها قوة عسكرية مكافئة, لكنها لا تزال تواصل تجنب الأزمات مع الولايات المتحدة, ويحكمها منطق المساومات أكثر من المواجهة, والواقع فإن الولايات المتحدة بدأت تقدم تنازلات لروسيا (فى عهد أوباما ميديفيديف) لاحتوائها قدر الإمكان: كتسكين أزمة جورجيا, وتأجيل الدرع الصاروخى, مع تقديم بعض الجوائز الاقتصادية, والتوقف عن تقويض دائرة النفوذ الروسى غربا وجنوبا.

كذلك فإن الصين من الناحية العسكرية تتقدم بشدة, وهى تملك أكبر جيش فى العالم، ولديها من ترسانة الصواريخ النووية ما يكفى لتدمير أجزاء واسعة من الولايات المتحدة. وتواصل الصين بناء ترسانتها العسكرية على مختلف المحاور, خاصة البحرية, مع نشر مزيد من القواعد فى آسيا. ولكن الصين تصارع الولايات المتحدة بطريقتها الخاصة الناعمة، فى المجال الاقتصادى, وتقتلع المكانة الاقتصادية الأمريكية يوما بعد يوم، وهى لم تكتف بغزو السوق الأمريكى, ولكنها غزت أسواق أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا وآسيا, وتحولت إلى مارد اقتصادى بكل معنى الكلمة، ثم تحولت إلى تصدير الاستثمارات, ثم تحولت إلى أكبر مستورد للنفط ومختلف المواد الأولية. والصين وإن ظلت تواصل تطوير بنيتها العسكرية، فإنها تتجنب الدخول فى أى استفزازات مع الولايات المتحدة فى أى مكان من العالم، إلا فى منطقة شرق آسيا، وقد حدثت أزمات متعددة ذات طابع عسكرى فى منطقة بحر الصين، ورسالة الصين للولايات المتحدة: إن هذه منطقتى وعليك مراعاة ذلك.

بالإضافة لذلك حدثت طفرة فى وضع الهند، وأصبحت فى مصاف الدول العظمى اقتصاديا (الدولة الرابعة) وعسكريا بامتلاك الترسانة النووية والصواريخ بعيدة المدى. وبين الهند والصين تكونت مجموعة نمور جنوب شرقى آسيا (الآسيان), وقد أصبحت قوة اقتصادية لا يستهان بها، حتى لقد أصبحت التجارة عبر المحيط الهادى (بين آسيا والأمريكتين) أكبر من التجارة عبر الأطلنطى (بين الأمريكتين وأوروبا) وفى أمريكا اللاتينية تحولت معظم القارة إلى موقف استقلالى عن الهيمنة الأمريكية، وبدأت تنشىء سوقها المشترك الخاص (الميركسور)، بالإضافة لظهور الإرادة السياسية المستقلة فى فنزويلا والبرازيل وبوليفيا وغيرها.

وفى أقصى جنوب القارة الأفريقية تقوم جنوب أفريقيا بتشكيل رأس لمجموعة اقتصادية أفريقية.

وقد لا يشعر كثيرون بكل هذه التطورات, لأن معظمها فى المجال الاقتصادى، وأن القوة العسكرية الروسية أو الهندية أو الصينية ليست فى حالة مواجهة مع الولايات المتحدة, بل كل من القوى الأربع تحاول أن تتجنب ذلك، باستثناء التماس العسكرى الذى حدث فى أزمة جورجيا، والتوترات المتقطعة بين الصين وأمريكا فى بحر الصين. ولكن لا يمكن لأى قوة عظمى أن تواصل هيمنتها على العالم فى ظل تراجعها الاقتصادى المتوالى. بل هذا ما حدث بالفعل, فالولايات المتحدة تراعى المراكز الاقتصادية المتصاعدة لكل هذه القوى الآسيوية واللاتينية, ولا تستطيع أن تملى أو تفرض عليها ما كان بإمكانها أن تفعله من قبل. كما أن تعاملها مع الهند يتم بصورة ندية متكافئة، بعد أن فرضت الهند نفسها على الساحة الدولية.

أما النمور الآسيوية التى نشأت أساسا فى إطار التبعية السياسية، فإن قوتها الاقتصادية المتصاعدة تمكنها من ممارسة إرادة مستقلة فى العلاقات الدولية.

أما اليابان فهى بعد أن تحولت إلى عملاق اقتصادى تحتل المركز الثانى فى العالم، تتجه إلى التراجع، بسبب إصرارها على الاستمرار فى لعب دور القزم السياسى التابع للولايات المتحدة. وتحول الاتحاد الأوروبى إلى عملاق اقتصادى يتعامل مع الولايات المتحدة بصورة ندية, خاصة فى الأمور الاقتصادية والتجارية, وبالمعنى الحرفى فإن الولايات المتحدة لا تمارس سطوتها الامبريالية التقليدية، إلا فى الوطن العربى وأجزاء واسعة من أفريقيا، وبعض البلاد المتناثرة هنا وهناك. وقد أكدت خبرة السنوات القليلة الماضية أن القوة العسكرية الأمريكية لا يمكن أن تغطى على التراجع العام للقوة الأمريكية فى شتى المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية, فكانت الهزائم والتجارب العسكرية الفاشلة فى العراق وأفغانستان, وتجارب الفشل للحليف الأصغر (إسرائيل) فى لبنان وغزة, أكبر دليل عملى على أن تراجع القوة الأمريكية أصبح مسألة واقع لا مراء فيه. (راجع التفاصيل فى كتاب أمريكا طاغوت العصر الطبعة الثالثة).

إذن لقد قام العرب والمسلمون من خلال مقاومة الاحتلال الأمريكى الصهيونى بعمل تاريخى, فقد هزموا القوة العسكرية العظمى لهذا التحالف, دون الاستناد إلى قوة عظمى أخرى كما كان يحدث خلال فترة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. وأهينت القوة العسكرية الأمريكية وفقدت هيبتها وتبعتها العسكرية الإسرائيلية فى هذا الطريق.

قد تبين خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة (2008-2010) والتى لم تنته فصولها بعد, أنها فى الجوهر أزمة أمريكية ثم أزمة أمريكية أوروبية, أما باقى المراكز الاقتصادية فى العالم فقد امتصتها سريعا وواصلت معدلات النمو المعتادة لها، فما تعرضت له آسيا وأمريكا اللاتينية كان مجرد انعكاس للأزمة الأمريكية عليها, وقبل هذه الأزمة وبعدها فإن ما يسمى الدول الناهضة هى التى تعطى معدل نمو ايجابى لاقتصاد العالم وعلى رأسها: الصين والهند, وتضاف إليهما روسيا والبرازيل وتركيا ودول جنوب شرقى آسيا, حيث تختلف القائمة من عام لآخر، ولكن تصدر الصين والهند لأعلى معدلات نمو فى العالم هو الأمر الثابت فى العقد الأخير.

هذا الانكسار الاقتصادى الذى أصبح واضحا فى الأزمة الاقتصادية الأخيرة، الذى يترافق مع الانكسار العسكرى أمام مقاومة العرب والمسلمين, أصاب المكانة القيادية للولايات المتحدة فى مقتل، وأدخل العلاقات الدولية إلى مزيد من حالة السيولة. فاقتصاديا الأرض تنسحب من تحت أقدام (الولايات المتحدة)، وعسكريا أمريكا لديها قوة لا تعرف كيفية استخدامها للحفاظ على مصالحها، بل أصبحت تعانى من الإنفاق على هذه الآلة العسكرية.

وفى نفس الوقت لا يوجد زعيم بديل يطرح نفسه برؤية سياسية اقتصادية ثقافية حضارية شاملة, ولكن كل من الصين والهند وروسيا يبحث عن مصالحه القومية والاقتصادية, ولا يهتم حتى الآن إلا بمجرد كسب الأرض فى هذا الميدان.

والسيولة تأتى من هنا, فقائد العالم السابق أو المتجه للإحالة للمعاش, لم يعد مسيطرا على مجريات الأمور فى الكرة الأرضية, ولكنه يبدو كقائد فعلى بحكم عدم تقدم بديل ليحل محله لعدم توفر هذه الرغبة بناءا على حسابات المصلحة الإستراتيجية, فعلى الصين والهند وروسيا القيام بمهام عديدة فى محيطها الإقليمى قبل إثارة المشكلات فى أماكن بعيدة, وترى الصين أنها تجتث جذور أمريكا الاقتصادية فى كل مكان بما فى ذلك السوق الأمريكى نفسه، والحكمة الصينية تقول أن هذا يكفى جدا فى هذه المرحلة, أما خريطة القوة الحقيقية للولايات المتحدة، فهى تحالفها مع الاتحاد الأوروبى الذى تقدم له الحماية النووية والعسكرية والهيمنة على الوطن العربى وما فيه من منابع البترول وأجزاء واسعة من أفريقيا. على أساس وراثة النفوذ الإنجليزى الفرنسى. وكلما أدركت أمريكا تراجع قوتها العالمية كلما ازداد تركيزها على ما يسمى (منطقة الشرق الأوسط) أى قلب المنطقة العربية الإسلامية لموقعها الاستراتيجى المتميز فى منتصف العالم، ولما بها من خزان نفطى، بالإضافة للتحالف مع الكيان الصهيونى. ولم يكن من قبيل الصدفة أن الجيش الأمريكى لم يقم بأى أنشطة تذكر فى أى مكان آخر من العالم، وأن 99% من نشاطه العسكرى الفعال (أى غير الروتينى) هو فى هذه المنطقة, والولايات للمتحدة لم تحكم قبضتها على المنطقة بهذه الجيوش التى رأينا ماذا فعلت بها المقاومة؟ ولكن أحكمت قبضتها بالنظام الرسمى العربى، حيث أقامت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وعلى مراحل علاقات مؤسسية مع معظم الأنظمة العربية, بحيث أصبحت التبعية للولايات المتحدة هى الدستور الحقيقى للبلاد. وهذه الطبقات والشرائح الرخوة فى الحكم مستسلمة تماما للنفوذ الأمريكى، ولا تملك حتى أدنى رغبة أو استعداد لممارسة روح المغامرة، ومعظم هذه البلدان خاصة فى الخليج هم فى حكم البلاد المحتلة بصورة صريحة. ومن هنا ستظل مهمة العرب والمسلمين التاريخية مواصلة جهادهم لتحرير البشرية من النير الأمريكى، ليس فى مجال المقاومة فحسب حيث تم وضع حدود واقعية للعسكرية الأمريكية, ولكن أيضا فى إعادة بناء النظام الدولى الجديد.

وقد أشرنا مرارا فى أدبياتنا إلى أهمية التحالف العربى الإيرانى, باعتباره نواة التحالف العربى الإسلامى, على أساس أن إيران أول دولة إسلامية تحطم أطر التبعية للغرب عبر ثورتها التاريخية. وكان التحالف الإيرانى السورى اللبنانى الفلسطينى بالإضافة للمقاومة العراقية والأفغانية والباكستانية هو نواة القطب العربى الإسلامى, ليس فى المنطقة فحسب, بل فى العالم بأسره. ثم أخيرا جاء الموقف التركى ليقلب الموازين أكثر لصالح الأمة، وإن كان ذلك من خلال الموقف السياسى والاقتصادى، وإن استدارة تركيا العدالة والتنمية نحو أمتها الإسلامية (خاصة الأمة العربية بحكم الجوار) غير خريطة المنطقة بأسرها. وأصبح القطب العربى الإسلامى أكثر وضوحا وتبلورا واتساعا، بل وأصبح له دور ملموس على المستوى العالمى (اتفاق البرازيل تركيا إيران حول المشروع النووى الإيرانى). وقد حققت تركيا خلال 7 سنوات فحسب معدلات مذهلة فى التنمية والنمو على المستوى العالمى, وأصبح اقتصادها فى المركز الـ 17 على مستوى العالم, وحققت فى عام 2009 المعدل الثالث فى النمو على مستوى العالم بعد الصين والهند. إذن نحن لا نتحدث عن مجرد إضافة بلد, وإنما قطب كبير, ورغم البعد الجغرافى نضم لهذه الكتلة: ماليزيا والسودان, وكل هذه الأطراف بينها علاقات ثنائية مكثفة، وإن لم تأخذ بعد شكل السوق الموحد، وإن حدث ذلك بين تركيا وسوريا، ثم بينهما والأردن ولبنان. نحن إذن أمام تبلور قطب عربى إسلامى على المستويين الإقليمى والعالمى، وهو يواجه بالأساس الهيمنة الأمريكية الصهيونية المتخصصة فى السيادة على العرب والمسلمين.

وقد أدى هذا إلى تبلور علاقات دولية بين هذا القطب وباقى الكتل العالمية المستقلة عن الولايات المتحدة، وبالأخص كتلة أمريكا اللاتينية، والصين، والهند، ودول جنوب شرقى آسيا (مع ماليزيا بشكل خاص)، وروسيا، بدرجات متفاوتة.

ولابد من ملاحظة أن الهجوم الأمريكى الغربى المكثف على البرنامج النووى الإيرانى، يستهدف بالأساس ضرب العمود الفقرى العسكرى لهذه النواة العربية الإسلامية، سواء أكانت إيران تستهدف إنتاج سلاح نووى أم لا، فامتلاك المعرفة النووية قوة، كذلك فقد برهنت إيران على تطور صناعتها الحربية فى شتى المجالات، بالإضافة لقدرات وثروات بلد بحجم إيران. وهى كلها عوامل تحفز على ضرب وحصار إيران حتى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية, وقد كان هذا هو الهدف الأمريكى منذ اليوم الأول للثورة، أما الآن فإن إسقاط النظام أصبح عسيرا أكثر بكثير، ليس بسبب ما أشرنا إليه من قوته العسكرية, ولكن أيضا بسبب توسع دائرة القوى والدول الحليفة والصديقة لإيران فى المنطقة.

وقد أصبحت إيران (بعد العراق وأفغانستان) بؤرة الصراع العالمى، لأن أمريكا تسعى للحيلولة دون استقرار هذا القطب العربى الإسلامى، وهو القطب المرشح لتقويض نفوذها فى أهم منطقة متبقية لها فى العالم (الشرق الأوسط)، لذلك فإن الصراع سيظل يتسم بالمرارة والشدة لأنه أشبه بمعركة الحياة أو الموت للحلف الصهيونى الأمريكى. وما نشير إليه من علامات تراجع قوة هذا الحلف يرشحه للتعامل كنمر جريح وهذا خطر.

ما هو موقفنا إزاء هذا الوضع الدولى؟

المبدأ الإسلامى واضح وعادل ومبدئى (نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا), ومما يزيد قوة مصر أن تتعامل مع العالم من خلال قوتها الإقليمية, وبناء على ما سبق, فإن المبدأ الأول فى سياستنا الخارجية، هو إحياء الوحدة والقوة العربية, مع الاستفادة من تجارب الفشل الماضية، بالتركيز على البنية الأساسية والاقتصادية، ذلك أن شبكة طرق برية وسكك حديدية وبحرية وجوية هو الذى سيوحد الأمة ويعزز مصالحها المشتركة، مع إلغاء ما يسمى تأشيرات الدخول، وإقامة السوق العربى المشترك هو الأساس المتين لأى حديث عن الوحدة العربية، والقوة العربية، ذلك أنها تتحول بذلك إلى أمر واقع, وحتى الحكام غير المتحمسين للوحدة لن يستطيعوا الوقوف فى طريقها، لذلك لابد من الفصل بين التقدم فى التعاون الاقتصادى وطبيعة الأنظمة، بمعنى أنه لابد من تشجيع التعاون الاقتصادى بغض النظر عن الاختلاف فى طبيعة الأنظمة، لأن الأنظمة زائلة، أما علاقات التعاون بين الشعوب فمستمرة، مع إدراك أن الوحدة الحقيقية والكاملة لن تتحقق بدون إرادة سياسية مستقلة عن الهيمنة الأمريكية.

والعلاقات مع الدول الإسلامية تأتى بذات الأهمية تقريبا وبالتوازى، مع ملاحظة أن عوامل القرب العربية ستجعل العلاقات العربية أكثر كثافة, ويكون لها الأولوية بهذا المعنى، أى أولوية عملية وليس مبدئية, فمن حيث المبدأ الاهتمام بتوثيق العلاقات مع الدول العربية والإسلامية على ذات المستوى.

ثم تأتى بعد ذلك دائرة الجنوب، أى معظم دول العالم التى من مصلحتها إقامة علاقات دولية عادلة، وإنهاء احتكار الشمال للسيادة على الكرة الأرضية، وهذه تشمل كل الدول الآسيوية والأفريقية والأمريكية اللاتينية. وتأتى فى المحل الأخير دول أمريكا الشمالية وأوروبا, وهذه تتوقف العلاقات معها من حيث القرب أو البعد، على أساس مسألة العدوان, فالدول التى تعتدى علينا أو على أى دولة عربية وإسلامية وتحتلها وتخرج أهلها من ديارهم، فلا يحق شرعا إقامة أى نوع من علاقات التعاون معها حتى توقف عدوانها. وهكذا فإن الأصل هو إقامة علاقات تعاون طبيعية مع كل دول العالم, عدا الدول المحاربة للمسلمين، والتى تشن حربا واسعة على المسلمين (وليس مجرد نزاعات حدودية).

لا يجوز شرعا بنص القرآن إقامة علاقات تعاون مع أمريكا وإسرائيل, وأى دولة أوروبية أو غير أوروبية تشاركهما فى العدوان المسلح على المسلمين، ولا يشترط أن يكون ذلك العدوان على مصر، لأن المسلمين أمة من دون الناس، واتخاذ الحدود الوطنية وحدها كمعيار للموقف من العدوان، هو إسقاط صريح للالتزام بالعقيدة الإسلامية.

(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 8-9).

وبالتالى فإن التقسيم الثلاثى للعالم، هو تقسيم منطقى ومشتق من القرآن الكريم, وليس من اجتهادات الفقهاء وهو: دار الإسلام دار الحرب دار العهد, ولا يستخدم هنا لفظ (دار الكفر) لأن العلة فى القتال هى العدوان وليس الخلاف فى العقيدة، لأن دار العهد أيضا غير مسلمين. وهذا يؤكد أن المسلمين لا يحاربون غيرهم لأنهم كفار، ولا يسعون لإدخالهم الإسلام بالقوة، بل يحاربون غيرهم عندما يعتدون عليهم، فليس لديهم من سبيل إلا رد العدوان. والنصوص فى ذلك كثيرة: (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ).

فالدولة الأجنبية المعتدية هى التى تضع نفسها فى خانة (دار الحرب)، وإلا لأصبحت تلقائيا من دار العهد. ودار العهد ليس بالضرورة أن تكون هكذا بناء على معاهدة مكتوبة. فمثلا مصر لا تحتاج لمعاهدة مكتوبة مع الصين أو البرازيل, ليس للبعد الجغرافى فحسب, بل لأنه لا توجد أى سوابق اعتداء تاريخية منهما.

فالأصل أن الدول جميعا دار عهد إلى أن يثبت العكس، كالاعتداء على أراضى المسلمين، أو محاربة المسلمين على أراضيها (كالصرب فى تجربة البوسنة والهرسك). ومع ذلك فإن الفقه الإسلامى به سعة، إذ أجاز التعامل مع من أسماه الحربى المستأمن، أى المستثمر أو التاجر القادم من دولة محاربة شريطة الاطمئنان إلى نواياه وعدم إضراره بالمصالح الوطنية.

ولأن نظام مبارك لا يلتزم بشريعة الله, فإن الأرقام الرسمية المعلنة تشير إلى أن معظم تجارة مصر الخارجية مع أوروبا وأمريكا! فالميزان مقلوب، وليس هذا المؤشر الوحيد، بل كافة المؤشرات الأخرى: المعونات القروض استيراد السلاح الاستثمار.. إلخ, والأهم من ذلك الخضوع للقرار السياسى الأمريكى فى الأمور الأساسية بالمنطقة.

إننا ندعو على المستويين الرسمى والشعبى إلى إنهاء هذه الحالة من انبهار العجزة أمام التقدم الأوروبى والأمريكى، وأن تتركز علاقاتنا الاقتصادية والثقافية وزياراتنا مع الغرب، ندعو إلى الاهتمام بالشرق والسفر شرقا, ودراسة التجارب الآسيوية الفذة والتعلم منها، وإقامة العلاقات مع جامعاتها ومؤسساتها ومثقفيها بدلا من حالة التوجه الأحادى للغرب. شريطة ألا نتحول إلى الانبهار بآسيا بدلا من الانبهار بأمريكا. فالمهم أن نكتشف طريقنا للمنافسة بين الأمم، وأن ندرك أننا أصبحنا خارج السباق الحضارى، وأن أحدا فى العالم لا يحترم الضعفاء والمتخلفين والعجزة. وأنه لا توجد قوة عالمية مستعدة لانتشال مصر (أو أى دولة عربية أو إسلامية) من كبوتها، وأن هذا هو تحدى كل أمة مع نفسها، فعلى كل أمة أن تعتمد على نفسها بالأساس, وأن تحفر طريقها فى الصخر، وعبر هذه العملية الكفاحية وحدها يمكن أن تتعلم من تجارب الآخرين الذين سبقوها.

ويتصور البعض خطأ أن اهتمام أدبيات حزب العمل بدراسة وتحليل الوضع الدولى وكأنه نوع من الدعوة للاعتماد على هذه القوى الدولية الصاعدة، والواقع أننا فى حزب العمل نؤمن بأن التنمية والنهضة الشاملة تعتمد على قوى الأمة وحدها, وأن المثل الشعبى السائر هو القانون فى ذلك المجال (ما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك)، ولكن الاهتمام بالوضع الدولى ضرورى لفهم البيئة الدولية التى نتحرك فيها، وما هو موات لنا, وما هو ضدنا فيها, وما هو المتوقع فيها فى المستقبل القريب، وهذه من الأمور التى لا تعيرها اهتماما معظم الحركات الإسلامية التقليدية، ويتصورون أنهم يعيشون فى جزيرة معزولة، أو أن الجميع لا يهمنا طالما أنهم غير مسلمين! والقصور فى الفهم السياسى والاقتصادى لمجريات ما يجرى فى العالم من أهم عوامل فشل الحركات الإسلامية. فى حين يحضنا القرآن الكريم على فهم ودراسة العالم من حولنا.

(7)خصوصية الوضع الإقليمى والدولى لمصر..

الكيان الصهيونى والقضية الفلسطينية

ما زلنا نواصل رسم الخريطة المحيطة بمصر. والتى تحدد إلى حد كبير دور مصر ومكانتها الإقليمية والدولية. والجغرافية هنا بالغة الأهمية، فلو كانت مصر فى أواسط أفريقيا أو فى أطراف الوطن العربى، لكانت بلدا آخر بشخصية أخرى ودور تاريخى مختلف, فكما أن الإنسان لا يختار جاره ولا يختار والديه, فإنه لا يختار وطنه ولا موقع وطنه. ولابد أن يدرسه ويفهمه كما هو, ويعلم إمكاناته كما هى، ونقاط القوة والضعف فى هذا الوضع الجغرافى سواء من حيث تركيبة الخريطة الإقليمية المحيطة به, لأنها البيئة الإجبارية التى يتعين عليه أن يعيش وسطها, أو من حيث الجغرافية الداخلية للوطن, وما ينطوى عليه من ثروات.

ولمصر وضع شديد الخصوصية إلى حد التفرد فى وضعها الإقليمى والدولى, لا يمكن للوطنى المصرى أن يحترم بلده دون أن يفهم هذا الوضع, وقد أشرنا إلى أطراف من ذلك خلال الحديث عن خصوصية مصر وعروبتها وإسلامها, وسنبدأ من الوضع المعاصر, ثم نلقى بعد ذلك نظرة على التاريخ من هذه الزاوية.

بعد كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل جرى فى البلاد حوار واسع حول القضية الفلسطينية, وهى الوجه الآخر للعملة (الكيان الصهيونى)، وهل هى قضية مفروضة على مصر, أو يمكن لمصر أن تتخلص منها وتبحث عن مصالحها الخاصة؟

والحقيقة فإن هذا حوار شاذ, وما كان يمكن أن يطرح على هذا النطاق الواسع إلا بسبب استسلام السلطة الحاكمة أمام الحلف الصهيونى الأمريكى, واستخدامها الإمكانات الإعلامية الكبرى للدولة فى تبرير هذا الاستسلام، ومن ذلك طرح القضية الفلسطينية فى أحسن الأحوال كقضية خارجية, أو باعتبارها مسألة أضرت بمصر, وأنها مسئولية الفلسطينيين وحدهم، وهم المسئولون عن ضياع فلسطين، وعلى مصر أن تبدأ الاهتمام بشئونها ولا تلقى بالا كثيرا لما يسمى الشئون الفلسطينية أو العربية، وبالتالى فإن العداء مع إسرائيل كان مرحلة وانتهت, وهى الآن مجرد دولة جارة وصديقة يتعين التعاون معها وأن نتجنب شرها لأنها أقوى منا بكثير، وأمريكا وإن كانت قد أصبحت صديقتنا فهى أقرب لإسرائيل مننا.

نقول لولا سيطرة السلطة على الإعلام ما كان لهذا التصور السابق أن ينتشر بين العامة من الناس ويأخذ الحجم الذى أخذه.

وهذه رؤية حزب العمل للقضية الفلسطينية والموقف من الكيان الصهيونى:

فلسطين قضية عقائدية:

إذا كانت الأمة متمسكة بدينها الإسلامى فإن مسألة تحرير فلسطين من الغزو الصهيونى الاستيطانى مسألة بديهية لا تجوز أن تخضع للمناقشة من حيث المبدأ. فنحن أمام ديار إسلامية تعرضت لغزو واغتصاب واستيطان استهدف طرد أهالى المسلمين فى إطار مشروع يهودى صهيونى لإقامة دولة يهودية، وقد جىء بهؤلاء اليهود من شتى أصقاع الأرض, ولم تكن ولا لواحد منهم صلة بفلسطين, ولكن لمجرد الإدعاء الدينى أن فلسطين هى أرض الميعاد.

وهذا العدوان اكتمل بتأسيس الكيان الصهيونى عام 1948. وهذا الاستيلاء على أراضى المسلمين جـريمة لا تسـقط بالتقادم بل إن الكيان الصهيونى تحول بتحالفه مع الغرب وأمريكا إلى حالة عدوانية دائمة على العرب والمسلمين. فهذا الكيان لم يأت ليستقر على جزء أو كل أرض فلسطين, بل يريد أن يفرض سطوته على المنطقة بأثرها: عدوان 1956، عدوان 1967 ضرب أعماق مصر ضرب المفاعل النووى العراقى احتلال لبنان بعد سيناء والجولان والضفة وغزة، وهو يهدد بضرب السد العالى بالقنابل النووية، وأخيرا يهدد بضرب البرنامج النووى الإيرانى، بعد أن ضرب البرنامج النووى السورى. المهم أننا إزاء حالة من العدوانية المستمرة على الأمة العربية والإسلامية، وفى نفس الوقت لا يتوقف عن اضطهاد وقتل وتشريد الفلسطينيين والتهديد المستمر بهدم المسجد الأقصى.

وهناك إجماع بين علماء المسلمين على عدم الاعتراف بهذا الكيان، ورفض التطبيع معه وضرورة العمل على تحرير فلسطين كفريضة جهاد. وإذا لم يتمكن أهل فلسطين من تحريرها يصبح تحريرها فرض عين على الدول المجاورة لها وعلى رأسها مصر, بحكم وزنها, وبالتالى فإن أقصى ما يمكن أن تقدمه لإسرائيل هو هدنة مؤقتة، فالهدنة العسكرية جائزة شرعا ولكنها لا تستمر 30 سنة، وإن جاز أن تستمر فلا يجوز إقامة تعاون اقتصادى وثيق كما هو الحال الآن: اتفاقية الكويز بيع الغاز الطبيعى والبترول تعاون زراعى وسياحى تعاون فى حصار غزة!! كل هذه التعاملات خروج صريح على ثوابت الشريعة الإسلامية, لأن فى كل ذلك تعزيز وتثبيت للكيان المعتدى على فلسطين, والذى يواصل تهديد وضرب الدول العربية وإيران، وهو سقوط فى جريمة موالاة الأعداء، وبالإضافة لكل ذلك فإن فلسطين ليست ديارا إسلامية عادية، إنها الأرض المقدسة والمباركة فى القرآن الكريم, وهى مكان المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أولى القبلتين وثالث الحرمين.

فلسطين قضية عربية:

وحدة العرب ضرورة للوحدة الإسلامية الكبرى, وقد نجح الكيان الصهيونى فى تقسيم الوطن العربى إلى قسمين, ومنع امتداد الأراضى بين المشرق والمغرب العربيين. بل مارس الصهاينة ضغطا على السلطات المصرية لوقف مشروع الجسر بين مصر والسعودية، واستجابت السلطات المصرية رغم أنه كان سيحل مشكلة التواصل الأرضى العربى بين المشرق والمغرب. وتمارس إسرائيل دور الأسفين بين الدول العربية لمنع تواصلهم واتحادهم، وتطرح مشروع السوق الشرق أوسطية فى مواجهة السوق العربية المشتركة, أو مشروع البحر المتوسط.

ورغم أن مشروع السوق الشرق أوسطية لم يعلن رسميا بعد انعقاد عدد من المؤتمرات الدولية حول ذلك، إلا أن مضمونه قد تم تنفيذه، فهناك الآن سوق مشتركة حقيقية بين مصر والأردن وإسرائيل تحت لافتة الكويز بحيث تدخل صادرات مصر والأردن السوق الأمريكى بدون جمارك طالما فيها نسبة مكون إسرائيلى. ولكن التعاون بين مصر وإسرائيل، وبين الأردن وإسرائيل، أوسع من ذلك بكثير فى علاقات التعاون الثنائية. وهناك علاقات تعاون اقتصادى سرى بين إسرائيل وكل من المغرب وتونس ودول الخليج كما تسللت شركات إسرائيلية إلى العراق تحت مظلة الاحتلال الأمريكى, وبالإضافة للدول فإن إسرائيل تقيم علاقات وثيقة مع حركة التمرد فى جنوب السودان ومع بعض الحركات فى دارفور، بالإضافة لأكراد العراق. وقد قامت إستراتيجية إسرائيل على محاصرة الوطن العربى من أطرافه عن طريق توثيق العلاقات مع إثيوبيا وأوغندا وإريتريا وسابقا مع إيران فى عهد الشاه، وتركيا التى تتعرض العلاقات معها للانهيار حاليا.

ولكن إستراتيجية إسرائيل قامت على حصار الوطن العربى من خارجه عن طريق دول الجوار، وهذا ما يعطيها الآن يدا قويا فى التحكم فى منابع النيل. وبالفعل فقد تحولت إسرائيل إلى سرطان فى المنطقة العربية, من ناحية تستنزف القوى المالية والعسكرية للدول العربية, وتسعى من ناحية أخرى إلى إضعاف وتمزيق الروابط الوحدوية، بل تسعى لتفتيت كل بلد عربى على حدة (لبنان السودان العراق كأبرز أمثلة).

فلسطين قضية مصرية:

مصر هى المؤهلة بطبيعتها لقيادة المنطقة العربية, وأن تكون دولة محورية فى إقليمها، لذلك فإنه عندما تم زرع الكيان الصهيونى فى قلب المنطقة وعلى حدود مصر بمساندة شاملة من قوى الغرب والولايات المتحدة، فإن هذا الكيان قد زرع ليقود المنطقة فى اتجاه الأهداف المشتركة الصهيونية الغربية, ولذلك فإن أكثر بلد أضير من تأسيس إسرائيل هو مصر، لأن إسرائيل جاءت لضرب زعامتها ولسحب البساط من تحت أقدامها، واستنزافها ماليا وعسكريا وعدم السماح لها بتجميع العرب حولها، أما قيادة إسرائيل فى المنطقة فسوف تتم بالسطوة العسكرية أولا, ثم بفرض مشروع التعاون الاقتصادى, وضرب فكرة العرب والعروبة، والحديث عن منطقة الشرق الأوسط والشعوب الشرق أوسطية، والمتوسطية (نسبة للبحر المتوسط).

إذن مصر لا يمكن أن تمارس دورها الطبيعى القيادى فى المنطقة فى وجود إسرائيل. وعبر التاريخ كانت مصر وفلسطين (أو الشام عموما) كتلة واحدة ومصير واحد وإن فصلتهما صحراء سيناء والنقب. فمن يسيطر على ضفة لابد أن يلحق به الضفة الأخرى، والأقوى هو الذى يتمكن من ذلك.

فى قصص الأنبياء المؤكدة أو شبه المؤكدة نجد العلاقة التاريخية بين مصر وفلسطين. نجد سيدنا إبراهيم ينتقل من العراق إلى الشام وفلسطين, ويذهب إلى الجزيرة العربية مرورا بمصر. ويتزوج هاجر المصرية التى تقول الروايات أنها من سيناء (من قرية أمام الفرما على البحر المتوسط) وفى القرآن الكريم نرى سيدنا موسى وكيف انتقل من مصر إلى سيناء فى اتجاه فلسطين (الشام). عيسى عليه السلام يروى أنه زار مصر طفلا مع أمه حرصا على حياته ثم عادت به إلى فلسطين. البلد الوحيد الذى زاره سيدنا محمد قبل البعثة هو الشام, ويقال أن خط هذه الرحلة كان يمر بغزة، وهذا بسبب وفاة جده هاشم فى غزة ودفنه هناك. ولكن رسول الله تزوج من مصرية (مارية) وكاد أن يكون له منها ولد (إبراهيم), وقد أوصانا بمصر كثيرا, ومصر هى البلد الوحيد فى العالم المذكور بالاسم فى القرآن الكريم (راجع التفاصيل فى دراستى سنن التغيير فى السيرة النبوية“). والشام حين يذكر فيعنى أساسا فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، فمصر وفلسطين أو مصر والشام صنوان لا ينفصلان مصيرهما واحد دائما. فى العهد المصرى القديم (الفرعونى) كان الشام جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية عندما تكون فى حالتها القوية المعتادة، وعندما تضعف وتضطر للانكماش وترك الشام، فإن أى طرف قوى يسيطر على الشام يتجه للسيطرة على مصر. وكانت فلسطين هى الأكثر ارتباطا بمصر من حيث الجوار, ولذلك فى بعض الأحيان كانت حدود مصر تصل إلى القدس.

إذا نظرت إلى الخريطة فستجد مصر وفلسطين امتدادا واحدا, يمثلان معا ما يسمى ملتقى القارات الثلاث, وبالفعل كانت مصر وفلسطين معا وكأنهما نقطة المنتصف فى العالم القديم, والنقطة الفاصلة بين الشرق والغرب. ومن حيث هذه الأهمية الجغرافية فهما كتلة واحدة لا تتجزأ ولا يفيد السيطرة على طرف دون آخر.

عندما كان يضعف النظام المصرى كان يحكمنا قادمون من المشرق: الهكسوس، الآشوريون، الفرس، فكل من كان قويا فى الشام لابد أن يتطلع لاستكمال سيطرته إلى مصر.

وعندما جاء الإسكندر الأكبر من الغرب إلى مصر, امتد بقوته إلى الشام, فقد كان ذلك ضروريا وإجباريا حتى يصل إلى الهند. وكان البطالمة الذين ورثوا الإسكندر يحكمون مصر والشام, والرومان من بعدهم فعلوا نفس الشىء.

وفى الفتح الإسلامى لم يكد العرب يستقرون فى القدس وفلسطين حتى أدركوا أنه لا يمكن الاستقرار فيها والرومان فى مصر، فجاءت فكرة فتح مصر. ومنذ ذلك التاريخ ظلت مصر وفلسطين (أو الشام) معا فى ظل الدول الإسلامية المتعاقبة قد ينفصلان, ولكن كان يستمر سعى أحد الطرفين لإعادة ضم الطرف الآخر.

وظلت القوى الخارجية تدرك الترابط بين مصر وفلسطين، فالحملة الصليبية ما كادت تستقر فى فلسطين حتى شعرت بأن ظهرها سيظل مكشوفا بدون إخضاع مصر وتعددت الحملات الصليبية لغزو مصر, ولكنها باءت عموما بالفشل (بحريا وبريا) وكانت مخاوف الصليبيين فى محلها تماما، فقد كانت الضربة القاضية لهم من مصر.

وعندما اكتسح التتار من أقصى شرق آسيا البلاد حتى الشام لم يجدوا معنى لتوقف حملتهم إلا فى مصر! ولكن كانت هزيمتهم فى عين جالوت.

وعندما جاءت حملة نابليون إلى مصر واصل الطريق إلى فلسطين, ولكنه فشل عسكريا. وحرص الإنجليز على احتلال فلسطين مع مصر. وعندما نشأ الكيان الصهيونى فى فلسطين عام 1948 اعتبر سندا للوجود البريطانى فى مصر، وظلت العلاقات الحميمة بين إسرائيل وإنجلترا حتى عام 1956 ثم ورثت الولايات المتحدة التحالف مع الكيان الصهيونى.

وباعتبار أن إسرائيل كيان غريب قليل السكان, فليس من المتصور عقلا أن يضم مصر بطريقة الاحتلال العسكرى، ولذلك تم الاعتماد على الولايات المتحدة لإخضاع مصر بوسائل التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وانضمت مصر لفلسطين المحتلة (الكيان الصهيونى) تحت الإشراف الأمريكى. ففى هذا الصراع الأخير ضم الطرف الأقوى فى فلسطين (ولكنهم مع الأسف اليهود الصهاينة) مصر إليه. فمصر وفلسطين لابد أن يعيشا فى دولة واحدة أو منطقة نفوذ واحدة, وهما الآن تحت الاحتلال والنفوذ الصهيونى الأمريكى.

ويعلم الأعداء أن هذا الوضع غير طبيعى, وأنه مهدد فى كل لحظة بعودة مصر إلى حالتها الطبيعية, حيث لابد أن تسعى لاستعادة فلسطين الأصلية وطرد الغزاة الصهاينة، إذن فماذا هو الحل؟ الحل بالنسبة لهم هو إضعاف مصر إلى حد التدمير والتعجيز، وإبقائها على قيد الحياة دون أن تمتلك أى قوة أو إرادة أو أى إمكانية لاستعادة قوتها ولياقتها.

وهذه نقطة مهمة لابد من إدراكها, فالعلاقات مع أمريكا والغرب محفوفة بالكثير من المخاطر أكثر من أى دولة أخرى. فمثلا نجد فى تجربة النمور الآسيوية أن الاقتصادات الآسيوية فى هذه البلدان نمت وترعرعت رغم علاقات التبعية مع الولايات المتحدة، وهذا يرجع الفضل فيه للنخب الوطنية التى سعت من خلال الاقتصاد أن تحرر إرادتها السياسية تدريجيا، ولكن فى المقابل لم تكن يد الولايات المتحدة باطشة إلى حد قتل كل المبادرات الوطنية.

فى علاقات مصر مع الولايات المتحدة هناك ممنوعات عديدة, كتلك التى تفرضها أمريكا على أى دولة تابعة لها، ولكن هناك ممنوعات عديدة أخرى إضافية لضمان استمرار مصر عند مستوى معين من الضعف البنيوى. لماذا؟ لأنها هى البلد المجاور لإسرائيل, والذى يملك إمكانية التصدى لها وجمع العرب حول هذه المهمة. وتشارك إسرائيل مباشرة فى عملية إضعاف مصر عن الطريق الشبكات الاقتصادية للصهيونية العالمية, ومن خلال عمليات التطبيع الضارة مع مصر كما حدث ويحدث فى المجال الزراعى (راجع تفاصيل حملتنا ضد يوسف والى فى كتاب الخيانة: الملف الأسود للزراعة فى مصر“).

أما بالنسبة للولايات المتحدة فإسرائيل هى الركيزة الأساسية لحماية مصالحها ونفوذها فى المنطقة, وإضعاف مصر ضرورة حتى لا تتزعم العرب ضد الوجود الأمريكى كما حدث فى عهد عبد الناصر، خاصة مع الأهمية الجغرافية للمنطقة، وما ظهر فيها من ثروات نفطية، وما يجمع أمريكا وإسرائيل من تحالف عقائدى (الصهيونية المسيحية) مرتبط بحماية دولة اليهود فى فلسطين وعاصمتها القدس (راجع التفاصيل فى كتابى: “أمريكا طاغوت العصر“).

وهكذا فإن ما نجح فيه محاضير محمد فى قيادة ماليزيا من الاحتلال إلى الاستقلال عبر النهضة التعليمية والاقتصادية، لا يمكن أن يتكرر فى مصر بنفس السهولة واليسر فى حالة وجود قيادة رشيدة مماثلة. مصر كتب عليها عبر التاريخ أن تبنى حضارتها ونهضتها تحت النار لأنها فى قلب العالم. لذا فإن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصر إعجازى بكل المعانى السياسية والتاريخية والإستراتيجية, إن فى مصر (خير أجناد الأرض وهم فى رباط إلى يوم الدين) وكذلك وصف مصر بأنها (أرض الكنانة) والكنانة هى جراب الأسهم! لذلك لم يكن من قبيل الصدف أن زعماء مصر الحقيقيين هم المحاربون (أحمس رمسيس صلاح الدين قطز.. إلخ) وأفضلهم هو الذى جمع بين القتال وبناء النهضة الاقتصادية والعلمية.

وسواء فى ظل وجود إسرائيل أو قبلها أو بعدها, فإن هذا المربع من العالم الذى يضم مصر وفلسطين لا يمكن أن يترك فى حاله، ولا يمكن أن يكون بعيدا عن سيطرة القوى العظمى فى العالم, لأنه باختصار فى منتصف العالم ومحوره. وحتى بعد اختراع الطائرات والصواريخ فقد ثبت أن الموقع الجغرافى لا يفقد أهميته, فحتى الطائرة لابد أن تمر من الخطوط الأقصر، واستخدام الصواريخ فى الحروب لا يغنى عن استخدام القوات البرية، وقناة السويس لم تفقد أهميتها لأنها لا تزال أقصر الطرق البحرية بين الشرق والغرب.

وليس من قبيل الصدفة أن أحلام هتلر فى السيطرة على العالم بدأ انكسارها فى معركة العلمين, وأن كل القوى العظمى عبر التاريخ مرت من هذا المربع (فلسطين مصر) واستقرت فيه، وأن علاقة الاتحاد السوفيتى بمصر عبد الناصر كان نقطة تحول فى زيادة نفوذ السوفيت عالميا. وإن الهيمنة الأمريكية على مصر والاحتلال الصهيونى لفلسطين هو رمز لهيمنة الحلف الصهيونى الأمريكى على العالم. وإن كان النفوذ الأمريكى فى تراجع عام إلا أنه يركز ما تبقى من قوته على ما يسميها منطقة الشرق الأوسط، ومصر وفلسطين فى قلبها.

مصر وفلسطين إذن توأمان لا ينفصلان، ومصيرهما واحد، وأكبر خطأ تاريخى يمكن أن يقع فيه أحد التوأمين أن يظن أنه يمكن أن يخطط لمعيشته وحياته ومستقبله دون تنسيق على الأقل مع التوأم الأخر.

إسرائيل هى الغدة السرطانية التى تنهك جسد مصر (بعد فلسطين) ولابد من استئصالها (راجع دراسة: إستراتيجية تحرير فلسطين أصبحت واضحة المعالم مجلة منبر الشرق العدد 27), وإسرائيل أنهكت مصر فى السلام بأكثر مما أنهكتها فى الحرب، ففى السلام هناك ممنوعات عديدة على مصر: زراعة القمح حتى الاكتفاء الذاتى المعرفة النووية امتلاك أى سبب من أسباب القوة الاقتصادية أو العسكرية أو العلمية, فالفيتو الأمريكى الإسرائيلى هو الذى يعرقل تنمية سيناء وإعمارها بصورة حقيقية، حتى تبقى مخلخلة السكان منزوعة السلاح، وفاصل آمن بين مصر وإسرائيل، أيضا التقارب المصرى مع الدول العربية والإسلامية غير مطلوب خاصة الدول المستقلة عن الهيمنة الأمريكية: كسوريا وإيران والسودان. أما الدول العربية الأخرى فلم يعد لمصر أى أهمية لديها, فإذا كانت مصر تعمل تحت المظلة الأمريكية فهم أيضا يعملون تحت ذات المظلة، ولا يحتاجون مصر فى شىء, فخطوطهم مفتوحة مع واشنطن علنا، وتل أبيب سرا. وعندما تفقد مصر احترامها وهيبتها وزعامتها فى المنطقة، فإن ذلك ينعكس على مصالحها الوطنية المباشرة, فلا يعود لها أهمية حتى لدى الأشقاء، فالشقيق الأكبر لا يحصل على وزنه واحترامه فى الأسرة لمجرد كبر سنه، بل لابد أن يكون هو القائد الفعلى لأشقائه الأصغر بالدور الذى يقوم به.

وترى القوى العالمية أنها عندما تنهض مصر فإنها ستكون من أهم دول العالم, إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وهذا ما حدث فى العهود الفرعونية والإسلامية. ومصر لا تنهض إلا بقيادة محيطها الإقليمى, وهو ما يجعلها فى أكثر مواقع العالم تأثيرا، ولذلك فإن القوى العالمية بعد انهيار الدولة الإسلامية الكبرى، دائما ما كانت تتربص بأى نهضة مصرية، فرأينا التحالف العالمى ضد تجربة محمد على، حتى بعد أن تحولت من مشروع عسكرى إلى مشروع نهضة اقتصادية وعلمية، ثم ما حدث من تكالب عالمى ضد تجربة جمال عبد الناصر.

وبالتالى فإنه ليس لدينا الخيار، فإذا أردنا أن ننهض بمصر إلى المكان الذى يليق بها فلابد من مواجهة التدخلات الأجنبية والصهيونية، ولابد من الجمع بين الجهاد والبناء، وعلى أى حال فهذا ليس بعيدا عن العقيدة الإسلامية, وهذا هو الحال فى كافة بلاد المسلمين، ولكن مصر كثغر مستهدف يتعين أن تكون فى حالة من اليقظة الدائمة, لأنها كما قلنا فى عين النار. ولابد من حشد وتجميع قوى وشعوب المنطقة ضد الغزاة والمتنمرين والكيان الصهيونى حاليا على رأسهم، حتى لا تواجه مصر المعركة الكبرى وحدها.

وقد يقول قائل بل لدينا خيار آخر هو الانطواء حول أنفسنا, نعيش ونأكل بدون صراعات. وإن جاز ذلك جدلا من الناحية الأخلاقية والدينية، فهو خيار غير واقعى إلى حد العدم للأسباب التالية:

مصر ليست البلد الوحيد الذى يعانى من الصراعات الدولية، بل إن أى بلد معرض للتدخل الأجنبى، كما دخل هتلر هولندا وبولندا.. إلخ. كما تعرضت عشرات الدول لمواقف مماثلة.

إن الانعزال عن المنطقة المحيطة بك نوع من الجنون لأنك ستحول بلدك بيديك إلى سجن، فأنت لابد أن تمر عبر الجيران من أجل التعامل مع العالم الخارجى. ولا توجد دولة عاقلة فى التاريخ أغلقت عليها الأبواب المحيطة بها وخاصمتها، إن هذا وضع لا وجود له فى تاريخ البشرية. ولذلك فإن الدعوة لمقاطعة العرب بمناسبة مباراة كرة القدم أو غيرها مثلا! – هو حالة جنونية بالمعنى الحرفى، ولكن هذه الحالة الجنونية قادها الإعلام الرسمى المصرى.

وحتى مع افتراض هذا الخيار اللاعقلانى (العزلة)، فإنه ونتيجة للأهمية المحورية لموقع مصر فإن الدول العظمى على مستوى العالم لن تتركه خاليا، بل ستسيطر عليه بكل الوسائل السلمية والحربية، وهذا هو ما حدث عبر التاريخ, فإما أن تستفيد مصر من موقعها لتعزيز قوتها ومكانتها ونهضتها أو تقوم قوى خارجية بالاستفادة من إمكاناتها وتستعبدها وتحولها إلى مجرد موقع تابع لها, وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة حاليا مع مصر. وهناك وجود عسكرى أمريكى دائم فى مصر يزيد ويتقلص حسب الحاجة، وهناك 4 قواعد أمريكية صريحة وفقا للبيانات الأمريكية. ولكن ربما لا توجد لافتة تحمل هذا الاسم. وهناك تواجد لقوات جوية أمريكية فى قواعد مصرية. وهناك مناورات النجم الساطع التى تجرى كل عامين، والتى تتيح للقوات الأمريكية ترك معداتها على الأراضى المصرية، وهناك تسهيلات عسكرية دائمة يحق بموجبها للقوات الأمريكية استخدام الأراضى والأجواء والمياه المصرية فى أعمال عسكرية أو لنقل القوات (راجع كتابنا: “لا“) وإذا أضفنا لذلك أن المعونة الأمريكية السنوية تتضمن 1.2 مليار دولار للأسلحة والتعاون العسكرى، وهذا يعنى ارتباط الجيش المصرى بالتسلح الأمريكى والتدريب الأمريكى والإمدادات الأمريكية وقطع الغيار.. إلخ, فمصر حاليا أشبه بمستعمرة أمريكية, والأمريكان متواجدون فى النخاع الشوكى للنظام السياسى، وعندما قال مصطفى الفقى (أحد رموز النظام) أن الرئيس المصرى القادم لابد أن يكون بموافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل، فإنه لم يتجاوز الحقيقة، ولخص الحالة البائسة التى وصلت إليها مصر.

إذن الخيار الثانى الافتراضى أن نرمى أنفسنا فى أحضان الدولة العظمى (الولايات المتحدة)، هذا كان خيار نظام السادات مبارك, وهذه الحصيلة بعد خمسة وثلاثين عاما أن أصبح ترتيب مصر فى مؤشرات الاقتصاد والتنمية يتراوح بين 120- 123، وهى الحالة المتدهورة فى شتى المجالات بإحساس واعتراف الجميع, بينما سبقتنا عشرات الدول الآسيوية واللاتينية.

إذن الخيار الوطنى الصحيح والوحيد أن تعمل مصر من أجل نفسها ومن أجل أمتها، وأن تمارس دورها القيادى الذى فرض عليها فى الوطن العربى، ومن ثم فى العالم الإسلامى.

(8)البناء الاقتصادى والتنمية المستقلة

مقدمة عامة: أمة تختنق على 4% من مساحة أرضها!

لا يمكن الحديث عن تصوراتنا للبناء الاقتصادى والتنمية المستقلة دون أن نبدأ بأوضاعنا الراهنة, فمصر تعيش الآن واحدة من أسوأ مراحلها فى التاريخ, ويمكن أن نقول أن مصر منذ 4 سنوات وهى تعيش بدون عقل مركزى. فمصر خلال عهد عبد الناصر كان لها خطة ورؤية وتصور, فإذا ثبت أن هذه الرؤية يجب تعديلها أو تطويرها أو تغييرها فإن هذا يستدعى الانتقال من رؤية إلى رؤية أخرى. ولكن منذ رحيل عبد الناصر عام 1970، مصر انتقلت تدريجيا من رؤية محددة إلى اللاشىء أو انعدام الرؤية أو الفوضى أو الاندفاع التلقائى مع أمواج البحار. وهذا لم يتم بشكل حاد وفورى, بل جرى تدريجيا. وكانت المرحلة الأولى متمحورة حول الأراضى المحتلة وإنجاز حرب أكتوبر, وكان هذا فى إطار الاستجابة لضغوط الواقع والانفجار الجماهيرى (72-1973).

وقد تصور البعض بعد ورقة أكتوبر 1975 التى تحدثت عن الانفتاح الاقتصادى, وما جرى بعد ذلك من تحولات فى السياسة العامة أننا انتقلنا من الرؤية الاشتراكية القائمة على دور الدولة الأساسى فى الاقتصاد وعلى حكم الحزب الواحد، وعلى الإيمان بالوحدة العربية، والعداء لإسرائيل إلى الرؤية الرأسمالية القائمة على الاقتصاد الحر وما يستتبع ذلك من تغيير شبكة علاقاتنا الدولية من المعسكر الاشتراكى إلى المعسكر الغربى, وما يتواكب مع ذلك من تعددية حزبية (ليبرالية) وتغليب السلام والصداقة مع إسرائيل على الحرب, ولكن ما حدث رغم أنه يبدو هكذا على الورق، إلا أنه لم يحدث بصورة تفاعل مدروس فى صفوف النخبة الحاكمة وغير الحاكمة، ولكنه أخذ شكل الانزلاق التدريجى الذى يرتبط إلى حد كبير بمزاجية ورؤية الحاكم الفرد (السادات ثم مبارك), وحيث اتضح أن الطابع الفردى للحكم ما يزال أقوى بكثير من المؤسسات، بل إن مؤسسات الدولة لديها من المرونة بحيث تتكيف مع أى توجهات جديدة للحاكم الفرد!! فالذى جرى على أرض الواقع وليس على الورق لا يمكن أن يسمى انتقالا نظاميا من رؤية إلى رؤية، بل كان انتقالا عشوائيا إلى حالة من انعدام الرؤية. نقول ذلك من منظور وطنى فلو أن نخبة مجتمع ما قررت بعد بحث وتأمل جاد الانتقال من وضع لآخر بناء على اعتبارات محددة, فإن ذلك سيتم بصورة منظمة ويؤتى ثماره, وطالما أن الخيار وطنى فهو قابل دائما للمراجعة والتعديل. أما ما حدث بين 1975-2010 فهو فقدان الرؤية الوطنية, وتسليم قياد المجتمع لقوى أجنبية فى كل المجالات: السياسة الاقتصاد العسكرية الثقافة التعليم العلم. وهكذا أصبحت الرؤية الحاكمة من خارج البلاد، وهى بطبيعتها لا تبحث إلا عن مصالحها, وهى غير مهمومة بمشروع نهضة للبلاد. بل لا تريده بالأساس كما ذكرنا فى الحلقة السابقة. وبالتالى أصبح لدينا وضع مشوه لا يمكن مقارنته بعشرات التجارب الآسيوية واللاتينية التى غيرت مساراتها بقرار وطنى فقفزت وتقدمت للأمام. أما نحن فكنا أشبه بزورق تتجاذبه وتتخطفه أمواج البحر. فنحن لم ننتقل بدقة إلى ما يسمى الاقتصاد الحر، وهذا له آلياته ونظمه وقواعده، بل أصبح مفهوم حرية الاقتصاد هو حرية الحصول على أموال بأى وسيلة, ولم توجد أى قوانين أو هيئات لتشجيع العمليات الإنتاجية, ولم تتحقق حياة سياسية تعددية فعلا، وحتى الهدنة مع إسرائيل تحولت إلى صداقة حميمة مع عودة الحملات ضد العروبة.

ونقول لو أن هذا الخيار كان وطنيا تحت لافتة: الانكفاء عن مشكلات المنطقة والتركيز على التنمية الاقتصادية لكنا أنجزنا انجازا رهيبا خلال 35 عاما، ولكن الذى حدث أننا أضعنا 35 عاما من عمر الأمة، بمعنى أننا تأخرنا وسبقتنا عشرات الأمم التى كانت بجانبنا أو خلفنا. النظام دمر القطاع العام ولم يبنى قطاعا خاصا قويا يقود التنمية، دمر الصناعة الوطنية ولم يهتم بتنمية الثروة الزراعية بكل فروعها: الأرض الثروة الحيوانية السمكية. حدثت حالة توقف فعلى وشامل فى مجال البحث العلمى. لم نكن إذن أمام انتقال من خيار إلى خيار, بل إزاء تفكيك وتدمير للمجتمع، والبقاء على قيد الحياة فى هذه الحالة يكون بزيادة الاعتماد على الخارج فى كل شىء: استيراد سلع ماكينات وآلات قروض منح خبراء وشركات أجنبية.

وليس من مهمة هذه الرسائل وصف وتحليل حالة مصر فى العقود الثلاثة الأخيرة فهذا عرضناه فى مجالات أخرى. ولكن كان لابد من الإشارة إلى الحالة الفوضوية التى وصلت إليها مصر وأضافت مشكلات جديدة تحتاج لحلول عاجلة.

التركيب السكانى وحسن التوزيع:

ولعل أبرز مشكلات البلاد نتجت عن التعامل العشوائى مع مسألة التركيب السكانى وحسن توزيع السكان, فقد ذكرنا فى البداية هذه الخاصية التى تميز مصر وهى نادرة بين البلدان الأخرى. وهى تركز معظم السكان فى 4% من مساحة البلاد. وقد أدى تزايد السكان إلى حالة من التكدس غير المسبوق فى الدلتا والوادى, وأدى إلى تجريف أكثر من 2 مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية. وأدى اختفاء الطمى الذى يجدد التربة (بعد بناء السد العالى) إلى تراجع عام فى جودة الأراضى، بالإضافة لزيادة ملوحة الأرض فى شمال الدلتا، مع احتمال تآكل أجزاء من الدلتا فى السنوات القادمة فى إطار المتغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحر. ومع ذلك فإن الدولة تقف عاجزة أمام مواصلة تجريف الأراضى الزراعية بصورة متوحشة ويومية، وما تزال تتحدث عن وجود 9 ملايين فدان ولا تخصم أبدا الأراضى الضائعة.

وكان الخبير المصرى المعروف رشدى سعيدقد طرح مشروعا فى منتهى الأهمية، نحن نعتبره مشروع حياة أو موت. كان رشدى سعيدخبيرا معتمدا للدولة فى عهد عبد الناصر, أما فى عهد السادات مبارك فتحول إلى مجرد كاتب لا يؤخذ برأيه، وهذا رمز للحالة التى بدأنا بها الحديث, فالمشكلة مع النظام الحالى ليست أن له رؤية خاطئة، بل فى أنه ليس له رؤية على الإطلاق. فإذا رفض مشروع رشدى سعيدفما هو المشروع البديل؟ لا يوجد.

المشروع يقوم على فكرة أساسية وهى إعلان حالة الطوارىء الرسمية والشعبية لإنقاذ ما تبقى من الوادى والدلتا, واعتبار هذه المنطقة محمية طبيعية، ويوقف البناء فيها إطلاقا، بل يتم نقل ما يمكن نقله مما بنى بالفعل من مبانى رسمية ومصانع إلى خارج الوادى (فى الصحراء). ويتضمن المشروع وقف تصدير الغاز الطبيعى وتوجيه كل الناتج المحلى للنهضة الصناعية.

المشروع فكرته بسيطة, ولكن حيوية إلى أبعد مدى, لأنه يستهدف الحفاظ على مصر الزراعية، ولكن تنفيذه يحتاج لعزم الرجال وروح الجهاد, وهى أمور غير متوفرة لدى حكام هذا العهد. المشروع يشير إلى الحفاظ على مصر الزراعية كحد أدنى ضرورى لضمان الأمن الغذائى, ولكنه يؤكد أن النهضة الاقتصادية الكبرى لابد أن تكون فى الصناعة, وهذا هو التوازن الذى يؤمن به حزب العمل.

أكذوبة غزو الصحراء:

شعار غزو الصحراء عن طريق زراعتها تردد كثيرا، دون مراعاة حقائق العلم، فالمعروف تاريخيا وجيولوجيا أن الصحراء لم تكن كذلك فى الماضى, وكانت موزعة بين البحار والأنهار والمزروعات, وأن ظروفا مناخية متغيرة أدت إلى تصحرها. وبالتالى فإن الصحراء نتاج ظرف مناخى تاريخى، من أهم ملامحه ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة. وبالتالى فإن الحديث عن زراعة الصحراء يجب أن يتم بحذر, وأن يتركز على الأراضى المتاخمة للوادى والدلتا, وهذا ما حدث بنجاح فى فترات سابقة. فالظروف المناخية تكون ملائمة وإمكانية توصيل مياه النيل تكون سهلة وأقل تكلفة. مع مراعاة أن مصر بدأت تدخل فى مرحلة الفقر المائى, وهذه أهم عقبة تواجه مسألة التوسع الزراعى عموما فى مصر. أما المياه الجوفية فلابد من الاستعانة بها, مع ملاحظة أنه لا توجد تقديرات علمية دقيقة لحجم هذه المياه فى الأماكن المختلفة, وهذا أيضا من شواهد غياب الرؤية والمشروع من أذهان الحكام. لأن الأقمار الصناعية ووسائل البحث العلمى والتنقيب سهلت الأمور, ولكن حكامنا غير مشغولين بهذه الأمور!

بل أراد الحاكم أن يحقق مشروعا ضخما ينسب إليه، وأن يقال أنه أنشأ دلتا جديدة، فكان مشروع توشكىالفاشل, لأنه لم يراع الاشتراطات التى أشرنا إليها، فهو بعيد عن الوادى، ويعتمد أساسا على مياه النيل التى نعانى من عجز منها حيث يحتاج (5 مليارات متر مكعب سنويا)، كما أن المناخ فى هذه المنطقة غيـر ملائـم لمعيشة البشــر حـيث تتجاوز درجات الحرارة أحيانا الـ 50 درجة، كذلك تتعرض المنطقة لظاهرة كثبان الرمال، وهذا ما يهدد قناة المياه والمزروعات، كذلك فإن قناة المياه لابد أن تكون مبطنة بالأسمنت، ولكن نسبة البخر تكون عالية.

وتوصل العلماء بالتجارب إلى معادلة بسيطة للغاية تقول: الزراعة = الماء. بمعنى أن الماء هو الشرط الضرورى وربما الوحيد للزراعة، فهناك مزروعات تم استنباتها فوق المياه بدون تربة. والبحر به مزروعات، والصحراء بها مزروعات فى حدود الأمطار التى تهطل أو العيون التى تتفجر. وبالتالى فإن كثرة الحديث عن غزو الصحراء باستخدام مياه النيل نوع من الضجيج الأجوف، لأن نصيب مصر من المياه يتناقص كل عام مع زيادة عدد السكان. ولدينا فى حزب العمل تصورات حول كيفية مواجهة مشكلة نقص المياه, ولكننا سنظل بالتأكيد من البلاد التى لا تتمتع بوفرة من المياه. وهذا يعنى أن إمكانياتنا فى التوسع كبلد زراعى محدودة. مما يحتم ضرورة الحفاظ على ما تبقى من الأراضى الصالحة للزراعة لضمان الأمن الغذائى, ولا شك أن أراضى الوادى والدلتا هى أخصب هذه الأراضى، ولابد من الحفاظ على ما تبقى منها.

أما الانطلاقة الكبرى للنهضة والتى ستمكننا من نقل ملايين المواطنين من الوادى والدلتا إلى الصحراء فهى الصناعة.

والذى حدث فيما يسمى المدن والمجتمعات الجديدة كان كارثة بكل معانى الكلمة من زاوية إعادة توزيع السكان, فقد بنيت المدن والمجتمعات الجديدة فى الصحراء ليس من باب رجاحة العقل وحسن الفطن، بل لأن الأرضى الزراعية المحيطة بها قد تم تدميرها بالبناء (مدينة 6 أكتوبر بعد تدمير الزراعة فى كل مناطق الجيزة والهرم كمثال)، ومع ذلك فإن هذه المدن تحولت إلى امتدادات فعلية للقاهرة الكبرى، فهى لم تنشأ كمجتمعات مستقلة بها كافة الخدمات ويسكن فيها من يعمل فيها ويتعلم فيها. فأغلب سكانها يعملون خارجها، والعاملون فيها يسكنون خارجها وحتى فى مدينة العاشر من رمضان تجد كثيرا من العاملين فيها إما من القاهرة أو من الشرقية (الدلتا) وبالتالى لم تتحول إلى مراكز مستقلة. وهكذا تحولت القاهرة الكبرى إلى مدينة مجنونة قطرها يتراوح بين 50 كيلو مترا إلى 70 كيلومترا يعيش فيها ما بين (16-20 مليون) وهو أمر لا مثيل له فى العالم. ثم يجرى الحديث عن مشكلة مرور، وهل يمكن حل مشكلة المرور فى هذا الوضع؟! كما أن هذا التكدس لا يساعد على خلق ظروف مناسبة لعمل إنتاجى ولا حياة آدمية مناسبة.

وبالإضافة لكارثة القاهرة الكبرى، نجد أن الخروج من الوادى إلى الصحراء أخذ شكل الترفيه عن الأثرياء والسياح, فتم تحويل الساحل الشمالى إلى منتجعات خاصة على طول الطريق بين الإسكندرية ومرسى مطروح. بينما يرى خبراء الزراعة أن هذه المنطقة صالحة لزراعة 3 ملايين فدان من القمح بالتزاوج بين المياه الجوفية والأمطار. وقد تكرر نفس الشىء على طول ساحل البحر الأحمر حيث تحول إلى ساحل سياحى, دون أى اهتمام بتطوير أشكال أخرى من التنمية كالثروة السمكية والتعدينية، وتعمير سيناء بعد 28 عاما من استردادها تركز فى مشروعات سياحية فى جنوب سيناء. والمعروف أن المشروعات السياحية التى هيمنت على كل هذه المناطق الصحراوية لا تستوعب إلا أعداد قليلة من العاملين.

وبالتالى فإن كثرة الضجيج عن الخروج من الوادى تحول إلى مجرد خروج المصطافين المصريين بالإضافة لاستقبال السياح الأجانب. ولم يؤد كل هذا الحراك إلى أى تعديل يذكر فى توزيع السكان.

وإذا عدنا من جديد إلى مشروع رشدى سعيدنقول إن ندرة الأرض الزراعية تجعل من العبث أن نبنى أى مشروع داخل الدلتا والوادى لا علاقة له بالزراعة. لذا ما معنى أن نبنى مصنعا على أرض زراعية، ثم نبنى مساكن للعمال على الأرض الزراعية.. إلخ. وليس المقصود بالصحراء هو الذهاب إلى أعماقها أو إلى أماكن سيئة المناخ كما ذهبوا فى توشكى, بل إن بناء التجمعات الصناعية يكون ملائما بالقرب من موانىء التصدير أو بالقرب من الوادى والدلتا.

المنطقة من القاهرة للسويس كمثال نموذجى لذلك. ولكن ماذا حدث فيها؟ تم بناء عدة تجمعات سكنية تحولت إلى امتدادات للقاهرة, أما مشروع المنطقة الصناعية فى السويس وشرق التفريعة فى بورسعيد فما يزال حديث الصحف والتمنيات.

وحدثت نفس الكارثة فى الصعيد فتحولت المدن الجديدة إلى مجرد امتداد للوادى, فلا يوجد بها أى نشاط إنتاجى ولا حياة مستقلة، بل تحولت الوحدات السكنية فيها إلى مجال للمضاربات على سعرها دون أن يتم إشغالها بالفعل.

وهكذا بعد 35 عاما لم يتم إعادة توزيع السكان وزادت الحياة اختناقا وتخرج القرى تدريجيا من النشاط الزراعى وتتحول إلى مدن صغيرة فاشلة. ومن هذه الأماكن تحديدا يخرج آلاف الشباب يضحون بحياتهم فى هجرة غير شرعية لأوروبا عبر سفن الصيد!

ولن تنهض البلاد إلا عبر صحوة صناعية خارج الوادى والدلتا فى إطار مجتمعات متكاملة بها من الخدمات وأماكن الترفيه وأماكن السكن ووسائل النقل والمواصلات ما يجعلها جاذبة للعاملين من أجل الإقامة الدائمة (رشدى سعيد يقترح أيضا تفكيك المصانع القائمة وإعادة تركيبها خارج الدلتا والوادى).

لا مستقبل لمصر كباقى الأمم الناهضة إلا بالاندفاع فى صحوة صناعية حقيقية، صناعة وطنية تقدم على تشغيل عدد كبير من العمال لإشباع الحاجات الأساسية للناس، وتقتحم مجالات الصناعة المتطورة من أجل احتياجات البلاد ومن أجل التصدير.

ما يعنينا الآن أن مواجهة أزمة تكدس السكان والبطالة وضياع رقعة الأرض الزراعية لا يمكن أن يتم إلا بضربة واحدة.. هى النهضة الصناعية على أن تتموضع خارج الوادى.

مصر بلد طارد للسكان لأول مرة:

أصبحت مصر لأول مرة فى التاريخ بلدا طاردا للسكان، وبعد أن كانت جاذبة للمهاجرين من العرب والعجم، وهاجر المصريون بالملايين إلى بلاد العرب والعجم، ورغم أن السياسات الاقتصادية الخاطئة مسئولة عن ذلك، إلا أن اكتشاف أماكن للرزق الأوسع كان سببا مهما إضافيا لهذه الظاهرة الجديدة. وهذه ظاهرة تاريخية يجب ألا تقلقنا فهى دورات، وكما استقبلنا ممثلين من شعوب أخرى، فيمكن لشعوب أخرى أن تستقبلنا فى ظروف أخرى.

على المستوى العربى خاصة فى السودان (وقد تحدثنا عن ذلك) نرى أن هجرة وتوطن المصريين ظاهرة إيجابية تساعد على تلاحم الشعوب العربية وإعادة انصهارها مع بعضها البعض.

ونحن نرى أن الهجرة المصرية المنظمة للسودان وأى بلد عربى آخر ظاهرة إيجابية, شريطة أن تكون تحت السيطرة وتحت إشراف الحكومة المصرية، وأن تكون هناك علاقات منظمة معهم حتى لا تترك أحوالهم للظروف العشوائية حتى وإن حصلوا على جنسية أخرى ومن باب أولى أن يحدث ذلك مع الجاليات المصرية فى شتى أنحاء العالم, فكل هؤلاء قوة لا تقدر بثمن إذا أحسن توظيفها لخدمة مصالح البلاد.

أما ما يحدث الآن فهو نوع من الهروب الجماعى من مصر, والحكومة لا تملك أى سياسة تجاه هذه الظاهرة، بينما أصبح السفر العشوائى للمواطنين يعرضهم لسوء المعاملة والمغامرات غير مأمونة العواقب.

*****

مصر بلد العشوائيات:

فى ظل غياب تصور للتعامل مع الحراك السكانى أو حل مشكلة الإسكان، الناجمة أساسا من هذا التكدس السكانى، أو طرح تصورات غير واقعية كالمدن الجديدة ذات الأسعار المرتفعة للسكن، بالإضافة لبعدها عن أماكن العمل، تحركت الجماهير بمبادراتها الخاصة وصنعت بمبادرتها الخاصة أكبر التجمعات وأكبر المدن والأحياء بأرخص الأثمان وأقرب ما يكون لأماكن العمل، فكانت حركة العشوائيات بالملايين التى التفت بأحزمتها حول المدن، أو صنعت بؤرها الخاصة فى أى فجوة بين الأحياء القائمة بالفعل، فيما أصبح يعرف بالمناطق العشوائية, ولطالما صبت الحكومة وإعلامها جام غضبها على الناس الذين فعلوا ذلك ولكنهم كانوا فى الحقيقة يحلون مشكلة الإسكان المتفاقمة فى المدن والتى تخلت الحكومة عن حلها. وقد أدت هذه العشوائيات إلى المزيد من التضخم السرطانى لمدينة القاهرة وغيرها من المدن, وأدت إلى اختناقات فى الخدمات، ولكن الناس فعلوا بعشوائية ما رفضت الحكومة أن تقوم به بانتظام, وأصبح أمرا واقعا جديدا يؤكد حالة التكدس السكانى فى أصغر مساحة من البلاد، ومن أغرب الظواهر التى نشأت خلال ذلك تحول مقابر القاهرة إلى مساكن للأحياء الذين رأوا أنه لا خيار أمامهم إلا مشاركة الأموات فى حياتهم بالمقابر!!

وتكررت نفس الظاهرة العشوائية حول وداخل مختلف المدن. أما فى الريف فأخذت العشوائية شكل التوسع فى البناء على الأرض الزراعية (التجريف) خارج إطار القواعد والقانون.

وما يهمنا هنا أن هذه الظاهرة فاقمت فى حالة التكدس السكانى على أصغر مساحة من مصر، أى داخل الوادى والدلتا، ولم ترتبط بظهور مراكز حضارية أو إنتاجية جديدة, بل كانت تتحلق وتدور حول نفس المراكز السكانية والإنتاجية القديمة, وهو الأمر الذى كان لابد أن يؤدى إلى تفاقم معدلات البطالة التى وصلت حقيقة إلى 19%، وأيضا إلى زيادة معدلات الجريمة، واتساع ظاهرة الاقتصاد السفلى (تجارة المخدرات التهريب الصناعات غير المرخصة.. إلخ).

*****

آثرنا أن نبدأ بهذه الخلفية، فهذا هو مسرح العمليات، وقد تحولت مصر إلى أرض ضربت الفوضى فيها أطنابها، وتكدس الإنسان والحيوان والنبات معا أدى إلى حالة من التعفن (بتعبير د. جمال حمدان) وأصبحت البلاد مكانا كريها طاردا لأهله بالمعنى الروحى والمادى، وليست مكانا للسعادة المشتركة، بل فى مقابل هذه الصورة القبيحة التى يعانى منها معظم السكان قام المترفون عبر وزارة الإسكان وبأموال الشعب ببناء عشوائياتهم الخاصة, وهى مدن وقرى وتجمعات الأغنياء المغلقة عليهم بأسوار من حديد ستجدها حول القاهرة أيضا التى تتوسع بلا نهاية فى كل الاتجاهات، وستجدها على كل سواحل مصر، وعلى طريق مصر الإسكندرية الصحراوى, ولا أحد يعرف ماذا يدور خلف هذه الأسوار إلا من خلال بعض الإعلانات التى تثير حفيظة وجنون الشباب العاطل الذى لا يطمع فى أن يجد مأوى للزواج يوما ما فى أى مكان.

وفى ظل غياب خطة للتنمية تستوعب طاقات من 80 ألف إلى مليون باحث عن فرصة عمل سنويا، فإن الذى أخر الانفجار الاجتماعى الكبير هو ما سميناه حالة الهروب الكبير من البلاد للعمل بالخارج, ولكن هذه الفرص تقلصت الآن بصورة كبيرة، فأغلقت العراق ودول الخليج وليبيا، كما أن أوروبا ترفض وتقيد معظم الهجرة غير الشرعية. ولا تزال بعض الأسر تعيش على مدخرات الماضى أو ما تمكنت من استثماره, ولكن آفاق الحياة الاقتصادية تضيق، وفرص العمل المجزية تكاد تتركز فى العمل مع الشركات الأجنبية، والعاملون فيها يشكلون شريحة ضيقة جدا من إجمالى قوة العمل فى البلاد.

هذا ليس عرضا لكل مشكلات البلاد الاقتصادية، ولكن الصورة الخلفية أو مسرح العمليات من زاوية الانتشار السكانى. فنحن فى بلد يكتظ بالسكان على 4% من مساحته (التى تبلغ مليون كيلو متر مربع) دون خطة واضحة للتنمية أو للخروج من الوادى، فالناس تكاد تأكل بعضها خاصة فى المركز (القاهرة الكبرى التى تحوى ربع السكان) بدأت عملية الهروب للخارج منذ عقود، الآن يتعرض انسيابها لمشكلات كبيرة، فتحول الهروب إلى عمليات انتحارية عبر المتوسط، الصعيد أصبح طاردا لسكانه، أكثر من أى وقت مضى، وفرص العمل والإنتاج تكاد تكون معدومة بالنسبة للأجيال الصاعدة والكثافة السكانية فيه تقل، ويتكدس الناس أكثر حول القاهرة والدلتا!! وليس لدى الحكومة ما تقوله فى هذا الشأن إلا الدعوة المستمرة لتحديد النسل وسنخصص حلقة لهذا الموضوع، ولكن الرد العملى والسريع جاء من الصين والهند فأكبر بلدين من حيث عدد السكان أصبحا الآن فى المركزين الثانى والرابع على مستوى الاقتصاد العالمى بعد أن كانا فى عداد البلدان الفقيرة والمتخلفة منذ عقدين أو ثلاثة عقود، كما اكتفيا من القمح ويصدرانه للخارج!

(9) التنمية المستقلة

بعد هذه المقدمة العامة عن أحوال مصر الراهنة ننتقل إلى صلب الموضوع. لم يتطور أى بلد فى العالم فى الماضى, ولا فى الحاضر, ولن يتطور أى بلد فى المستقبل, إلا اعتمادا على ذاته وقواه الوطنية والخاصة. فكما يحدث على مستوى الأفراد فإن الإنسان الذى يريد أن يتفوق فى حياته عليه أن يبذل من الطاقة والجهد ليحقق ما يريد (ومن طلب العلا سهر الليالى). كذلك بين الأمم فلا توجد أمة تأخذ بيد أمة أخرى, وربما تكون هذه ظروف مساعدة, ولكن الأساس أن تتولى كل أمة شئونها بنفسها, وأن تكدح حتى تحصل على المكانة اللائقة بها بين الأمم.

كان يجرى فى مصر فى العقود الماضية حوار مكتوم هل من الأفضل لمصر أن تسير فى ركاب الاتحاد السوفيتى أم تسير فى ركاب الولايات المتحدة؟ والآن يجرى حوار مكتوم هل لدينا خيار الآن سوى مسايرة الولايات المتحدة والغرب؟

هذه الحوارات بين النخبة وبين الناس كانت تعكس حالة من الهزيمة النفسية, ولم يتصوروا أن مصر قادرة على النهوض بالاعتماد على سواعد أبنائها وعقول خبرائها, وأن هذه هى الخبرة الوحيدة للبشرية عبر التاريخ, والمسألة لا تتعلق بمصر دون باقى دول العالم. فهذا هو قانون النمو والتنمية. وقد تم ترويج أكذوبة حول أن أمريكا كانت وراء نهضة ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية, أو أنها كانت وراء النهضة الآسيوية. والحقيقة عكس ذلك تماما, فالولايات المتحدة لم تسع إلا إلى الاحتواء والهيمنة والسيطرة, وعدم السماح بأى نمو حقيقى ومستقل لأى أمة من الأمم. وهذه كانت السياسة الرسمية تجاه اليابان وغيرها عقب الحرب كما ورد فى قرار مجلس الأمن القومى الأمريكى رقم 48 لعام 1949 وهو ما سموه التبادل والمنفعة المشتركةوقدروا أن الأمم الأسيوية (لا تملك أى منها مصادر كافية للتصنيع العام), قد تستطيع الصين والهند واليابان (توفير قدر من الشروط الضرورية ولكن ليس أكثر من ذلك) واعتبرت أن آفاق اليابان محدودة تماما (قد تنتج بعض الخردوات وبعض المنتجات للعالم المتخلف وليس أكثر من ذلك). إذن عندما تحتل الصين واليابان والهند المراكز 2،3،4 على اقتصاد العالم الآن فإن ذلك قد جرى رغم أنف أمريكا وبإرادة وطنية صلبة داخل كل بلد من هذه البلدان.

وما حدث مع هذه البلدان الكبيرة تكرر مع النمور الآسيوية التى بدأت كلها تغزو الأسواق الأمريكية وتنافس السلع الأمريكية, ثم بدأ يحدث الآن مع دول أمريكا اللاتينية. وترى الدول العظمى عادة أن صعود قوى اقتصادية جديدة حتى وإن كانت على المستوى الإقليمى فإن ذلك يعد خصما من نفوذها الاقتصادى ومن سوقها العالمى. ولذلك فإنها لا تشجع مثل هذا النهوض, بل وتحاربه. وهذه الحرب تتزايد بالنسبة لبلد مثل مصر للأسباب التى أشرنا إليها من قبل, كما أن مصر هى القادرة على توحيد العرب (300 مليون), وهذا يحولهم إلى قوة عظمى, حيث سيكونون القوة السكانية الرابعة بعد الصين والهند والولايات المتحدة، إذا توحدت قوتهم الاقتصادية فسيتحولون من مستهلكين لسلع أمريكا والغرب إلى منتجين لسوقهم الكبير ثم بعد ذلك إلى مصدرين لغيرهم.

ولكن حتى بمنطق تنمية مصر وحدها فإن هذا الأمر لن يكون مرحبا به فى الغرب, لذلك لابد من التمرد على تعليمات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى عندما تتعارض مع خططنا الوطنية كما فعلت ماليزيا ودول أمريكا اللاتينية مؤخرا.

سيقول قائل كيف تسعى أمريكا إلى تخريب أو إضعاف مصر بينما هى تسيطر عليها ومن مصلحتها أن تزدهر مصر وهى فى كنفها لتكون نموذجا للآخرين؟!

ليس المقصود بالإضعاف أو التخريب أن تضرب مصر بالقنابل أو يتم تحطيم المبانى أو حدوث مجاعات أو انهيارات شاملة. المقصود هو وضع مصر (وأى بلد آخر مستهدف) فى إطار مشروع الهيمنة الأمريكى العالمى، وأن يكون لها دور صغير جدا فى إطار هذا المشروع، ولابد أن يكون ازدهارها شكليا (فنادق 5 نجوم قرى سياحية تحسين البنية التحتية.. إلخ) حتى تظل سوقا مفتوحة للبضائع الأمريكية (كوكاكولا مكدونالد ومبى كنتاكى جنرال موتورز حلويات ومواد غذائية أخرى على رأسها القمح والذرة), وألا يزيد طموح مصر الاقتصادى عن بعض الصناعات الصغيرة والخردوات (كما فكروا بالنسبة لليابان!) أو باختصار كل المجالات الفرعية التى لا ترغب الولايات المتحدة فى تصديرها إليها حيث لا يمكن لها أن تلبى 100% من احتياجات السوق فلماذا لا تترك مثلا الأدوات المنزلية للصناعة المصرية؟!

وسأروى قصة حقيقية لتقريب صورة ما أقول للأذهان:

فى عام 1988 أو 1989 كنت فى زيارة رسمية للولايات المتحدة ضمن وفد من أعضاء مجلس الشعب المصرى, وكان فى برنامج الزيارة مقابلة مع المسئول عن المكتب المصرى بوزارة الخارجية الأمريكية (وكان سيدة) فى أثناء اللقاء طرح نواب الحزب الحاكم عليها أسئلة ساذجة: لماذا لا تقوم الولايات المتحدة بمشروعات كبيرة فى مصر حتى تكون عنوانا على عمق الصداقة المصرية الأمريكية كما فعل الاتحاد السوفيتى مع مصر فى بناء السد العالى؟!

وقد ردت المسئولة الأمريكية ردا بالغ الأهمية إذ قالت لهم: لماذا أنتم مهتمون بالمشروعات الكبرى؟ أن اقتصاديات الدول لا تنمو بالضرورة بالمشروعات الكبيرة، لماذا لا تأخذوا من باكستان قدوة والتى برعت مؤخرا فى صناعة مضارب التنس! (وبالمناسبة لابد من الإشارة إلى أن الاتحاد السوفيتى ليس هو صاحب فكرة مشروع السد العالى, ولقد كان اختيارا مصريا وطنيا وكذلك فى التنفيذ والاتحاد السوفيتى قدم الخبرة والمشورة والمساعدة فى التنفيذ).

ولكن ما هى المبادىء أو الاشتراطات التى يتعين الالتزام بها لتحقيق التنمية المستقلة وهى التنمية الوحيدة التى تضعنا على الخريطة الحقيقية للعالم؟

أولا: استقلال القرار السياسى:

أى بحث فى الأمور الاقتصادية بعيدا عن الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة, وتصور أن الاقتصاد مجرد أمور فنية أو مفاضلة بين تصورات محض اقتصادية, فهذا المنهج فى التفكير أصبح مرفوضا فى كافة المدارس الاقتصادية. بينما كانت الرؤية الإسلامية دائما تضع الاقتصاد فى وضع التابع للتصور الأشمل للكون والحياة ومن ثم السياسة.

وأى حديث عن تنمية اقتصادية مستقلة لا يمكن أن يبدأ بشكل جدى وحقيقى إلا فى وجود سلطة وطنية تمتلك إرادة سياسية وعزيمة على رفض أى ضغوط أجنبية خارجية, وأى محاولة للهيمنة على القرار الوطنى المستقل, مع وضع الحواجز الكافية لمنع القوى الأجنبية من اختراق الدوائر العليا لاتخاذ القرار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَر) (آل عمران: 118).

وفى البلاد غير الواقعة تحت الاحتلال التقليدى, فإن اتخاذ هذا القرار بتحصين وتأمين القرار المستقل للنظام الوطنى لا يعنى ولا يؤدى حتما إلى حرب بالمعنى المسلح مع القوى العظمى, ولكنه لا شك يعرضها لمخاطر عديدة: حصار اقتصادى مؤامرات لاغتيال رمز أو رموز النظام محاولة تخريب الاقتصاد عن طريق التلاعب فى البورصة وأسعار العملات الأجنبية, وأسعار السلع عموما, وقد يصل الأمر إلى تهديدات عسكرية. ولكننا نحن هنا نتحدث عن استقلال الوجود الوطنى وهى مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا, ومسألة عقيدة, أما القوى الخارجية فإنها ستجبر إزاء الإصرار الوطنى الاستقلالى على التراجع والاعتراف بالأمر الواقع كما تفعل أمريكا الآن مع عشرات الدول المستقلة والتى تمردت على الهيمنة الأمريكية.

ولن يؤمن استقرار هذا الاستقلال السياسى إلا التفاف جماهيرى واسع يحمى النظام الوطنى ويدعمه دفاعا عن الوطن. فلابد للقوى الأجنبية أن تشعر أن البلد كله على قلب رجل واحد, بل لابد أن يكون الأمر كذلك بالفعل لسد الثغرات التى تنفذ منها القوى الخارجية المضارة من هذا الاستقلال.

ونحن هنا أمام التقاء طبيعى ومنطقى بين الرغبة الدفينة فى الحياة الحرة الكريمة وبين الخيار الاقتصادى الأفضل (التنمية المستقلة) وبالتالى فان الأمة ستكسب فى النهاية مهما كانت التضحيات فى المدى القصير.

(راجع المزيد من الآيات القرآنية حول ضرورة استقلال المجتمع المسلم ورفض موالاة الأعداء فى دراسة الاقتصاد الإسلامى).

ثانيا: دور الدولة فى التنمية:

اجمع الخبراء من الناحية النظرية وأجمعت التجارب العملية على أن أى تنمية اقتصادية ناجحة لا تتم بدون دور قيادى للدولة, وبالتالى فإن ما يروج فى بلادنا عن أن الاقتصاد الحر يعنى انسحاب الدولة من الاقتصاد, هو كلام عفى عليه الزمان حتى فى بلاد الغرب، وحتى قبل الأزمة الطاحنة الأخيرة (2008-2009). ومع ذلك فنحن نركز الآن من منظور التنمية: أى من منظور بلد تخلف عن ركب الحضارة ويريد اللحاق بها فى أسرع وقت ممكن.

التنمية (ونعنى دائما بها هنا التنمية المستقلة) ليس مجرد مشروعات توضع على الورق ثم يتم تنفيذها على أرض الواقع. التنمية الحقيقية التى تنقل البلد من حال إلى حال أشبه بالحرب التى تحتاج إلى قيادة مركزية حازمة ويقظة, وتحتاج إلى تعبئة شعبية, وحرارة فى التنفيذ, وشحذ للهمم، وتحتاج لتعديلات فى الخطة هنا أو هناك بناء على أى مستجدات تطرأ على الساحة.

ولا يمكن أن تتحقق التنمية بمجرد نشاط شركات عامة أو خاصة هنا وهناك بدون خطة تضع أولويات للعمل الاقتصادى الوطنى, وليس المقصود بالخطة تلك الخطط الجامدة التى كانت تنفذها النظم الشيوعية والتى حاكتها بعض الأنظمة العربية. التجارب الناجحة للتنمية اعتمدت على مجلس مركزى اقتصادى أو تنموى يضم ممثلى الحكومة ورجال الأعمال والهيئات الشعبية (كالنقابات). ويضع الخطوط العريضة للتنمية من زاوية أولويات التركيز, وهو لا ينشغل بالأمور الاقتصادية بالمعنى الضيق بل بكل نواحى الحياة الاجتماعية التى تنعكس على الاقتصاد، كتطوير التعليم وفى أى اتجاه مثلا. وهو يقرر فى أى المجالات الاقتصادية يجب التركيز ,وما هى القطاعات الرائدة التى يمكن أن تقود قاطرة الاقتصاد. وما هى المجالات التى إذا تخصصت فيها البلاد برعت. وهذا المجلس عادة ما تكون قراراته نافذة على جميع الأطراف. ولكنه يكون فى حالة انعقاد مستمر للمتابعة وتعديل المسارات, فهو لا يضع خطة خمسية ثم يعود بعد فترة ليضع خمسية تالية، كذلك فإن خطط هذا المجلس لا تكون بالضرورة رقمية فحسب, فهى تحدد الاتجاهات العامة، ولكنها لابد أن تضع بعض المؤشرات الرقمية فى بعض المجالات ولو بصورة تقريبية حتى تظل هناك أهداف واضحة لحركة التنمية. ولابد من إقرار وتجاوب شعبى واقتناع عام بها حتى يتحمس الجميع لتنفيذها، وبالتالى لابد للهيئات الشعبية المختلفة أن تكون موافقة أو متوافقة مع الاتجاه العام للخطة.

والدولة هى التى تصدر من خلال المجلس التشريعى التشريعات المحفزة لخطة التنمية، وهى القادرة على تعبئة الموارد فى الاتجاه المطلوب,وعقد الاتفاقات الدولية التى تخدم الخطة,وتضبط أسعار الصرف ومختلف السياسات المصرفية,وهى التى تملك السلطات والصلاحيات لتطوير التعليم,وخطط البحث العلمى..إلخ.

وستظل الدولة هى العقل المركزى للمجتمع سواء فى فترة انطلاق التنمية أو ما بعد ذلك.وهذا مفهوم راسخ فى الاقتصاد الإسلامى.

بل لا يقتصر دور الدولة على دور القائد والمنظم فقد يستدعى الأمر,وهو يستدعى غالبا أن تشارك بنفسها فى إقامة المشروعات الإنتاجية الضرورية التى لا يقوم بها القطاع الخاص عن تقصير أو عجز.هذا بالإضافة لمسئولية الدولة المستديمة عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين خاصة وأن كثيرا منها قد لا يحقق ربحا.

ثالثا:إشباع الحاجات الأساسية:

تقوم نظرية التنمية المستقلة,على أساس بالغ الأهمية,وهو أن تكون الخطة أو الخطط المشار إليها تستهدف إستراتيجية محددة, وهى إشباع الحاجات الأساسية لجموع المواطنين وبهذه الرؤية يتم تحقيق عدة أهداف بحجر واحد:

1. فإذا تم إشباع الحاجات الضرورية للمواطنين من خلال الإنتاج المحلى فهذا سيؤدى إلى تخفيض هائل للواردات، ويوفر المزيد من العملات الأجنبية التى يمكن توجيهها لاستيراد أمور أكثر أهمية,كبعض المواد الوسيطة للصناعة أو شراء أجهزة ومعدات وماكينات وآلات,وإن كانت خطة التنمية لا تستبعد بل تحتم صناعة الآلات والماكينات,ولكن ليس بالضرورة إن تغطى ذلك منذ البداية، وقد تستمر البلاد فى المستقبل لا تغطى كل احتياجاتها من الآلات, وقد تتخصص فى مجالات دون أخرى.

2. إستراتيجية إشباع الحاجات الأساسية تتضمن أن توجه الموارد الوطنية وفقا لخطة رشيدة تراعى الأولويات.ولا تبدد ثروات البلاد فى أمور ترفية.

3. وهذا يؤدى إلى ربط التنمية بالعدالة الاجتماعية, بضمان رفع المستوى المعيشى للأغلبية, وتحقيق التقارب بين الطبقات, وعدم الانزلاق لنوع من التنمية المشوهة حيث تعانى البلاد من حالة من الازدواجية، قلة تعيش فى رفاهية تقترب إلى مستوى الغرب وتحظى بمعظم ثمار النمو, وأغلبية لا ينالها إلا الفتات.

4. هذه الإستراتيجية لها دور أساسى فى رفع مستوى القطاعات الإنتاجية وترسيخ أقدامها خاصة فى الصناعة, فكثيرا ما يتحدث الناس عن الصادرات, وينسون السوق المحلى,فى حين أن الشركات الصناعية الكبرى لم تغزو الأسواق العالمية إلا بعد استيعاب السوق المحلى, فالعمل فى السوق المحلى مرحلة مهمة للإعداد، وهو الذى يضع الأساس لأسلوب الإنتاج الكبير. فإذا أخذنا مصر كمثال فنحن أمام سوق من 80 مليون مستهلك,وهذا سوق كبير يكفى لإقامة صناعة كبرى وتحقيق أرباح هائلة,وهو يحتمل المنافسة بين عدة شركات فى كل مجال من مجالات الإنتاج,وهى المنافسة التى تحافظ على الجودة وتطورها,وتساهم فى خفض الأسعار.أما التنمية القائمة على تطوير قطاع صناعى للتصدير,فهى تؤدى إلى حالة من الثنائية الاقتصادية التى أشرنا إليها,أى تؤدى إلى خلق اقتصادين ومجتمعين داخل بلد واحد,قطاع صغير متقدم ماديا,والقطاع الأكبر متخلف.

وقد جمعت التجارب التنموية الأسيوية بين الأسلوبين,فخففت من مضار الاعتماد على قطاع صناعى مخصص للتصدير.أما فى مصر (السادات مبارك)فلم نأخذ بأى من الأسلوبين,ولم تحدث أى تنمية فى أى اتجاه,بل مشروع هنا ومشروع هناك دون أى رؤية,وهذا هو أساس الانهيار الاقتصادى الراهن.

وليس معنى خيار التركيز على إشباع الحاجات الأساسية,استبعاد الاهتمام بتصدير السلع الصناعية,بالعكس فإن الاتجاه للتصدير يعنى أن السلعة قد وصلت إلى درجة معقولة من الجودة.ولكن هذا الاهتمام يأتى فى إطار التصور العام الذى يركز على أولوية إشباع الحاجات الأساسية,وبالتالى فإن القطاعات التى تنجز ذلك يمكن أن تتجه إلى التصدير,وهذا بنسب متفاوتة من قطاع لآخر.أما القائلون بالاعتماد على قطاع صناعى للتصدير,فهم يستهدفون الحصول على أرباح مالية بالعملة الصعبة,يمكن الاستفادة منها فى تنمية القطاعات المتأخرة,أو استيراد احتياجات المجتمع من الخارج على ضوء توفر العملات الصعبة من التصدير.ولكن خطورة هذه الخطة أنها تبدأ بالاعتماد على الخارج.فماذا لو أصابت الصادرات نكسة لأى سبب خارجى أو داخلى خارج عن الإرادة؟ وماذا لو لم تكف موارد الصادرات لاستيراد الاحتياجات من الخارج نتيجة ارتفاع أسعار الواردات المطلوبة.لذلك كما ذكرنا زاوجت التجارب التنموية الآسيوية بين الأسلوبين,فاهتمت بقطاع صناعى للتصدير,واهتمت بالسوق المحلى,ويتضح هذا عندما نعرف أن 80%من السيارات التى تسير فى ماليزيا هى إنتاج ماليزى,وأن معظم السيارات المستخدمة فى الهند من إنتاج هندى.وهكذا تجد الصناعات الوطنية واقفة على أرض صلبة لا تهزها ريح أى أزمة اقتصادية عالمية.

وقد برهنت الأزمة الاقتصادية الأخيرة على ذلك (وهى بالمناسبة أزمة أمريكية وأوروبية بالأساس)فقد تصور بعض المحللين أن الاقتصاد الصينى سينهار بدوره لنقص صادراته لأمريكا التى انخفضت قدرتها على الاستيراد.ولكن المؤشرات الاقتصادية برهنت على عكس ذلك,واتضح أن معدلات التنمية فى الصين تعتمد بشكل متزايد على الاستثمار فى الداخل,أى فى السوق الصينى العظيم,وأن نفس الظاهرة واضحة بالأرقام فى الهند.والأمور نسبية,فإذا كانت السوق الصينى والهندى ذات طابع مليارى!فإن مصر الـ 80 مليون فى وضع أفضل بكثير من بلد عدد سكانه 3 أو 5 مليون.ولكن من يشرح لحكامنا الأهمية الإستراتيجية لزيادة عدد السكان!! كذلك فإن مصر إذا كانت بصحة وعافية معتادة فإن السوق العربى (300مليون) سيكون مرشحا ليصبح امتدادا للسوق المصرى.

تقرير الاونكتاد يؤكد ما نقول:

بعد الانتهاء من كتابة السطور السابقة صدر تقرير بعنوان (الأمم المتحدة تعلن نهاية التصنيع من أجل التصدير!!)والتقرير الإخبارى يلخص تقريرا صادرا عن الاونكتاد فى اجتماعها بالقاهرة، وهى منظمة تابعة للأمم المتحدة. ولأن التقرير يؤكد صحة ما ورد فى السطور الماضية,وأيضا لأهمية الموضوع لأن مسالة التصنيع من أجل التصدير مطروحة منذ سنوات فى مصر، وتنفذ بصورة فاشلة بالمقارنة مع تجارب أخرى. ننشر ملخصا كثيفا للتقرير الذى يقول:

لم يعد التصنيع من أجل التصدير هو الطريق لتحقيق النمو الاقتصادى للدول النامية. بل صار الاستهلاك فى الأسواق المحلية هو الدافع للنمو، بعد أن ضربت الأزمة العالمية الولايات المتحدة، أكبر أسواق التصدير فى العالم، دون وجود بديل سريع يستوعب حجم ما كانت تستهلكه هذه السوق.ويشير تقرير الاونكتاد لسنة 2010 إلى أن سياسة الاعتماد على التصدير كرست لإبقاء أجور العمال عند مستويات منخفضة,باعتبار أن تلك هى الوصفة الرئيسية لتمكين قطاع التصدير من كسب ميزة تنافسية فى الأسواق العالمية. الأمر الذى لم يعد صالحا لمواجهة تداعيات الأزمة العالمية، لأن زيادة الأجور تحفز الطلب المحلى. ومن ثم تدفع النمو الاقتصادى).

من الواضح أن التقرير يربط موقفه بالتطورات الأخيرة، ولكننا نرى أن التطورات الأخيرة (الأزمة الاقتصادية فى الغرب) كانت حتمية ومتوقعة، كذلك فإن الصين أدركت مبكرا أن مواصلة الاعتماد بصورة كبيرة على التصدير لأمريكا يجعلها رهينة للسياسة الأمريكية، ولذلك بدأت الصين تقلل من التصدير لأمريكا لحساب أسواق أخرى ولحساب السوق الصينى المحلى.

والملفت للانتباه أن التقرير ينصح برفع أجور العاملين فى البلاد النامية، لإنعاش الطلب فى السوق المحلى، وهو عكس السياسة المصرية التى رفضت رفع الأجور إلى الحد الأدنى لخط الفقر 1200 جنيها شهريا، ولكن لا شك أن سياسة رفع الأجور مرتبطة بتطور الصناعة المحلية وهذا غير متوفر فى مصر حاليا، وهذه مسئولية الحكام أيضا!!

وهكذا نرى أننا نضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، عندما نعتمد على إستراتيجية إشباع الحاجات الرئيسية. وهو التزام أخلاقى ودينى، فكيف يوفر الاقتصاد كل مظاهر الحياة الترفية لأقلية بينما قسم هائل (منهم 48% تحت خط الفقر) تنقصه أبسط ضرورات الحياة.

ووفقا لمبادىء الاقتصاد الإسلامى فإن توفير حد الكفاية لجميع المواطنين واجب على الدولة الإسلامية, والمقصود بحد الكفاية حد الحياة الكريمة, حيث تتوفر له كافة الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج وقدرة على الزواج وتأمين اجتماعى وتعليم.. إلخ، ويختلف حد الكفاية بين زمن وآخر، ومجتمع وآخر. نقول حد الكفاية لا حد الكفاف، فحد الكفاف هو مجرد المستوى الذى يبقى الإنسان حيا على ظهر الأرض. وهو أمر غير مقبول فى الرؤية الإسلامية.

والوصول لحد الكفاية يتم عبر الاستخدام الصحيح والمحكم للزكاة، وهى تكفى عادة، ولكن إذا لم تكف فباب الضرائب مفتوح على الأغنياء.

5. وبالإضافة للأهداف الأربعة التى تتحقق من إستراتيجية إشباع الحاجات الأساسية، فإن هناك هدفا (عصفورا) خامسا هو أهم الأهداف طرا، وهو إقامة الاستقلال على أساس راسخ، فالبلد الذى يلبى احتياجات الجماهير الأساسية، لا يمكن أن يتعرض لحصار خانق أو يخشى ضغوطا سياسية خارجية، فى عهد عبد الناصر استهدف الغرب حصار مصر بمنع القمح عنها. والآن تهدد الدول الغربية بمنع البنزين عن إيران وهو ما دفعها لوضع خطة اكتفاء ذاتى ببناء عدد من معامل التكرير. فأى بلد لن يتعرض لكارثة إذا منعت عنه فى ظروف حرب أو حصار أى سلعة ترفية أو كمالية, ولكنه سيتعرض لكارثة خطيرة إذا منع عنه الأرز أو القمح أو الوقود أو أى سلعة ضرورية مماثلة. ولنتعلم درسا من اليابان، فرغم أنها تجاوزت مرحلة ما يسمى (التنمية) وأصبحت من كبار اقتصاديات العالم (انتقلت مؤخرا من المركز الثانى إلى الثالث) إلا أن اهتمامها بالاكتفاء بالأرز لم يتغير. فاليابان بإمكاناتها المالية قادرة على شراء أرز العالم، ولكن فى حالات الطوارىء (الحرب أو الحصار) فإن كل أموالها لا تنفعها بشىء فى توفير السلعة الغذائية الرئيسية للسكان. لذلك ورغم ضيق الأراضى الزراعية فى اليابان فإنهم يستخدمون كل وسائل العلم لزيادة إنتاجية الأرض من الأرز للاكتفاء الذاتى منه.

بينما يهاجم مدعو الثقافة الرأسمالية من مسئولى الحكومة فكرة الاكتفاء الذاتى، على أساس أنها فكرة مستحيلة، لأنه لا يمكن العزلة عن العالم، ولا يمكن الاكتفاء من كل شىء، وهذا خلط متعمد للأمور، فلا أحد يدعو للانعزال عن العالم، ولا أحد يدعو للاكتفاء فى كل شىء. ولكن كل المجتمعات الرشيدة والحريصة على استقلالها فإنها تسعى لتأمين الاكتفاء الذاتى فى السلع الضرورية, والتى يمثل توافرها ضمانا للأمن القومى والاجتماعى.

وقد يكون الاكتفاء بنسبة 80% أو 90% على أساس أن أى مشكلات فى توريد 10% أو 20% من الاحتياجات من الخارج لا يسبب أزمة خطيرة. ومع ذلك فقد اكتفت باكستان والهند والصين وروسيا من القمح, بل وتمكنت من التصدير فى أغلب الأعوام. وهذه الرؤية ليست بعيدة عن البلاد الرأسمالية، فالولايات المتحدة بكل جبروتها فى استغلال قوتها العسكرية للسيطرة على منابع النفط، تسعى دوما لتخزين استراتيجى من البترول، وتسعى لتطوير كافة مصادر الطاقة الأخرى، حتى تكون احتياجاتها من الطاقة متوفرة على أراضيها، بل يرى البعض (فى أمريكا) أن ذلك ضروريا لتخفيف الارتباط الحاد والمتوتر بأزمات الشرق الأوسط. أما فى فرنسا فقد سعت للاكتفاء الذاتى من الوقود فى ظل انعدام البترول على أراضيها بالاعتماد على الطاقة النووية التى تغطى الآن 80% من احتياجات البلاد من الطاقة. ويتصاعد اعتماد اليابان والعديد من الدول الأخرى على المفاعلات النووية لذات السبب. بينما اتجهت البرازيل لاستخدام الذرة وبعض المحاصيل الأخرى لاستخراج مادة بديلة للبنزين (الأثينول) وهى تستخدم الآن على نطاق تجارى واسع فى محطات البنزين.

وسنكتشف على كافة المحاور التى نطرحها أن حكامنا مستسلمون للمقاديرالغربية والأمريكية, وأنهم يفعلون ما يؤمرون به، ومن كثرة الأوامر أصابهم الدوار, فأصبحوا بلا رؤية حتى فى المساحات التى أباحت لهم فيها أمريكا الحرية!

رابعا: القفزة الكبرى إلى الأمام:

أجمع علماء الاقتصاد على أن أى بلد لا يمكن أن يندفع فى طريق التنمية إلى الأمام بصورة ملحوظة ومؤثرة إلا فى ظل مجموعة منسقة من المشروعات فى مجالات عدة مختلفة ولكنها تمثل معا حزمة متكاملة تنقل البلاد إلى نقطة أعلى على المستوى الاقتصادى العام. وهذا ليس عودة للحديث عن الخطة، بل شرح لمفهوم الخطة الناجحة، فالخطة الناجحة ليست مجرد قائمة من المشروعات يجرى تنفيذها فى زمن معين، فإذا لم تترابط وتتكامل هذه المشروعات مع بعضها البعض ومع الأوضاع الاقتصادية القائمة، فإنها لن تحقق النقلة التنموية المطلوبة، على سبيل المثال: بناء مصنع للحديد والصلب، دون مصانع أخرى تستفيد من إنتاجه، أو بناء مدن جديدة بدون تهيئة كل الظروف المعيشية الملائمة فيها (كما تحدثنا من قبل) فهذا يؤدى إلى إنفاق أموال وبذل جهد بلا طائل. ومنذ الاستقلال لم تحدث محاولة جادة لتحقيق قفزة كبرى للأمام إلا خلال خطة (1959-1964) وقد كان فيها كثير من الثغرات, وكان يمكن تصحيح المسار, ولكن ذلك لم يحدث لأسباب عديدة, ثم جاءت هزيمة 1967. وفى عهدى (السادات مبارك) فإن البلاد تسير بعشوائية كاملة رغم وجود ما يسمى الخطة، فالخطة عبارة عن أرقام صماء دون رؤية متكاملة لنقل البلاد من مرحلة التخلف إلى النهضة الصناعية الإنتاجية الشاملة، أو نقلها من مرحلة لأخرى. فلم يتم تحديد القطاعات الإنتاجية التى سيتم التركيز عليها، ولا تحديد القطاع الذى يمكن أن يكون قاطرة للتنمية، حتى الاهتمام بالسياحة أخذ شكل التصريحات والصور الرئاسية مع السياح, ولم يتم التعامل معه كقطاع رائد (رغم خلافنا مع ذلك)، فرأينا كيف تفوقت علينا تركيا بعد بلاد جنوب أوروبا بأضعاف مضاعفة سواء من حيث عدد السياح أو المدخول النقدى من السياحة.

خلال 40 سنة لم تكن هناك رؤية واضحة فى أى اتجاه من الاتجاهات، وكانت الحركة فى مجال التنمية مجرد عشوائيات ومشروعات لا رابط بينها: مدن جديدة، توسعات عمرانية، كبارى، مصانع (أغلبها توكيلات لشركات أجنبية).

فلم تنتقل البلاد من مستوى إلى مستوى بأى معيار حقيقى للتقدم, فإذا تركنا أرقام النمو الكاذبة والخادعة، فإن مصر لا تزال فى المرتبة قبل الأخيرة بين الأمم بكل معايير التنمية، أى فى الثلث الأخير مع أكثر البلدان تخلفا, وهى بلدان مجهولة. بمعايير الصناعة نحن أكثر تخلفا، بمعايير الزراعة نحن أكثر تخلفا مما كنا عليه فى الستينيات. كذلك فيما يتعلق بكافة النواحى الإنتاجية: ثروة حيوانية سمكية تعدين. وبعد 35 سنة من إعلان الالتزام بالاقتصاد الحر وحرية الاستثمار فإن التقرير السنوى لمجلة فوربس الاقتصادية الأمريكية لتحديد أفضل الدول فى مجال الاستثمار وضع مصر فى المرتبة الـ 84 من 128 ومن البلاد التى سبقت مصر سريلانكاالتى مزقتها الحرب الأهلية على مدار سنوات عديدة ماضية. أما البلاد التى جاءت بعد مصر فهى دول مثل مالاوى الأفريقية. وسبقت معظم الدول العربية (دول الخليج والأردن وتونس والمغرب) مصر فى الترتيب. ولا يعنى ذلك أن الدول العربية حققت ما ننادى به. ولكن ذلك مؤشر على سوء حالة مصر.

وبدلا من مشروع للقفزة الكبرى، تحدثت الحكومة كثيرا عن البنية التحتية، ولا يوجد فى عالم الاقتصاد مرحلة اسمها (بناء البنية التحتية والمرافق)، فالبنية التحتية تتطور ضمن التنمية الاقتصادية العامة ولا تبنى أولا لوحدها, فهذه فكرة لم يتحدث بها أحد على صلة بالاقتصاد من أى مذهب أو ملة أو قارة أو زمان!!

إن تطوير البنية التحتية والمرافق مسألة لا تنتهى أبدا، فهى جزء مهم ولكنه متفرع من عملية التنمية الشاملة، فإذا كنت تبنى فى مرحلة محطات كهرباء تقليدية، ففى مرحلة أخرى ستبنى محطات كهرباء نووية.. إلخ, وتطور البنية التحتية يتطور مع الاقتصاد ككل. فهل يعلم هؤلاء الذين أكثروا الحديث عن المرافق, أن الصين الآن تنفق على تطوير المرافق: الطرق والكبارى ومصادر الطاقة غير التقليدية أكثر مما تنفق الولايات المتحدة, بل يتحدث حكام الولايات المتحدة عن تدهور خطير فى المرافق والبنية التحتية (الطرق السكك الحديدية الجسور) حتى أن الخطاب الأخير لأوباما تحدث عن خطة لإنعاش الاقتصاد على طريقة (كينز) بتطوير شبكات هائلة من الطرق والسكك الحديدية على مدار البلاد ككل.

إذن أمريكا التى وصلت إلى القمر ستظل هى وغيرها تتحدث عن تطوير المرافق, ولكن لا يوجد عاقل واحد يتحدث عن البنية التحتية كمرحلة. وقد أدى هذا المنهج إلى الفشل الذريع الذى تعيشه البلاد حتى فيما يسمى البنية التحتية:طرق كبارى اختناقات مرورية انقطاع كهرباء انقطاع مياه الشرب والزراعة.. إلخ.

فإذا شبهنا المرافق بالأوردة والشرايين, فإن الاقتصاد يمثل كامل الجسد، وبالتالى فإن الطبيب الذى يهتم بسلامة الأوردة والشرايين ويهمل سائر الجسد فإنه سيقضى على المريض ككل بما فى ذلك بطبيعة الحال الأوردة والشرايين!!

والاهتمام العام بالتطور الاقتصادى ككل سيتضمن مسألة المرافق دون هذه الجلبة الفارغة, فعندما ينمو الاقتصاد ستتمكن البلاد من توجيه أموال أكثر لتطوير المرافق وهكذا.

إذن فكرة القفزة الكبرى للأمام لم ترد على ذهن حكامنا على مدار 35 سنة، فى حين وجدنا كيف تمكن حزب العدالة والتنمية التركى من انتشال بلاده من أسوا أزمة اقتصادية, وليرفعها إلى المرتبة الثالثة عالميا فى معدل النمو (9%) بعد الصين والهند خلال 7 سنوات. ورأينا القفزة التى تحققت فى عهد لولا دا سيلفاالرئيس البرازيلى خلال 8 سنوات, ونقلت البرازيل من مستوى إلى مستوى آخر, حتى أنها تحولت من بلد نام إلى ما يسمى البلدان الصاعدة, وأصبحت تصنف فى الترتيب العالمى رقم 8, بل وبدأت ظاهرة شراء شركات برازيلية لشركات وأصول أمريكية فى الولايات المتحدة. والنمور الأسيوية انتفضت خلال عقد أو عقدين.

نحن إذن أمام قانون فإما تندفع البلاد دفعة واحدة للأمام فى لحظة محددة لتنتقل إلى مستوى أعلى, ربما إلى مصاف أعلى الدول الصناعية (كحالة ماليزيا) أو يقربها كثيرا من ذلك، إما أن يحدث هذا, وإما أن تظل البلاد تتسكع فى مكانها وتدور فى دائرة مغلقة, وتخفى تخلفها ببعض المبانى الفاخرة, أو الفنادق الفارهة التى تبنيها شركات أجنبية, وغيرها من المظاهر التى تحاول أن توحى بأن البلاد دخلت العصر الحديث!! أو باستيراد سلع متطورة من موقع المستهلك كشراء قمر صناعى لبث قنوات فضائية, وطائرات, وسيارات, وأجهزة كمبيوتر!! دون إسهام إنتاجى. وهذا خداع للنفس قبل أن يكون خداعا للمواطنين, ونحسب بلا تردد أننا فى هذه الحالة.

ويشبه اقتصاديو التنمية قانون القفزة الكبرى للإمام بالإقلاع, فالطائرة مهما جرت على ممر المطار (Run way) لن تقلع من الأرض إلى السماء, إلا بدفعة قوية من المحرك فى لحظة محددة من الاندفاع على الممر.

خامسا: امتلاك أسباب العلم والتكنولوجيا:

من أسوأ المفاهيم التى تناوىء التنمية المستقلة, هى حالة الانكسار والهزيمة النفسية التى يشيعها أنصار التبعية, خاصة عندما يكونون فى السلطة ويملكون وسائل إعلام مؤثرة, وذلك بالحديث عن الدول المتقدمة (وهى دائما أمريكا وأوروبا) بخشوع, وبأنها معيار الصواب، وأنهم فى البلاد المتقدمة يعلمون ونحن ممن لا يعلمون. وطالما أنهم تقدموا علينا ماديا فلابد أن نأخذ منهم كل إنتاجهم الفكرى والعلمى والتكنولوجى. ويدخلون فى روع الناس أن هؤلاء الأوروبيين أكثر ذكاء مننا, وعلينا أن نعترف بذلك وأن نتعامل معهم من موقع التلميذ لعل وعسى! وهذه الحرب النفسية أشد هولا على الشعوب من قصف الطائرات, لأنها تدفعها للاستسلام قبل القيام بأى مواجهه أو حتى محاولة!

وقد خلق الله الناس متساويين, وما الدرجات التى تحدث عنها القرآن الكريم إلا تفاوت محدود فى الحظوظ والقدرات, ولكنها ليست أساسا لتقسيم البشر إلى سادة وعبيد, وعندما سادت الحضارة الإسلامية لم يكن ذلك لأننا كنا أكثر ذكاء من الغربيين, ولكن لأننا أخذنا بأسباب التقدم والحضارة أكثر منهم, وأضفنا إلى ذلك رسالتنا الإيمانية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) هذه هى الآية التى تؤكد المساواة بين البشر, ولا يمكن لأمة أن تنطلق فى معارج التقدم الحضارى بدون امتلاك أهم أسباب القوة وهى العلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ), فالعلم هو مفتاح التقدم المادى فى المجالات المدنية والعسكرية على السواء. وإذا كانت العلوم الطبيعية ذات طابع عالمى فليس معنى ذلك أن نكتفى بالترجمة, فلابد أن تكون لنا إسهاماتنا العلمية, فالذى لا يساهم سيظل طول عمره فى موقع التلميذ البليد, وهذا لا يتأتى بدون تطوير قطاع البحث العلمى, وتطوير التعليم والجامعات. وليس صحيحا أن الغرب يحتكر الكشوف والتطورات العلمية وحده, فهناك إسهامات متزايدة من علماء الشرق, ويقاس تقدم الأمم بعدد الأبحاث العلمية الصادرة عن كل دولة والتى تقدم جديدا فى مجال العلم, وتنشر فى مجلات علمية عالمية معروفة المستوى. ومن الوقائع الثابتة أن كل التجارب الأسيوية التنموية الناجحة اعتمدت على برامج مكثفة لتطوير التعليم، من زاوية رفع المستوى عموما، وإيجاد توازن بين التعليم النظرى والتعليم العملى (العلوم الطبيعية)، وإيجاد توازن بين التعليم العام والتعليم التطبيقى (الصناعى الزراعى.. إلخ) على أساس احتياجات البلاد. وهذا يؤدى إلى خروج عمالة أكثر مهارة، ولكنه أيضا يضع الأساس العريض للنهضة العلمية، بانتقاء الأفذاذ والمتفوقين من هذه القاعدة وتحويلهم إلى مراكز البحوث. وتشير التقارير الاقتصادية الأخيرة إلى أن العمالة فى الدول الغربية والآسيوية تتجه خلال المستقبل القريب لتكون كلها من خريجى التعليم الجامعى! ولكن تعليم جامعى على مستوى هذه الدول، وليس كذلك التعليم الجامعى فى بلادنا.

لم ينجح نظام مبارك فى شىء أكثر من نجاحه فى القضاء على التعليم، وانشغلت الدولة بأمور سطحية كعدد سنوات المرحلة الابتدائى (5 أو 6) ونظام الثانوية العامة، أما ما سمى تطوير مناهج التعليم فقد كان تحت إشراف أجنبى أمريكى, اهتم بنزع أكبر قدر ممكن من القيم الإسلامية والأخلاقية، أما على المستوى العلمى فلم تزد المناهج إلا هبوطا فى المستوى. أما على المستوى الجامعى فلا يوجد خلاف أن الجامعات الوطنية زاد عددها وهبط مستوى أدائها (وهذا ما سنعود إليه فى فصل خاص عن التعليم إن شاء الله). وإذا كان هذا هو حال التربة العامة التى تغذى وينشأ منها البحث العلمى. فلسنا فى حاجة للبرهنة على انهيار حالة البحث العلمى حتى أن فينيس كامل وزيرة البحث العلمى السابقة أكدت أنه فى بلادنا صفر كبير (لا شىء)!

الأمر لا يقتصر على إسهام البلاد فى تطوير العلوم الطبيعية، وهو أمر ليس بعيدا عن تاريخنا المشرق ولا عن حاضرنا الذى أنجب علماء بارزين بمجرد الخروج من دائرة التخلف فى مصر بالسفر والعمل بالخارج. الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يبدو الأمر الأكثر إلحاحا، هو الانطلاق فى مجال التكنولوجيا الرحب، والتكنولوجيا هى تطبيقات فرعية لا نهائية استنادا للحقائق والمعلومات العلمية. والتقنية (أو التكنولوجيا) ليست هى العلم النظرى تماما, بل لها خصوصياتها، فهى توليفة متباينة تستخدم فى تركيبها واختراعها نتائج البحث العلمى. فهى طريقة للإنتاج السلعى أو الخدمى, وبالتالى لا توجد توليفة واحدة تصلح لكل زمان ومكان, وبالتالى تحدث علماء التنمية عن الاستقلال التقنى (التكنولوجى).

وبدون امتلاك الأمة لمعرفة تكنولوجية فسيصبح حديثها عن التنمية المستقلة أضغاث أحلام، لأن هذا الجهل سيجعلها مجرد مستورد (مستهلك) للآلة وقطع غيارها ووسائل صيانتها، وتكون أشبه بالطفل الذى يقتصر دوره على تلقى الرضعات أو الوجبات الغذائية من أمه. مع ملاحظة أن المورد الأجنبى لن يكون فى حنان الأم!! من حيث الأسعار والشروط والأهداف المضمرة!

ولأن التكنولوجيا كما ذكرنا توليفة أو حالة مواءمة بين معلومات علمية معينة وبيئة محددة, فإن ما يصلح لبلد قد لا يكون مناسبا لبلد آخر. فصناعة السيارات تتم بمئات وآلاف التوليفات، وما قد يصلح فى نظم التبريد فى البلاد الباردة، لا يلائم البلاد الحارة، وهناك سيارات موفرة للبنزين، فهذه أفضل للبلاد النامية والتى لا تتمتع باحتياطيات بترولية. والهند الآن بصدد إنتاج سيارة صغيرة لا يزيد ثمنها عن 10 آلاف دولار، وإنتاج كمبيوتر لا يزيد ثمنه عن 10 دولارات. وهكذا فالأمثلة لا تنتهى. وللشعوب إبداعاتها فى مجال آلات الزراعة والصناعة مما هو مفصل فى كتب عديدة روت تجارب التنمية الحقيقية الناجحة. ومن قواعد ذلك الاعتماد على المشروعات كثيفة العمل قليلة الآلات للقضاء على مشكلة البطالة، وقد بنت الصين فى البداية العديد من السدود بهذه النظرية، فعوضت بالعامل البشرى نقص الآلات, وكان ذلك أقل تكلفة بطبيعة الحال. وقد أبدع طلعت حرب فى إنتاج النسيج, حتى أنه أنتج أنواعا أكثر متانة وتحملا من النسيج اليابانى. إذن إبداعات البشر عندما تنطلق لا يحدها حدود، فالمهم هو بث الثقة وتفجير الطاقات وشحذ الهمم واستدعاء الخبرات المخزونة لدى العمال والفلاحين والحرفيين. (راجع على سبيل المثال كتاب: العالم الثالث غدا بول هاريسون الهيئة المصرية العامة للكتاب), إذن الانطلاق فى عالم التكنولوجية ضرورى للاستقلال، وهو مناسب أكثر لاحتياجات وظروف البيئة فهو أكثر إنتاجية وفائدة، وهو أقل فى التكلفة، ويؤدى إلى تشغيل عمالة وطنية فى هذه المجالات.

أدعى بعض علماء التنمية فى الغرب أن الفجوة كبيرة جدا بين الدول المتقدمة والمتخلفة وتحتاج لعشرات السنين إن لم يكن أكثر، والحل إذن هو فى نقل كل شىء من الأغنياء إلى الفقراء، بمعنى بناء مصانع على أحدث طراز وبنظام تسليم المفتاح, وأن يتم ذلك بالتدريج حتى يتم تحديث البلد المتخلف. وبطبيعة الحال فإن هذا الأسلوب هو الأكثر ربحية لدول الغرب لأنه سيعنى تصدير مصانع وآلات بمئات وآلاف الملايين، وسيضمن مواصلة الإمداد بقطع الغيار وإمكانيات الصيانة, وسيضمن تبعية الدول المتلقية لأنها لن تكتسب أى معرفة تقنية من استلام مصنع جاهز، إلا مجرد قيام العمال بتشغيل الآلات. وهذا الأسلوب لم يؤد إلى تنمية أى بلد فى العالم، فقد أدى إلى ظهور قطاع اقتصادى حديث أكثر تطورا وأكثر ربحية وأكثر دخلا للعاملين فيه، واستمرار معظم البلاد فى اقتصاد متخلف (وهى ما سميناه الاقتصاد الثنائى). وتقوم الخطة النظرية على أساس امتداد القطاع الحديث تدريجيا ليشمل البلد ككل. وهذا لم يحدث فى أى بلد من العالم لسببين أساسيين:

1- أن الدولة المصدرة للتكنولوجيا ليس من مصلحتها تصدير كل شىء، فهى ستركز على بناء المصانع التى تنتج سلعا استهلاكية لسوق البلد المستورد والأسواق المجاورة. وبالتالى لن تقدم منظومة متكاملة لبناء اقتصاد مستقل أو حتى اقتصاد رشيد. لاحظ مثلا كم الاستثمار الأمريكى فى مصر فى مجالات المشروبات الغازية ومطاعم الوجبات السريعة، وهذا لم يحدث مع مصر وحدها. بل كان نمطا متكررا فى بلدان آسيا الوسطى بعد استقلالها عن روسيا، وحدث فى أفريقيا, وحدث فى أمريكا اللاتينية.

2- أن الدولة المستوردة للتكنولوجيا ستصاب بالمديونية العالية فورا، فشراء المصانع تكلفته عالية، ويتم بشروط إذعان حيث لا تملك المساومة وأنت بلا بديل، والدول المستوردة تتعرض بسبب جهلها التكنولوجى أو فساد مسئوليها لشراء أجيال منتهية الأهمية والصلاحية من الآلات أو مصانع ملوثة للبيئة. ويبقى أن الغرق فى الديون نتيجة مواصلة الاعتماد على الخارج يؤدى إلى وقف خطة تمدد القطاع الحديث ليشمل مساحات أوسع من البلاد.

وتمثل علاقة الولايات بدول أمريكا اللاتينية على مدار أكثر من قرن نموذجا حيا لفشل خطة الاقتصاد الثنائى، وهو الأمر الذى أدى إلى إفقار وخراب القارة, وأدى إلى هذا التمرد الذى نشهده الآن ضد الولايات الأمريكية فى معظم الدول اللاتينية.

وسنجد أن البلاد التى أصبح لها وجود مؤثر على خريطة الاقتصاد العالمى هى البلاد التى اقتحمت المجال التكنولوجى وأصبح لها خبراتها الخاصة وإنتاجها المتميز (الصين الهند ماليزيا وباقى النمور الآسيوية اليابان البرازيل إيران).

وتثار أيضا مسألة الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة ودول الجنوب على أساس التعجيز, فهؤلاء سبقونا بعشرات السنين، فإذا نحن بدأنا الآن فى التطوير، فهم أيضا لا يتوقفون عن التقدم, ولذلك ستظل الفجوة قائمة على الأقل إن لم تتزايد. وهذا الحديث الانهزامى لا يمت بصلة بسنن التطور، فالتحديات التى تواجه البشر تطلق عقولهم من عقالها! وتحقق فى سنوات قليلة ما قد يحتاج لسنوات أطول فى غياب التحدى. كما أن الأمة التى تأخرت تدرس كل أسباب تقدم الأمم التى سبقتها وتبدأ من حيث انتهت. مثلا عندما صممت كل من الهند وإيران الأقمار الصناعية لم تبدأ من الصفر ولكنها درست كل ما نشر عن صناعة الأقمار الصناعية, وأرسلت طلابها إلى جامعات متطورة فى التخصصات التى تفيد هذا المجال. وبالمناسبة فإن حقائق العلم معظمها مكتوب ومعروف، ولكن الهمم الهابطة وغياب العمل المؤسسى الجاد والهزيمة النفسية هى أسباب عدم توظيف هذا التقدم العلمى فى أعمال تطبيقية. إن أحدا لم يعط الصين أسرار القنبلة النووية، ولكنها حفرت فى الصخر حتى توصلت إليها، ومن ذلك إرسالها الطلاب لمختلف جامعات العالم لامتصاص كل الحقائق العلمية حول هذا الموضوع. ومن الوسائل التى اتبعتها الصين لحرق المراحل مع أمريكا والغرب فى المجال التكنولوجى، القيام بما يسمى الهندسة العكسية, أى القيام بتفكيك الآلة أو الماكينة الأمريكية خطوة خطوة، وإعادة تركيبها من جديد لاكتشاف سر صناعتها. بل وصل الأمر إلى ما يسمى التجسس الاقتصادى, والذى مارسته الصين على أوسع نطاق. وقدم الإنترنت أخيرا وسيلة أكثر نجاعة لاقتحام أسرار الشركات الصناعية بل والأسرار التكنولوجية العسكرية الأمريكية، وهذا أيضا ما تمارسه الصين بنشاط.

إن التنمية كما ذكرنا حرب بقاء أو فناء، لا توجد فيها مجاملات على المستوى الدولى ولا عواطف (هذا من جانب دول الغرب, ولكننا نؤمن بالمجاملات والعواطف مع العرب والمسلمين والخيريين من الناس دون أن يكون ذلك على حساب المصالح الوطنية). لذلك وفى محاولة يائسة لوقف عجلة التاريخ أظهر الغرب سلاح ما يسمى (الملكية الفكرية) وهو سلاح مصيره الفشل لأنه يتعارض مع سنن الحياة. فلا يمكن امتلاك الفكر ولا أسرار العلم والتكنولوجيا، فهى فى الأصل ميراث وملكية للبشرية جميعا، والتطور العلمى سلمته أجيال لأجيال وأمم لأمم. هناك حقوق ملكية لكتاب أو لاختراع لزمن محدد, أما كليات العلم وأسراره فمن العبث محاولة السيطرة عليها أو امتلاكها بصورة أبدية!.

ونرى فى التجربة الإيرانية مثالا حيا على أن الأمة المتأخرة تبدأ من حيث انتهت الأمة المتقدمة, ولذلك فإن اللحاق يكون خلال عقد أو عقدين، وقد ركزت إيران بسبب التحديات على التكنولوجيا العسكرية, فحققت نتائج باهرة فى مجالات عديدة باعتراف خبراء العالم، وكما ظهر واقعيا فى حرب 2006 بلبنان من خلال التسليح المتقدم لحزب الله. ولا شك أن إيران بدأت بتكنولوجيا روسية وصينية وكورية, ولكنها توصلت لتوليفة خاصة بها, وأصبحت لديها قاعدتها العلمية والتكنولوجية للتطور بصورة مستقلة: فى مجال الصواريخ الحرب الإلكترونية الطائرات بدون طيار أسلحة بحرية.. إلخ, وقد ظهر ذلك فى إطلاق أقمار صناعية بتصميم إيرانى وبصواريخ بعيدة المدى، وهذا ما يؤكد أن التطور الصناعى العسكرى ينتقل بعد ذلك إلى المجالات المدنية. ومع ذلك فلإيران انجازات عديدة فى مجال الطب والدواء والأجهزة الطبية. وأعلنت مؤخرا عن ميكروسكوب متقدم من حيث قدرته على التكبير لا يصنع إلا فى 5 دول فى العالم, فلا يوجد فاصل حاد بين التكنولوجية فى المجالين العسكرى والمدنى, وينعكس التقدم فى أى منهما على الآخر, وقد برعت اليابان فى صناعة أنواع متقدمة من الرقائق الإلكترونية بحيث لا تستطيع صناعة الصواريخ الأمريكية الاستغناء عنها!

سادسا: التنمية ليست عملية اقتصادية مجردة:

المفاهيم الاقتصادية الغربية اختزلت العملية الاقتصادية والنمو الاقتصادى فى مجرد زيادة الناتج المحلى الإجمالى، ورفع مستوى المعيشة الذى ينتج عن ذلك. وهو منهج نابع من النظرة الدنيوية للحضارة الغربية, فالدنيا هى منتهى همهم ومبلغ علمهم, وسعادة الإنسان ترتبط حصرا أو أساسا بما يستهلكه من سلع. أما النظرة الإسلامية للحياة ومن ثم التنمية فلا تنكر أهمية زيادة الإنتاج ولا ما ينتج عنها من رفع مستوى المعيشة, بل إن ذلك من الأهداف الثابتة للدولة الإسلامية، ولكن معيار التقدم والتنمية من منظور إسلامى لا يقتصر على كم السلع المادية التى يستهلكها الإنسان, ولكن ذلك يرتبط بمنظومة اجتماعية وأخلاقية متكاملة، وعلى رأسها عدالة توزيع ثمار النمو بين الناس بحيث لا يزداد الغنى غنى والفقير فقرا، بل يتم التقارب بين مستويات الناس، وأن يتحلى المجتمع بالتراحم والأمن والطمأنينة، فلا يموت جائع وجاره شبعان، وتقل معدلات الجريمة، ولا يشعر أحد بالقلق خوفا من عوادى الدهر فيكون لديه ثقة فى تكاتف المجتمع معه فى أى أزمة يتعرض لها. وأن يتضامن الجميع معا مع أصحاب الحاجات والمناسبات كما يحدث فى ريفنا المصرى. وأن يكون حق الضيف ثلاثة أيام.. إلى آخر ذلك من منظومة التكافل الاجتماعى التى تعمل بعيدا عن القوانين وبعد الزكاة التى تعالج جذريا أوضاع الفقراء والمساكين، والمسافرين الذين انقطعت بهم السبل، والغارمين.

فى الولايات المتحدة تقول الإحصاءات أن اثنين من كل ثلاثة إناث يتعرضن للإساءة أو التحرش كمعدل عام، ويتم استهلاك 60% من مخدرات العالم, ولديها أعلى معدل للجريمة فى العالم, فلا يمكن أن نعتبرها مجتمعا أكثر تحضرا من المجتمع المصرى، فما أهمية المستوى الأعلى رفاهية فى غياب الأمان والطمأنينة. والبلدان الإسكندنافية تمثل أعلى مستوى للرفاهية الاجتماعية فى العالم وأكثر من الولايات المتحدة, ولا ينقص المواطن أى شىء, والحكومة مسئولة عن توفير كل احتياجاته الأساسية وغير الأساسية (اشتراكية ديمقراطية) فى ظل عدد سكان محدود. ومع ذلك فإن السويد تسجل أعلى معدل انتحار فى العالم. وهى الأمر الذى يؤكد أن السعادة لا يمكن ضمانها بارتفاع مستوى المعيشة حتى إلى حد الإشباع. وكما يقال نحن هنا نموت من الجوع وهم هناك يموتون من التخمة (أو الفراغ الروحى)، وبطبيعة الحال فخير الأمور الوسط, أو التوازن بين الروح والجسد, وهذا هو جوهر الرؤية الإسلامية للحياة.

التنمية ليست مختزلة فى عمليات الأكل والشرب والاستهلاك, إنها نمط حياة, والمثير للحنق أن الغربيين يريدون أن يفرضوا علينا نمطهم فى الحياة باعتباره هو النمط الأمثل والوحيد للتقدم. ليس فى المجال الاقتصادى فحسب, بل فى نمط المعيشة والسكن والزواج والأسرة والطفولة, بل وحتى فى أنواع الطعام والشراب. فيصبح مما يعيب المجتمعات الإسلامية: عدم توفر الخمور فى كل مكان ونقص حفلات الرقص المختلط وأن النساء تغطى أجسادها أكثر مما يجب!!، وأن هناك قواعد أكثر تشددا فى اختلاط الجنسين، وأن العمل يتوقف لأداء صلاة الظهر، وأن بعض الرجال لا يلتزمون بالزى الأوروبى!! وأن الشذوذ الجنسى غير معترف به ولا يتم تنظيمه بالزواج، وأن الحرية الجنسية غير مكفولة للفتيان والفتيات!

والأساس أننا نسعى لتنظيم حياتنا ومجتمعاتنا وفقا لعقائدنا الخاصة, ووفقا لرؤيتنا الحضارية الإسلامية المتميزة, ونحن نرى أن مفهوم التنمية الصحيح هو عملية تطوير لكل أنحاء المجتمع بطريقة متوازنة ومتسقة. فتجربة الغرب فى النمو مثلا ارتبطت بدفع النساء والأطفال للعمل بدون أى ضوابط, ولا يزال عمل المرأة مستمرا بلا ضوابط حتى الآن, حتى وإن كان على حساب إدارة شئون الأسرة وإنجاب الأطفال, والآن تعانى بعض الدول الأوروبية من تناقص السكان بسبب ذلك: فرنسا ألمانيا روسيا إيطاليا. فى رؤيتنا الحضارية الإسلامية نرى أن تماسك الأسرة كمؤسسة أولى للمجتمع هدف أساسى لبناء المجتمع بصورة متماسكة, وأيضا وسيلة أساسية للتنمية, فتربية الأطفال, أو بناء الإنسان هو أهم عمل للتنمية ويتم استكمال ذلك فيما بعد فى التعليم.

فى التجارب التنموية الأوروبية تم سحق مؤسسة الأسرة، إلى حد أصبحت العلاقات خارج مؤسسة الزواج أكثر شيوعا, وزادت نسبة الأطفال غير الشرعيين ,أما الأسرة فلا تنجب أكثر من طفل واحد أو اثنين كحد أقصى وهو ما لا يخلق حياة أسرية حقيقية.

ومن الناحية الاقتصادية فإن دفع المرأة قسرا للعمل خارج المنزل بدون تمييز, أدى إلى إغلاق كم هائل من المؤسسات الاقتصادية الصغيرة: تربية الدواجن صناعة الخبز الجبن المربات الحلوى المخللات التطريز والتفصيل والحياكة المشاركة فى الزراعة وتربية الماشية استخراج المسلى والزبد المعجنات.

ونحن مع تعليم المرأة إلى أعلى مستويات يمكن أن تصل إليها, ومع مشاركتها فى العمل خارج المنزل والعمل الاجتماعى والسياسى. ولكن ليس على حساب الأسرة, ومع تقدير كل حالة على حدة, وليس باعتبار خروج المرأة بشكل كلى ومطلق من المنزل, وبنفس معايير خروج الرجل، هدفا مقدسا فى حد ذاته. فالهدف المقدس الأول هو بناء الأسرة وحسن تربية النشء، مع التذكرة الدائمة بأن العمل الأسرى جزء لا يتجزأ من العمل الاجتماعى والسياسى (الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق) لذلك فإن تعليم المرأة أمر ضرورى ولا يحتمل المناقشة من حيث المبدأ.

وقد أدى التطور الاقتصادى العالمى إلى العودة لنفس فكرة الاقتصاد المنزلى فكثير من الصناعات الإلكترونية وغيرها فى الدول الأسيوية, تعتمد على قيام رجال ونساء بجزء من العملية الإنتاجية بالمنزل, لأن هذا أكثر توفيرا وأكثر عملية. وكذلك فإن شركات الخدمات الإلكترونية, أصبحت تتوسع فى الاعتماد على عاملين ينجزون أعمالهم من خلال أجهزة الكمبيوتر بمنازلهم لنفس الاعتبارات (السرعة والتوفير, لأن ذلك يكون بأجر أقل وبدون إشغال حيز فى مكان العمل وتوفير وقت وجهد الانتقال لمكان العمل). وهذا ينطبق على العاملين والعاملات على حد سواء.

موضوع دور المرأة فى التنمية هو مجرد مثال, وإلا فإن المقارنة بين المفهوم الإسلامى والغربى للتنمية يطول شرحها وتحتاج لدراسة أطول.

ولكننا نؤكد هنا على المعنى العام: إن النمط الحضارى الإسلامى يتمثل فى تنمية وفق مفهوم الأمة الوسط، والتى لا تقدس ولا تعبد معدلات النمو دون الله, ولا تضحى بالعدل والتكافل من أجل إثراء قلة أو من أجل إتباع لملة الدنيويين والماديين.

إن صبغتنا الحضارية الخاصة تنعكس فى نمط المنتجات نفسها، كالاهتمام بوسائل النقل العام أكثر من الخاص, والاهتمام أولا بإشباع الحاجات الأساسية للناس كما ذكرنا من قبل. كذلك فإن نمط المنتجات يحدد أيضا نمط الثقافة والحضارة التى نتبناها. إن نمط الأكل وآدابه ونمط المسكن ونمط اللهو وكل ما يشكل حياة الفرد والمجتمع يخضع لمفاهيم الحضارة الإسلامية وتقاليدها, وكل هذا يحدد للجهاز الإنتاجى نوع ما نطلبه منه.

الإسلام يدعونا للاستمتاع بمباهج الحياة الدنيا: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) أى الحياة الآخرة, هذا هو طرف المعادلة الآخر الذى يميزنا عن الغرب. نحن نرعى الله ولا نعبد إلا إياه, وهذا يعنى أن نرتب حياتنا وفقا لأوامره وتجنبا لنواهيه, والله خلق لنا ما فى الأرض لنتمتع به وفقا لضوابط واضحة: العدل دون الظلم, الرحمة دون القسوة, الحفاظ على البيئة لا تدميرها, التراحم بين الناس لا التكالب على الأرباح والأموال والمنافع بصورة غير شرعية, إعمار الأرض بما لا يضر بالآخرين. وحتى حق التملك لا يبيح الإضرار بالآخرين, والحاكم لا يسمح بوقوع الاستغلال بل يتدخل لإحقاق الحق بين الناس. ولا يسمح بالتربح من حرام: ميسر, خمر, لحم خنزير, ربا, احتكار. ولا يسمح بإهدار نعم الله للحفاظ على مستوى الأسعار.

ففى تجارب الغرب رأينا أمثلة عديدة لإعدام بعض السلع الغذائية أو إلقائها فى البحر حفاظا على الأسعار من الانخفاض. وهذا لا يمكن أن يحدث فى بلد مسلم, حيث تعلمنا أن إلقاء كسرة خبز واحدة فى القمامة حرام, لأنه إهدار نعمة من نعم الله, ولذلك استخدمت بقايا الطعام فى الريف دائما لتغذية الدواجن. فى المجتمع الإسلامى يتم تعويض أصحاب العمل إذا خسروا بشدة من انخفاض الأسعار, ولكن لا يسمح لهم بإهدار سلع غذائية, حتى لا تنخفض الأسعار, فلتنخفض الأسعار ويتمتع بذلك الفقراء, أو ترسل هذه المواد الغذائية لشعوب فقيرة تعانى من مجاعات أو كوارث إنسانية.

وما لا يدركه الناس أن التكافل الاجتماعى فى الإسلام لا يعنى التكافل مع الفقراء وحدهم, فالأغنياء يتعرضون لأزمات شديدة بسبب أوضاع اقتصادية خارجة عن إرادتهم, أو بسبب أخطاء لهم بحسن نية أو بسبب كوارث طبيعية, وهؤلاء يتحولون إلى فقراء فى لحظة واحدة، ولابد من التضامن معهم عبر الزكاة أو بوسائل أخرى, ليس لأسباب إنسانية فحسب, بل أيضا للحفاظ عليهم كمستثمرين لهم خبرات فى مجالات محددة, لا يريد المجتمع أن يفقدها. أما فى المجتمع الرأسمالى فإن الرأسماليين يسعدون بتدمير بعضهم البعض, وشراء الشركات الصاعدة لشركات هابطة, أما الدولة فلا تتدخل إلا إذا حدثت كارثة عامة تهدد أسس المجتمع كما حدث عام 2008 فى الولايات المتحدة.

نحن لا نقول بعدم سعينا لتحقيق أعلى قدر من النمو والإنتاج, وأعلى مستوى للمعيشة, ولكن شريطة ألا يكون ذلك على حساب تعاليم الإسلام, فتجربتنا التنموية لن تكون فيها (لاس فيجاس) مدينة الميسر التى تحقق أرباحا جنونية فى الولايات المتحدة. ونحن لن نرفع معدل النمو بالاعتماد على ترخيص الدعارة!! وهذه أمثلة فجة, ولكنها توضح بجلاء ما نقصده. فى مؤتمر دولى بالمغرب كان ينظمه البنك الدولى استمعت لمسئول من تايلاند يتحدث عن التجربة التنموية المبهرة فى بلاده, ولم يخف أن ترخيص الدعارة ورعاية الدولة لها قد أسهم فى تنشيط السياحة. وأن ذلك رفع من معدل النمو. قال ذلك بلا حياء وهو يتحدث باللغة الإنجليزية, ولكنه اكتفى باستخدام كلمةfun (مرح ومتعة) بدلا من كلمة دعارة!!

وإذا كانت معدلات السياحة لن تزيد إلا بهذا الأسلوب أو بالسماح بشواطىء للعراة أو شبه العراة، فإننا نقول: الله الغنى! (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) (التوبة: 28).

إذا أدى ذلك إلى تراجع معدل النمو عن معدل نمو تايلاند فأهلا ومرحبا بهذا التراجع، وتصبح بلادنا أكثر رقيا وتحضرا، وبتنمية أفضل من وجهة نظرنا.

فى سـعينا لزيـادة النمو بالوسـائل الحلال كثـيرا مـا يختزل الإســلاميون وأيضا المعادون للإسلام الإسلام فى تحريمه للخمر والتعرى والميسر والدعارة، فى حين أن تحريم الفساد والظلم أكبر عند الله. إن العدل هو القيمة العليا فى الإسلام بعد الإيمان بالله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ), ذلك أن الفساد فى الأرض والظلم يعمان سائر المجتمع ويفتنان الناس جميعا، وقد يكون شرب الخمر أو الميسر مجرد انحراف فردى هنا أو هناك، أما إذا تحول إلى منظومة عامة ترعاها الدولة كنموذج تايلاند، عندما يتحول الخمر أو الميسر أو الدعارة إلى منظومة عامة فهذا هو الفساد فى الأرض. ولكن سيظل الأهم: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ .الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ .أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ).

وإذا قدر لك لا قدر الله أن تتجول فى جهنم فستجد فيها من يقول: (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ), أو من يقول: (مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيهْ .هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيهْ), وستجد جهنم ممتلئة بالمترفين: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ…) (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) (الواقعة: 45), ولا يعنى ذلك أن جهنم ستقتصر على الأغنياء المترفين المستبدين المفسدين فى الأرض, ولاحظ أن هذه صفات مركبة, لأن الغنى وحده ليس تهمة، طالما قام الغنى بأداء حقوق الله والناس, وهم الذين وصفهم القرآن أيضا بالمستكبرين الذين جمعوا بين سلطان الحكم وسلطان المال (تحالف فرعون هامان قارون). لن تقتصر جهنم على هؤلاء بل ستعج بأتباعهم من الجنود والموظفين والأدوات البشرية من المستضعفين، الذين ارتضوا أن يكونوا عبدة البشر من دون الله.

وفى جهنم سيتبرأون من بعضهم البعض: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ .وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: 166-167), لو استمع هؤلاء التابعون لهذا الحوار الدقيق والمذهل الذى سيجرى فى جهنم وقد كشف الله سبحانه وتعالى عن هذا الغيب من أجل التحذير.. لو استمع هؤلاء لهذا الحوار لأدركوا هول ما هم فيه, لأنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فهم لم يتمتعوا كما تمتع سادتهم فى الدنيا، ثم هاهم متساوون فى الآخرة.

– (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ).

– (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ)– (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا).

– (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (سبأ: 31-33).

فالمترفون المستكبرون أو ما نسميهم الآن (الاستغلاليون.. المستبدون)، لن يكونوا وحدهم حطب جهنم، بل كل من أعانهم وساعدهم وناصرهم من المستضعفين.

نقصد من هذه الجولة السريعة فى جهنم أن نقول أن الميزان الربانى يضع العدل بشقيه: الاجتماعى والسياسى فى أعلى سلم درجات التقييم فى الدنيا والآخرة. وأن الظلم هو الجريمة الثانية للإنسان فى الأرض بعد الكفر، بل كثيرا ما يقترنان معا، ويستخدمان فى القرآن كأنهما مترادفين من شدة اقترابهما من بعضهما البعض، ولكن يظل هناك تمايز بين الكفر والظلم, بل يقول علماء اللغة عموما إنه لا يوجد ترادف فى اللغة العربية إلا على سبيل التقريب، ولكن كل كلمة أو صفة لها تفردها. ما يعنينا فى هذا المقام أن الظلم هو الجريمة الثانية فى القرآن بعد الكفر بحساب عدد مرات الورود فى القرآن. (الإحصاء فى دراسة: العصيان المدنى.. رؤية إسلامية). وكثيرا ما يغفل الإسلاميون ذلك. الإسلاميون يريدون الهرب من مواجهة الطغاة بدعوى أنهم لا يزالون فى مرحلة الاستعداد (وهو استعداد دائم لا ينتهى!) ولا يتذكرون أن موسى ذهب لفرعون ولم يكن معه فى التنظيم إلا شخص واحد آخر غيره (هارون!).

أما أعداء الإسلام فيهمهم أن يصوروا الإسلام ضيق الأفق غير مشغول إلا بملابس المرأة وتحريم الكوافير والسينما وإعلاء شأن الجلابيب. ونحن نفتخر بالضوابط الشرعية الصحيحة فيما يخص المرأة والفنون والاختلاط وسنن الفطرة (بعيدا عن تشويهات ومبالغات الأعداء), ولكن من واجبنا دائما أن نوضح الصورة العامة للرؤية الإسلامية, وأن منظورها يغطى الحياة كلها.. وأن العدل هو أساس الملك.

*****

التنمية المستقلة يمكن أن تكون عنوانا لكل برامجنا الداخلية، لأن التنمية فى مفهومنا الإسلامى لا تقتصر على الاقتصاد، بل تشمل العلم والتعليم والإعلام وإصلاح النظام السياسى، والقضائى والتشريعى، والواقع أن الغرب بدأ يعترف بهذه الرؤية, ويتحدث عن التنمية البشرية بحيث لا يقتصر تقييمه للدول على أساس معدل النمو الاقتصادى وحده. ومع ذلك تظل معايير التنمية البشرية مختلفة عن رؤيتنا لأنها تركز على مؤشرات مادية: فى مجال التعليم والصحة والمرافق.. إلخ, كما أن مؤشر النمو الاقتصادى لا يزال يحتل الأولوية القصوى, وهو فى بؤرة اهتمام تحليلات الغرب. وحتى لا نؤجل مسألة الإصلاح السياسى وهو موضوع الساعة، نتحدث عنه فى الحلقة القادمة، ثم نعود إلى الشئون الاقتصادية ونتناولها بشكل قطاعى، والتعليم، والصحة، والبحث العلمى.

(10) الإصلاح السياسى وقضايا الحريات

يشيع البعض فى السلطة والمعارضة أن التيار الإسلامى خطر على الديمقراطية, وأن الإسلاميين يستخدمون الوسائل الديمقراطية كمطية للوصول للسلطة ثم يمارسون الاستبداد, وهذا ما يشيعه الغربيون أيضا. وبطبيعة الحال نحن نعرض هنا رؤية حزب العمل, وإن كنا لابد أن نشير إلى أن باقى التيارات الإسلامية قد تطورت مواقفها فى السنوات الأخيرة, واقتربت من الرؤية التى نطرحها.

ونحن من القائلين أننا فى موضوع الحريات كما فى غيره من الموضوعات، لا نخجل من الرؤية الإسلامية, بل نفتخر بها، ونرى أنها أفضل الرؤى والحلول, وفى إطار الدعوة الإسلامية لا يجوز إغفال أو إخفاء مواقف الدين فى أى موضوع تحت دعوى التكتيك أو المناورة، وحتى الكذب مع الأعداء مرفوض فى مجال العهود والمعاهدات، فلا يجوز فى الإسلام أن تخرق اتفاقا مع العدو إذا ظل هو ملتزما بالاتفاق، وإذا لاحظت أنه يتحلل من العهد ويستعد للعدوان، فيجب قبل أن تنقض العهد أن تبلغه بذلك، ولا تهاجمه فجأة!

فهذا الدين العظيم يحرم الكذب والغدر والخداع إلى هذا الحد، وبالتالى فإن ما يسمى بالأساليب الميكافيلية، نسبة إلى ميكافيلى الكاتب الأوروبى الذى حض الحكام على استخدام كل وسائل الخداع والكذب والاحتيال وحتى الاغتيال لتحقيق أغراضهم فى البقاء فى الحكم أو توسيع مناطق النفوذ، هذه الأساليب مرفوضة فى الإسلام, إننا لا ننشغل بقضية الحكم والوصول إليه لولا أن أمرنا الله بذلك لإقامــة العـدل وحراسة الدين. ونحن كإسلاميين لا نسعى ولا يجوز لانتزاع الحكم بالقوة رغم أنف الأمة, بل لابد أن يكون وصولنا للحكم برضاء عام (ثورة شعبية أو بانتخابات حرة) فنحن دعاة دين ورسالة, وأهدافنا إحياء الدين من جديد فى صدور المؤمنين, وإعادة الأمة سيرتها الأولى. فإذا قبلت الأمة فبها ونعمت، وإن أبت فما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومع ذلك سنواصل دعوتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا, ما دمنا أحياءا على ظهر البسيطة. وبالتالى فإن هذه الدنيا لا تستحق عندنا أن نكذب على أحد أو نخدع أحدا للوصول إلى السلطة.

الأنبياء كانوا دائما أصحاب دعوة سلمية، وطواغيت الأرض هم الذين استخدموا القوة معهم لمنع نشر الدعوة فعندما جاء موسى لفرعون قال له الأخير: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: 17) رغم أنه لم يطلب سوى: (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ) (الشعراء: 17). وعندما أبدى إبراهيم اعتراضه على عبادة الأصنام كان عقابه الذى أنجاه الله منه الإعدام حرقا، ونوح هدده كبار القوم بالإعدام رجما: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (الشعراء: 116). ولوط عندما اعترض على إتيان الذكور هددوه بالطرد: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) (الشعراء: 167).

ودعاة الحق والإصلاح من ورثة الأنبياء يسيرون على نفس النهج, إنهم دائما من أنصار المباراة السلمية، يفضلون المناظرات، والحوار والنقاش، ومستعدون لتقبل رأى الجمهور، أما أنصار الباطل فهم يخشون الجدال وحرية الرأى والتعبير لأن حججهم أضعف، وفى كل مواجهة سلمية يخسرون، لذلك يرون أن يفتنوا الناس بالإكراه والتعذيب والتهديد.

لا يمكن لصاحب الحق إذن أن يخشى الحوار الحر أو الانتخابات الحرة، لأنه يكسب فى الحالتين. إذا حاز على الأقلية فهذا يعنى ضرورة بذل مزيد من الجهد للدعوة, وإذا حاز على الأغلبية فهذا مكسب واضح, وإن كان يحتم عليه مواصلة الجهد للحفاظ على هذه الأغلبية. صاحب الحق هو أحوج الناس لاستطلاعات الرأى الأمينة والانتخابات النزيهة. ومن مصلحة الإسلام أن تستمر الانتخابات الحرة حتى يكون فى ذلك تحصينا للحكم من الفساد والاسترخاء.

إذن الإسلام يتوافق مع الانتخابات, بل هو أول من دعا إليها ومارسها، فإذا كانت الانتخابات فى جوهرها: وسيلة لاختيار الناس لحكامهم بحرية، فهذا ما قام به الإسلام فى صدره الأول. وقد جعل القرآن الكريم الشورى من أركان حياة المؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وقد كانت هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يثرب (المدينة) تجسيدا حيا لهذا الدين الذى لا ينتشر إلا بالمحبة والإقناع، وعندما دخل رسول الله المدينة كان أكثر من 50%, بل أغلبية كبيرة ترحب بمقدمه رسولا وحاكما للبلاد. وبالتالى فإن حكم المدينة قام باختيار الرسول حاكما بدون إطلاق طلقة نار واحدة، ولا إراقة نقطة دماء واحدة. فهذه هى البيعة الأولى فى الإسلام (بمعنى انتخاب الحاكم)، وكان الأوس والخزرج يتنازعان رئاسة المدينة فى حروب عبثية لا تنتهى، وقد توصلا إلى أن رسول الله خاصة بعد أن شرح الله قلوبهم للإسلام هو الذى يجب أن يحكم المدينة، وقد كان اختيارا دينيا سياسيا مركبا.

والمثير للانتباه أن الحلقة الأخيرة (فتح مكة) كانت شبيهة بالهجرة للمدينة, من زاوية الدخول السلمى لعاصمة العرب رغم وجود استعداد حربى (10 آلاف مقاتل مسلم)، لأن فتح مكة لم يتحدد موعده إلا بعد انتشار الإسلام عدديا فى قلب المنطقة العربية (وهى المنطقة المحيطة بمكة والمدينة). لاحظ أن أكبر غزوة لمشركى مكة كانت فى الخندق بـ 10 آلاف مقاتل من مختلف القبائل، والآن فإن المسلمين يجمعون 10 آلاف ولا يستطيع مشركو مكة ذلك. وقد حدثت قفزة فى انتشار الإسلام قبل فتح مكة بعامين تقريبا، بعد صلح الحديبية, فالإسلام انتشر أكثر فى أجواء السلم والهدوء والهدنة. وعندما جاء أكثر من مائة ألف عربى فى حجة الوداع التى أعقبت الفتح فقد كان ذلك مؤشرا واضحا على انتشار الإسلام فى مختلف ربوع الجزيرة.

أما مسألة الغزوات والسرايا فهذه تتعلق بظروف الجزيرة الخاصة حيث كان يغيب الحكم المركزى، فقيام دولة المدينة على جزء من الجزيرة العربية أمر يصعب تكراره فى ظروف الدولة الحديثة المركزية, فكانت المدينة تتصرف كدولة أحيانا، وتتصرف كمعارضة أحيانا أخرى تستهدف الوصول للعاصمة (مكة), وبالتالى كان على الدولة أن تحمى نفسها من مكائد دولة الشرك، وكان لابد من عقاب مكة على ما تقوم به من استيلاء على أموال وثروات المسلمين، وسوء معاملة المسلمين، ومنعهم من الهجرة للمدينة. ومع ذلك فقد كانت المعارك الأساسية الثلاث عدوانا من مكة على المدينة: أحد والخندق، أما بدر فقد كان تعرض المسلمين لقافلة مكة قد فشل, وكان يمكن تجاوز الأمر, ولكن المشركين أصروا على حشد القوات والزحف إلى بدر. وهذه المعارك والسرايا الأخرى لا تخرج عن حدود أنها مناوشات لم تخلف إلا عشرات القتلى من الجانبين!!

سنجد أن المائة ألف الذين زحفوا للحج تحت قيادة رسول الله لم تشارك أغلبيتهم الساحقة فى أى معارك، وأنهم جاءوا متأثرين بالفكر والأفكار التى وصلتهم وتبنوها.

كذلك كانت البيعة لأبى بكر الصديق بيعة خاصة بين النخبة (سقيفة بنى ساعدة) وبيعة عامة فى المسجد، وكذلك عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، ومن أسباب اعتبار عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس أنه أيضا أخذ البيعة فى المسجد ولم يكتف بتوصية سليمان ابن عمه الحاكم السابق. أما ما قام به الأمويون والعباسيون وغيرهم من دول المسلمين واتخاذهم التوريث بالصورة الملكية كأسلوب فى الحكم، فهذا أمر لا أصل له فى الإسلام، ولا يستند إلى أى أساس شرعى. ونظرا لانتشار هذا الوباء فى العالم الإسلامى حتى الآن، ورغم أنه لا يوجد نص شرعى يحدد حدا زمنيا أقصى للحاكم طالما كان صالحا، وبسبب الفساد الذى نشأ عن التوريث, فإننا نتمسك بشرط تحديد مدتين للرئاسة كحد أقصى استفادة من معاناة هذه القرون الطويلة.

فى العهود السابقة كان النظام الملكى هو النظام السائد فى العالم، أما الآن فى عصرنا الحالى فقد أصبحت الملكية مجرد رمز تاريخى فى الغرب والشرق، عدا البلاد العربية والإسلامية ظلت الملكية هى الحكم المطلق (باستثناء ماليزيا الرشيدة حيث توجد بها ملكية رمزية) بل لقد تحولت النظم الجمهورية إلى نظم وراثية. لذلك لابد من وضع الضمانات القصوى لاستئصال هذا الميل لحكم الفرد المستبد الأبدى من بلادنا، وهو من أبرز علامات وأمراض التخلف، وهو فى ذات الوقت ينافى قواعد الشريعة بصورة صريحة, فالشريعة تضع شروطا عامة ومواصفات للحاكم، وتطرحه للبيعة (الانتخاب)، وتضع فى يد الأمة حق عزله (سحب الثقة) إذا خرج عن شروط البيعة أو اختلت أحد مواصفاته (اختلال عقلى صحى إلخ) ويمكن الرجوع إلى تفصيل ذلك فى دراسة (الإسلام والحكم من إصدار المركز العربى للدراسات), ونحن نؤمن بالاحتكام إلى الانتخابات فى كل المستويات والهيئات, لأن رأى الجماعة كقاعدة عامة أفضل من رأى الفرد, وهذه حكمة النص على الشورى فى القرآن والسنة.

فى أحد معسكرات شباب حزب العمل قمنا بتجربة معملية حول هذا الموضوع وكانت النتيجة مذهلة. فى نهاية كل فوج تقوم القيادة بتكريم أفضل ثلاثة من شباب الفوج وتعطيهم جوائز رمزية. ولكن فى أحد الأفواج قررنا القيام بتجربة، فأحضرنا صندوق اقتراع وأوراق، وطلبنا من الأعضاء (كانوا حوالى الثلاثين) أن ينتخب كل واحد منهم أفضل 3 فى الفوج، وقلنا إننا سنأخذ بنتيجة الاقتراع, وقد كان الاقتراع مفاجئا، وجعلناه (الاقتراع) سريا ليكون كل واحد أمام ضميره, وقد كان هناك احتمال أن ينحاز كل شاب لنفسه ويكتب اسمه ضمن المرشحين الثلاثة فتصبح الأصوات متقاربة، ولكن النتيجة كانت مذهلة، لقد اختار الشباب نفس الأسماء الثلاثة التى كانت قيادة المعسكر قد اختارتها وبنفس الترتيب تقريبا!

نحن مع انتخابات حرة لاتحادات الطلاب فى المدارس والجامعات, ونعتبر ذلك المختبر الأول لتعلم الشورى، وتعلم إدارة المجتمعات، واكتساب المهارات المختلفة. ونؤيد بطبيعة الحال انتخابات حرة فى مختلف النقابات المهنية والعمالية والمنظمات الشعبية والأحزاب والبرلمان. ولابد من تحصين الانتخابات العامة من جريمة التزوير التاريخية فى بلادنا بكل الوسائل القانونية الممكنة من إشراف القضاء, إلى استخدام البطاقات الشخصية, إلى تغليظ العقوبة على التزوير باعتباره من جرائم الإفساد فى الأرض، والتى لا تسقط بالتقادم. إن التاريخ الفرعونى (بالمعنى الاستبدادى لا المعنى الحضارى) فى بلادنا يجعل هذه المعركة (فرض نزاهة الانتخابات) ذات أولوية قصوى لأى حكم صالح يتولى البلاد, وإذا توافرت النيات السليمة فلن تكون معضلة, وسيستقر الأمر ويتحول إلى آلية روتينية، فما أجمل أن تحصل على الأصوات التى حصلت عليها فعلا، وما أجمل من الاستعداد لتحسين أوضاعك بعد الهزيمة استعدادا لانتخابات القادمة، وما أجمل إحساس الشعب بسيادته عندما يدرك أن أصواته هى التى تحسم النجاح والرسوب وتحدد من يحكمه، لأنه إذا أخطأ الاختيار فإن بإمكانه التصحيح بعد أربع سنوات. هل يوجد ما تفتخر به أمة أكثر من افتخار البرازيل, فهذا حاكمها لولا دى سيلفا” (الذى بدأ حياته ماسحا للأحذية) يرسب فى انتخابات الرئاسة مرتين ثم ينجح فى الثالثة، فينقل أوضاع البرازيل المتردية من حال إلى حال, ويحولها إلى المركز الثامن فى اقتصاديات العالم خلال دورتين (8 سنوات) ثم لا يترشح مرة ثالثة بحكم الدستور، ولكن الجمهور يدعم المرشحة التى تمثل نفس الحزب والاتجاه. ويخرج لولا دى سيلفا إلى الحكم وشعبيته أكثر من 80%, كذلك انظروا إلى تجربة محاضير (مهاتير) محمد رئيس وزراء ماليزيا الذى خرج طوعا من الحكم بعد أن رفع بلاده إلى مقدمة الدول الصناعية فى العالم, بعد أن كانت مجرد مزرعة مطاط. وانظروا إلى نيلسون مانديلا محرر جنوب أفريقيا الذى أمضى فى السجون ربع قرن, ومع ذلك ترك الحكم وهو على قيد الحياة.

هذه هى التجارب الحضارية المشرفة التى تجعل الشعوب ترفع رأسها فخرا إلى عنان السماء. ولذلك ليس من قبيل الصدف أن هذه البلدان جميعا قفزت فى معارج التقدم الاقتصادى الحضارى خلال سنوات قليلة.

فى المقابل نجد صورة الحاكم الهرم المصر على البقاء فى السلطة حتى النفس الأخير, حيث يتحول هذا الهدف إلى الرسالة الأولى لمؤسسات الدولة، وفى هذه الدول نجد الصورة القبيحة المتكررة للدول التى أصبح يطلق عليها (الدول الفاشلة)!

إن الشورى وعلى رأسها الاختيار الحر للحاكم هى ركن ركين فى التصور الإسلامى للحكم (التفصيل فى كتاب: الإسلام والحكم).

وكذلك فإننا ندعو لانتخاب شيخ الإسلام (أو شيخ الأزهر) من هيئة كبار العلماء, كما كان ذلك الوضع تاريخيا، وأن يكون راتبه ورواتب العلماء وكل احتياجات الأزهر من أموال الأوقاف، حتى يحظى بالاستقلال الواجب عن السلطة التنفيذية.

*****

لقد بدأنا بالشورى لأنها أساس نظام الحكم فى الإسلام وعرجنا منها لمسألة الانتخابات. ولكن لابد من التأكيد أن الحوار ليس مطلوبا لمجرد الحوار، وأن كثيرا من التجارب التعددية تعرضت للفشل بسبب السقوط فى مهاوى الثرثرة والمهاترات الحزبية، لذلك لابد بعد الحوار الحر والنقاش التزام مؤسسات المجتمع بالقرارات والسياسات التى اتخذتها الأغلبية حتى يستطيع المجتمع أن يتقدم للإمام.

فمفهوم النظام السياسى فى الإسلام يقوم على أساس التوازن بين حقوق وواجبات الفرد وحقوق وواجبات الجماعة.

العمل السياسى فريضة على كل المواطنين:

يقال فى النظم الديمقراطية الغربية أن ممارسة العمل السياسى وحرية التعبير والتصويت من حقوق المواطن، بينما هى فى الإسلام وإن كانت حقوقا فإنها أيضا ترقى إلى مستوى الواجبات، وأن من حسن دين المرء أن يكون ناشطا فى المجتمع دفاعا عن الحق وكل ما هو إيجابى (المعروف) ومعارضا للباطل وكل ما هو سلبى (المنكر)، وألا ينحصر ذلك فيما يتعرض له شخصيا فحسب بل بما يمس مصالح المجتمع ككل. وبالتالى فإن مفهوم العمل السياسى فى الإسلام أكثر رقيا من المفهوم الغربى، لأنه يجعل من فرائض الإيمان بالله أن يكون المؤمن نشطا فى مقاومة الباطل والانتصار للحق، ولا يكتفى بأن يقال له من حقك أن تفعل ذلك أو لا تفعله,ولا ينتبه كثيرون إلى أن هذا المفهوم محورى فى العقيدة الإسلامية,حتى اعتبرها القرآن الكريم الخاصية الأساسية فى خيرية أمة الإسلام: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) فالإيمان بالله الذى هو طريق الجنة، لا يكون حقيقيا ومخلصا إلا بإصلاح الدنيا، فلا يترعرع الإيمان وسط خرائب الدنيا، ولا يكون الإيمان حقيقيا إذا لم يؤد إلى ظهور دعاة الإصلاح.

وهذا المفهوم الإسلامى للعمل السياسى يؤدى إلى حالة من اليقظة الاجتماعية والسياسية لا مثيل لها، فهو فريضة على كل المؤمنين والمؤمنات: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ولا يختص بها لجنة خاصة ولا تقتصر على الأحزاب السياسية، وإن كانت هى المؤهلة أكثر لقيادة ممارسة هذه المهمة. ولكن الثقافة الإسلامية العامة التى وصلت وترسبت فى أفئدة المواطنين جميعا من خلال التعليم والإعلام وتربية المساجد والأسرة، تؤهل كل مواطن أن يمارس الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى حدود فهمه,وفى حدود دائرة حياته,فى الأسرة والعمل ووسائل المواصلات والأماكن العامة على الأقل. بل يتحول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى دوائر ضاغطة صاعدة وهابطة أفقية ورأسية كماكينة غسيل السيارة التى نغسلها من كل الجوانب والزوايا,فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يجرى من الحكام للمحكومين، ومن المحكومين للحكام، وبين الحكام بعضهم البعض، وبين المحكومين بعضهم البعض,وليس صحيحا أنه مقصور على العلماء والفقهاء,وإن كان هؤلاء أقدر الجميع على الممارسة الشاملة، ولكنهم مع ذلك ليسوا معصومين من المراجعة فى هذا الموقف أو ذاك (راجع التفاصيل فى الجهاد صناعة الأمةوالإسلام والحكم).

نحن أمام حالة حيوية من العمل السياسى، وأمام حالة من الرقابة الشعبية والرسمية الدائمة على مدار الساعة ومن كل الاتجاهات، وهذا ما يؤدى إلى صيانة المجتمع من شتى أنواع الانحراف ويمنع استشراء الفساد، أو بمعنى أصح يجعل الفساد والانحراف فى أدنى حد ممكن، فنحن هنا أمام رقابة يشارك فيها الجميع لوجه الله تعالى وحسبة له جل شأنه وتقربا وعبادة له. ولا يجوز أن تكون الممارسة الخاطئة أو السطحية لبعض شباب الجماعات فى وقت سابق خلال أداء هذا الواجب، مبررا لوقف أو تجميد هذا السلاح الإصلاحى الجبار (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) والقول بأن هذا هو دور العلماء فحسب، فهذا غير صحيح بنص القرآن. كما أن استخدام الأسلحة فى ارتكاب بعض الجرائم لا يؤدى إلى إلغاء السلاح أو إلغاء تراخيصه للناس، كما أن رعونة بعض السائقين لا يمكن أن تؤدى إلى إلغاء استخدام السيارات!!

وإذا نظرت إلى تدهور الأحوال فى مصر فسترى أن كثيرا منها يحدث بسبب تخلى المجتمع عن ممارسة فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى القضايا الكبرى,وقد انبثق عن هذه الفريضة نظام الحسبة، الذى تقوم به هيئة نظامية محددة، على أن تظل الحسبة مهمة شائعة بين كل المواطنين.

حاجتنا إلى دستور جديد:

أوضاع أى مجتمع لا تستقر بدون مرجعية أو شرعية أو دستور. ومن أهم أسباب اضطراب أوضاع المجتمع المصرى حاليا أن الدستور لم يعد معبرا عن واقع الحال، ثم جاءت التغييرات الأخيرة (عام 2005) فزادته اضطرابا. إن الدستور يعبر عن مرحلة تاريخية، وقد كان دستور 1971 يعبر عن شرعية ثورة 23 يوليو، أما الدستور الحالى وهو نفسه دستور 1971 بعد إحداث عدد من الترقيعات عليه فقد أصبح أشبه بالوثيقة الميتة التى لا تعبر عن أى واقع، ولا تمثل صيغة جديدة تعبر عن وضع جديد، وهذا منطقى,فقد أوضحنا منذ البداية أن المجتمع انتقل من وضع محدد إلى وضع هلامى (لا وضع محدد جديد) أقرب إلى الفوضى وإلى مزاجية الحاكم الفرد منه إلى أى صيغة معروفة للحكم فى عالم الاقتصاد أو السياسة, هو أقرب إلى تحويل مصر لمستعمرة أمريكية مع ادعاء الاستقلال التام,وهو أمر لا يساعد على صياغة دستور حقيقى,لذا فإن برنامجنا ينص على (إصلاح سياسى شامل يعتمد على أحكام الشريعة، وهذا يعنى أن الدستور الجديد لابد أن يؤكد سيادة الدولة ضد أية محاولات أجنبية لاختراقها, ويحمى فى الوقت نفسه حقوق المواطنين, ويعدل قواعد إدارة الدولة) (تقرير المؤتمر العام السابع لحزب العمل 15-16 أبريل 1999).

إن الدستور الجديد يجب أن يصاغ وفقا لنصوص وروح الشريعة الإسلامية, ولا يكتفى بنص مادة تقول أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع. وتأكيد وتحصين استقلال البلاد من أهم خصائص الشريعة الإسلامية، وكل ضمانات الحرية الفردية وتوازن السلطات وضمان العدالة الاجتماعية.

إن صياغة الدستور الجديد وفقا للمرجعية الإسلامية ضرورة لضمان ممارسة التعددية السياسية بشكل حقيقى. فالمجتمعات الغربية والشرقية التى مارست التعددية بشكل محترم وجرى فيها تداول السلطة بصورة اعتيادية دون حدوث اضطرابات فى البنية العامة للدولة كان ذلك بسبب الاتفاق العام بين كل الفرقاء والأحزاب على الإطار العام للمجتمع أو المرجعية العامة (الدستور), وأن التنافس الحزبى جرى على أساس خلافات ورؤى واجتهادات فى داخل نفس الإطار، ولو كان الأمر خلاف ذلك لأدت التعددية الحزبية إلى تدمير أسس المجتمع كلما تمكن حزب جديد إلى الوصول إلى السلطة!!

لذلك فإن مناقشة وصياغة الدستور الجديد من خلال برلمان منتخب بصورة حرة أو جمعية تأسيسية منتخبة يجب أن يأخذ وقته تماما، ويجب عرض الدستور للاستفتاء الشعبى, ونحن لا نسعى لإسلامية الدستور إلا عبر هذه الأساليب، فإن الاستقرار الحقيقى للبلاد لن يتأتى إلا من خلال دستور يوافق عليه الشعب فعلا. وليس من خلال فرضه بصورة سلطوية ثم باستفتاء مزور.

وهذا سيؤدى إلى تعددية حزبية حقيقية، فحرية تكوين الأحزاب مكفولة فى إطار المرجعية الإسلامية، ولكل حزب أن يطرح رؤاه السياسية والاقتصادية بدون قيود، والقيد الوحيد يكون على الأنشطة الصهيونية والأجنبية المعادية.

والدستور الجديد يجب أن يحقق توازن السلطات بين التنفيذية والتشريعية والقضائية, وإن كنا نميل لنمط الجمهورية الرئاسية (أكثر من البرلمانية) لأن القائد فى الإسلام مسألة جوهرية، إلا أن هذا لا يعنى استئثار رئيس الجمهورية بالسلطات الكبيرة والمتشعبة إلى حد الوصول لحكم الفرد كما هو الحال فى الدستور الحالى، ولا يعنى أن رئيس الجمهورية فوق المساءلة، ولا يعنى كما ذكرنا أن يتجاوز فترتين، إن دولة المؤسسات هى الحلم الذى نسعى إليه فلا يصبح مصير الملايين معلقا بفرد واحد، ولا تتخذ القرارات بصورة فردية أو مزاجية، ولو كان محمد على أو جمال عبد الناصر أقاما دولة المؤسسات لما سقطت دولتهما بعد موتهما بسنوات قليلة.

لقد وصلنا إلى وضع لم تعد فيه حتى السلطة التنفيذية مؤسسة، فلم يعد لدينا مجلس وزراء مؤسسى حقيقى, بل هناك مجلس وزراء خفى هو الذى يحكم: أى مجموعة من المستشارين محيطة برئيس الجمهورية، وما يقرره الرئيس هو الحق والحقيقة، وهو الرئيس الفعلى للسلطة التنفيذية، وتحول الوزراء إلى مجرد صبية. ولم يعد عندنا سلطة تشريعية بالمعنى الحقيقى أو المفهوم, فهى مجرد مجلس يتم تحريكه بالريموت كنترول، وهو مجرد لجنة تابعة لرئاسة الجمهورية. ومن مصلحة الأمة أن يمارس البرلمان دوره التشريعى والرقابى، لأن هذا يرفع من أداء الدولة, ويخلق لها المزيد من الهيئات المتخصصة، أما الآن فإن التشريعات تأتى من السلطة التنفيذية, وعلى البرلمان أن يبصم عليها أو يقوم بتعديلات هامشية, وتوافق عليها السلطة التنفيذية قبل تمريرها. وبالتالى على مدار عشرات السنين لم تنمو مهارات وكفاءات التشريع, بل نمت وتطورت مهارات فى التلفيق على يد من أصبحوا يسمون (ترزية القوانين), أى الذين يفصلون التشريعات وفق مقاسات ومطالب الحاكم.

إن توازن السلطات من أهم خصائص مبادىء الحكم الإسلامى، فقد فرق الخلفاء بين سلطاتهم التنفيذية وبين التشريعات التى كانت تستدعى اجتماعا لكبار الصحابة (البرلمان) ثم انفصلت السلطة القضائية وكان الخليفة يمثل أمام القضاء.

ضمان استقلال القضاء من مصلحة الأمة, ومن أجل بناء بنيان مجتمعى عادل ومستقر. ونحن نؤيد كل ما صدر عن نادى القضاة خلال فترات رئاسة تيار الاستقلال، من مطالب فى هذا الشأن: فلابد من رفع يد وزارة العدل عن شئون القضاء والقضاة، باعتبارها ممثلة للسلطة التنفيذية وتتركز كل شئون القضاء فى مجلس القضاء الأعلى، وإلغاء جميع المحاكم الاستثنائية, وحظر ندب القضاة لدى السلطة التنفيذية، مع توفير الرواتب الكافية لسد احتياجات معيشتهم.

المحكمة الدستورية:

تمارس المحكمة الدستورية فى إطار الدستور الإسلامى المنشود، مراقبة مطابقة القوانين الصادرة عن البرلمان للشريعة الإسلامية سواء قبل صدورها أو بعد صدورها. وإن كان قبل صدورها أفضل ضمانا للاستقرار التشريعى.. وهذا الأمر معمول به فى مختلف البلدان الديمقراطية، والفارق هو فى المرجعية الإسلامية.

الحريات السياسية وحقوق الإنسان:

نؤمن بضرورة توفير أكثر الضمانات لحرية التعبير بمختلف أشكالها، وأن يكون حق إصدار الصحف والمجلات مكفول للأفراد والهيئات والأحزاب، وتأسيس الأحزاب والجمعيات فى إطار القانون والدستور, وكذلك حق عقد الاجتماعات والتظاهر والإضراب السلميين. والقيود لا تكون إلا فى حالتى الخيانة أو إهانة ثوابت الأمة الدينية.

وفى هذا الإطار لا يقبل أن تستمر حالة الطوارىء المستديمة التى تخنق البلاد منذ عشرات السنين، فحالة الطوارىء لا تعلن إلا فى حالة الحرب، أو فى حالة الكوارث الطبيعية فى الأماكن التى جرت فيها, وتنتهى بنهاية الحرب أو الكارثة الطبيعية. إن استمرار حالة الطوارىء لمدة ثلاثين سنة متصلة هو إهانة واستهانة بهذا الشعب, واحتقار لعقول الملايين عندما يقولون لنا أنها من أجل الإرهاب أو المخدرات، بينما هى وسيلة مثلى لممارسة الاستبداد وسياسة العصا الغليظة مع المعارضين وأبناء الشعب، وتعطيل القوانين، وهو ما أدى إلى تغول أجهزة الشرطة، وخلط المعايير بين تطبيق الطوارىء وانتهاكات حقوق الإنسان. وبالتالى فإن الاعتقالات والمحاكم الاستثنائية والتعذيب لابد أن تزول من قاموس حياة المصريين، ويجب تغليظ العقوبة على التعذيب إلى حد الفساد فى الأرض، وعدم إسقاط تهمة التعذيب بالتقادم.

ومع تزايد أهمية الإعلام المرئى والمسموع, فإن استمرار احتكار الدولة للإعلام الرسمى وممارسة هيمنتها على القنوات الخاصة، لم يعد مقبولا، فطغيان الأجهزة الأمنية وصل إلى حد تحديد أسماء الضيوف المسموح بهم، والضيوف المطلوب ظهورهم كثيرا، والضيوف الذين يجب منعهم تماما، فهذا يحول الإعلام إلى مهزلة، ويقدم تعددية زائفة مصنوعة, ويقضى على فوائد ومزايا هذا التطور الجديد فى الإعلام الفضائى الذى يملك البث المباشر للأحداث وينقل آراء مختلف الاتجاهات ويوصلها بصورة فورية لسائر الجمهور فى البلاد. كذلك فإننا نرفض التعاون الآثم بين الحكومات العربية للتضييق على مراسلى الفضائيات وعلى البث الفضائى، والتعاون لوضع قيود على الإنترنت.

(11)مبحث حول الديمقراطية والشورى

هذا المبحث امتداد للحلقة السابقة حول (الإصلاح السياسى وقضايا الحريات), ولكنه يركز على الرؤية النظرية للإسلام, وعقد مقارنة بين الشورى والديمقراطية. وكما ذكرنا فى بداية الحلقة السابقة فإن الإسلاميين يجب ألا يخفوا آراءهم الحقيقية تحت ستار التكتيك والمناورة للوصول للحكم سواء فى موضوع الديمقراطية أو غيرها.

يقول بعض الإسلاميين أن الديمقراطية كفر لأنها تحكم البشر بالأغلبية فى إصدار التشريعات بينما التشريع لله. ويقول فى المقابل البعض الآخر إن الديمقراطية هى الشورى, والرأيان ليسا على صواب من وجهة نظرنا. بالنسبة للرأى الأول, فلا شك أن المرجعية فى النظام الإسلامى للشريعة الإسلامية, ولكننا نتحدث عن نظام الحكم وكيف يدار. إن المرجعية الإسلامية لا تتعارض مع انتخاب من يحكمنا؟ ومن يشرع لنا؟ بل تحض المرجعية الإسلامية على انتخاب الحاكم (البيعة) وعلى مراقبته ومحاسبته. أما فيما يتعلق بالتشريع فإن الأساسيات موجودة بالقرآن والسنة, ويمكن تقنينها, ولكن التشريع أوسع من ذلك بكثير, فى الأمور التفصيلية التى تجد كل يوم على حياة المجتمعات, وهو ما يسمى فى الفقه منطقة المباح“, أى الموضوعات التى لا يوجد فيها نص صريح من القرآن والسنة يحكمها, ويتعين على النظام الإسلامى أن يسد هذه الفجوات والمجالات بتشريعات لا تتعارض مع ثوابت العقيدة والشريعة.

والمعروف أن مساحة المباح واسعة جدا ولا محدودة, فى حين أن الثوابت محدودة لأنها تتصل بالمبادىء الكلية, وهذه من رحمة الله, وأيضا من حكمة الله, لأن الله ترك للإنسان مجالا واسعا لإعمال العقل وحل مشكلاته, بعد أن أعطاه البوصلة الهادية (المبادىء الأساسية الحاكمة فى القرآن والسنة), فالإسلام لا يقدم روشتة تفصيلية أو كتالوج كذلك الملحق بالجهاز الكهربائى ليوضح لك كيفية تشغيله بالتفصيل، فاستخلاف الإنسان فى الأرض أكبر وأعقد من أن يتم بهذه الصورة الآلية البسيطة. كذلك فإن ذلك يتعارض مع سنن الله فى خلقه فالله هو أدرى بشئون خلقه: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14) وقدرت حكمته التى تعلو فوق الزمان والمكان وفوق الماضى والحاضر والمستقبل, أن حياة الإنسان ستتطور وتتغير من حقبة لأخرى، وحتى بعض الشرائع الإلهية تم نسخها وتغييرها حتى جاء القرآن الكريم وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم لتتنزل الطبعة التشريعية الإلهية النهائية. ولكن دون ذلك فإن مستجدات الأمور لا تتوقف من عصر لعصر ومن مكان لآخر, وتركت للإنسان كى يواجهها ويحلها فى إطار ما يملك من ثوابت قدر الله أنها كافية لتوجيهه. فحتى فى عهد رسول الله وعندما أرسل معاذ بن جبل لليمن قاضيا سأله بما تحكم قال بالقرآن. قال فإن لم تجد, قال بسنة رسول الله, قال: فإن لم تجد قال: أجتهد برأيى. فضرب رسول الله بيده على صدر معاذ بن جبل وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله. إذن فى عهد رسول الله توقع عليه الصلاة والسلام أن القاضى فى اليمن ستعرض عليه قضايا وموضوعات لا توجد أحكام صريحة لمعالجتها فى القرآن والسنة, فماذا يمكن أن نتوقع الآن بعد أكثر من 14 قرنا؟!

والشرط الوحيد فى التشريع فى منطقة المباح ألا يكون فيه مبدأ أو فكرة تتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية. ومع ذلك فقد أوضحنا فى الحلقة السابقة أن دور المحكمة الدستورية العليا فى النظام الإسلامى كدور مثيلاتها فى النظم الديمقراطية هو الحكم على دستورية القوانين. وستكون هذه المحكمة فى النظام الإسلامى من شخصيات إسلامية موثوقة من علماء وفقهاء ومفكرين, وليس بالضرورة أن يكونوا معممين, فالمهم هو الفقه والعلم, ونحن لدينا بين قضاة مصر حاليا والمتخرجين من كليات الحقوق التى تدرس الشريعة الإسلامية بجوار الشرائع الأوروبية, لدينا بينهم قضاة على مستوى رفيع فى الفهم الفقهى الإسلامى.

ولابد أن نذكر من لا يعلم أن المؤتمرات القانونية الدولية اعترفت بسمو الشريعة الإسلامية وأنها نظام قانونى على أعلى المستويات. ونذكر بأن كثيرا من القوانين الأوروبية الراقية مأخوذة من الشريعة الإسلامية, وأن عصر النهضة الأوروبى قام من ضمن ما قام على استيعاب تجربة الحضارة الإسلامية بما فى ذلك نظامها القانونى, والتى درست فى الجامعات الأوروبية. وأن ما يسمى قوانين نابليون منقولة من الفقه التشريعى للمذهب المالكى. ولذلك فإننا نعجب أحيانا عندما نجد فى التشريعات الأوروبية أمورا تتطابق مع الشريعة الإسلامية, وإنما هى فى حقيقة الأمر بضاعتنا ردت إلينا. والإسلامى الرشيد الفاهم لدينه لا يعيش فى حالة فزع مما يسمى القوانين الوضعية, فكل القوانين والأفكار تعرض على الميزان (القرآن والسنة) وتقيم على هذا الأساس, فترفض أو تقبل, كليا أو جزئيا. خذ مثلا القوانين الغربية التى تحرم على الحاكم أن يحصل على هدايا من مواطنين أو أجانب وتضع حدا ماليا لتلقى الهدايا لضمان أن تكون رمزية. أليست متطابقة مع أحاديث رسول الله حول تحريم تلقى المسئولين لهدايا من الناس. أو النص الدستورى لدينا الذى يحرم على رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء المجلس التشريعى التجارة أو التعامل المالى مع الدولة, فهو غالبا مأخوذ من الدساتير الغربية, ولكنه يتطابق تماما مع الرؤية الإسلامية وهى موجودة فى كتب إسلامية وتمت ترجمتها للغات أوروبية فى عهد النهضة، أو كان الدارسون يتعلمون اللغة العربية باعتبارها لغة العلم العالمية ويقرأون بها المراجع العربية. وسواء تم نقل الإيجابيات الحضارية الإسلامية إلى الفكر الغربى وهو ما نرجحه بناء على شواهد تاريخية واضحة, أو حدث نوع من توارد الخواطر, فلا فرق, فنحن نقبل الفكرة أو التشريع إذا أتت من الغرب بما لا يتعارض مع الشريعة, بل بما يؤكد مقاصدها!

ويستند القائلون بأن الديمقراطية كفرإلى أن البرلمانات الغربية تشرع أمورا منافية لمبادىء وثوابت الدين والأخلاق بدعوى أن هذا هو قرار الأغلبية, كإباحة الخمر والشذوذ والدعارة والميسر.. إلخ, ومن البديهى أن الديمقراطية فى البلاد الإسلامية لن تسمح بذلك بحكم الدستور, وأن الدستور لن ينص فى مادة واحدة على مرجعية الشريعة الإسلامية ولكن سيصاغ كله وفقا لهذه المرجعية. وبالتالى فإن استخدام تعبير الديمقراطية كفرلا يفيد إلا فى إثارة الفزع من الإسلاميين, وأنهم سيكممون الأفواه ويقطعون الألسنة وسيرفعون رايات الاستبداد بمجرد وصولهم للحكم, ولأنه يدين ما هو سيئ فى الديمقراطية الغربية ولكنه يعمم الحديث ليشمل رفض الانتخابات وحريات التعبير وحق تداول السلطة بين الأحزاب والحريات النقابية.. إلخ, وهو ما يطالب به الإسلام.

ولكن فى المقابل فإن الشورى ليست هى الديمقراطية على نحو متطابق, فهناك تمايزات بالتأكيد أهمها المرجعية الفكرية التى أشرنا إليها, فمرجعية الديمقراطية الغربية خليط من الفلسفات المعاصرة التى تواكبت مع عصر النهضة, مع مسحة دينية مسيحية أشبه بالرموز التاريخية: كوضع الصليب على معظم الأعلام الأوروبية, أو اعتبار الملكة هى رئيسة الكنيسة, وتقديم تنظير علمانى لمسألة الحريات وحقوق الإنسان, مع الإدعاء بالتمسك بالقيم المسيحية, دون أن يحددوا ما هى هذه القيم, وما علاقتها بما فعلوه وما يفعلوه بشعوب الأرض الإسلامية وغير الإسلامية, نحن أمام مرجعية تحمل خليطا من هذه المصادر والإدعاءات, وهىعلى خلاف تفصيلى بين أوروبا وأمريكا مرجعية مادية علمانية فى الأساس مع قشرة دينية مسيحية أو مسيحية صهيونية يختلف سمكها من حزب لآخر. وليس كل هذا ما يشغلنا فى مسألة الديمقراطية, إن ما يلفت انتباهنا هو كثير من آليات الديمقراطية (الانتخابات الحرة غير المزيفة تداول السلطة بين الأحزاب والفرق فى إطار الدستور حق تشكيل الأحزاب والهيئات والنقابات مكفول وكل الحريات التى أشرنا إليها فى الرسالة السابقة) فهذه الآليات من صميم الشورى الإسلامية, وقد مارسناها بدرجات متفاوتة فى صدر الإسلام, واستمر بعضها رغم سيادة الملك العضوض, ولكن تظل هذه الآليات من صميم التصور الإسلامى.

والتمايز بين الشورى والديمقراطية لا يتوقف عند المرجعية الفكرية. وهذا أمر بديهى وظاهر ولا يحتاج لكثير من الجدال, ومسألة المرجعية الفكرية تبدو خارج الموضوع نسبيا لأنها الرؤية الفكرية للعالم والمجتمع عموما, أما الديمقراطية فهى تركز على أسلوب ونظام الحكم. ومن هذه الزاوية فهناك تمايز بين الشورى والديمقراطية يوضح أن الإسلام هو دين الأمة الوسط بين تطرفين فى كل المجالات. فالفكر الديمقراطى الغربى يزعم أن الشعب يحكم نفسه بنفسه ولنفسه, وأن الشعب هو الحكم والسيد, والحكام مجرد منفذين لإرادته. ولكن لأن الشعب لا يمكن أن يمارس سلطته مباشرة لكبر عدده, فإنه ينتخب مندوبين عنه كل 4 سنوات ليمارسوا السلطة باسمه (سلطة التشريع والرئاسة) ثم يحاسبهم بعد 4 سنوات, فإما أن يثبتهم وإما أن يغيرهم. وهذه الفكرة من الناحية النظرية تبدو معقولة، ولكن فى الممارسة العملية عبر عشرات السنين فى الواقع الغربى تكونت فى كل بلد طبقة حاكمة مستقرة ومستديمة, وعملية تبادل السلطة بين رؤساء البلاد تخفى خلفها الصف الثانى من القادة المستمرين مع كل حزب عندما يصل إلى السلطة, وأحيانا يعملون مع الحزب الآخر. وأن ما يحدث فى النظم الشمولية يتكرر فى النظم الغربية فهناك مجموعة ضيقة تسيطر على عملية اتخاذ القرار, وأن التغيير يتم فى المتحدث الرسمى باسمها فحسب (الرئيس!!).

ولا شك أن نسبة التغيير فى الطاقم الحاكم أكبر من النظم الشمولية, ولكن مع بعض التدقيق يمكن اكتشاف أن البون ليس شاسعا. كذلك نجد حالة من الثبات فى المؤسسات الأمنية والعسكرية التى تلعب دورا أساسيا فى اتخاذ القرارات, وكذلك الحال فى مجموعة المستشارين فى مراكز الدراسات المهمة, وأبرز رجال المجمع الصناعى المالى. ونحن نأخذ النظام الأمريكى كأعلى تبلور للحضارة الغربية. فتبادل السلطة بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى أشبه بالكرنفال, منه إلى التنافس السياسى الحقيقى القائم على رؤية فكرية. ونحن ندرك أن تداول السلطة يجب أن يتم كما ذكرنا فى إطار الدستور, أى فى إطار تصور فكرى مشترك للجميع, حتى لا يتم تدمير النظام وإعادة بنائه كلما استلم حزب جديد السلطة. ولكن الأمر وصل إلى حالة من التقارب الشديد بحيث تدور المعارك الانتخابية على أمور تافهة وهامشية, ويصبح اختيار الشخص لأدائه فى الحديث ولباقته من أهم العوامل المرجحة. كذلك فإن الطبقة الحاكمة تستخدم عملية تغيير حزب بحزب كنوع من المناورة لتغيير السياسات كما حدث فى حالة أوباما أخيرا الذى جىء به للانسحاب من العراق ثم أفغانستان, وتهدئة الأحوال عموما مع عدد من الجبهات الخارجية. (راجع كتاب أمريكا طاغوت العصر الطبعة الثالثة).

ولكن يقول البعض أن الجماهير تختار بحرية, وأن التصويت يتم بدون تزوير, فماذا تريدون أفضل من ذلك؟ رغم أن الحديث عن التزوير بدأ يتصاعد خاصة فى انتخاب جورج بوش الابن, خاصة فى ولاية فلوريدا, لكن دعونا نقول أنها لا تزال ظاهرة هامشية, ولكن لاحظوا أن ما نطالب به فى مصر من التصويت بالبطاقة (الرقم القومى) ليس موجودا فى الولايات المتحدة, فهناك نظام للتسجيل كما هو فى مصر، وإيران هى التى اعتمدت استخدام البطاقة الشخصية فى انتخابات الرئاسة, والمقصود من هذا المطلب هو تشجيع كل الناس على التصويت بدون قيود. ومع ذلك ليست هذه هى المشكلة الأولى, المشكلة الأولى أنك تدعو الشعب للاختيار بين أحمد والحاج أحمد كما نقول فى المثل المصرى.. (أحمد زى الحاج أحمد) فهما نفس الشخص. وقد اكتشف المواطن الأمريكى أن انتخاب المرشح الديمقراطى لا يختلف عن انتخاب المرشح الجمهورى فى أى شىء جوهرى أو ملموس, ولذلك فإن أكثر من 50% من الناخبين لا يذهبون للاقتراع!.

أما الذاهبون للاقتراع فهم واقعون تحت وطأة الحملات الإعلامية التى لا تتوقف على مدار الساعة, وكأن مصير أمريكا مرهون بفوز هذا أو ذاك. ويتعرض المواطن لغسيل مخ رهيب عبر التلفزيون الذى لا يقدم أى تصور عن أمريكا إلا من خلال مؤسسة واحدة هى مؤسسة الحكم التى أشرنا إلى عناصرها من قبل, أما فى الواجهة فلا يوجد إلا جناحين للنظام (الجمهورى الديمقراطى) يختلفان فى أمور هامشية, ويكرسان عمليا مفهوم الرؤية الواحدة. فالخلاف حول العراق ليس حول مبدأ الغزو والاحتلال, ولكن حول سوء إدارة الاحتلال, وهل كان يجب أن نرسل قوات أكثر؟! أما الآن فهل ننسحب عام 2009 أم 2010؟! وهل نرسل 30 ألف جندى لأفغانستان أم 20 ألف جندى فقط؟! وتدور رحى المناقشات عنيفة حول هذه الإجراءات.

وليس لدى الجمهور الأمريكى وسيلة أخرى لمتابعة السياسة إلا عبر هذه التمثيليات, وهى لا تساعد على تكوين أى رؤى حقيقية للمشكلات الداخلية أو الخارجية, فقد تم اختزال الحياة الديمقراطية السياسية فى حزبين, وكأن أمريكا صاحبة الـ 300 مليون نسمة عاجزة عن إخراج حزب ثالث مؤثر. وقد يكون الإنترنت هو طوق نجاة لتطوير الديمقراطية الأمريكية, ولكن حتى الآن لم يظهر أثرا لذلك, بل استخدمت الطبقة الحاكمة الإنترنت بنفس أسلوب استخدامها للتلفزيون, ورأينا أن أوباما استخدم الإنترنت فى حملته, وكان ذلك من ذكاء حملته الانتخابية من ناحية الشكل, ولكن لم يضف شيئا فى المضمون.

وأيضا فى دراستى (أمريكا طاغوت العصر الطبعة الثالثة) ستجد إحصاءات دقيقة تؤكد أن أعضاء الكونجرس فى أمريكا ثابتون إلى حد كبير على مدار عشرات السنين. وهكذا نجد حالة من الثبات فى مكونات السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالعملية الانتخابية فى أمريكا آلة جهنمية لا يملكها إلا صاحب الملايين, والآن صاحب المليارات, وبالتالى فإن المصالح المالية الاقتصادية المسيطرة هى التى تحدد من ينجح ومن يرسب, بل من يترشح!! ولا يتم ذلك عبر التزوير الساذج كما يحدث فى مصر. ولكن عبر السيطرة على الحملة الانتخابية, والدعاية فيها, وإرسال خطابات لكل ناخب فى منزله, وإظهار المرشح المطلوب فى وسائل الإعلام, وعقد صفقات مالية بين المرشح والشركات المؤثرة فى دائرته, وصفقات بين المرشح وجماعات الضغط فى دائرته, وجماعات الضغط هذه قد تكون صناعة معينة, أو نشاط اقتصادى معين, أو مجموعة دينية أو عرقية لها مطالب (واليهود على رأسهم), وهذه الجماعات هى القادرة على حشد مجموعات من الناخبين للتصويت, وفى ظل انفضاض معظم الناخبين عن الاقتراع فإن السيطرة على عملية التصويت تكون أسهل, لذلك فإن السياسيين ومن وراءهم سعداء فى قرارة أنفسهم من قلة عدد الناخبين, لأن ذلك يجعل حسم التصويت فى اتجاه معين أكثر سهولة. (لا يوجد فى الكونجرس أى عضو مستقل عن الحزبين فى أغلب الدورات) وهكذا فإن الهيئة التشريعية (الكونجرس) والرقابية لم تعد فى الحقيقة أداة فى يد الشعب, بل هى رهينة الآلة الانتخابية المنضبطة بالسلطة الحاكمة (التنفيذية). ولذلك فإن القرارات الكبرى تتخذ فى دوائر السلطة العليا وليس فى أروقة الكونجرس, وعلى رأسها قرارات الحرب والسلام, ومجمل السياسات الخارجية والدفاعية وأهم السياسات الداخلية, وبعد اتخاذ القرارات العليا يتم تمرير المطلوب تمريره فى الكونجرس بصورة أو بأخرى, ولم يحدث أن الكونجرس عارض السلطة التنفيذية فى موضوع أساسى أو مصيرى أو استراتيجى. وعندما تحتدم المناقشات والخلافات فى الكونجرس فهذا يعنى أن هناك خلافا فى دوائر السلطة التنفيذية, وينفس عن نفسه من خلال الكونجرس, وهذا يحدث فى الإعلام أيضا, فإذا وجدت خلافات طاحنة فى الإعلام كما حدث فى نهاية عهد بوش الابن فهذا انعكاس للخلاف داخل السلطة التنفيذية. وعلى كثرة المحطات التلفزيونية والصحف فى أمريكا (بالآلاف) إلا أن كل وسائل الإعلام الرئيسية التى تنتشر على الصعيد القومى أو صعيد كل ولاية على حدة فهى ذات صوت واحد فى كافة الأمور الرئيسية, وهناك كثير من الصحف المحلية ليست إلا إعادة طبع للصحف الرئيسية, مع إضافة أخبار الولاية. والمواد الإخبارية والسياسية تسير على نغمة واحدة فى مئات المحطات التلفزيونية.

ونجد فى هذه الصورة شيئا حقيقيا (أشبه بالقانون), وشيئا مزيفا. الشىء الحقيقى أن هناك نخبة حاكمة متخصصة ومدربة ومثقفة, هى التى تدير الدولة بالفعل, وهى السلطة التنفيذية, وأن هناك أمور ذات أهمية قومية عليا ومرتبطة ببعض الأسرار ولا يمكن أن تناقش على الملأ لا فى الكونجرس أو الإعلام أو غيرهما, لذلك ستظل السلطة التنفيذية هى السلطة الأهم عمليا, ولذلك ذكرنا أننا نميل إلى نمط الجمهورية الرئاسية. ولكن هل معنى ذلك أن تفلت السلطة التنفيذية من الرقابة الشعبية مطلقا؟ لا فهناك وسيلتان: الأولى: أن تكون صلاحيات وتفويضات السلطة التنفيذية فى إطار السياسة العامة التى أقرتها مؤسسات الدولة جميعا (الحكومة المجلس التشريعى الجيش مؤسسات الأمن القومى الحزب الحاكم). أما إذا عادت السلطة التنفيذية فى كل قرار للمجلس التشريعى فإن الدولة ستصاب بالشلل.

الوسيلة الثانية: هى المحاسبة البعدية أى بعد إعطاء السلطة التنفيذية صلاحية التعامل مع موضوع معين أو قضية معينة تتم محاسبتها فى البرلمان على إجمالى النتائج، هذا فى الحد الأدنى زمنيا, والحد الأقصى يكون بمحاسبة الحكومة فى الانتخابات الرئاسية والتشريعية بإقصاء رموزها وحزبها, وهو حساب على إجمالى أدائها.

الجانب المزيف فى التجربة الأمريكية (والغربية) أن هذه الآلية لا تنفذ بشكل أمين, ولا تستهدف الحقيقة أو العدالة, لأن القوى المسيطرة استكبارية طاغوتية ظالمة, سواء تجاه الشعب الأمريكى أو تجاه شعوب العالم, هذه القوى الاقتصادية العسكرية المالية تريد الاحتفاظ بهيمنتها وسيادتها على العالم, ومستعدة أن تفعل كل شىء مشروع أو غير مشروع من أجل ذلك. مثلا هى مستعدة لشغل أمريكا كلها والعالم بأسره لأكثر من عام بالعلاقة بين كلينتون وموظفة لديه, بينما لا يحاسب جورج بوش الابن على نتائج سياساته فى العراق وأفغانستان التى أدت إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المواطنين الأمريكيين. ويمكن أن تنشغل أمريكا والعالم فى التحقيق مع الرئيس نيكسون لأمره بوضع أجهزة تسجيل فى مقر الحزب الديمقراطى المنافس, وأن تستمر هذه المهزلة لأكثر من عام، ويجبر على الاستقالة, ولكن لا تناقش سياسته فى فيتنام ولا يحاكم من أجلها. ولا يحاسب أحد فى أمريكا عندما تصدر كتب موثقة عن دور المخابرات الأمريكية فى نشر المخدرات داخل أمريكا ومن خلال طائرات سلاح الجو الأمريكى. ولا يحاسب أحد فى أمريكا عندما تنشر وقائع موثقة عن استخدام مواطنين أمريكيين كفئران تجارب, وبطبيعة الحال لن يحاسب أحد فى أمريكا على فعل ذلك مع مواطنين غير أمريكيين, كما أعلن مؤخرا عن تدمير قرابة 1500 مواطن فى جواتيمالا لاستخدامهم كحقل تجارب فى مواجهة أمراض خطيرة كالزهرى والسيلان، وهو ما أدى إلى وفاة بعضهم ومعاناة الآخرين من أمراض خطيرة مزمنة, وأن الأمر سيتوقف على مجرد تقديم اعتذار! وعندما تقرر المؤسسة الحاكمة الخلاص من أوباما فسيهاجمه الإعلام بصورة شخصية, ولضعف أدائه, ولكنهم لن يقيموا أساس سياساته.

ويحدث ذلك لأن لا كلينتون ولا نيكسون ولا أوباما ولا أى رئيس آخر هو صاحب السياسة المعلنة والمنفذة, بل هو فى أفضل الأحوال مجرد مشارك فيها, وكما كشف كتاب بوب وورد الأخير (حروب أوباما) فإن أوباما اضطر لاعتماد خطة الجيش الأمريكى فى أفغانستان بزيادة عدد القوات رغم عدم اقتناعه بها. وأن نائبه بايدن كان يحاول إقناعه بالصمود, ولكنه فشل.

وها نحن نعود من جديد للمضمون, فلكل نظام رسالة ومرجعية, فإذا لم تكن رسالة سامية ومرجعية محترمة وإنسانية, فلا يمكن أن تستقيم أداة الحكم, ولا يمكن أن يستقيم الأداء الديمقراطى, فالأداء الديمقراطى يظل شكلا، فإذا كان المضمون فاسدا فإن ذلك يعود ليفسد الشكل الديمقراطى. مرة أخرى لقد حوسب كلينتون على علاقته بالموظفة, ولكنه لم يحاسب عن فضائحه المالية هو وزوجته فى قضية (وايت واتر) بالولاية التى كان حاكما فيها, بل نشرت تقارير عن مقتل العديد من الأشخاص ومن بينهم محامى هيلارى لإخفاء جريمة آل كلينتون, بل وصل عدد المقتولين إلى حوالى 40 شخصا, ولكن كلينتون حوسب على العلاقة الجنسية الشفوية (oral sex), ولم يحاسب على قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق!! بل كل هذه الكوارث لم تمنع هيلارى كلينتون من تولى منصب وزارة الخارجية (وكانت مرشحة لمنصب نائب رئيس الجمهورية) ولم تمنع من استمرار زوجها كلينتون كنجم ساطع فى سماء السياسة الأمريكية, وحيث لا يزال يقوم بأدوار سياسية مهمة فى إطار النظام وبالتنسيق معه. وما يهمنا من كل ذلك أن آلية محاسبة ومراقبة الكبار هى فى التفاهات وليس فى صلب السياسات, وأن باب النجاة مفتوح دائما على المستوى الشخصى, أما جوهر الموضوعات فلا يستطيع أحد الاقتراب منه, وإلا تعرض للمقصلة.

والمشهور عن الكونجرس أنه متخصص فى جلسات الاستماع الطويلة التى تمتد بلا نهاية فى موضوع محدد حتى يمل الناس منها, ويُقتل الموضوع فتنتهى جلسات الاستماع بدون نتيجة محددة, فإصابة أكثر من 100 ألف جندى أمريكى بما يسمى أمراض حزب الخليج (عام 1991) وهى أمراض خطيرة, هذا الحدث الكبير تم قتله فى جلسات الاستماع دون صدور أى تفسير رسمى حتى الآن لهذا المرض, وهل هو من استخدام قذائف اليورانيوم المنضب ضد العراق, أم ماذا؟!

إن الشعب الأمريكى أشبه بالحصان الذى توضع على جانبى عينيه قطعة من الجلد حتى لا ينظر إلا أمامه وفى الحدود المسموح بها, من خلال آلة الإعلام الرهيبة, والسيطرة على مؤسسات الإنتاج السينمائى والفنى, ومن خلال السيطرة على كبريات دور النشر, ومن ثم سوق الكتاب. إن أمريكا هى أكبر تجربة عالمية فى صناعة الرأى العام, وهى أيضا أكبر تجربة لتحويل شعب إلى مجرد مستهلكين, حتى أن شعار استنهاض الوطنية الأمريكية تم بعد 11 سبتمبر ثم بعد أزمة 2008 الاقتصادية تحت شعار التسوقshopping فهذا أمر لا مثيل له فى التاريخ, عندما يخرج رئيس أكبر دولة فى العالم ليقول لشعبه: تسوقوا.. تسوقوا.. استهلكوا.. استهلكوا.. لنهزم الأعداء!! طبعا المقصود بذلك إنعاش الاقتصاد وزيادة دوران المال, ولكن هل وصل الهزال بأمة ليكون هذا شعارها الوطنى؟! وهل لا يعلم بوش الصغير وأوباما من بعده أن أمريكا تعانى من نقص فى الادخار وأنها مديونة (كحكومة وشركات وأفراد) بعشرات التريليونات بسبب كثرة الإنفاق. المهم أن المقصود بآلة الإعلام ليس مجرد إلهاء الشعب ودفعه لتبنى أفكار معينة, بل أيضا استخدامه كعبيد مستهلك لاستكمال دائرة العملية الاقتصادية, وتغذية مصالح الطبقة الحاكمة.

وحول حالة النظام الديمقراطى الغربى من زاوية انتخاب الحكام من قبل الأقلية بسبب عزوف الأغلبية عن التصويت، يرى بعض المفكرين الغربيين أن هذا يعنى تراجع وهزيمة التجربة الديمقراطية. بينما يرى فريق آخر أن ذلك لا يضير الديمقراطية لأن الممتنعين عن الذهاب للتصويت فعلوا ذلك بإرادتهم, وأن انسحابهم من التصويت هو موقف حيادى, وبالتالى لا ينقص ذلك من استحقاق فوز الفائزين.

خلاصة ما تقدم أن النموذج النظرى الديمقراطى الغربى حول حكم الشعب لنفسه, تحول على أرض الممارسة العملية إلى حلم خيالى، غير واقعى, ورأينا طغمة حاكمة ضيقة تسيطر على مجريات الأمور, وتقود السفينة وفقا لرؤيتها ومصالحها, وأنها تحول شعبها إلى عبيد من طراز جديد, يدورون فى حلقة مغلقة بين العمل والاستهلاك, وأن هناك سيطرة كاملة على عملية تبادل السلطة بين أفراد ذات النخبة الحاكمة فى مختلف العمليات الانتخابية.

فى المقابل نجد نظام الحكم الاستبدادى أو الشمولى القائم على قيادة الحزب الواحد, والزعامة الفردية للحاكم, هو النموذج النقيض, ولا نحتاج لمجهود لكشف فساد هذا النوع من الأنظمة فهى أنظمة كريهة مرفوضة شعبيا, وبرهنت التجارب على فشلها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية, سواء أكانت شيوعية واشتراكية أم قومية أم نظم عسكرية (جاءت عبر انقلابات) أم تدعى أنها إسلامية. ورغم إدعاء معظم هذه التلاوين من الأنظمة أنها حكم الشعب للشعب بالشعب إلا أن هذه الأبخرة تطير عادة فى الهواء, ويبقى المفهوم الأساسى والمعلن لها, أن القيادة الرئاسية أو الملكية هى قيادة ملهمة وحكيمة, وأنها وحدها هى التى تعرف صالح الشعب, بل من حسن طالع الشعب أن ساق إليه الله هذه القيادة, هذه القيادة هى الرئيس الملهم (ملكا كان أم رئيسا) وربما تمتد إلى الحزب القائد الحاكم العظيم الوحيد, ويصبح هذا الحزب هو الوحيد الذى يعرف مصالح الشعب.

وضمن هذه الأنماط من الأنظمة الاستبدادية ادعت الماركسية أنها تقضى على حكم البرجوازية أو البرجوازية المتحالفة مع الإقطاع, وتقيم نظام الأغلبية الذى يعبر عن العمال والفلاحين. النظرية الأصلية لم تكن تتحدث عن الفلاحين, ولكن عن العمال فحسب والعمال الصناعيين أساسا, ولذلك سميت ديكتاتورية البروليتاريا, ولكن عندما قامت الثورة فى البلد الأقل تطورا فى الصناعة (روسيا) أخذ لينين زعيم الثورة الروسية فى إدخال تعديلات على النظرية الماركسية وأصبح يتحدث عن تحالف العمال والفلاحين. وهكذا أصبح الإدعاء أن العمال والفلاحين هم الذين يحكمون وبصورة مباشرة. ولكن الممارسة الواقعية لم تنجب إلا طبقة سياسية حاكمة مهيمنة أصولها من الطبقة الوسطى وبعض العمال المثقفين, ثم تحول النظام إلى دكتاتورية الحزب, ثم ضاقت قاعدة الحكم لتتركز فى قمة هذا الحزب وحده وأحيانا الزعيم الملهم وحده, واختفت المجالس السوفيتية, وحتى هذه الأنظمة لم تخلو من بعض الديمقراطية (أو الشورى) فالحاكم دائما يريد أن يطمئن على صحة قراراته فيستشير من حوله, وكذلك الهيئة الحاكمة المحيطة به, ولكن ذلك على سبيل الاسترشاد والاطمئنان, أما القرار النهائى فيعود مرة أخرى ليد الحاكم. كما رأينا فى قصة بلقيس عندما أرسل لها سليمان فى رسالته: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ .قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل: 32-33).

هذه الصورة القرآنية أشبه بالقانون فى نظم الحكم الاستبدادية, فالمعروف عن هذه النظم أن الحاكم يستمع جيدا لمن حوله, بل ويطلب منهم أن يتحدثوا, ثم يكون القرار النهائى له, بغض النظر عما قالوا, فقد يأخذ به أو لا يأخذ به كليا أو جزئيا. ولذلك من الخطأ الفادح أن يقول بعض الإسلاميين أن الشورى مُعلمة وليست ملزمة, وكأنهم يُنظّرون لحكم المستبد الفرد.

إن الإسلام فى هذه القضية (أسلوب الحكم) أمة وسط بين تطرفين أو ادعائين:

1- حكم الشعب للشعب بالشعب.

2- حكم الفرد الحكيم العادل.

أمة وسط بين طرفى المعادلة: الشعب والنخبة. فبينما تنحاز رؤية للشعب باعتباره هو الأساس وهو المعلم والقائد والحاكم الحقيقى, تنحاز الرؤية الأخرى للنخبة المؤهلة للحكم, فليس بقدرة أى مواطن أن يفهم أو يتخصص فى السياسة, فهذا فن وعلم لا تتقنه إلا القلة, وكثيرا ما تستغل النظم الاستبدادية هذا المعنى لتخوف الشعب من مخاطر تغيير الحاكم الأبدى, باعتباره قد أصبح خبيرا فى فن وعلم إدارة الدولة, ومن الخطر أن يأتى حاكم جديد لم يختبر بعد وربما يعرض البلاد لمشكلات.

الشورى فى الإسلام هى الأكثر واقعية بين هذين التصورين, لأنها تضع فى الاعتبار طرفى المعادلة بصورة متوازنة: فهى لا تهمل النخبة, بل تدرك أنها بمنزلة المخ فى الجسد, وأن هناك أقلية لديها استعداد, ويجب أن تعد لتولى شئون إدارة المجتمع, بينما غالبية الناس لا تحب هذا النوع من العمل, وتريد أن تعيش حياتها بدون أثقال هذه المسئوليات الكبرى, إما هربا من تحمل عواقب المسئولية, أو حبا فى الاستمتاع بالحياة الشخصية بعيدا عن المشكلات العامة, أو لعدم توفر القدرات والمواهب الخاصة للقيام بهذا العمل. لذلك من سنن الحياة أن القادة قلة، ليس على صعيد الحكم فحسب, بل على كل مستويات المجتمع, الوزارات.. الشركات.. الهيئات, أى أن الصالحين فعلا للقيادة أقلية بالنسبة للعدد الكلى. وهذا ينطبق أيضا على القيادة الفكرية.

الإسلام يقر بدور النخبة القائدة المثقفة بلا أى مواربة, ويؤكد دورها فى قيادة المجتمع واتخاذ القرارات: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: 59), وأولوا الأمر هم السائرون على درب الله ورسوله, كما هو واضح من الآية, وليس أى حكام كما يزعم بعض الإسلاميين حينما يريدون الهروب من المواجهة, وأولوا الأمر أيضا وأساسا هم العلماء والفقهاء السائرون على درب الله ورسوله.

ويعلى القرآن الكريم من شأن هذه النخبة ودورها: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9), (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة: 269), (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: 28).

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122).

وتشير هذه الآية لضرورة تفرغ جزء من كل جماعة لطلب العلم والتفقه, لتلعب دور المرشد مع الناس نحو الحق, حتى وإن أدى ذلك إلى عدم استنفار هؤلاء فى القتال.

يقول البعض أن هذا هو الاستبداد الذى نخشاه, فباسم الدين سيقرر الحاكم فى النظام الإسلامى ما يريد, ومن يعارضه يكون كافرا. نقول أولا نحن نستهدف نظاما إسلاميا يقوم على أساس طاعة الله ورسوله, ومن يرفض الدين من حيث المبدأ فلا مجال لمناقشته فى هذا المجال (أى فى هذه الدراسة, ولكننا نناقشه فى مقام آخر). ولكننا نؤكد أن نظام الشورى فى الإسلام يقوم على أساس مستويات عدة, وفى هذا المستوى (العلماء) فإن تحديد الموقف أو الاجتهاد فى سياسات الدولة وتشريعاتها يكون شورى بين العلماء. (العلماء مرة أخرى ليسوا المعممين, بل كل الفقهاء الذين يخشون الله ولديهم الحد الأدنى من العلم الشرعى والثقافة الدينية) وفى هذا الإطار فإن ترجيح رأى على آخر لا يعنى تكفير أصحاب الرأى المرجوح. والشعب هنا لا يكون غائبا, فله دور كبير فى الترجيح بصورة غير مباشرة, فالتفاف الناس حول عالم أو رمز أو مفكر أكثر من غيره يعطيه وزنا أكبر من الآخرين, وقد تأسست المذاهب المذكورة بناء على هذا الإقبال الجماهيرى الذى بدأ بالمتعلمين والمريدين ثم امتد إلى جماهير أوسع. وكبار العلماء والأئمة والقادة فى تاريخنا الإسلامى صنعوا وجودهم وتأثيرهم ليس من خلال علمهم الوفير فحسب, بل بارتباط هذا العلم بالمواقف التى لا تخشى فى الله لومة لائم, والتى أكدت إخلاص وتجرد هؤلاء العلماء. فكانوا محورا لتجمع تلاميذ العلم ومن ثم الجمهور حولهم, وهو ما أعطى لهم نفوذا على السلطان, وعلى صناعة القرار (كأصحاب المذاهب الأربعة: الشافعى ابن حنبل مالك أبو حنيفة وابن تيمية والعز بن عبد السلام.. إلخ).

ونظرا لغياب نظام كهنوتى معزول عن الناس فى الدين الإسلامى, فإن علماءه استمروا يحظون بنفوذهم بقدر علمهم وإخلاصهم, وبالتالى حظوتهم عند الجماهير.

لذلك تتميز النخبة فى الإسلام بأنها ليست مغلقة، بل منفتحة دوما على التجديد من خلال آليات الشورى: الانتخابات بين العلماء وقادة الأحزاب وأعضاء المجلس التشريعى ومسئولى الحكم المحلى, وغياب النظام الكهنوتى يفتح الباب للحراك الفكرى والسياسى, فيظهر قادة جدد, ويختفى قادة من خلال عملية التفاعل الحى, فالمعيار الوحيد هو العلم والإخلاص, وليس الحسب أو النسب أو الأقدمية أو السن.

ومن ناحية أخرى فإن النخبة فى النظام الإسلامى ليست مقدسة, وهى عرضة للانتقاد والتقييم من المعارضين والجمهور, وهو وضع لا يسمح بتكلس أوضاع الطبقة الحاكمة أو استقرارها على الفساد (دور الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر).

ولكن الرؤية الإسلامية لا تثير النعرات الكاذبة والمنافقة حول حكم الشعب لنفسه وبنفسه وهى العبارات التى يستخدمها كلا النظامين: الديمقراطى والشمولى.

الرؤية الإسلامية تقر بأن أساس النظام السياسى هو إتباع شريعة السماء, وأن القادة (النخب) هم بمنزلة الرأس من الجسد.

ولكن الشعب ليس مجرد متلقى, بل هو طرف أساسى فى المعادلة, وبإمكانه فسخ العقد مع الحكام, وهو بحسه الفطرى وبثقافته الإسلامية المركوزة فيه عبر الأجيال يستطيع أن يميز الغث من السمين فى طرح العلماء والقادة فى المجالات السياسية والدينية على السواء.

*****

مغزى ذم القرآن للكثرة:

الكثرة ذكرت بالذم فى القرآن الكريم 92 مرة, وهذا موضوع ذو دلالة, ويؤكد أن الحق لا يقاس أساسا بالكثرة والقلة, وعندما يسعى الإنسان لتحرى الصواب والخطأ فيجب ألا يكون دليله أن يكون مع الكثرة. يجب ألا يكون إمعة بين الناس إن أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل إن للحق دلائله التى يمكن أن يتوصل إليها بعقله ووجدانه، وأنه يجب أن يزن كل الآراء ولا يحتقر رأى الأقلية, بل يجب أن يقيمه بكل جدية, فقد يكون فيه الخلاص. القرآن يحذر من الانبهار بالكثرة والسير مع التيار.

هانحن بعد أكثر من 14 قرنا فإن أكثر سكان الأرض ليسوا مسلمين. وفى الأغلبية الساحقة من الدول العربية والإسلامية, فإن القوى العلمانية هى المسيطرة على الحكم ومعها أغلبية الجمهور بدءا من عناصر وقوى أجهزة الدولة (جند فرعون) وانتهاء بالجمهور الذى آثر أغلبه الصمت خوفا من البطش الدنيوى بدلا من الخوف من عذاب الآخرة. وبين تيارات المعارضة فإن معظمها يتعاون مع أنظمة الطاغوت. وبين التيار الإسلامى إذا قمت بإحصاء عددى ستجد أن الأكثرية تنحاز إلى موقف غير تصادمى مع النظم التى تحارب الإسلام!! وإذا قمت بإحصاء عددى دقيق ستجد أن المجاهدين الأشداء فى ميادين المقاومة يمثلون أقلية بالنسبة لعدد السكان. وكذلك المجاهدين بالكلمة وبالوسائل السلمية ضد الأنظمة المعادية للإسلام, يمثلون قلة قليلة بالنسبة للعدد الكلى للسكان.

نحن إذن أمام إحدى سنن الله فى الحياة الاجتماعية. وقد تصور بعض الإسلاميين أن هذا التأكيد القرآنى المتكرر عن فساد الأكثرية: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (الأنعام: 116) يعنى أن الإسلام لا ينسجم مع الديمقراطية وما تطرحه من أغلبية وأقلية. وأن الرأى الأول والأخير يجب أن يكون للعلماء والحكام المسلمين, وعلى الشعب السمع والطاعة. وأن الإسلاميين يجب لذلك أن يصلوا للحكم عن طريق عمل انقلابى عسكرى لنخبة صغيرة ثم تقوم بفرض الإسلام بقوة القانون على الناس (فكر تنظيم الجهاد المصرى وربما وصلت الجماعة الإسلامية إلى نفس التفكير).

وهذا غير صحيح فى تقديرنا, ونرى أن هذه المسألة تتبدى بشكل خاص فى إطار عملية التغيير, وأن الأكثرية تظل معظم الوقت تخشى من عواقب التغيير الإصلاحى, وتستنيم للأمر الواقع الذى تعرفه: (مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُّفْتَرًى) (سبأ: 43) وأيضا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22).

إن انتساب أهل الحق للأقلية يستمر لفترة طويلة قبل التغيير, ولكن تحولهم إلى أكثرية لا يتم بالبطش والحديد والنار, ولكن بانتشار الدعوة. والقرآن الكريم يؤكد أن ذلك سيتحقق بشق الأنفس, وأن الطريق ليس مفروشا بالورود, بل هو طريق صخرى وعر: (وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214), (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا) (يوسف: 110), ويؤكد القرآن الكريم قانون انتصار المؤمنين والمستضعفين والتمكين لهم فى الأرض, وأنهم بذلك يتحولون إلى أكثرية المجتمع والعالم: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ). ولكن هذا المجتمع تحكمه الشورى, أى أخذ رأى الأغلبية بعد التشاور والمناقشة. والقول بأن الشورى غير ملزمة للحاكم يحولها إلى مهزلة واستهزاء بالعقول، فالحاكم يسمع ثم يفعل ما يريد! وهذا هو أسلوب الطغاة كما ذكرنا من قبل. إن فقهاء ووعاظ السلاطين هم وراء هذا القول أن الشورى غير ملزمة, فى حين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار وأخذ برأى الأغلبية أو رأى القادة المؤثرين فى كل مسألة مهمة لم يأت بها وحى السماء. فالمجتمع الإسلامى يأخذ بالشورى فى كل ما هو خارج النص القرآنى أو السنة المؤكدة. وحتى فى تفسير النصوص وكيفية تنفيذها فهذا الأمر شورى أيضا. وقد جاءت إحدى آياتى الشورى مؤكدة لهذا المعنى إذ نزلت تؤكد على الشورى رغم أن رأى الأغلبية جاء خاطئا: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ) (آل عمران: 159). فهى نزلت عقب موقعة أحد“, وحيث كان رأى الأغلبية الخروج من المدينة لملاقاة جيش مكة, وكان رأى الرسول مع التحصن فى المدينة, رغم أن الهزيمة كانت بسبب عدم التزام الرماة بمواقعهم, وهذا هو سبب طلب العفو والاستغفار, إلا أن نتائج الواقعة قد تدفع للقول بأنه كان يجب الالتزام برأى الرسول, ولكن الله عز وجل أراد أن يؤكد على الشورى, وأنه لم يكن من الخطأ أخذ رأى الأغلبية, حتى وإن كان الرسول فى صف الأقلية طالما الأمر يتعلق بالسياسة والحرب, لا بأصول الدين, وهذا يعنى أن الشورى وإن أخطأ قراراها أحيانا, ولكنها هى الطريق الأصوب لاتخاذ القرار, لا استبداد الحاكم برأيه.

أما آية الشورى الأخرى فقد وضعت الشورى بين الصلاة والزكاة, واعتبرتها من صفات المؤمنين الأساسية, فكيف تكون الصلاة والزكاة من الأمور الملزمة والواجبة, دون الشورى؟! (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى: 38).

*****

ما المقصود إذا بأن الشورى هى رؤية وسط بين تطرفين أو إدعاءين بين حكم النخبة وحكم الشعب.

فهى لا تعلى من شأن النخبة حتى مستوى القداسة (الاستبداد), ولا تعلى من دور الشعب فى الحكم إلى حد الغوغائية والنفاق. هى تؤمن بدور النخبة القيادية وبدور الشعب, وترى العلاقة بينهما تكاملية فى إطار النظام الصالح.

اعتراف الشورى بدور النخبة, مهم من أجل وضع الضوابط القانونية والشعبية عليها, أما النظم التى تخفى دور النخبة فإنها تخفيها أيضا عن وسائل الرقابة والمحاسبة. والنظم التى تتحدث عن أن الشعب هو الذى يحكم فهى كذابة ومنافقة, بل هى بهذا الإدعاء تواصل تغييب دور الشعب وتحكم باسمه!.

والغريب فى الأمر أن النظامين المتطرفين شكلا يتحدان موضوعا, فكل من النظام الشمولى والديمقراطى يدعيان أن الشعب هو السيد والحكم, ولكن النظام الشمولى يقول إن ذلك يحدث من خلال الحاكم الفرد أو الحزب الواحد المعبران عن روح الشعب, وأن الشعب يواصل انتخاب هؤلاء الحكام كل عدة سنوات من خلال انتخابات مزورة وأن الحكمة تقتضى بقاء هؤلاء العباقرة فى الحكم مدى الحياة.. بل مدى التاريخ إن أمكن! والنظام الديمقراطى الغربى أكثر رقيا من الناحية الشكلية, فهو يدعى أيضا أن الشعب هو السيد والحكم, من خلال انتخاب ممثليه ورئيسه (فى النظم الرئاسية) وإن هؤلاء يتغيرون بالفعل, فيتم إسقاط أحمد وإنجاح الحاج أحمد, ولكن السياسات العامة والأساسية لا تتغير, وأن الطبقة الحاكمة شبه مغلقة, فـ 90% من متخذى وصانعى القرار لا يتغيرون ومعظم المشرعين لا يتغيرون. طبعا هناك نسبة تجديد وإحلال, يعود بعضها لكبر السن أو المرض أو الموت, ويعود بعضها لمحاولة تجديد دم القيادة والبحث عن كفاءات جديدة, ويعود بعضها إلى ضرورة التخلص من بعض رفاق السلطة ككبش فداء فى الأزمات المختلفة. وعملية التجديد المحدودة فى جسد السلطة البيروقراطى فى دوائره العليا تحدث أيضا فى النظم الشمولية لنفس الأسباب:

1) الموت وكبر السن والمرض.

2) التعويض عن أكباش الفداء المذبوحة.

3) محاولة لتجديد الدماء فى القيادة, وهذا هو العنصر الرشيد فى النظامين.

ومن الطريف أن النظام الصينى وهو محسوب شكليا على النظم الشمولية, يقوم بتجديد القيادة العليا بنسب أكبر من بعض النظم الديمقراطية, وهذا يعود للسبب الأساسى الثالث وهو تجديد دماء القيادة, وهذه هى الحكمة الصينية, وهى من أهم أسباب صعود الصين.

*****

الشورى فى الإسلام تضع المعادلة الواقعية الصحيحة, ولا تهرب منها بادعاءات غير حقيقية, وهذا يساعد على رقى وأمانة الأداء السياسى. فالإسلام يقر بدور النخبة القيادية الحاسم بلا مواربة: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ), وهذا ضرورى لإتباعها فى الخير, وأيضا لرفض إتباعهم إن انحرفوا عن جادة الصواب. ووضع وسائل الرقابة الضرورية عليهم نظرا لأهمية دورهم. والشعب ليس كما مهملا, وليس مجرد متلقى للأوامر, بل هو عنصر فاعل فى ضبط إدارة الحكم والرقابة عليها, ورأى الأغلبية عادة ما يكون صحيحا (إن أمتى لا تجتمع على ضلالة) حديث, وإذا أخطأت فإنها تملك تصحيح الخطأ بسهولة وبدون حساسية من خلال انتخاب شخص آخر, وإجراء تصويت مختلف.

ولأن الشورى تتعامل مع الواقع كما هو بدون إدعاءات فهى أكثر واقعية فى التشخيص والممارسة, لذلك فهناك شورى على 3 مستويات متفاوتة وإن كان بينها بعض التداخل, ولكن تظل آليات الشورى مختلفة فى كل مستوى:

  1. شورى العلماء:

فى الأمور الشرعية التى تحتاج إلى اجتهاد فى غياب النص, فإن الشورى تجرى بين العلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين. فلن يطرح للتصويت الجماهيرى قضية شرعية تخص المواريث أو الزكاة أو الأحوال الشخصية.. إلخ, فهذه الأمور لا يمكن البت فيها بدون علم شرعى وبدون اختصاص, وبالتالى فهى ليست مطروحة للعامة.

  1. شورى المختصين:

فى الأمور الاقتصادية والجيولوجية ومشروعات التنمية والأمور العسكرية ومشروعات الإعمار الكبرى, فلا يمكن اتخاذ القرارات فيها بدون الرجوع إلى المختصين والتشاور معهم وأخذ رأى الأغلبية: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (الفرقان: 59).

  1. الشورى العامة:

وتتمثل فى اختيار الشعب للحكام ونواب المجلس التشريعى وانتخاب المجالس المحلية, والإدلاء بالرأى فى الاستفتاءات, والمشاركة فى كافة الأنشطة والفاعليات السياسية والإعلامية, وممارسة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

وهذه المستويات كما ذكرنا متداخلة ومترابطة ومتفاعلة. فالشعب هو الذى ينحاز لمدرسة فقهية دون أخرى عندما يختلف العلماء, وهذا هو أساس ظهور المذاهب فى الإسلام (كثرة مريديها), فالشعوب بفطرتها السليمة انحازت فى نهاية المطاف إلى العلماء الثقاة والمخلصين لله.

كذلك فى شورى الاختصاص فإن كثيرا منها (أى عدا الأمور العسكرية السرية) لا تتم بمعزل عن الشعب, لأن هذه المشروعات تؤثر على حياته ومصالحه, وللعاملين فى القطاعات المختلفة خبراتهم وعلمهم الذى اكتسبوه ويجب الاستفادة بآرائهم. كذلك فإن شورى العلماء والمختصين تتداخل معا, عندما يكون الموضوع المطروح متصل بفرع من فروع العلم, كالهندسة الوراثية أو نقل الأعضاء أو أى موضوع اقتصادى.. إلخ, والجمع بين العلماء والمختصين هو ما كان يسمى أهل الحل والعقد.

والإسلام لم يترك مجالا لنشوء نظام كهنوتى, أو قيادة مقدسة تحتكر الحقيقة والاتصال بالسماء, بل ترك باب العلم مفتوحا للجميع, ومن هنا من غير الممكن إغلاق النخبة بشكل تحكمى على أناس بعينهم, وإدخال عناصر جديدة وفقا لقواعد تعسفية تضعها الفئة المسيطرة, بل الإسلام رفض الكهنوت (بالمناسبة المسيح قامت دعوته على محاربة كهنة بنى إسرائيل) وفتح أمام الأمم (منادح للفكر الإنسانى لم تكن مفتوحة من قبله, فجعل النصيحة حقا لكل قادر عليها من أولى الفهم والدراية، وجعل العلم وظيفة عامة يطلبها من يشاء ويتولاها من يشاء, ولا سلطان له على الناس غير سلطان القدوة الحسنة والإقناع بالحجة والبينة الصادقة, وهو المسئول إن خان هذه الأمانة, والمستمعون له هم المسئولون إن سمعوها فلم يستجيبوا لندائها) (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه عباس محمود العقاد نهضة مصر الطبعة السابعة – 2008 – القاهرة ص 124).

هذه مسألة جوهرية فى نظام الحياة فى الإسلام, ولا نقول نظام العمل السياسى فحسب, فلا توجد دائرة مغلقة على الفكر والمفكرين (أولوا الأمر), ولكن ليس معنى ذلك أن كل الشعب سيتحول إلى مفكرين وفلاسفة كما بشرت بعض النظريات الغربية, والتى عزت الخلاف فى القدرات بين البشر إلى الاستغلال الطبقى. وإن كانت النظم الصالحة ترفع المستوى الثقافى العام للشعوب, ولكن ستظل هناك فروق فى القدرات: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (الأنعام: 165), وأيضا فروق فى الميول, وأيضا فروق فى الخيارات, فكثير من الناس لا يفضلون الانغماس فى الحياة العامة ويفضلون الاستمتاع بحياتهم الخاصة والاقتصار عليها, وبعضهم ينضم للحياة العامة عند النفير العام أو فى الأزمات الكبرى.

هذه هى المعادلة الإسلامية, الباب مفتوح أمام الجميع للقيادة الفكرية والسياسية, الباب مفتوح أمام الجميع لتقديم النصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, بل هو واجب للجميع, وفى خضم هذا السباق المفتوح للجميع تتكون بشكل حر نخبة قيادية غير مغلقة قابلة للتجديد. وعلى الشعب أن يتبع ويطيع هذه القيادة (أولى الأمر) إلا أن تكون فى معصية (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق), وإذا حدث خلاف فإن القرآن الكريم صريح فى الاحتكام للقرآن والسنة بين الحاكم والشعب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: 59).

والقرآن سهل وميسر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: 17), ولا يسمح لأحد أن يدعى أنه وحده الذى يعرف أسراره, أحكام القرآن واضحة لا تحتمل اللبس, وتفاسير القرآن الكريم لا يوجد بها أى خلافات كبيرة كما يتصور ويشيع البعض, سواء التفاسير القديمة أو المعاصرة. وفى أوقاتنا المعاصرة لا تختلف الشعوب على أن الحكام خارجون على معظم أحكام القرآن الكريم, ولكنهم يخشون مواجهتهم فحسب!! فالمشكلة فى الشجاعة (قوة الإيمان والتقوى والالتزام بأوامر الله) وليس فى الحيرة الفكرية أو نقص المعلومات!! (وهذا الأمر ينطبق من باب أولى على العلماء!).

*****

كل آليات الشورى ومستوياتها التى تمارس فى المؤسسات المختلفة وفقا للاختصاص والقدرة العلمية تأتى تحت القبة التى لا خلاف عليها (الشريعة الإسلامية كما وردت فى القرآن والسنة) والتى يصدر بها دستور إسلامى, والدستور الإسلامى لا يصدر إلا بموافقة أغلبية الشعب فى استفتاء حقيقى غير مزور. إذن النظام الإسلامى لا يعرف الإكراه فى العقيدة فى كل مراحله, ويوفر أعلى درجات المشاركة السياسية لأبناء الأمة فى تدبير شئونها وصناعة القرار والرقابة على الحكام, وأخذ رأى الأغلبية فى إدارة شئون الدولة, وفى كل ما لم يرد به نص شرعى.

ويجمع العلماء الثقاة على أن الحاكم وكيل عن الأمة, ومن حق الأمة أن تسحب منه التوكيل (الثقة) فى أى وقت, ولأن الأمة هى التى اختارته أصلا (البيعة), فإذا خرج عن شروط البيعة (العقد) يعزل. وعزل الحاكم لا يقتصر على كفره كما يتصور البعض, بل أيضا لفسقه أو ظلمه أو انحرافه, أو موالاته للأعداء, أو إسقاطه لأحد أركان الدين, ومن ذلك الشورى, وكما يقول القرطبى فى تفسيره أن حكم الفاسق لا يجوز, فإذا كان الفاسق لا تقبل شهادته فى المحكمة فكيف يكون حاكما للبلاد, وعن الشورى يقول: (إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب, وهذا مما لا خلاف فيه) (القرطبى الجامع لأحكام القرآن).

(12) المبادىء العامة التى تحكم إدارة الاقتصاد

نعود مرة أخرى إلى الاقتصاد من زاوية توضيح عدد من المبادىء العامة التى تحكم تصورنا لإدارة اقتصاد البلاد، فى إطار المفهوم العام السابق الأساسى (الاستقلال الاقتصادى).

1) القطاعان العام والخاص:

هذه هى القضية التى شغلت العالم منذ ظهور الماركسية والحركات الاشتراكية فى الغرب فى القرن التاسع عشر, التى دعت إلى إنهاء الملكية الخاصة, أو تقليصها كمبدأ عام موجه لإدارة العملية الاقتصادية, بينما ظل الفكر الرأسمالى يعتبر أن الملكية الخاصة هى الأساس, وأن الملكية العامة قد تطرأ على سبيل الاستثناء.

ولا تزال ذات القضية تشغل العالم حتى أوائل القرن الواحد والعشرين, بأزمته الاقتصادية التى لم تنته فصولا بعد. وكأن البندول يتحرك فى حقبة لصالح الملكية الخاصة (القطاع الخاص) ثم يعود ليتحرك فى الاتجاه المعاكس لصالح الملكية العامة (القطاع العام)، مع تغير الأوضاع الاقتصادية وتلاطم أمواجها سواء على مستوى البلد الواحد أو على المستوى العالمى. فى حين ظلت الرؤية الإسلامية الاقتصادية النظرية ثابتة لا تتغير, فهى لا تضع قدسية لشكل من الملكية فوق شكل آخر. وهى تؤمن بالتزاوج بين الشكلين الأساسيين من الملكية, وترى أن النسب بينهما تظل متغيرة حسب الأحوال الاقتصادية وحسب المصلحة. وهذا ما عاد إليه العالم منذ عشرات السنين, وحيث توسعت الملكية العامة فى النظام الرأسمالى (خاصة فى أوروبا الغربية) وتوسعت الملكية الخاصة فى النظام الشيوعى, ثم ارتفع صوت ما يسمى الطريق الثالث بين الرأسمالية والاشتراكية, أو ما يسمى الاقتصاد المختلط, وارتفع صوت الاشتراكية الديمقراطية“, وهو اتجاه قديم فى أوروبا كان قد انكمش, ويحاول أن يدمج بين محاسن الاشتراكية ومحاسن الرأسمالية, وهو الاتجاه الذى يسود فى بلاد شمال أوروبا الاسكندنافية ويتبادل الحكم فى باقى بلدان أوروبا مع التيار الرأسمالى التقليدى. وهذا الاتجاه الاشتراكى الديمقراطى هو الذى يتمدد ويفوز بالحكم فى أمريكا اللاتينية. وهذا التيار الهجين هو الذى يهيمن بتلاوين مختلفة فى التجارب التنموية الآسيوية, وفى بلدان أوروبا الشرقية يتبادل الوصول للحكم مع الأحزاب التى تمثل الرؤية الرأسمالية التقليدية، أما فى روسيا التى اندفعت نحو الخصخصة فقد بدأت تخفف من غلوائها وتصلح من شأنها للعودة إلى دور الدولة فى الاقتصاد والقطاع العام.

إذن الرؤيتان المتطرفتان: الملكية العامة 100% أو الملكية الخاصة 100% لم تعودا موجودتين فى العالم إلا فى بطون الكتب التى صدرت منذ عشرات السنين, لا فى أرض الواقع فى أى بلد, ولا فى برنامج أى حزب عاقل فى أى بلد!

والقرآن الكريم كما نعلم لم يدخل فى التفاصيل عن عمد, ليترك لنا حرية التصرف والتفكير والاجتهاد فى كل ما هو مباح, ومع ذلك فهناك إشارة لشرعية القطاع العام فى سورتى الحشر والأنفال: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7).

فى غزوة بنى النضير استسلم اليهود بدون قتال, لذلك اعتبرت أملاكهم من الفيىء (لا الغنائم التى توزع على المحاربين بنسبة أربعة أخماس, وخمس لله والرسول) وحددت الآية مصارف الفيىء, وقد قسمه رسول الله إلى قسمين: قسم تم توزيعه على المهاجرين لتحسين أحوالهم المادية بعد فقدان أملاكهم فى مكة, وحتى يرفع المشقة عن الأنصار الذين كانوا ينفقون على المهاجرين, وكذلك تم توزيع جزء من هذا القسم على فقراء الأنصار. أما القسم الثانى الذى يعنينا الآن فقد احتفظ به رسول الله فيما يشبه فى أيامنا الحديثة أن يكون قطاعا عاما, أى فى ملكية المجتمع للإنفاق على متطلباته, وعندما يستخدم القرآن كلمة (لله) أو (لله والرسول) فإن ذلك يعنى تخصيص المال للنفع العام للمجتمع, وهذا يفهم أيضا بنفس المعنى من آية توزيع الغنائم: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال: 41), ورغم تحديد المصارف فى الآيتين لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل, والتى يتولى ذلك الحاكم (السلطة السياسية), إلا أن بند لله والرسولوهو ما يعنينا الآن المقصود به (ترك هذا المال لمرافق المسلمين العامة كالإنفاق على الجهاد وتأمين الحدود والثغور, ولا يعطى للأفراد, بل العموم فى مصرفه, وهو عموم مصالح الأمة) (التفسير الوسيط للقرآن الكريم – 1986 – الجزء 26).

(والإنفاق فى سبيل الله مقصود به كل ما يعود على المجتمع بالنفع) (تفسير أحمد حسين من سورة الأحقاف إلى المرسلات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – 1976 – ص 367).

ومن الملفت للانتباه أن هذه القاعدة الأساسية: (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وردت فى هذا المقام, ودُولة (بضم الدال) تعنى الحكر, وهذا يعنى أن تدخل الدولة بتوزيع المكاسب على الفقراء والأكثر احتياجا من ناحية, أو استخدامها فى عموم مصالح الأمة, وقد يكون ذلك باستثمار المال فى مشروع إنتاجى أو خدمى قطاع عام من ناحية أخرى, هذا التدخل هو الوسيلة الرئيسية للعدالة الاجتماعية وعدم تكدس الأموال والثروات فى أيدى قلة من الأغنياء. (وقد أكد هذا المعنى العام, أى أن مصرف لله ورسولهيعنى الإنفاق العام على مصالح المسلمين بما فى ذلك إقامة بعض المشروعات: ابن جزى فى القوانين، والإمام الشيبانى فى السير الكبير, و د. أبو بدر محمد آل عابد وفى تفسير ابن كثير الذى جاء فيه أيضا قول ابن تيمية هذا قول مالك وأكثر السلف وهو أصح الأقوال). ونظام الفىء فى الإسلام يقابل ما يسمى فى العصر الحديث بإيرادات الدومين.

وفى الممارسة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم نجد إقرارا لأنواع من الملكية العامة كمراعى الصدقة أو أرض الحمى (التابعة لبيت المال), وكذلك الأرض التى أوصى بها مخيريقوهو حبر من أحبار بنى النضير آمن برسول الله وقاتل يوم أحدواستشهد، وكان قد أوصى بأمواله لمحمد يصنع فيها ما يشاء, وكانت سبع حدائق, فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة (الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية د. محمد ضياء الدين الريس), وفى غزوة بنى النضير حبس رسول الله الأرض لنفسه, أى صدقة، أى للإنفاق العام على المسلمين, وهذا معنى حبسها لنفسه (أى كحاكم) لأن رسول الله لم يتعامل مع نصيبه كأموال خاصة بل كأموال عامة, وكان لا يأخذ لنفسه إلا أقل القليل كما هو مؤرخ بالتفصيل فى السيرة النبوية. وسنعرض لهذا الموضوع عند الحديث عن مرتب ودخل الحاكم. وقد اتسعت هذه الأراضى ذات الملكية العامة وكان مصدرها إما الاستيلاء بعد الطرد كما حدث مع اليهود كحالة خاصة, وكل الأراضى التى لا صاحب لها, كأراضى من قتل فى الحرب من الأعداء, أو هرب وترك أرضه, أو كانت أرض ميتة, اتسع نطاق هذه الأراضى فى عهد عمر بن الخطاب مع الفتوحات, وأدرت دخلا وفيرا على خزانة الدولة, وصلت فى بعض التقديرات إلى 9 ملايين درهم (النظم المالية فى الإسلام قطب إبراهيم محمد الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1989 – الطبعة الرابعة ص 98). وهذه الأراضى تسمى فى العصر الحديث (الدومين العقارى).

كذلك نجد من الأحاديث النبوية ما يشير إلى الملكية العامة لمصادر الطاقة والمياه والمرعى (الناس شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار) وأضيف: الملح فى بعض الروايات. ومع تقدم الأزمنة بدأت فكرة قيام الدولة بالمشروعات العامة تتزايد فى الفقه الإسلامى، كما دعا لذلك ابن قيم الجوزية فى كتابه الطرف الحكمية ورآه لازما عند الاضطرار لندرة المساكن والأطقمة والأدوات اللازمة ووجوب بذل ذلك للمحتاج إما بثمن أو أجر المثل أو بدون مقابل فى بعض المذاهب. ونحن نرى الآن حتمية قيام شركات مقاولات عامة بإقامة مساكن شعبية وبيعها بسعر التكلفة أو أقل من ذلك أو بسعر رمزى, فهو أمر لا يمكن أن تتحمله أى شركة خاصة.

أما الملكية الخاصة فهى من الثوابت التى لا خلاف عليها, وقد أكد ذلك العديد من النصوص, وعلى رأسها نصوص المواريث بالقرآن الكريم. ونرى وهذا هو الرأى السائد فى الفقه الإسلامى أن القطاع الخاص هو أساس العملية الاقتصادية فى إطار الضوابط الشرعية العامة، وفى إطار الخطة العامة للتنمية، وأن تدخل القطاع العام يتحدد نطاقه بكل المجالات التى عجز عنها القطاع الخاص, وهى من الضروريات للاقتصاد وللدفاع والخدمات، وما لا يمكن للمجتمع الاستغناء عنه. (وسنتحدث فى دراسة لاحقة حول أشكال الملكية العامة التى استحدثها الإسلام كالوقف الخيرى ونزع الملكية من أجل المنفعة العامة مقابل التعويض, وهو ما أصبح شائعا فى العصر الحديث).

إلا أن الإسلام قدم أساسا مفهوما مختلفا للملكية (أيا كان نوعها) وهى فكرة أن (المال مال الله), وهى فكرة لا يفهمها الغربيون, وربما يسخرون منها, ولكنهم بحكم الضرورة اقتربوا منها تحت مسميات أخرى (المصلحة العامة العدالة الاجتماعية حق المجتمع.. إلخ), أقول اقتربوا منها, ولكن لا يمكن أن يصلوا لها أو يلتزموا بجوهر معناها، لأنه أمر يتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بالله لا وجود له فى الاقتصاد عندهم، ولا فى شتى شئون الدنيا. (المال مال الله) والإنسان مجرد مستخلف عليه، أى وكيل، أو أشبه بناظر العزبة, أما مالك العزبة (الأرض وما عليها من مال) فهو الله عز وجل. وهذا التعريف للمال يشمل الملكية العامة والخاصة، ويضع تصورا مختلفا تماما للملكية عن تصورات الفكر الغربى. وكأنه يضع الملكية كلها تحت بند العمومية (قطاع عام) ولكنه قطاع عام إلهى!! هو يحترم ويقر الملكية الخاصة, ولكنها لابد أن تندرج تحت هذا المفهوم العمومى للملكية (مراعاة حق الله) حتى تظل شرعية. فأنت إذا نظرت من زاوية معينة: زاوية العدالة الاجتماعية وحقوق المجتمع والصالح العام فستجد كأن الملكية كلها قطاع عام فى المجتمع. وإذا نظرت إلى زاوية حقوق الأفراد والأسر وغريزة التملك وإطلاق حق الأفراد فى المبادرة الاقتصادية (فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15) (يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: 20) فستجد وكأن الملكية الخاصة هى كل شىء. فالواقع أننا أمام منزلة بين منزلتين, أو بالأصح منزلة أعلى من منزلتين، فمفهوم أن المال مال الله أعلى من المفاهيم المعاصرة التقليدية حول القطاع العام والخاص، دون أن يلغى ذلك الفارق القانونى بين هذين الشكلين من الملكية.

ومن مزايا هذا التعريف للملكية، أنه يضبط حقوقها وواجباتها على أساس ضمير المؤمن، باعتبارها قضية تعبدية، وعبادة الله هى محور بل جماع حياة المؤمن، فهى الغاية وهى الوسيلة. وهذا أكبر ضامن لحسن استخدام هذا المال فى سبيل الله، أى فى سبيل المجتمع، وهو فى سبيل الله بحكم النية فحسب, أما الله سبحانه وتعالى فهو غنى عن العالمين: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ .مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ .إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: 56-58) وسنجد فى سورة الحديد هذا التبيان الجميل لمعنى (مال الله) وهى السورة التى من عنوانها يتضح أنها تهتم بشكل خاص بالأبعاد الاقتصادية:

– (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (7).

– (وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (10).

– (مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (11).

– (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (18).

والسورة تذكر المؤمنين بتفاهة وعرضية الحياة الدنيا حتى يكون ذلك أساسا لعدم التكالب على المال، أو حجزه واحتكاره: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (20).

إذن هذا المفهوم للملكية يعتمد بالأساس كما قلنا على ضمير المؤمن، وعمق إيمانه بالله، بل وبيع نفسه وما يملك لله، باعتبار أن الله هو الوهاب الكريم هو الذى خلق النفس وأعطاها ما تملك، لذلك فإن الاقتصاد الإسلامى يعتمد على أبعاد لا يستطيع أن يدركها أو يحصيها الاقتصاد الغربى، فالمؤمنون يسارعون إلى الإنفاق فى سبيل الله (يمكن أن تقرأها أيضا فى سبيل المجتمع) سرا وعلانية، ودون انتظار لقوانين ملزمة أو تشريعات ضرائبية، ستجد من يتبرع بالملايين لبناء مدرسة أو مستشفى ويشترط عدم الإعلان عن اسمه ضمانا للمزيد من الثواب. ستجد من يكفل الأيتام ويساعد الضعفاء دون أن يعلن عن ذلك ودون أن يسجل ذلك فى أى سجل رسمى، فكما يتحدث علم الاقتصاد عن الاقتصاد السرى بالمعنى السلبى: التهريب والدعارة والمنتجات المغشوشة والمخدرات فإن المجتمع الإسلامى لديه اقتصاد سرى بالمعنى الإيجابى: وهو التكافل الاجتماعى والإنفاق فى سبيل الله دون إعلان. وبالتالى فإن الأساليب الاقتصادية المعتادة لقياس النمو الاقتصادى ومستوى المعيشة لا يمكن أن ترصد هذه الظواهر. ومن المفارقات أن هذا الاقتصاد السرى بالمعنى الإيجابى والذى يتضمن الزكاة التى تنفق حاليا بصورة مباشرة (وليس عبر القنوات الرسمية كما أمر القرآن لتخلى الحكام عن جمعها) هذا الاقتصاد هو الذى يؤجل الانفجارات الاجتماعية، ويجعل الفقير لا يصل إلى حد الموت جوعا، على سبيل المثال ذكرت دراسة رسمية فى مصر أن 20% من الأسر تحصل على معونات عبر الجمعيات الخيرية. فالوضع الطبيعى أن يخرج الجائع شاهرا سيفه ضد ظالميه، وكان عندما يتم تسكين جوعته وآلامه بالحد الأدنى فإنه يهدأ أو يؤجل ثورته. وهى من المفارقات لأن النظام المصرى وغيره من النظم العربية يحاربون المرجعية الإسلامية، رغم أن الممارسة الجزئية لها هى التى تطيل أعمار هذه النظم!! ولعلها حكمة إلهية لندرك أن العمل من أجل التغيير (بمعنى القضاء على الظلم والاستبداد والفساد) يجب ألا يرتبط بالجوع أساسا، بل بالقيم العليا التى يحض عليها الإسلام: الإيمان بالله، إقرار مرجعية الشريعة الإسلامية، العدالة، الاستقلال، كرامة وحقوق الإنسان.

وسنجد فى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة, فهو على مدار 22 سنة من بداية البعثة حتى فتح مكة، كانت قضيته مع طواغيت مكة هى (الإيمان والكفر), ولم يطرح قضية الأكل والشرب, ولم تكن ثورته ثورة عبيد كثورة سبارتاكوس قائد العبيد فى التاريخ الأوروبى، رغم أن الإسلام كان محررا للعبيد, ورفع من كرامتهم حتى يتخلصوا من العبودية, وجعل التقرب من الله فى أحد وسائله بتحرير الرقاب، ولكن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت للمجتمع بأسره، لكل طبقاته وقبائله، بل للعالمين. ورغم أنه قدم نموذجا للعدالة الاجتماعية فى دولة المدينة، ورغم نصرته للفقراء كمحور أساسى من محاور سياساته, إلا أن ذلك كان مكونا أساسيا من مكونات العقيدة، ولم تكن القضايا الاجتماعية وعلى أهميتها هى محور الخلاف والصراع مع حكام مكة. لذلك فإن حركات التغيير الإسلامية المعاصرة يجب أن تنتبه لذلك، فالصراع مع الحكام ليس على المحور الاجتماعى فحسب, أو محور الحريات وحقوق الإنسان فحسب، بل إن أساس المفاصلة يدور حول الرؤية والمرجعية الإسلامية.

كان لابد من هذا التوضيح وهو خارج موضوعنا حتى لا يتصور أحد أن التكافل الاجتماعى فى الإسلام عامل معوق للتغيير الثورى، فهو ليس عاملا معوقا فى إحداث التغيير الشامل من منظور إسلامى، أما ثورة الجياع فهى لا تقدم برنامجا وحلا, وربما تؤدى إلى التدمير فحسب (مثال أحداث الأمن المركزى 1986), فالجوع والفقر المدقع هما من نواتج سياسات عامة منحرفة ورؤية تنحاز للمترفين دون عموم الناس، وتنحاز للأجانب دون أهل البلد، والهدف الأساسى هو تغيير هذه السياسات.

ونعود إلى موضوعنا فإيمان المسلم أنه مجرد وكيل أو مستخلف على ماله، يجعله يتصرف بوازع داخلى، وبوحى من ضميره للإنفاق فى سبيل الله. ولكن إذا ضعفت هذه الروح الإيمانية, وهى عموما تختلف فى مستواها من شخص لآخر، ومن عصر لآخر، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. أى أن النظام الإسلامى يستخدم أيضا القانون مع الناس.

الإنفاق فى سبيل الله والحض عليه ورد فى القرآن الكريم بصورة مباشرة 60 مرة، أما الزكاة فذكرت 27 مرة، ومصارف الزكاة ذكرت فى آية واحدة، بالإضافة لآية أخرى عن زكاة المحاصيل الزراعية: (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: 141), إذن الزكاة هى الحد الأدنى الذى لا يقبل دونه، لذلك فهى من أركان إسلام، طالما استوفت نصابها وشروطها عند المسلم، والقرآن يحبب المسلم فى إخراج الزكاة, فالأصل أن المسلم يقدم إقرار الزكاة (أشبه بإقرار الضريبة!) من وحى ضميره، ولا يخضع لعمليات تفتيش من مندوب هيئة الزكاة، بل هو الذى يقر بحجم المحصول أو عدد رؤوس الأنعام، أو المال الذى حال عليه الحول.. إلخ, فحتى نظام جمع الزكاة يعتمد على الضمير الإيمانى أساسا، فالزكاة عبادة لله والمفترض أن يخشى المتزكى من الله لا من مندوب هيئة الزكاة، فإذا كذب فسيكون أشبه بمن يصلى بدون وضوء ولا يعلم ذلك إلا الله، أو من يدعى الصيام وهو مفطر ولا يعلم ذلك إلا الله. ولكن إذا ثبت فى أى مناسبة وبناء على المعلومات الظاهرة للعيان أن شخصا معينا يتهرب من الزكاة وتأتى لجنة لحصر ممتلكاته (كما يفعل الآن جهاز الكسب غير المشروع) ويثبت تهربه فتؤخذ منه الزكاة قسرا بالإضافة لعقوبة مالية. والزكاة لا تدخل فى الميزانية العامة للدولة لتنفق كيفما اتفق، ولكن لها مصارفها المحددة: (لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).

باب (فى سبيل الله) هو الذى اختلفت حوله الاجتهادات, وهو الإنفاق فى سبيل الدعوة الإسلامية سلما أو حربا, ولذلك أبواب عديدة يحددها الفقهاء فى كل عصر وأوان، وهذا الباب وحده هو الذى يمكن أن يتداخل مع ميزانية الدولة.

وللدولة مواردها من أبواب أخرى، على رأسها الضرائب والجمارك وكافة أنواع وأشكال الرسوم, وإذا لم تكف الموارد السابقة فى إحقاق العدالة الاجتماعية، فيجوز فرض مزيد من الضرائب بصورة تصاعدية, بحيث يتحمل الأغنياء عبئها الأكبر, وهذه الضرائب بطبيعة الحال إلزامية. ولكن يظل التعويل فى الأساس على تقوى المؤمنين واندفاعهم الإيمانى للتقرب إلى الله، ولذلك كان الحض على الإنفاق فى سبيل الله ضعف الحض على الزكاة فى القرآن. فالإنفاق فى سبيل الله مفتوح بدون سقف حتى وإن كان بالمال كله (راجع ممارسات عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان فى الإنفاق فى سبيل الله). وقد ذكرت الصدقات 20 مرة بالقرآن، والصدقات بدورها سقفها مفتوح.

وهكذا نرى أن الرؤية الإسلامية للمال، تعتمد على قوة الإيمان بحيث يتزايد ضخ الأموال فى سبيل الله (المجتمع) طرديا مع تقوى الله، وهنا نجد أهمية دور المسجد والأسرة والمدرسة والإعلام والثقافة والفنون والآداب فى غرس وتنمية هذه القيم الإيمانية فى النشء والشباب وأيضا بين الكهول والكبار. وكذلك أهمية الحاكم كقدوة، فهذه الحالة من التدفق المالى إلى بيت المال ثم من بيت المال إلى المستحقين والتى حدثت فى عهد عمر بن عبد العزيز ربما لا نجد مثيلا لها بعد صدر الإسلام الأول. ولكن عمر بن عبد العزيز لم يكتف بالقدوة الحسنة التى قدمها بتقشفه الشديد, بل أيضا بالصرامة فى تنفيذ القانون، ورد المظالم، ونزع الملكيات غير الشرعية.

*****

فى إطار مفهوم أن المال مال اللهفإن القطاع الخاص ليس محصنا ضد تدخل الدولة لتنظيم عمله. أما تنظيم عمله فيأخذ أشكالا عديدة، كفرض زراعات معينة فى إطار دورة زراعية خاصة فى المجتمعات محدودة الأراضى الزراعية، وكما ورد فى السنة من تحديد الوصية بحد أقصى الثلث.

والوصية كمبدأ منصوص عليها فى القرآن، أما فى بلاد الغرب فصاحب المال (القطاع الخاص) ممكن أن يوصى بكل تركته لمن يشاء، أو يحرم بعض الأقارب، وهذا ما لا يجوز فى الإسلام وتشريع الميراث ملزم بالنص القرآنى. ويصل الأمر إلى حد نزع الملكية الخاصة إذا لم تؤد وظيفتها الاجتماعية فى الاستثمار ودوران رأس المال كما جاء فى الحديث الشريف: (ليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنوات) فتنزع الأرض ولو كانت مواتا أو بورا من مالكها إذا انقضت عليها ثلاث سنوات من دون استثمار.

وهذا يوضح أن الإسلام يحرم الظاهرة التى نسميها الآن تصقيع الأراضى والعقارات“, والتى أدت لجنى ثروات فاحشة لدى القلة المترفة, بحيث يقوم أهل السلطة والمقربون منها بشراء أراضى الدولة بملاليم وقروش للمتر، ثم يبيعونها بعد ذلك بالآلاف للمتر، بعد احتجازها لعدة سنوات دون استثمار. فهذا نوع من تحقيق الأرباح بدون عمل, وهو الأمر المحظور فى الإسلام. كذلك الحجر على السفيه. فى تجارب الغرب يقوم أصحاب المال بحرق أو إفناء بضائعهم إذا زاد العرض على الطلب للحفاظ على مستوى الأسعار مرتفعا. وهذه جريمة فى الإسلام لا يمكن السماح بها: تبديد نعم الله.

صاحب القطاع الخاص فى النظام الإسلامى يتصرف كوكيل,ويعلم أن ملكيته لها وظيفة اجتماعية، فهو لا يملك الحرية المطلقة فى التصرف فيها,بل يتصرف فى إطار الضوابط الشرعية. والمفهوم الإسلامى المال مال اللهيساعد كثيرا فى تحسين أداء وإدارة القطاع العام.إن القطاع العام لا صاحب له، وكل موظف كبير أو صغير يسعى للحصول على راتبه وامتيازاته,وهو غير مشغول بالأداء العام. أما صاحب العمل الخاص فهو يكون فى حالة كاملة من اليقظة حرصا على ماله, وهذه الروح تنتقل للعاملين معه حرصا على استمرارهم فى العمل. وبطبيعة الحال يمكن للقطاع العام أن يرفع مستوى الأداء بربط الأجر بالإنتاج، وبالحوافز، وبالعدالة فى تحديد الأجور والمرتبات، ولكن يظل إيمان العاملين بأن المال هو مال اللهأكبر وأعمق ضمان لنجاح القطاع العام فى التجارب الإسلامية.

إذا الرؤية الإسلامية تستوعب الشكلين من الملكية، وتضيف أشكالا أخرى كالوقف الخيرى. ولاشك أن العمل الخاص كان دائما نقطة انطلاق النشاط البشرى فى إعمار الأرض، وأن نزعة الإنسان للتملك مسألة ثابتة لا يمكن إنكارها، وأيضا حق المبادر والمجتهد اقتصاديا فى الحصول على ثمار عمله من أبسط ضرورات العدالة، ولكن الإنسان أدرك من وقت مبكر أن فلاح نشاطه الاقتصادى الفردى لا يحقق وحده إشباع حاجاته الإنسانية، لذلك أدرك الإنسان بالبديهة أنه لابد أن يعيش فى جماعة، وأن يتبادل المنافع معها، لأنه كلما تطورت حاجات الإنسان كلما تعذر عليه أن يلبيها بمجهوده الفردى، فهناك حاجات المأكل والملبس والمسكن وأدوات الإنتاج، وكذلك الحاجة للأمن ومواجهة كوارث الطبيعة، ولذلك فإن التوازن بين حاجات الفرد والجماعة مسألة ضرورية قديمة قدم حياة البشر. ولذلك فإن علماء الأنثربولوجى (علم الأجناس والسلالات) وجدوا عند القبائل فى أعماق أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والذين ما يزالون يحيون حياة فطرية والتى يسميها البعض (بدائية) وهى بدائية من زاوية نقص التقدم المادى فحسب لدى هذه المجتمعات التى لا تزال حية حتى الآن، وجد هؤلاء العلماء أن مفهوم الملكية الجماعية لا يزال هو الأساس عندها. فالقرية الأفريقية لا تزال فى كثير من أنحائها تقوم أساسا على الملكية العامة، حيث لا توجد ملكية خاصة للأرض, فكل عائلة لها قطعة من الأرض تزرعها حسب احتياجاتها، فالرجل الذى يعمل أكثر وله من الأبناء الأقوياء عدد أكبر يستطيع جمع ثروة أكبر, ولكنه لا يستطيع نقل ملكيته لأحد. وفى أعماق أمريكا اللاتينية نجد أيضا قرى قائمة على الملكية الجماعية للأرض، وإذا تزوج الرجل يعطى قطعة محددة من الأرض له ولزوجته مع زيادة إضافية لكل ولد ونصفها لكل بنت (أى للذكر مثل حظ الاثنين فى قبائل الانكا!!) كما يعاد تقسيم الأرض كل عام. كما تستغل الغابات والمراعى جماعيا، وتئول الأرض الزائدة عن حاجات الأفراد إلى حكام الانكا وإلى الكهنة ومعابد الشمس. وتزرع الأرض بشكل جماعى.

إذن موضوع القطاعين الخاص والعام مسألة قديمة قدم البشرية. وفى كل عصر وكل بلد يجب إيجاد المعادلة المناسبة للجمع بين الاثنين، دون تحريم أحدهما أو إعطاء قدسية أكثر لأحدهما على الآخر.

وغير صحيح ما قيل أثناء تصفية القطاع العام. أن القطاع العام مرحلة متخلفة ويجب تخطيها، بل وصل التطرف إلى حد إلغاء دور الدولة فى تقديم الخدمات كالمياه والكهرباء والاتصالات والمطارات والموانىء. فدور الدولة فى الإنتاج وتقديم الخدمات لن ينتهى أبدا، ولكنه يتسع ويضيق حسب الظروف والحاجة, وهذا يختلف من مجتمع لآخر، ومن عهد آخر.

ولا يمكن للتنمية الاقتصادية أن تتحقق بكفاءة بدون تضافر قوى القطاعين العام والخاص, ومشاركتهما كما ذكرنا فى مجلس قومى لقيادة العمل الاقتصادى وفق أولويات متفق عليها، بمشاركة الحكومة وممثلى القوى الشعبية. والقطاع العام ضرورى للقيام بكل ما يعجز عنه القطاع الخاص كالصناعات الأساسية، والمرافق العامة والخدمات، أى كل المجالات التى تحتاج لإنفاق كبير دون عائد ربح سريع، وربما دون ربح على الإطلاق.

وكما ذكرنا فى مختلف القضايا، فإن القرآن الكريم ينطوى على قوانين وسنن تفرض نفسها على البشرية جمعاء, المسلم والكافر على السواء، لأنها السنن التى وضعها الله سبحانه وتعالى للحياة الاجتماعية للبشر، ونجد ذلك كما أشرنا فى مفهوم مال اللهفهذا المفهوم فرض نفسه على النظامين الاشتراكى والرأسمالى، بمعنى (حق المجتمع وهذا واضح فى النظام الاشتراكى، أما فى النظام الرأسمالى فقد تعاظمت مع الأيام الأشكال المختلفة لتدخل الدولة فى عمل القطاع الخاص تحت عناوين عديدة: الشروط الصحية للمنتج شروط الأمن والأمان فى المصنع شروط الجودة وضع حد أدنى للأجور ضمان التأمين الاجتماعى والصحى للعاملين.. إلخ.

فى لقاء مع عضو بالكونجرس خلال إحدى زياراتى للولايات المتحدة، سألته عن أهم المشكلات التى تواجهه وتشغله فى دائرته, قال بلا تردد: (الشكاوى المستمرة من أرباب العمل من كثرة القوانين التى تبيح تدخل الحكومة فى عملهم ومشروعاتهم)!. وهذه ملاحظة مهمة لأن الولايات المتحدة من أكثر البلدان تطرفا فى تطبيق المعايير الرأسمالية. وأيضا فى تجربه الخصخصة التى جرت فى عهد تاتشر فى بريطانيا، فقد تم رفض خصخصة قطاع البترول، وفى المشروعات المهمة عموما كانت الدولة تساهم فى الشركة العامة المباعة بما يسمى السهم الذهبى، الذى يعطى للحكومة حق الفيتو على القرارات المهمة التى تصدرها الشركة بعد خصخصتها. ولنلحظ أن التجربة التاتشرية من أهم فترات التطرف فى الخصخصة! وهذه الضوابط لم يتم الالتزام بها خلال عملية الخصخصة التى جرت فى مصر خلال العقدين الماضيين, التى تحولت إلى مذبحة للقطاع العام دون ضمان حقوق العاملين، أو حتى مجرد ضمان استمرار الشركة المباعة فى إنتاجها، بل قام المستثمرون الجدد فى بعض الأحيان بهدم المصانع واستخدام أراضيها فى مشروعات للبناء!! وادعى حكامنا أنهم يجارون العصر فى صيحة الخصخصة والاندفاع إلى أقصى مدى فيما يسمونه اقتصاد السوق الحر، بينما المعايير النظرية لهذا السوق لم تعد موجودة فى التجارب الرأسمالية الغربية. أما فى الأزمة الاقتصادية الأخيرة التى بدأت عام 2008 فقد اضطرت الحكومة الأمريكية لشراء أو المساهمة فى شركات صناعية ومؤسسات مالية كبرى لمنع انهيارها، حتى ادعى البعض أن أمريكا تتجه إلى نوع من النظام الاشتراكى!! وهذا ليس صحيحا بطبيعة الحال, ولكن كما ذكرنا فى البداية فإن كل اقتصادات العالم فى الشرق والغرب تتجه إلى نقطة وسط بين المغالاة فى سيادة الملكية العامة والمغالاة فى سيادة الملكية الخاصة، بل إلى نقطة وسط بين المفهومين المتطرفين لهذين النوعين من الملكية. وتزايد التوجه نحو ما يسمى الاقتصاد المختلط، والمزج بين أفكار وخبرات وممارسات النظامين الرأسمالى والاشتراكى. وهذا الاتجاه بدأ منذ عدة عقود ولا يرتبط بالأزمة الاقتصادية الراهنة.

(راجع: الإسلام دين وحضارة عادل حسين المركز العربى للدراسات ص 49-54 – الطبعة السادسة – 2006 – القاهرة). وهكذا نرى أن الإسلام هو أمة وسط فى الاقتصاد, كما هو أمة وسط فى النظام السياسى, وقديما قال أرسطو: (إن الفضيلة هى توسط بين تطرفين).

وقد تدهورت مصر على الصعيد الاقتصادى لأنها لم تساير هذا التوجه العالمى، وسقطت فى براثن توجيهات صندوق النقد الدولى (الخاضع للنفوذ الأمريكى) التى لم تستهدف إلا تحويل مصر إلى مجرد سوق استهلاكية ملحقه بالاقتصاد الغربى، وهذا الخضوع منع اقتصاد مصر من أن يتحول إلى قطب مستقل بذاته, هو الذى يحدد وفقا لمصلحته الوطنية النسب المناسبة والمزيج الصحيح بين القطاعين العام والخاص. أما الذى تمرد على وصفات الصندوق, فهو الذى اندفع فى معارج التقدم: الدول الآسيوية والأمريكية اللاتينية الناهضة.

أما فى مصر, فعلى مدار ثلاثين عاما والصندوق الدولى وحكومة الولايات المتحدة يضغطان على مصر بصوره متواصلة من أجل بيع القطاع العام، وكأن هذه هى صيحة العصر، لأن القطاع العام أحد الحواجز التى كانت تحول دون اكتساح السوق المحلى المصرى، بالإضافة لأمور أخرى: الحواجز الجمركية سياسة الدعم السياسات المصرفية.. إلخ، وبينما نرى تزايد تدخل الدولة فى إدارة وترشيد الاقتصاد فى مختلف التجارب العالمية، كان الصندوق يصر على تقليص دور الدولة المصرية فى الاقتصاد, وهو ما أدى إلى حالة الانهيار الاقتصادى الحالى فى البلاد.

2) مسألة الدعم:

هذه السلسلة لا تتطرق إلى البرنامج التفصيلى لحزب العمل, فهذا يمكن الرجوع إليه فى مواضع أخرى, وآخر طبعة له فى برنامجنا الانتخابى لعام 2005، هذه السلسلة تركز على المبادىء الموجهة والحاكمة لرؤية الحزب، والمعروف أن البرامج التفصيلية تتعدل من آونة لأخرى وفقا للمستجدات الجديدة على الساحة، وبالتالى نحن نتناول هنا المبادىء العامة الموجهة فى تناول مسألة الدعم, أى دعم الدولة لبعض السلع والخدمات الضرورية ضمانا لتحقيق العدالة الاجتماعية, أو حفزا لبعض الأنشطة الاقتصادية, أو دفعا للاقتصاد فى اتجاه معين، والدعم أحد أدوات الدولة فى التدخل فى العملية الاقتصادية للصالح العام, وبالتالى فإن سياسة الدعم تختلف من مرحلة لأخرى ومن بلد لآخر، ومن قطاع لآخر، وما يكون صالحا لمصر فى عام 2000 قد لا يكون مناسبا لعام 2010 وهكذا. ولكننا نتناول القضية من زاوية اللغط الذى تثيره الحكومة المصرية بين آن وآخر حول مسألة رفع الدعم لأن حجمه المالى فى ازدياد مستمر, فقد وصل مؤخرا لقرابة مائة مليار جنيه سنويا, وهو ما يؤدى من الناحية الظاهرية إلى عجز فى الموازنة العامة. ورفع الدعم أحد محاور روشتة صندوق النقد الدولى فى إطار التخفيف المستمر لدور الدولة فى الاقتصاد. وقد أدت الضغوط فى هذا المجال على مدار العقدين الماضيين إلى رفع مستمر وتدريجى للدعم، وهو ما أدى إلى ارتفاع مستمر فى أسعار السلع والخدمات الضرورية، وهذا هو السبب وراء ارتفاع أسعار المياه والكهرباء والنقل العام بما لا يتوازى مع دخول المواطنين، كما أدى إلى الارتفاع المستمر فى أسعار الخبز والوقود والدواء والخدمات التى من المفترض أن تكون مجانية وفقا للدستور (التعليم والصحة).

ويبدو رقم الدعم كبيرا بسبب النمو السلحفائى للاقتصاد, فالمشكلة الكبرى فى الحجم الكلى المتدنى للاقتصاد, وليس فى حجم الدعم. وأيضا المشكلة فى انعكاس فشل التنمية الاقتصادية مع عدم العدالة فى التوزيع, على انخفاض دخول معظم المصريين بما لا يسمح بالاستغناء عن الدعم.

ومسألة الدعم مؤشر بالغ الأهمية على الازدواجية المعيبة التى يتبعها الغرب معنا، نحن وكل دول الجنوب، كما فى مسألة الخصخصة، فهو يدفعنا لرفع الدعم حتى تكون الأسعار متوافقة مع واقع التكلفة الاقتصادية، بينما سياسة الدعم مطبقة فى بلاد الغرب على نطاق واسع, سواء فى السلع أو الخدمات ومختلف أشكال الإنفاق الاجتماعى، بل إن البلاد الغربية تقدم دعما بعشرات المليارات للمزارعين، للحفاظ على ازدهار القطاع الزراعى وخفضا لأسعار التصدير, كما يظهر الدعم الحكومى فى قطاعات التعليم والصحة. إذن لا توجد سياسة رشيدة اسمها إلغاء الدعم، فالدعم الحكومى للسلع والخدمات سيظل أحد أدوات التدخل الحكومى لضمان العدالة الاجتماعية وحد أدنى من الرفاه للشعب. ولكن الدعم يختلف حجمه ونطاقه كما ذكرنا من دولة لأخرى ومن زمن لآخر، وهذا المبدأ من القواعد المستقرة فى الاقتصاد الإسلامى الذى يستهدف تحقيق حد الكفاية (لا الكفاف) للجميع.

وتقدم الحكومة مفاهيم مغلوطة فى هذا الموضوع فتتحدث عن تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى، وهذا تلاعب بالألفاظ, فكيف ستحدد الشخص المستحق لهذا الدعم النقدى، والأهم من ذلك أن الدعم النقدى يعنى إطلاق السوق من عقاله، فهل كلما ارتفع سعر الخبز سيرتفع مبلغ الدعم النقدى؟! إذن نحن أمام إلغاء مستتر للدعم. كذلك عندما تحسب الحكومة الدعم للمواد البترولية فإنها تحسب ذلك بالأسعار العالمية، وهذه مغالطة كبرى، لأن هذه المواد منتجة فى مصر بأسعار أقل بكثير من الأسعار العالمية، وهذه الأخيرة ليست مقدسة، ولا أهمية لها إلا فى مجال التجارة الدولية, ومن المفترض ألا تكون معيارا بين الحكومة والشعب فى مواد تنتج وطنيا!! فالأصل أن البترول ينتج من أجل النهضة الوطنية، أما التصدير فيكون فى حالة الفائض، بل والفائض الكبير لأننا نتحدث عن سلعة إستراتيجية معرضة للنضوب. عندما تحسب الحكومة دعم المواد البترولية بالأسعار العالمية يبدو الرقم كبيرا جدا، ولذلك فهى تعلن أنها تتجه لإلغاء الدعم نهائيا على المواد البترولية!!

وكما ذكرنا فإن أحوال مصر الراهنة فى ظل انخفاض الدخول فى مقابل الأسعار فإن الأوضاع لا تحتمل رفع الدعم عن السلع والخدمات الضرورية، فوفقا لآخر تقرير صادر من البنك الدولى 2010 فإن قيمة الحد الأدنى للأجور فى مصر هى الأقل فى المنطقة العربية بأكملها! بل الأغرب من ذلك فإن الخبراء والمستثمرين الأجانب طالبوا فى مؤتمر دولى انعقد فى مصر (المؤتمر الدولى الرابع عشر للألمونيوم) عام 2010 بتخفيض أسعار الطاقة فى مصر لتشجيع الاستثمار الأجنبى الصناعى, وأكدوا أن أسعار الطاقة فى مصر هى الأعلى فى العالم, ولا يسبقها فى ذلك إلا الصين!.

3) الأولوية للقطاعات الإنتاجية:

إذا كانت تنمية الأنشطة اقتصادية مطلوبة فى القطاعات المختلفة، فإن تركيزنا الأول ينبغى أن يوجه إلى النمو العينى فى الزراعة والصناعة، وليس إلى السياحة (مثلا) وما يشبهها من خدمات، رغم أهمية الحرص على قطاع السياحة مع تقييده بأحكام الشرع وضوابطه.

فمن العجيب أن النظام الحالى يركز على السياحة, ويعتبرها القاطرة التى ستنعش الاقتصاد المصرى، وهذا انحراف خطير فى فهم أولويات معانى الاقتصاد كعلم وكممارسة. فالمنتجات العينية هى التى تحدد قوة الاقتصاد أو ضعفه، تقدمه أو تأخره، وهى مؤشر للاستقلال أو التبعية. فالمجتمع يعيش أساسا على استهلاك واستخدام المنتجات العينية (المادية), وأيضا على تصديرها.

والانحراف الأساسى فى الوضع الاقتصادى الراهن أنه يعتمد أساسا على مداخيل غير إنتاجية: تحويلات المصريين بالخارج السياحة تصدير البترول الخام (زيت وغاز) علما بأن الذى يقوم بالإنتاج والاستخراج أساسا شركات أجنبية قناة السويس. وهذه المصادر غير مضمونة الاستمرار كما أن قيمتها غير مضمونة, بل هى معرضة للارتفاع والانخفاض بعوامل خارجية لا سيطرة لنا عليها. وإذا كانت هذه قاعدة اقتصادية عامة، إلا أنها تنطبق على مصر بصورة مضاعفة للأسباب التى ذكرناها فى بداية هذه الدراسة, فمصر فى عين العاصفة وبؤرة التوترات الدولية، فحتى عندما انسحبت مصر من صراعات المنطقة (إلا أن تكون ذيلا لأمريكا) فإن اقتصادها ظل يتأثر بأحداث المنطقة، خلال حروب الخليج والعراق ولبنان والانتفاضات الفلسطينية، والتى أثرت على حجم تحويلات المصريين بالخارج والسياحة التى وصلت أحيانا إلى حالة من التوقف، وكذلك تأثرت مصر بارتفاع وانخفاض أسعار البترول نتيجة هذه الأحداث. والآن يتأثر دخل قناة السويس بالقرصنة فى الصومال، إلا أن التهديد الرئيسى الذى يواجهها هو تزايد احتمال انتظام خط بحرى بين أوروبا وآسيا عبر القطب الشمالى بسبب التغيرات المناخية.

ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد لخطورة الاعتماد على هذه المصادر غير الإنتاجية للدخل، بل السبب الأساسى أن المجتمع لن يأكل أوراق البنكنوت، بل يأكل الشعب منتجات غذائية ويستهلك سلعا معمرة ويستخدم أدوات وماكينات للأعمال المختلفة، فهل سنستورد كل ذلك؟ إن المداخيل غير الإنتاجية لن تكفى بطبيعة الحال، كما ستصبح حياة المجتمع تحت رحمة الموردين الأجانب، والوضع غير المستقر لأسعار المنتجات المستوردة لأسباب سياسية أو لأسباب طبيعية كما حدث الآن فى انهيار مستوى الإنتاج العالمى فى القمح والقطن. وقد كان اعتماد اقتصادنا فى السنوات الثلاثين الماضية على القطاعات غير الإنتاجية، والتى امتدت إلى توسع النشاط الخدمى فى الداخل، وأصبحت لدينا شركات عملاقة فى التليفون المحمول لديها 60 مليون مشترك، وتشغل عشرات المليارات من الجنيهات, إلا أنها لا تقدم أية إضافة إنتاجية. وفى مقابل ذلك تمت تصفية كبريات شركات القطاع العام دون استبدالها بشركات خاصة فى معظم الأحوال، مما قوض القاعدة الإنتاجية الصناعية للبلاد، وحدث نفس الشىء فى القطاع الزراعى, حيث انهارت عملية إنتاج المحاصيل الرئيسية: القمح القطن الذرة، وأصبحت العملية الزراعية غير مربحة للفلاح, وتم تجريف الأرض الزراعية حتى تقلصت من 8 ملايين فدان إلى 5.5 فدان. وفى مجال الثروة السمكية وهى بالغة الأهمية لمجتمعنا بسبب نقص مواردنا من اللحوم، ورغم امتداد سواحلنا البحرية بآلاف الكيلومترات ووجود البحيرات الطبيعية وبحيرة ناصر العظمى والنيل فإن إنتاجنا يتجه إلى الانخفاض, وآخر إحصاء يقول بانخفاض الإنتاج من المصادر الطبيعية من 417 ألف طن عام 1998 إلى 384 ألف طن عام 2009 بنسبة 8%, وأن الفجوة الغذائية تصل إلى أكثر من 100 ألف طن يتعين استيرادها سنويا. وفى نفس الوقت يتعرض قطاع الدواجن إلى دورات من الانهيار المتوالى، وآخرها تزامنت مع وباء أنفلونزا الطيور الذى تم التعامل معه بصورة غير صحيحة، وبغض النظر عن الوباء فقد وصلنا مرارا إلى الاكتفاء فى الدواجن ثم نعود إلى الاستيراد.

وفى نفس الوقت لم يحدث أى تقدم فى سد فجوة اللحوم الحمراء التى تزداد يوما بعد يوم. ولم يحدث أى تطور يذكر فى عمليات استخراج المعادن والمواد الخام من باطن الأرض. وتم التركيز على البترول, ولم يتم تطوير خبراتنا فى الاكتشاف والبحث والتنقيب والاستخراج, وتم إسناد معظم هذه العمليات لشركات أجنبية. ولكن الأخطر من ذلك هو توجيه هذه الثروة للتصدير رغم احتياجنا إليها فى أى نهضة صناعية وعمرانية مفترضة. ولكن النظام الذى لا يضع الإنتاج فى أولوياته فضل الحصول على موارد مالية سهلة، وهو الأمر الذى يؤدى إلى سرعة نضوب هذا المورد الاستراتيجى. بل إننا نستورد بالفعل بوتاجاز بـ 3 مليار دولار سنويا. وبدأ الإعداد لاستيراد الغاز الطبيعى من الخارج, وبدأ صندوق النقد الدولى فى 2010 يصنف مصر ضمن البلدان المستوردة للنفط.

وبعد تقويض القاعدة الصناعية (القطاع العام) فإن المتصدرين للاستثمار الخاص يعمل معظمهم فى البورصة والنشاط العقارى، وعمليات السمسرة والمتاجرة فى أراضى الدولة بوسائل فاسدة, أو فى الاستيراد, أو فى العمل كوكلاء لشركات أجنبية للاستيراد, أو لإنشاء مصانع تجميع (أقرب للورش) لشركات أجنبية. وجماع هذه الصورة يكشف أن السياسات الاقتصادية الرسمية لم تقم أساسا بوضع حوافز للقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة), وهو ما أدى إلى تقلص القطاع الإنتاجى فى المجتمع، والميزان التجارى للبلاد يجسد هذه الحالة البائسة. فوفقا للأرقام الرسمية الأخيرة فإن مصر تصدر بـ 23.9 مليار دولار, وتستورد بـ 49 مليار دولار سنويا، وتحقق عجزا قدره 25 مليار دولار, فإن (25×6= 150 مليار جنيه). ولكن حجم الكارثة يتضح أكثر فى نوعية الصادرات, فنصفها تقريبا من البترول (11مليار دولار) ويضاف إليها مواد خام أخرى، وسلع زراعية (خضروات وفاكهة على الأغلب) على حساب الاحتياج المحلى, وهذا من الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار هذه المواد فى السوق المحلى. وبالتالى فإن السلع الصناعية تشكل نسبة ضئيلة من الصادرات, ومعظمها سلع غير متطورة كالسيراميك والسجاجيد والبويات والأسمدة.

وهكذا نجد فى الميزان التجارى كشف حالة للاقتصاد المصرى, وكذلك فى ميزان المدفوعات الذى يعتمد على الموارد الأربعة غير الإنتاجية التى أشرنا إليها. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مديونية الحكومة الداخلية والخارجية لما يقارب إجمالى الناتج القومى. وهذا أخطر مؤشر على أن النظام الاقتصادى فى خطر، واتجاه الحكومة لإصدار سندات فى السوق المالى العالمى هو شكل آخر من الاستدانة, وما حدث من استيلاء الحكومة غير الشرعى على أموال أصحاب المعاشات، مظهر خطير آخر لأسلوب حل مشكلة العجز فى الميزانية.

كان لابد من عرض هذه الصورة العامة للاقتصاد المصرى فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لتوضيح لماذا نلح على هذا الأمر البديهى؟ (الاهتمام بالإنتاج والقطاعات الإنتاجية!!) لأن إغفال هذا الأمر البديهى هو أم المشاكل الاقتصادية المصرية الراهنة, فالناس تسأل فى هذا العصر: قل لى ماذا تنتج؟ أقول لك من أنت!

وفى إطار اهتمام الحكومة المصرية بالسياحة (إلى حد أن حاكم البلاد يقوم بصورة دورية باستقبال السائحين وزيارتهم فى المنتجعات، والجلوس والحديث معهم) نشير إلى نموذجين ناجحين فى السياحة فى البحر المتوسط: أسبانيا وتركيا. ورغم أن البلدين حققا فى المجال السياحى أضعاف ما تحققه السياحة المصرية، ورغم عدم وجود آثار لديهما تقارن بكم ونوعية الآثار المصرية, فإن تقدم البلدين على الخريطة الاقتصادية العالمية لا يرجع لذلك السبب ولكن لتقدمهما الصناعى. حتى أن الدخل القومى لأسبانيا أصبح يعادل الدخل القومى لكل البلاد العربية, بما فى ذلك الدول البترولية, وهو ما يؤكد أن الاعتماد على بيع النفط الخام هو أسلوب بائس للتقدم الاقتصادى، أما تركيا فقد أصبحت تحتل المركز السادس عشر بين اقتصادات العالم، والمركز السادس على مستوى أوروبا!

ونؤكد فى النهاية أن الاهتمام بتشجيع القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) ليس بالخطب الحماسية ولا البيانات الرسمية، ولكن بالسياسات الاقتصادية التى تقرها أعلى مستويات الدولة, وبالتشاور مع كل أطراف العمل الإنتاجى، وبالتشريعات التى تحفز المستثمرين على الاستثمار فى هذه القطاعات الإنتاجية، وكذلك بالقرارات الإدارية التى تصدر عن السلطة التنفيذية لإزالة أى معوقات مستجدة أمام المستثمرين والمنتجين. وفى ظل السياسات والتشريعات يأتى دور الإعلام والحفز المعنوى، الداعى إلى تشجيع الصناعة والمنتجات الوطنية. وكما ذكرنا من قبل فإن التنمية الجادة والمستقلة هى حرب حقيقية يتعين على الأمة أن تجتمع عليها, وأن تشمر لها ساعد الجد، وليست نزهة مريحة.

4) العمل المصرفى:

الجهاز المصرفى من أهم مؤسسات التنمية، بل هو القلب المالى الموجه لها. فالمصارف (البنوك) هى الأوعية المالية التى تتدفق منها الأموال لمشاريع التنمية. وبالتالى فإن الحفاظ على استقلالها وتقييد علاقاتها المتنوعة بشبكة البنوك الدولية أمر ضرورى وملح، ومع استقلالية هذا الجهاز المصرفى وخضوعه لإشراف البنك المركزى يمكننا توجيه مجهودات التنمية الشاملة فى الاتجاه الصحيح، ويمكننا بالتالى أن نعبىء المدخرات الأهلية المبددة والمبعثرة, ويمكننا أن نستعيد القسم الأكبر مما هرب خارج البلاد، ووفقا للمعايير الدولية المتعارف عليها فإن معدل الادخار لابد ألا يقل عن 30% من الناتج المحلى الإجمالى لضمان رفع معدل النمو السنوى إلى 8%، وقد ارتبطت التجارب التنموية الناجحة بارتفاع معدل الادخار, فتعبئة المدخرات الوطنية ضرورة لتمويل مشاريع التنمية المستقلة، بديلا للاعتماد على القروض أو الاستثمار الأجنبى, وهما وسيلتان أساسيتان للسيطرة الخارجية ينبغى تجنبهما, أو التعامل معهما بحرص شديد وفى أضيق الحدود, وفى حالات الضرورة القصوى.

ومن العجيب أن النظام الحالى بدأ يبيع البنوك الوطنية، وسمح بتواجد البنوك الأجنبية بتوسع شديد، وقد أدى هذا إلى استقطابها لجزء مهم من مدخرات المصريين, وبإمكانها أن توجه منها ما تشاء لتمويل مشروعات فى بلادها الأصلية، وهكذا كأننا نمول الدول الغربية. فى حين أن وجود مدخرات المصريين فى بنوك وطنية يضمن استثمارها فى الداخل, وفى إطار المشروعات ذات الأولوية وفقا لخطط التنمية المقررة.

كذلك فإن التجارة الحلال فى الاقتصاد الإسلامى لا تشمل التجارة فى المال، وبالتالى فإن مؤسسات الوساطة المالية لا يجوز أن تقوم على الربا امتثالا لأمر الله، وتحقيقا لتنمية مطردة مباركة.

إن التحول إلى مؤسسات مالية غير ربوية ضرورة, وإن تطلب دراسة وتدرجا, ونفصل مسألة الربا فى دراستنا القادمة (الاقتصاد الإسلامى) بإذن الله، ولكن حتى ذلك الحين، نقول إن الاقتصاد الإسلامى قائم على قيمة العمل وإعلاء شأنه، وأن عمل الإنسان (بذهنه أو بيده) هو المحدد لدخله، وأساس الحفاظ على الملكية وتنميتها، وأن القيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد تتحقق بالعمل. وقد برهنت الأزمات الاقتصادية العالمية الدورية مخاطر الاقتصاد الربوى على المجتمع عموما وعلى الفقراء وصغار المستثمرين خصوصا، وهذا ما جعل بعض المفكرين الاقتصاديين فى الغرب يدعون فى الأزمة الأخيرة (2008-2010) إلى دراسة الاقتصاد الإسلامى لأخذ الحلول المناسبة منه.

وسنجد أن كل ما هو محرم فى الإسلام فى المجال الاقتصادى مرتبط بتحقيق مكاسب وأرباح بدون عمل: الربا الاحتكار الرشوة كنز الأموال ومنع تداولها حجز الأرض بدون بناء أو زراعة (أو ما نسميه فى مصر تصقيع الأرض) أى المضاربة العقارية غير المشروعة استئجار الأرض الزراعية وإعادة تأجيرها بسعر أكبر دون إدخال أى إصلاحات عليها والاستفادة من فارق السعر, وهذا ينطبق على كل أشكال الوساطة والسمسرة دون القيام بعمل حقيقى. وتقوم نظرية الفوائد الربوية على أساس أن النقود تلد نقودا، وهذا غير صحيح فى الواقع، وغير ممكن، فالنقود مجرد أداة لتبادل السلع، لذلك يأتى الوقت الذى تنكشف فيه المعاملات المالية لأنها أكبر من الواقع الإنتاجى الحقيقى.

ويظل الربا فى شكله القبيح التقليدى فى قروض بنك الائتمان الزراعى التى تقرض الفلاح بفوائد مركبة, وتؤدى إلى إفلاس الفلاحين أو تهديدهم بالسجن، وكذلك قروض المشروعات الصغيرة. وعلى المستوى العالمى يظهر استغلال الغرب الرأسمالى لشعوب الدول النامية بتقديم القروض بفوائد مجحفة ومركبة, حتى أن الإحصاءات الدولية كشفت أن الدول النامية هى التى تمول بلدان الغرب حيث تحصل فى استردادها للقروض على أكثر مما أعطت. كما أن جدولة الديون أو إلغاء بعضها يكون بشروط سياسية واقتصادية مجحفة. كما أدت هذه القروض إلى إفلاس العديد من الاقتصادات فى دول الجنوب فى مراحل مختلفة (المكسيك البرازيل), وتدفع مصر الآن مبالغ طائلة سنويا لخدمة الديون (أقساط وفوائد) ومع القروض الجديدة فإن مديونية مصر الخارجية لا تقل أبدا وتتراوح بين 30-33 مليار دولار، بدون حساب المديونيات غير مباشرة (السندات).

وإذا عدنا للإطار الداخلى للمجتمع, فإن مشاركة صاحب المال للعامل على الاستثمار فى الربح والخسارة هى العلاقة العادلة, فلا يجوز لصاحب المال أن يضمن حقه بالفائدة الثابتة وأن يتحمل العامل (المنظم ومدير المشروع) الخسائر كلها، أما فى حالة الربح فيوزع بين الطرفين وفقا لشروط العقد بينهما (المضاربة)، وإلغاء الفائدة (الربا) يؤدى إلى دخول أصحاب المال جميعا فى الأنشطة التجارية والإنتاجية لتثمير أموالهم، وهو ما يؤدى لدوران المال فى المجتمع، وزيادة الأنشطة الاقتصادية الحقيقية, وبالتالى المزيد من الازدهار الاقتصادى.

فإلغاء الفوائد (الربا) وإن استهدف أخلاقيا منع الاستغلال واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، إلا أنه يستهدف فى نفس الوقت صالح المجتمع ككل، ذلك أن تفاقم الديون الربوية يؤدى فى النهاية إلى عجز المقترضين عن السداد، وهنا يحدث انهيار اقتصادى شامل يخسر فيه الجميع: المرابى والمقترض, وإن كان المقترضون يسحقون تماما، إلا أن الدائن (المرابى) تهتز أوضاعه بشدة, ولذلك فطبقة المرابين تعيش فى حالة من القلق المستمر, وهذا ما وصفه القرآن الكريم: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: 275).

لذلك نجد فى الإسلام هذا التوافق الدائم بين ما هو أخلاقى وما هو عملى، فكل المحرمات تستهدف دفع الضرر وجلب المنفعة سواء للإنسان الفرد أو المجتمع بأسره (الجماعة), وعلى خلاف ما يتصوره الإنسان أحيانا بنظرة قصيرة المدى عن ما هو عملى أو نافع أو مفيد فيلجأ لأساليب غير أخلاقية لتحقيق هذه المنافع، فإن الرؤية المنطقية تؤكد أن هذه الأساليب تعود بالوبال على صاحبها وعلى المجتمع فى الدنيا قبل الآخرة.

ومن الأشكال المستحدثة فى الربا بطاقات الائتمان التى تبيح للمستهلكين شراء ما يشتهون فى حدود مبلغ معين على أن يسددوا ما دفعوه بعد ذلك بفوائد مركبة, وكلما استطالت أقساط السداد زادت الفوائد، وقد أدى هذا الإغراء المتمثل فى شعور المستهلك أنه يحصل على ما يريد دون أن يدفع بصورة فورية إلى تورط معظم حاملى هذه البطاقات فى مديونيات رهيبة، وصلت فى الولايات المتحدة إلى تريليونات من الدولارات، الأمر الذى أدى بالبنوك الأمريكية إلى تقليص قيمة هذه البطاقات من 10 آلاف دولار إلى ألف دولار فحسب، ليس بغرض استرداد ما ضاع، ولكن بغرض تقليل الخسائر فى المستقبل.

5) البورصة:

البورصة أضحت مرضا اقتصاديا عالميا يجب أن ننأى باقتصادياتنا عنه، وهناك وجه ارتباط بين أساليب البورصة المعاصرة والبنوك الربوية, بل تداخل العمل بينهما إلى حد كبير على قاعدة واحدة، هى المتاجرة بالنقود تحت قاعدة (النقود تلد نقودا) وهى قاعدة وهمية كما ذكرنا، وتحقيق مكاسب وأرباح هائلة بدون عمل حقيقى. والبورصة بشكلها الراهن عالميا ومحليا محرمة شرعا, بل إن الغربيين أنفسهم يسمونها (كازينو قمار)، لأنها تحولت إلى تجارة ومقامرة فى النقود والأوراق المالية بمختلف أنواعها دون أية علاقة حقيقية بالاقتصاد العينى. وقد برهنت الأزمة العالمية الأخيرة 2008, وهى ليست الأولى، أن الأموال المتداولة فى البورصات العالمية تفوق القيمة الحقيقية لإجمالى الناتج العالمى من السلع والبضائع بأضعاف مضاعفة، فهى تحولت إلى تجارة وهمية فى أوراق لا قيمة حقيقية لها فى الواقع، ولذلك تحدث عملية انفجار الفقاعة كل عدة سنوات. الشركات الكبرى تزيد من أرباحها بشكل وهمى (عبر التزوير) لترتفع أسهمها فى البورصة, ويقبل الناس على شراء أسهمها ذات الربحية العالية، حتى تعجـز الشــركة بعد تورطها فى سلسلة من القروض لسد الفجوة عن سداد أرباح الأسهم وأقساط ديون البنوك, فتنهار الشركة وتنهار معها أسهمها ويفلس أصحاب الأسهم وتفلس البنوك! وبلغ من تداخل عمل البورصات مع البنوك الربوية أن الأفراد والشركات يقترضون من البنوك لشراء الأسهم فى البورصة، وعندما تنهار الأسهم تنهار كل الأطراف!!

والمثير للعجب فى مصر أن البورصة أحد أهم مجالات الاستثمار الأجنبى فى مصر, وهو أمر لا يضيف أى قيمة للاقتصاد المصرى، فنحن أمام محترفين عمل فى البورصات يأتون لتحقيق مكاسب سريعة من خلال فهمهم لألاعيب البورصة ثم ينسحبون ويأتى غيرهم.. وهكذا. فنحن أمام كائنات جاءت لتعيش على دماء المصريين دون أن تبنى مصنعا أو مشروعا إنتاجيا أو تنقل خبرة أو معرفة أو أى قيمة مضافة للاقتصاد المصرى. كما أن كبار المتلاعبين فى البورصة من المصريين متصلين بأعلى قمة السلطة فى مصر, وهم الذين يحققون أرباحا طائلة من خلال معرفتهم وتحكمهم فى مسار أسعار الأسهم، أما صغار متوسطى المستثمرين فقد نالهم دمار شامل.

وفى إطار النظام الاقتصادى المستهدف فلابد من إعادة النظر فى وضع البورصة, وهل يمكن أن تكون رافعة حقيقية للاقتصاد ووسيلة للشراكة الاقتصادية العادلة, وأن تكون معيارا حقيقيا لتقدم وتأخر الشركات، وأن تكف عن أن تكون مجرد وسيلة للتربح وجنى الأرباح عبر التلاعب (كازينو قمار)، أم يتم إلغاؤها مع استمرار الحق فى إقامة شركات مساهمة وتوزيع الأرباح بعيدا عن أية بورصة، وأن التنمية الحقيقية لا تحتاج لهذا الشكل الوافد من النظم الغربية الرأسمالية وقد كنا بالفعل نقوم بتنمية أكثر نجاحا بدون أى بورصة! (راجع: الاستقلال الوطنى والقومى عادل حسين المركز العربى للدراسات ص 14، 70، 71).

6) الزكاة:

من المهم أن نوضح الدور الأساسى للزكاة فى الاقتصاد الإسلامى، فهى من أهم ملامحه، والشائع عنها نتيجة لغياب النظام الإسلامى لفترات طويلة أفكار مغلوطة لا تمت إلى حقيقتها بصلة, وإذا تفهمنا حقيقة الزكاة سندرك الحكمة الإلهية فى جعلها من أركان الدين الخمسة، وأنها هى الرافعة الحقيقية للاقتصاد. وسندرك مدى اهتمام الإسلام بإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كأحد ضرورات وأركان المجتمع المؤمن العادل.

والشائع أن الزكاة مجرد صدقة وإحسان من الغنى للفقير، وأنها مسألة إنسانية تعبر عن التعاطف والمشاركة الوجدانية، وأنها مجرد عملية لتسكين آلام الفقراء حتى لا يزدادوا ألما من الفاقة، ولكن الغنى يظل غنيا والفقير يظل فقيرا. والشائع بين المواطنين التساوى بين مصطلحى الزكاة والصدقة, وقد أوضحنا من قبل الفرق بين الاثنين. وأخذ الزكاة له قواعد ونصاب قانونى، وكذلك للزكاة مصاريفها المحددة، وقد أجملت هذه القواعد فى القرآن الكريم وفصلتها السنة، وتوسع الفقه الإسلامى فى مختلف التطبيقات عبر العصور، ولنا فى ذلك تراث عظيم, وحتى لا نتوسع فى هذا الموضوع الكبير نحيل القارىء إلى كتاب (دور الزكاة فى علاج المشكلات الاقتصادية د. يوسف القرضاوى دار الشروق) فيمكن اعتباره وثيقة حزب العمل الرسمية فى هذا الموضوع. ولمن يريد التوسع فيمكن أن يطلع على السفر الكبير (فقه الزكاة د. يوسف القرضاوى) وهو أيضا من مراجع الحزب الأساسية.

ولكننا نريد هنا الإشارة إلى نقطتين أساسيتين لا يدركهما كثير من الناس فى فهم مقاصد الزكاة, وبالتالى لا يدركون دورها ليس فى تحقيق العدالة الاجتماعية فحسب, بل فى حفز وتنشيط الاقتصاد، بل كيف تقوم بدور معاكس للربا (أو الفوائد) عملا بقول الله عز وجل: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39).

وظاهر الآية أن الربا غير مقبول عند الله, أما الزكاة فهى طريق مضاعفة الحسنات عند الله، وكما ذكرنا من قبل فإن كل ما هو فى سبيل الله هو فى نفس الوقت فى سبيل المجتمع, أى فى فائدة المجتمع فى توافق عجيب:

1. الزكاة وإغناء الفقراء:

قد يرى أصحاب المذاهب الاشتراكية وغيرهم أن تحدث القرآن الكريم عن الفقراء والمساكين خلال حديثه عن الزكاة وغيرها يعنى أنه يثبت الأغنياء على غناهم والفقراء على فقرهم، وأن دور الأغنياء مجرد تقديم مسكنات لآلام الفقراء مع استمرار الأوضاع الطبقية على حالها. ولكن القرآن الكريم تحدث عن الفقر كمرض اجتماعى لن يزول تماما من حياة المجتمعات، وهو كالأمراض التى تصيب جسد وروح الإنسان مهما تقدم العلم الطبى، فالبشرية استطاعت أن تجد دواءا لأمراض عديدة، ولكن ظهرت دائما أمراض جديدة وأحيانا أشد فتكا وخطورة، وكلما قاومها الإنسان، ظهرت أجيال جديدة منها، والأمراض لها مصادرها المتنوعة فى الطبيعة وفى عبث الإنسان بالطبيعة، وفى الفيروسات والجراثيم وغيرها، وهى تصيب الكبير والصغير، الغنى والفقير, وقد تتمكن بعض المجتمعات من رفع متوسط الأعمار، ولكنها لا تتمكن من الإفلات من الأمراض. بل إن متوسط الأعمار الذى يفتخرون بتحقيقه فى الغرب هو أقل بكثير من متوسطات الأعمار فى بعض المجتمعات الطبيعية التى ما تزال تعيش على الفطرة (وتسمى بدائية!) وتأكل أكلا صحيا وتتنفس هواء نقيا فى الجبال وفى أعماق الغابات.

والفقر كمرض اجتماعى اقتصادى يبدو أنه سيستمر كظاهرة إلى يوم الدين، وأنا أتحدث بيقين طالما أن القرآن تحدث عن وجوده وضرورة مواجهته. وقد برهنت أحوال البشرية على مدار أربعة عشرة قرنا ونصف القرن تقريبا منذ نزول القرآن أن المجتمعات بمختلف أشكالها لم تخلوا من الفقر والفقراء، فى مختلف التجارب الاشتراكية التى وعدت بإزالة الفقر نهائيا، وفى أغنى البلاد الرأسمالية.

وللفقر مصادر متعددة أولها الظلم الاجتماعى وسيطرة المترفين على معظم الثروات, والكوارث الطبيعية، والأزمات الاقتصادية التى يكون بعضها خارجيا وينعكس على الداخل، أو نتيجة أخطاء فى السياسات الداخلية، أو تفاوت قدرات البشر الجسدية والروحية (وغلاة الرأسماليين كالجمهوريين فى أمريكا يركزون على هذا العنصر وحده)، ومن ذلك تفاوت طبائع الناس فى شدة الإقبال على العمل، أو دخول الناس فى مرحلة الشيخوخة وعجزهم عن العمل، وكذلك المصابون بأمراض خطيرة أو مزمنة أو الإصابة بإعاقة جسدية أو ذهنية تحول دون العمل، ويجب عدم التقليل من هذا العنصر، فهناك إحصائية منذ عدة سنوات تشير إلى وجود 6 ملايين معاق فى مصر، اليتامى، الأرامل اللائى لم يرثن مالا ولا يعملن، وكذلك المطلقات اللائى فقدن المصدر الأساسى للإنفاق، وأسر الشهداء. وإذا ترك الفقراء لكل هذه الأسباب وغيرها دون معالجة أحوالهم فإنهم يورثون الفقر لأبنائهم.. وهكذا.

لكل هذه الأسباب أوصى القرآن الكريم بالفقراء والمساكين فى الزكاة وغيرها، ولكن ليس بمعنى تثبيت الفقراء على فقرهم ومجرد إنقاذهم من الموت جوعا أو حرمانا، ولكن بهدف إغنائهم، فالزكاة تستهدف تحويل الفقير إلى غنى قادر بعد سنوات قليلة يدفع هو الزكاة! فإذا كان للزكاة قدر محدد لدى دافعى الزكاة لا يطلب منهم أن يدفعوا أكثر منه، فإنه لا يوجد سقف أو حد أقصى لما يحصل عليه متلقى الزكاة، والأصل أن يحصل على ما يغنيه، سواء شهريا أو سنويا أو طول العمر. فإذا كان الفقير (متلقى الزكاة) قادرا على العمل وله حرفة أو صنعة يتكسب منها، فهو لا يحصل على إعانة ليأكل ويشرب ويعيش على حد الكفاف (كإعانة البطالة فى النظم الرأسمالية) بل يحصل على ما يمكنه من العمل بحيث يصل إلى حد الكفاية وهو حد الحياة الكريمة، وبما يفتح الطريق أمامه ليخرج من صفوف الفقراء إلى صفوف الأغنياء إن أراد بكده وعمله. فإذا كان نجارا يحصل على ورشة نجارة، وإن كان سائقا يحصل على سيارة خاصة أجرة أو شحن.. وهكذا.

أما الذى يحصل على إعانة شهرية أو سنوية فهو غير قادر على العمل لأى سبب ككبر السن. وبالتالى فإن الهدف هو دوران المال (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وتحويل الفقراء إلى أغنياء، وتحويل متلقى الزكاة إلى دافع للزكاة. الهدف هو محاصرة الفقر إلى أقصى حد ممكن، فإذا أطل برأسه لأى سبب من الأسباب السابقة يتم معالجته بنفس الطريقة بالزكاة, وغيرها (ولكننا نركز الآن على الزكاة, وهى كافية لتحقيق هذا الغرض إذا تم جمعها بأمانة).

وهكذا فإن الفقراء يتغيرون، ويبقى الفقر كمشكلة اجتماعية متجددة يهبط إليها أناس مختلفون للظروف المشار إليها. وفى تاريخنا الإسلامى أمثلة عديدة على ذلك من أرقاء تم فك رقهم وفقراء تحولوا إلى أغنياء، وهذا ما يسمى بمصطلحات العصر: الحراك الاجتماعى. فالناس ترتفع وتهبط إما لظروف خارجية عن إرادتهم، وإما لتقصير منهم فى أداء عملهم. وحتى فى إطار المجتمع الإسلامى العادل، فقد يوجد مسئول محلى يظلم ويؤدى ذلك إلى إفقار الناس، حتى يتدخل النظام المركزى ويوقف ذلك، كما حدث فى عهدى عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وكذلك فى إطار المجتمع الإسلامى العادل، قد يظلم بعض أصحاب الأعمال عمالهم لفترة من الزمن حتى يتم اكتشاف ذلك وإصلاح الخلل. فالمجتمع الإسلامى ليس مجتمعا ملائكيا, ولكن لابد أن توجد فيه الآليات التى تكتشف الظلم وتحاصره قبل أن يستفحل، ومن ذلك أن يتأكد الناس من وجود سلطة عادلة مستعدة للتدخل الفورى لإحقاق الحق، فلا يخشون من تقديم شكواهم فى الوقت المناسب تحسبا من بطش صغار الطغاة. وطبعا انحراف بعض المسئولين أو رجال الأعمال لا يعالج بالزكاة، ولكن بإخضاعهم لحكم القانون، ولكن هذه الممارسات إذا لم تكتشف سريعا فإنها تكون مصدرا جديدا لإفقار الناس. وهذا يكشف لنا أهمية نظام الشورى وانعكاس ما هو سياسى على ما هو اقتصادى. ففى ظل نظام شورى محكم لن يخشى الناس الجهر بالشكوى من الظلم والظالمين حتى تتحرك الجهات المعنية وترد هذه المظالم فى الوقت المناسب. ومن أحكام الشورى وجود تشكيلات نقابية قوية تدافع عن حقوق العاملين فى مختلف المجالات ومختلف الأقاليم، بالإضافة لدور المحتسب (وهذا شبيه بالجهاز المركزى للمحاسبات ولكن يكون له صلاحيات تنفيذية). وقبل أن نترك هذه النقطة نشير إلى أن مشكلة الفقر لا تنتهى أبدا, وأن دور الدولة الإسلامية هو مواصلة مطاردته، ذلك أن الفقر مسألة نسبية يختلف تعريفها من وقت لآخر ومن مجتمع لآخر، فالفقير فى الولايات المتحدة قد يكون من ملاك السيارات ولديه الكثير من الأجهزة الكهربائية وربما يمتلك بيتا بائسا صغيرا أو شقة صغيرة, بينما امتلاك سيارة فى بلد كمصر يعنى أنه من الأغنياء أو من الطبقة الوسطى على الأقل.

أثناء زيارتى لمدينة لوس أنجلوس وهى من أغنى المدن الأمريكية طلبت من مرافقتى زيارة بيفرلى هيلز وهو حى الأغنياء وكبار فنانى هوليوود فوجدته حيا آية فى الجمال, وقلت لها: كأنها لوحة مرسومة باليد ومخططة بالمسطرة، فى فيلاتها وحدائقها والتنسيق العام. ثم طلبت القيام بجولة بأفقر حى بالمدينة وهو للسود الأفارقة، فكان البون شاسعا، رغم وجود فيلات وحدائق وسيارات بائسة من طرز قديمة، تشعر وكأنك تنظر إلى لوحة باهتة وبائسة خطوطها متعرجة وملتبسة، حتى الخضرة بدت من لون مختلف، ومع ذلك يبقى هذا الحى أرقى من معظم الأحياء الشعبية والعشوائيات فى بلادنا. إذن فى كل مجتمع معاييره الخاصة, والإنسان يقارن ويشعر بوضعه مع أخيه فى نفس المجتمع، وليس فى مجتمعات أخرى بعيدة. أقول ذلك لتأكيد إعجاز القرآن فى المجالين الاجتماعى والاقتصادى، فبينما وعدت النظريات الاشتراكية بزوال الفقر تماما، أكد القرآن أن مشكلة الفقر ستظل تلازم المجتمعات البشرية, ولذلك يتعين معالجتها وحصارها أولا بأول، وكلما ظهرت موجة جديدة منه طاردها للقضاء عليها، فهى أشبه بالدورات المتوالية أو الأعاصير الطبيعية المتجددة، وهذا هو دور الزكاة على رأس وسائل أخرى عديدة فى الحرب على الفقر.

2. تشجيع الاستثمار ودوران رأس المال:

يقول الفكر الرأسمالى الغربى، أن الفوائد (الربا) هى وسيلة أساسية لتشجيع الاستثمار ودوران رأس المال بين المقرض والمقترض من خلال نظام المصارف كوسيط، وقد رأينا أثر ذلك فى الأزمات الدورية التى تعصف باقتصادات الغرب وآخرها أزمة (2008-2010) والتى لا تزال مستمرة وتزلزل المجتمعات الغربية (أمريكا وأوروبا) وكانوا يقولون إن وضع الأموال فى المصارف وسيلة آمنة ومضمونة لتحقيق الأرباح، وإن المستثمرين يلجأون للبنوك كملاذ آمن للاقتراض ولجدولة الديون رغم الفوائد المركبة لذلك، والآن وجدوا أن المعبد كله ينهار على الجميع!

الزكاة تقدم بديلا متكاملا لهذا الطريق الخبيث (الربا)، من خلال مصرف (الغارمين) وهو أحد مصارف الزكاة السبعة. وهذا المصرف مخصص لمواجهة الكوارث التى يتعرض لها المستثمرون الكبار والصغار، والتى تؤدى إلى مديونية فاحشة، قد تؤدى إلى السجن، ولكنها فى كل الأحوال تؤدى إلى انهيار وضعهم الاقتصادى والاجتماعى. والمستثمرون معرضون لكارثة الديون إما لأسباب خارجة عن إرادتهم أو بسبب أخطاء فى سياستهم تم ارتكابها بحسن نية. والأسباب الخارجة عن إرادتهم عديدة، كظهور آفة جديدة تدمر المحصول، أو تغير الأحوال المناخية كما حدث هذا وأثر على إنتاج القمح والقطن فى العالم، وهى أمور تنعكس سلبا على المزارعين والصناعيين والمستوردين والمصدرين، أو السيول والفيضانات (كما حدث فى باكستان هذا العام 2010) أو الزلازل والبراكين والجفاف، أو أى أزمة اقتصادية عالمية أو حرب تؤثر على أسعار العملات والمواد الأولية ومختلف السلع وتنعكس على المجتمعات. وأيضا يشمل مصرف الغارمين الأفراد المتناثرين الذين سقطوا فى الديون بسبب تلك الأسباب السابقة، أو أى أسباب شخصية، كالمرض أو الحريق أو انهيار عقار.. إلخ.

ولكننا نركز الآن على الحالة الأولى، وهى حالة المستثمرين وأصحاب الأعمال والمشروعات الخاصة، فصاحب المال فى ظل نظام الزكاة، ينطلق فى الاستثمار بدون خوف أو قلق، ويتجه للمشروعات الإنتاجية المهمة دون أن يخشى الخسارة، ولا يتجه لكنز الأموال خاصة مع انعدام الفائدة (الربا) لذلك فلا سبيل أمامه سوى الاستثمار الإنتاجى والمفيد للمجتمع. ولن نسمع فى هذا المجتمع عن صاحب مليون جنيه يقول سأضعها فى البنك وأعيش بالفائدة. ولن نرى اتجاه الناس لكنز الأموال بوسيلة أخرى, بشراء العقارات. فهذا السلوك يؤدى إلى عدم دوران المال فى المجتمع بصورة طبيعية فى مختلف المجالات بصورة تغطى احتياجات الناس.

الزكاة فى مصرف الغارمين تقوم بدور التأمين الاجتماعى ضد الكوارث ومفاجآت الحياة, سبق كل ما عرفه العالم بعد من أنواع التأمين، ولكنها أكثر كمالا منها لأنها لا تشترط دفع أقساط ولا اشتراك! بحيث يصبح التعويض مرتبطا بحجم هذا الاشتراك, بل تعطى الزكاة لكل حسب حاجته وحجم كارثته, دون أن يكون قد دفع أى شىء مسبقا، بل يكفى أن يكون مواطنا فى الدولة! (وبالمناسبة فإن الزكاة تستحق لأهل الكتاب من مواطنى الدولة الإسلامية فى كافة المصارف) وفى ظل إشاعة حالة الاطمئنان هذه لن يركز المستثمر وصاحب العمل على ما يسمى المشروعات المضمونة الربح, وهى عادة المشروعات الخدمية والسريعة فى دوران رأس المال، بل سيتجه بثبات أكبر للمشروعات الصناعية والزراعية الإنتاجية التى تحقق أرباحا أكبر, ولكنها تحتاج لبعض الوقت وتحفها المخاطر بصورة أكبر.

والشرط الوحيد للوفاء بديون المواطن هو التأكد من سقوطه فيها بحسن نية وليس عن طريق القيام بأى نوع من التلاعب والخداع والغش، وأنه بذل كل ما يمكنه لسداد الدين. كما أن أصحاب العمل الذين تعرضوا لكوارث فإن إثبات ذلك أسهل كحريق شب فى المصنع، أو آفة اجتاحت البلاد أو منطقته وقضت على محصوله، أو فيضان وسيول أدت لنفس النتيجة وهكذا.

إن مصرف الغارمين يحقق حالة من الأمان الاقتصادى والاجتماعى، ويؤكد على تكافل وترابط المجتمع فى السراء والضراء، وهذا مناخ موات للاندفاع فى كل أعمال الاستثمار الإنتاجى المفيد، بدلا من الاندفاع للسمسرة والتلاعب والكنز والربا والاحتكار.. إلخ, وعلى ضوء ذلك نعود لنفهم أعماق الآية الكريمة: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39).

وحتى لا يتصور أحد أن هذه مجرد أحلام وأمنيات لم تعرف طريقها للممارسة العملية نقول أنه فى كل العصور الإسلامية المزدهرة كانت الزكاة مؤسسة تأمين تعاونية كبرى لكل من يعيش داخل الدولة الإسلامية. ومن أموال الزكاة كان يعوض صاحب المصنع إذا أفلس أو ضاع مصنعه. وكان يعطى صاحب الحرفة ما يشترى به آلات العمل، وكان يعوض التاجر إذا فقد بضاعته أو أفلس، حتى تاجر المجوهرات والعطر إذا أفلس كما قال الإمام النووى كان يعطى من بيت المال عشرة آلاف دينار. (د. حسين حامد أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة).

(13) الزراعة والموارد المائية

عرضنا فيما سبق المبادىء العامة الموجهة لرؤيتنا فى المجال الاقتصادى, وبالتالى وضعنا أسس التعامل مع القطاعات الاقتصادية المختلفة, ومع ذلك فلا بأس من بعض التفصيل, ولنبدأ بقطاع الزراعة والذى تناولناه بشكل عام فى مقدمة هذه السلسلة حيث تحدثنا عن التركز السكانى، وعشوائية الانتشار، ومشكلة تآكل الأرض الزراعية, وأيضا فى هذا المجال لا بأس من بعض التفصيل والتركيز ورسم ملامح برنامجنا الزراعى.

كما ذكرنا فإن مصر بتنامى عدد سكانها وثبات مواردها المائية, بل تناقص هذه الموارد بقسمتها على عدد السكان، وتزايد احتمال تعدى دول منابع النيل على حصة مصر (52 مليار متر مكعب) من النيل وندرة الأمطار, فإن ذلك كله يضع سقفا لإمكانيات مصر فى التوسع الزراعى، خاصة وأن حكامنا لم يستفيدوا حتى الآن من التقدم العلمى، لتقديم تقدير حقيقى للمياه الجوفية، ومع ذلك فإن معظم هذه المياه المفترضة غير متجددة ويجب عدم التعويل كثيرا عليها, بل إن بعض العلماء يرون أن استخدام المياه الجوفية فى مشروعات صناعية أكثر جدوى من المشروعات الزراعية. وتعد مصر من أكثر بلدان العالم جفافا، حتى أن علماء الفضاء الجيولوجيين يماثلون بين الصحراء الغربية وصحراء المريخ!

وكل ذلك يؤدى إلى ضرورة التعامل مع الأرض الزراعية فى الوادى والدلتا كثروة ثمينة، ومحمية طبيعية ويجب الحفاظ على كل فدان فيها، خاصة وأن موارد مياه النيل تكفى بالكاد لزراعة هذه الأراضى بالإضافة لاحتياجات السكان والصناعة. أما التوسع فى استصلاح الأراضى الصحراوية فيحد منه ندرة مواردنا المائية، لذلك الأولى هو الحفاظ على الأرض الزراعية الخصبة فى الوادى بالإضافة لأكنافها القريبة والملاصقة. (آخر تقرير علمى يعتمد على صورة الأقمار الصناعية أكد ضياع 46% من الأراضى الزراعية خلال 23 عاما فقط 1980-2003 – مؤشر أداء البيئة العالمى, وهو تقرير أمريكى).

ورغم ذلك فلابد من طرق كل الأبواب التى تؤدى لزيادة مواردنا المائية المحدودة لمواجهة تزايد السكان واحتياجات التنمية ومنها:

إصلاح السياسة الخارجية الفاسدة التى أهملت علاقاتنا الأساسية مع دول منابع النيل, وتدعيم العلاقات الرسمية والشعبية مع هذه البلدان, والسعى لإقامة سوق اقتصادى مشترك معها, وتعزيز العلاقات الشعبية مع مسلمى هذه البلدان الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان. ومن خلال ذلك السعى لتنفيذ المشروعات المائية التى تساعد على زيادة الاستفادة من موارد النيل المفقودة لصالح جميع بلدان الحوض. ولابد من عمل سياسى شاق ومعقد وطويل لفك ارتباط هذه الدول بالكيان الصهيونى.

الدخول فى مجال تحلية البحر لتغطية احتياجات المناطق الساحلية من المياه، وقد حدثت تطورات علمية وتكنولوجية فى هذه المجال خفضت من تكاليف هذه المشروعات.

إجراء دراسات للتأكد بشكل قطعى من حجم المياه الجوفية فى سيناء والصحراء الغربية,وهل هى متجددة أم لا؟ (يوجد خلاف بين العلماء المصريين حول هذا الموضوع).

تطوير عمليات إعادة تنقية مياه الصرف الزراعى والصحى لإعادة استخدامها,والثابت حتى الآن أن مشروعاتنا فى هذا المجال محدودة وغير ملتزمة بالاشتراطات الصحية، ورغم أن ذلك أضحى موردا مهما فى عدد من البلدان. وفى المقابل لابد من الوقف النهائى لاستخدام مياه الصرف الصحى والزراعى غير المعالجة فى الزراعة,وقد ثبت أنه يجرى الآن على نطاق واسع فى استهانة كبيرة بصحة المصريين.

تطوير وسائل الرى بزيادة الاعتماد على الوسائل الأكثر توفيرا للمياه مع مراعاة الظروف البيئية وسلامة التربة، لأن البعض يتصور أن الرى بالرش والتنقيط مسألة ممكنة وسهلة فى أى نوع من الأراضى أو الزراعات أو الأجواء المناخية. كذلك لابد من عدم الاستسهال فى توفير المياه بالتضييق على زراعة الأرز إلى حد لجوئنا إلى الاستيراد بعد أن كنا نصدره,وهناك وسائل علمية أيضا فى توفير المياه فى هذا النوع من الزراعات.

تنظيم الاستفادة من هطول الأمطار فى الساحلى الشمالى، والاستفادة من ظاهرة السيول فى سيناء وجنوب الصعيد، بتخزين هذه المياه بدلا من تركها لتصبح مجرد ظواهر تدميرية!!

كل هذه الحلول وغيرها تساعد على مواجهة ظاهرة تناقص مواردنا المالية، ولكنها لن تؤد إلى زيادة غير عادية تغرى فى التوسع الزراعى (الزراعة الآن تستوعب 85%من مواردنا المائية) فستظل إمكانيات ذلك محدودة.لذلك ولكل هذه الأسباب فإن التوسع الزراعى فى مشروعات مشتركة مع السودان كما ذكرنا مسألة أساسية لأمن مصر الغذائى.

وفى ظل ندرة المياه والأرض الزراعية (كان عدد السكان فى عهد محمد على 3 ملايين نسمه لديهم 4 ملايين فدان، والآن نحن 83 مليون لدينا 5.5مليون فدان!!).

فى ظل هذه الندرة لابد من التعامل مع الأرض الزراعية بحرص شديد، ولابد من تفعيل دور الدولة من خلال الدورة الزراعية وغيرها فى تحديد الاستخدام الأمثل لهذه الأراضى, فقد وصلت التركيبة المحصولية إلى حالة تمثل تهديدا للأمن الغذائى والصناعى على السواء. فقد كانت المساحات المزروعة بالقطن حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى لا تقل عن 1.2مليون فدان,وانخفضت حتى وصلت 220 ألف فدان عام 2009، حيث تزايد إحجام الفلاحين عن زراعة القطن لتدنى أسعاره. وهذه هى المساحة الأقل فى تاريخ زراعة القطن فى مصر، حتى أصبحت صناعة الغزل والنسيج تعتمد على استيراد القطن بصورة متزايدة,أما القمح والذرة فأمرهما مشهور,ونحن لا نغطى احتياجاتنا منهما إلا بنسبة 50% فى أحسن الأحوال، ويدعى حكامنا أن مصر خارج حزام القمح العالمى، ورغم أن مصر كانت تاريخيا مصدرة للقمح.

ومصر كانت حتى وقت قريب مكتفية بالسكر، وأدى تقلص زراعات قصب السكر إلى اعتماد صناعتنا على السكر المستورد، ونتيجة ارتفاع أسعاره عالميا فى عام 2010 فإن هذا الأمر يهدد بتوقف 1600 مصنع للمنتجات الغذائية فى العاشر من رمضان فحسب، وستظل هذه تهديدات متجددة. ونحن لا نغطى إلا 7% من استهلاكنا للزيوت ونستورد الباقى (بذرة القطن كانت أحد مصادرنا الأساسية) وحتى الفول الذى يعتبر غذاءا أساسيا للشعب فإن 35% من استهلاكنا الآن يعتمد على الاستيراد، أما العدس فإننا نستورد 98% من احتياجاتنا منه حتى تحول إلى سلعة ترفية. وكذلك البرسيم كمصدر مهم للغذاء الحيوانى فإن الفجوة فى إنتاجه بلغت 35%.

ومسألة تدخل الدولة فى الدورة الزراعية والتركيب المحصولى قاعدة أساسية يجب الرجوع إليها,خاصة فى بلد تعانى فيه من ندرة الأرض الزراعية وزيادة السكان، وإن ترك غذاء الإنسان والمحاصيل الأساسية لآليات السوق (كما يقول وزير الزراعة الحالى)هو عبث مرفوض لا يقبله أى عقل مسئول. وقد أشرنا من قبل إلى أن القرآن الكريم لم يتعرض لتفصيلات النشاط الاقتصادى، تاركا ذلك لاجتهادات البشر فى ظل المبادىء العامة التى أقرها، ولذلك فإنه يتعين علينا أن نأخذ بجد أى أمر فى القرآن الكريم باعتباره من هذه المبادىء العامة. ويتعامل بعض الإسلاميين مع القصص القرآنى كحواديت بها بعض العبر العامة. رغم أن القرآن الكريم، وصف القصص القرآنى بأن فيه: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ) (يوسف: 111). وبإعادة التمعن فى هذا القصص سنجد فيه بعد التوحيد، كل مقاصد القرآن، وسنجد فيه السنن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وفيما يتعلق بموضوعنا فإن توصية سيدنا يوسف بالتخطيط فى زراعة الحبوب وتخزينها درءا للجفاف المتوقع، ترسى قاعدة التخطيط الزراعى والتحكم فى الدورة الزراعية.

فلا يوجد أهم من حياة (غذاء) الإنسان. بل لقد قام سيدنا يوسف بتنفيذ هذه الخطة من موقع رئاسة الوزراء ووزارة الاقتصاد. وبغض النظر عن مسألة الرؤية، فقد كشفت العلوم الحديثة، من خلال المشاهدات العلمية، أن العالم وكل منطقة على حدة، تمر بدورات من الجفاف، وهناك إمكانية لتقديرها بصورة تقريبية، ولابد من التخطيط على هذا الأساس، وأصبح تخزين الحبوب للطوارىء مسألة معروفة ومستقرة. والمفارقة أن القرآن الكريم ضرب المثل من مصر رغم أن القرآن موجه للعالمين (كما فى موضوع الحكم الاستبدادى فى قصة موسى وفرعون) ومع ذلك فإننا البلد الذى يتبنىمن دون دول العالم الرشيدة شعار آليات السوق فى الإنتاج الزراعى.

لذا فإننا نرى ضرورة تخصيص المساحات الأكبر من الأراضى الزراعية للمحاصيل الرئيسية:القمح الذرة القطن قصب السكر الأرز البرسيم. بالإضافة للمحاصيل الغذائية الرئيسية كالفول والعدس والخضروات والفواكه للاستهلاك المحلى، فإذا تبقت أى مساحات بعد ذلك، فيمكن توجيهها للزراعات التصديرية (كالزهور وأنواع معينة من الخضراوات والفواكه). فضمان الأمن الغذائى فى السلع الأساسية للبلاد هو الأولوية الأولى. وما يفيض بعد ذلك يكون للتصدير,كذلك فإن هذه المحاصيل الرئيسية تقدم مستلزمات الإنتاج لأهم الصناعات كالنسيج والسكر الذى يدخل بدوره فى العديد من الصناعات الغذائية.

وفى المقابل لابد من تحديد أسعار مجزية للفلاح لهذه المنتجات الرئيسية تراعى أسعار المدخلات (التقاوى البذور المبيدات.. إلخ). ولابد ألا يغيب عن الدولة احتمال دعم المزارعين عند الضرورة لاستمرار حفزهم على الإنتاج، أو للتصدير إن أمكن. كذلك يجب قيام ترتيبات وتشريعات تضمن عدم استغلال الوسطاء للمنتجين عند شرائهم مستلزمات الإنتاج أو عند التسويق,وهنا لابد من الإشارة إلى وقف السياسة الضارة بإلغاء الدعم عن الأسمدة والمبيدات وكافة مدخلات الإنتاج فى وقت تقوم أوروبا وأمريكا بدعم القطاع الزراعى بمليار دولار يوميا!!

لابد من إيجاد علاقة متوازنة بين الملاك والمستأجرين فى الأراضى القديمة والمستصلحة ونظام المزارعة يحقق تلك الغاية. ولابد من وقف عمليات طرد الفلاحين من الأراضى التى حصلوا عليها فى إطار مشروع الإصلاح الزراعى، فهذه الأرض أصبحت ملكية لهم بحكم القانون والشريعة الإسلامية,بالعهد الذى أخذوه من الدولة، ثم بقيامهم بالإقامة وزراعة هذه الأرض لعشرات السنين.

الحفاظ على الأرض الزراعية بالوادى والدلتا يعنى الوقف التام والكامل لأى بناء أو تجريف للأرض الزراعية,ولابد أن تجند الدولة كل الطاقات حل مشكلات الإسكان فى الصحراء الواسعة,وفى إطار إقامة مجتمعات صناعية منتجة فى هذه الصحراء. وبدون ذلك ستنتهى الأرض الزراعية فى الوادى خلال عشرات محدود من السنين (لنلحظ أن قرابة نصف الأراضى الزراعية ضاعت فى 23 عاما!).

لابد من اتخاذ كافة التدابير للعودة إلى القرية المنتجة، والبيت الريفى المنتج، بالعودة إلى الخبز المنزلى وتربية الدواجن والنحل والتصنيع المنزلى، فالملاحظ أن القرية المصرية التى كانت منبع الخير، تحولت إلى قرية مستهلكة تجلب احتياجاتها من المدينة، وهذا وضع معكوس، ويعنى الاعتماد على الاستيراد من الخارج، كذلك يجب تشجيع الصناعات الصغيرة المرتبطة بمستلزمات الإنتاج من الزراعة، فقد أصبحت الصناعات الصغيرة تمثل أحد الروافع الأساسية للتنمية فى مختلف بلدان العالم المتقدم فى الشرق والغرب. لا شك أن العودة للقرية المنتجة لابد أن يستفيد من مختلف أشكال التقدم التكنولوجى فى المجال الزراعى، وتربية الدواجن، وتنمية الثروة الحيوانية.

وتوجد ضرورة لإعادة الاعتبار لقطاع البحوث والإرشاد الزراعى الذى يكاد يختفى دوره تماما فى حين أن هذا هو الدور الأساسى لوزارة الزراعة، والمقصود به الدور البحثى فى مجال استنباط البذور وغيرها وتوجيه المزارع بالخبرات فى شتى حلقات العمل الزراعى: نوعية الأسمدة المبيدات ونوعيتها طرق الزراعة وتوقيتاتها مقاومة الآفات.. إلخ)بينما تؤكد التقارير المنشورة أن ميزانية قطاع البحوث الزراعية والإرشاد لا تكاد تذكر, وأنها تغطى أساسا مرتبات الباحثين! وأن الوزارة توقفت عن تعيين مهندسين زراعيين كمرشدين منذ عام 1984!

لابد من وقفة حازمة مع مسألة الإفراط فى استخدام المبيدات، وحيث تستخدم مصر نصف كمية المبيدات المستخدمة فى الوطن العربى، وقد أدى هذا إلى إفساد التربة، وأدى إلى مخاطر صحية للمواطنين. خاصة وأن هناك اتجاها عالميا لتقليل الاعتماد على المبيدات إلى أقصى حد أو وقف استخدامها نهائيا والاستعانة بوسائل أخرى أكثر أمانا (ما يسمى المقاومة الحيوية)كذلك فإن استيراد مبيدات معروفة بتأثيراتها السرطانية سواء من إسرائيل أو من أى بلد آخر جريمة لابد أن تتوقف. كذلك لابد من وقف استخدام الهرمونات التى تزيد من إنتاجية بعض المحاصيل (الخضراوات والفواكه)أيضا لتأثيراتها السرطانية والضارة صحيا. والتوسع فى الزراعة العضوية الخالية من المبيدات.

لابد من وقف التعامل مع منتجات الهندسة الوراثية استيرادا وإنتاجا، وتشكيل لجنة علمية على أعلى مستوى لدراسة هذا النوع من المنتجات القائم على التلاعب فى الجينات لوجود أبحاث علمية تؤكد ضررها على الصحة بما فى ذلك احتمالات نشر السرطان، ولابد من التفاعل مع الهيئات العلمية العالمية ذات المصداقية فى هذا المجال، حيث أن هذه القضية مطروحة بشدة فى البلدان الغربية وهناك خلاف جدى حولها.

ثروتنا الحيوانية ليست قليلة جدا كما يتصورا البعض فهى تشكل 35% من الدخل الزراعى، ولكن بلادنا تفتقر للمراعى وهى البيئة المناسبة لنمو الثروة الحيوانية. كما لم نلحظ أى مجهود لرعاية وتطوير مراعينا الصحراوية فى سيناء والساحل الشمالى والواحات. كذلك فإن التطورات الحديثة فى تربية الحيوانات أصبحت تعتمد على الحظائر المجمعة وليست على المراعى. وبالتالى فإن تطوير ثروتنا الحيوانية مرتبط بتطوير هذه الأشكال: المراعى الصحراوية، الحظائر المجمعة، تربية الحيوان المتداخلة مع الأراضى الزراعية.وكان الاعتماد الأساسى على هذا النمط الأخير قد أصابه الاضمحلال مع أزمة الفلاح مع أرضه الزراعية التى نشأت من ارتفاع مستوى الإيجارات، وأيضا ارتفاع أسعار الأعلاف التى يتم استيراد الجزء الأكبر منها حيث لم تلجأ الحكومة لمشروعات تصنيع الأعلاف محليا,رغم وجود أبحاث علمية تؤكد ذلك كاستخدام المخلفات الزراعية,وهو ما أدى إلى تخلص المنتجين من جزء من القطعان لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف تربيتها. وهى ما يؤدى إلى إهدار الثروة اللحومية بذبح حيوانات البتلو الإناث الصغيرة. إن تربية الحيوان لفترة أطول مهمة لزيادة وزنه، وأيضا بالنسبة للإناث لزيادة معدلها فى التكاثر، وقد قام مشروع البتلو على دعم المربين حتى لا يتعجلوا فى الذبح ولكن هذا المشروع ظل دوما حبرا على ورق. وقد أدى كل ذلك إلى أن مصر تستورد 40% من احتياجاتها من اللحوم من الخارج.

ولكننا نرى أيضا أن الثروة الحيوانية كامتداد لأحوالنا الزراعية ستظل إمكانياتها أقل من احتياجاتنا، والاعتماد على السودان يمتد أيضا لهذا المجال حيث تتوافر المراعى الطبيعية على نطاق واسع وحيث توجد رؤوس من قطاعان الماشية والأغنام أضعاف ما هو متوفر فى مصر. ونرى أن الاعتماد يجب أن يكون أساسيا على السودان بحكم الجوار بالإضافة لكل الاعتبارات السابقة التى توضح أن البلدين يشكلان أساسا لمشروع تنموى واحد. ولكن فى موضوع اللحوم يضاف سبب آخر وهو ضمان الاشتراطات الشرعية فى الذبح وفقا للشريعة الإسلامية، وأيضا من حيث نوعية غذاء الحيوانات فنحن فى الشريعة يحرم علينا أكل الحيوان الذى يأكل من القمامة لأنه يتحول إلى خنزيرويسمى فى هذه الحالة الجلالة، والمعروف أن البلاد غير الإسلامية تستخدم أعلافا غير صحية مختلطة بدماء ومواد ضارة بهدف تسمين الحيوانات وتحقيق أرباح أكبر، وهناك دراسات ربطت بين ذلك ومرض جنون البقر الذى اجتاح الغرب منذ سنوات، كذلك تلجأ بعض المزارع فى الخارج إلى استخدام الهرمونات لزيادة وزن الحيوانات، ويجب مكافحة هذه الأساليب الضارة التى بدأت تتسلل إلى بلادنا. وكان الشيخ محمد الغزالى قد أفتى لكل هذه الأسباب بعدم جواز الاستيراد من بلاد غير إسلامية، خاصة وأن العالم الإسلامى لديه ما يكفيه من مصادر الثروة الحيوانية. كما أن إرسال بعثات بيطرية للبلاد الموردة لنا لن يمكنها متابعة كل ذلك، كما أن الأمر يتعرض لكثير من التلاعب لأنه يجرى بعيدا عن أعيننا فى بلاد بعيدة! بل الأغرب من ذلك أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية أصدرت قرارا بإلغاء سفر اللجان البيطرية التى تصاحب المستوردين فى مجال اللحوم للكشف على الحيوانات الحية واللحوم المجمدة قبل التعاقد عليها فى دول المنشأ، وجاء القرار توفيرا لأموال المستوردين! فى حين أن أمراضا عديدة لا تكتشف بعد عملية الذبح مثل مرض التيتانوس ومرض جنون البقر، كذلك من المعروف أن الدول الغربية لا تقوم بذبح حيواناتها وإنما تطلق عليها الرصاص وتصعقها بالكهرباء وهو ما يؤدى إلى تجمد الدم فيها وزيادة وزنها.وهذا ما يؤكد من جديد أن ما هو شرعى هو الأكثر نفعا للإنسان، فالذبح أكثر صحية لما فيه من إراقة الدماء، بدلا من تجمدها كما برهنت الدراسات العلمية، ولكنها الرغبة لدى الغربيين فى زيادة الأرباح بأى وسيلة. المهم أن فتوى الشيخ الغزالى تسد كل هذه الأبواب من الشبهات الشرعية (الصحية), ولكن المثير للعجب أن مستوردى اللحوم يركزون على البلاد غير الإسلامية فيتم استيراد 60% من اللحوم من الهند و30% من البرازيل! كذلك يتم الاستيراد من أثيوبيا والأورجواى واستراليا وكرواتيا!كذلك يتعين تطوير خدماتنا البيطرية فى ظل انتشار العشرات من الأمراض فى الحيوانات داخل مصر وعلى رأسها الحمى القلاعية والجلد العقدى.

الثروة السمكية:

أشرنا من قبل إلى الفجوة الغذائية فى إنتاج الأسماك والتى تدفعنا لاستيراد 100 ألف طن سنويا,وهذا الأمر غير مبرر بكل المقاييس فى ظل توفر المسطحات المائية فى البحار ونهر النيل والبحيرات. وتعود المشكلة إلى أن البلاد توقفت فى تطوير صناعة سفن الصيد، والتى يمكن أن تصل إلى عمق المياه الدولية بدلا من اضطرار سفن الصيد لخرق القوانين والصيد فى المياه الإقليمية لليبيا واليمن وإرتريا وغيرها بدون إذن مما يعرض الصيادين لمهانة الاعتقال والترحيل!

كذلك لابد من وقف جريمة ردم البحيرات الشمالية التى هى بطبيعتها مصائد نموذجية للأسماك لأنها مفتوحة على البحر المتوسط. وكذلك وقف إغراقها بمياه الصرف الصحى والزراعى التى لوثت مياهها وقللت من خيرها. كذلك فإن وقف تلويث مياه النيل بالصرف الصناعى والزراعى والصحى من شأنه أن يزيد الثروة السمكية به. وتكفى الإشارة إلى إهمال بحيرة ناصر العظمى التى تعد أكبر بحيرة صناعية فى العالم وتمتد بطول 500 كيلومتر منها 300كيلومتر داخل الأراضى المصرية والباقى فى السودان. وقد كشفت دراسات علمية أن الثروة السمكية فى هذه البحيرة تكفى احتياجات مصر الاستهلاكية بل وتوفر إمكانية للتصدير. والمعروف أن صيد الأسماك هو أفضل استثمار لهذه البحيرة، لأنه من المفترض عدم إقامة مدن أو قرى حولها حتى لا تتلوث المياه، فهذه البحيرة هى خزان مصر من نهر النيل فلابد من الحفاظ على نقائها البيئى.

وتتعامل الحكومة مع هذا القطاع الحيوى، وكأنها غير معنية به، بينما يتعين عليها تأسيس شركة عامة رائدة للصيد فى أعالى البحار، وبناء سفن متطورة للصيد، وتقديم الدعم عند الضرورة لتجمعات الصيادين حتى تقوم هذه الصناعة على أقدامها.

(14) الصناعة الطاقة الثروة المعدنية

فى إطار ما ذكرناه عن السقف المحدود للأرض الزراعية وقلة الموارد المائية، فإن الصناعة هى المخرج والمجال الأساسى للاندفاع فى عملية التنمية، وهى أداتنا الرئيسية للتوسع فى فراغ الصحراء (94% من أرض مصر) ببناء التجمعات السكنية والمدن حولها، وللقضاء على مشكلة البطالة المتصاعدة والتى بدأت تظهر انعكاساتها المخيفة فى مجال العلاقات الاجتماعية واتساع دائرة الجرائم الشخصية والعائلية، وارتفاع معدل الطلاق، وتحقيق معدل قياسى فى محاولات الانتحار (104 ألف محاولة فى العام الأخير وفقا للإحصاء الرسمى)، والهجرة غير الشرعية التى أدت لمقتل مئات الشباب، وتحويل ألوف مؤلفة من المصريين إلى شاردين فى أوروبا وبعض الدول العربية حيث يتم ترحيلهم بصورة مهينة يوميا، (ذكرت صحيفة الأهرام منذ عدة سنوات أن عددهم وصل إلى مليون فى إيطاليا وحدها، وأن 100 ألف منهم دخلوا السجون الإيطالية استعدادا لترحيلهم). والصناعة هى وسيلتنا الرئيسية لرفع مستوى المعيشة، وفتح إمكانيات التوسع فى التصدير لإصلاح حال ميزاننا التجارى.

وفوق كل ذلك فإن الصناعة هى صيحة العصر، ليس من الآن فحسب, بل منذ القرن التاسع عشر وما قبله قليلا، لذلك فإن الأمم التى لها مكانة فى العالم هى الأمم التى اقتحمت مجال الصناعة التحويلية فى مجالاتها المختلفة. ولا توجد دولة متقدمة فى العالم تمثل الزراعة النسبة الأكبر فى إنتاجها القومى. حقا لا تزال وستظل الزراعة قطاعا ضروريا وأساسيا للحضارة البشرية فهى أساس الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج، ولكنها مع تقدم الميكنة وأساليب الزراعة المتطورة لم تعد تحتاج نفس العدد من القوة البشرية، بل يظل هذا العدد مطلقا ونسبيا فى انخفاض مستمر، مع استمرار ارتفاع الإنتاج. وبالتالى فإن الصناعة هى القطاع الرائد فى كل الاقتصادات المتطورة والناشئة، لأنها هى التى تلبى الاحتياجات الاستهلاكية المتعاظمة، وتحقق أكبر قيمة مضافة، وهى أعلى الوسائل لتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية لإشباع حاجات الإنسان، وتطوير أحوال المعيشة، وتوفير وسائل القوة العسكرية، وهى أهم السبل لتحقيق وضمان الاستقلال الاقتصادى والسياسى. فالدول الصناعية هى التى تحكم العالم وليس من بين الدول المؤثرة ما يمكن أن توصف بأنها دولة زراعية. وبالتالى فإن دولة محورية كمصر فى إقليمها ومن ثم فى العالم لا يمكن أن تظل خارج السباق العالمى الصناعى إلا إذا كانت مجرد مستعمرة بائسة للولايات المتحدة كما هو الحال الآن. ولا يمكن لبلد محورى كمصر أن تكون السياحة هى عموده الفقرى الاقتصادى, فهذا قد يصلح لجزيرة من جزر المحيط الهادى، ولكن لا يمكن أن يصلح ليكون أساس اقتصاد دولة بوزن وأهمية ومكانة مصر، وهى كما ذكرنا فى البداية أهمية ومكانة لم نخترها ولكنها فرضت علينا بحكم الموقع والموضع والحضارة والتاريخ.

وقد ضربت نهضتنا الصناعية عدة مرات فى تاريخنا الحديث، بسبب تكالب القوى الاستعمارية الغربية علينا، وبسبب تولى حكام لا يدركون أهمية وقيمة مصر، وبسبب غياب المرجعية الإسلامية للحكم، هذه المرجعية التى تلزم المسلمين بالأخذ بأسباب القوة: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ). والآن لا توجد قوة اقتصادية أو عسكرية بدون صناعة.

ضربنا عندما لم نلتزم بالتوجيه القرآنى الذى جعل التنمية الصناعية جزءا لا يتجزأ من العقيدة! (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (الحديد: 25).

لقد ضربت النهضة الصناعية التى انطلقت فى عهد محمد على، وضربت النهضة الصناعية التى قادها طلعت حرب، ثم ضربت النهضة الصناعية فى عهد عبد الناصر. وقد شرحنا من قبل الأسباب التاريخية لتكالب القوى العظمى دائما على مصر، ولكن ذلك لا يبرر لنا الاستسلام، فلابد أن يقوم المارد من جديد ويحصن نفسه بالعدل وبالقوة العسكرية، ويحصن نفسه بعقيدة الإسلام، ويحصن نفسه بتوحيد قوى العرب والمسلمين. ومهمة جيلنا والأجيال القادمة أن تتمسك بهذا الحق المشروع، بل الواجب الوطنى والقومى والدينى، أن نكون أمة لها مكانتها التى تستحق بين الأمم، نحن لا نريد أن نهدد أحدا، ولا أن نتوسع، أو نفرض هيمنتنا على أمة من الأمم، ولكننا نريد أن نحفظ مكانتنا واستقلالنا وحقنا فى الدخول فى المباراة السلمية الحضارية التى خرجنا منها على يد حكامنا الحاليين.

فى الثلاثين عاما الأخيرة أدت التبعية للولايات المتحدة وأداتها (صندوق النقد الدولى) إلى تدمير القاعدة الصناعية التى شقيت الأمة فى بناءها فى عهدى طلعت حرب وعبد الناصر، فتم تفكيك وبيع القطاع العام للأجانب بأرخص الأسعار، ولم نكن أمام برنامج وطنى للخصخصة يستهدف تنشيط الاقتصاد وتحويل بعض المصانع لشركات خاصة وطنية أو عربية لرفع مستوى الأداء الاقتصادى. بل كانت عملية أقرب ما تكون للخيانة الوطنية منها إلى أى سياسة معتبرة، ولم يترافق مع هذه الخصخصة أى نهضة ملموسة للقطاع الصناعى الخاص. فالآن تكاد مصر تخرج من تعريف الدولة الصناعية رغم كل ما تمتلكه من خبرات وكفاءات فى المجال الصناعى، لأنها تعرضت للتقاعد أو التشتيت.

ولا تقوم السياسات الرسمية على أساس حفز وتشجيع القطاع الصناعى، بل اهتمت أساسا بحفز السياحة والأنشطة العقارية، وأعمال الاستيراد والسمسرة، وتصدير المواد الأولية وعلى رأسها البترول بدلا من توظيفها فى الاستثمار الصناعى المحلى. أما المصانع التى تنشأ فى المناطق الصناعية الجديدة فهى لا تخرج أساسا إلا عن:

1- إنتاج سلع استهلاكية وغذائية بسيطة، ولكن حتى فى هذا المجال هناك منافسة من شركات ومصانع أجنبية فى هذا المجال.

2- مصانع عبارة عن توكيلات لشركات أجنبية تقوم بالتركيب أو التجميع النهائى لمنتجها على أرض مصر، حتى تكون قريبة من السوق المصرى، ولتجنب الجمارك التى تفرض فى حالة استيراد السلع جاهزة الصنع من الخارج. وهذا النوع من الصناعات لا يشغل أعدادا كبيرة من العمالة، ولا يقدم للبلاد أى إضافة معرفية بالتكنولوجيا.

3- مصانع وطنية خارج السلع الغذائية والاستهلاكية البسيطة، ولكنها مشروعات متناثرة لا تأتى فى سياق خطة للنهضة الصناعية بحيث تتكامل المشروعات مع بعضها البعض.

وفى هذا الإطار فإن ما تبقى من مصانع القطاع العام أصبح أقرب إلى شواهد القبور أو نصب تذكارى على أنه كانت توجد صناعة وطنية فى مصر! فهذه المصانع إما تنتظر البيع فلا يوجد لديها حافز للتطوير، أو هى أصبحت خارج أى منظومة متكاملة للصناعة الوطنية بحيث أصبح إنتاجها وكأنه لا مبرر له، وأبرز مثال على ذلك مصانع الحديد والصلب فى حلوان التى تحقق خسائر كبرى وتحاول تعويض ذلك بالتصدير، فى حين أن مهمتها الرئيسية كانت تغذية الصناعات الأخرى باحتياجاتها من الحديد والصلب، ولكن هذه الصناعات الأخرى لم تعد موجودة أو هى الأخرى فى طريقها للبيع! ولا يمكن الحديث عن صناعة وطنية بالمعنى المفهوم للكلمة بدون وضع مؤسسى للبحث العلمى يحفز الباحثين على الابتكار وينمى مواهبهم بما يتلاءم مع احتياجات التنمية الصناعية، وتشير كل التجارب التنموية إلى ازدهار أشكال من التكنولوجيا المحلية التى تتلاءم مع البيئة وأنواع المواد الأولية المتوفرة والخبرات المختزنة لدى العاملين فى مجالات محددة، واحتضان براءات الاختراع إلى منتج تجارى. هذه الدائرة تكاد تكون متوقفة تماما فى مصر، باعتراف المسئولين ووزراء البحث العلمي. إن استيراد المصانع الجاهزة بأسلوب تسليم المفتاح، سياسة عفى عليها الزمن منذ عشرات السنين، فى البلدان النامية، ولا يستمر فيها إلا الكسالى الذين لا يملكون أى رؤية للتنمية المستقلة. وقد اعتمدت بعض التجارب التنموية فى آسيا على أسلوب مبتكر، حيث تعاقدت مع شركات أجنبية لتصنيع منتجاتها محليا بشرط نقل الخبرة التكنولوجية تدريجيا للاقتصاد الوطنى، وبحيث يتم الاستغناء تدريجيا عن الخبراء الأجانب، ثم تتحول الشركة إلى شركة وطنية تماما. أما نحن فعندما تعاقدنا مع شركة جنرال موتورز الأمريكية للسيارات كان ذلك بشرط وقف إنتاج السيارات فى مصانعنا الوطنية، وهذا ما حدث بالفعل، فى حين أن شركة جنرال موتورز لا تقوم إلا بعملية تركيب وتجميع الأجزاء الأساسية للسيارة، والتى تأتى جاهزة من الخارج.

وقد أدى الاعتماد على شركات ومصانع التوكيلات إلى تدمير الصناعة الوطنية فى عدد من المجالات الاستهلاكية البسيطة كأدوات التجميل والصابون ومعجون الأسنان وشفرات الحلاقة. كذلك تجرى أخطر عملية لإحلال شركات أجنبية محل الشركات الوطنية بالإضافة للاستيراد فى مجال الأدوية، وهو المجال الذى حققت فيه الصناعة الوطنية انجازات مبهرة فى الستينيات من القرن الماضى وحتى زمن الانفتاح. وهذا من أهم أسباب الارتفاع المستمر فى أسعار الدواء. كذلك فإن بيع صناعة الأسمنت بأكملها (80%) للأجانب أدى إلى سيطرتهم على هذه المادة الأساسية فى عملية البناء وارتفاع أسعارها، رغم أنها كانت تحقق أرباحا فى زمن القطاع العام. وهكذا أصبحت لدينا صناعة نحن الذين بنيناها بعرقنا، ولا تزال على أرض مصر، ولكننا لا نملك السيطرة عليها. (المعروف أن البلاد الغربية لديها سياسة بإقامة مشروعات الأسمنت فى الخارج لأنها صناعة ملوثة للبيئة!).

والمعروف أن الأمة التى تريد تطوير صناعتها فلابد أن تتخذ من التشريعات والقرارات ما يحفز المستثمرين على الاستثمار فى الصناعة، كتخفيض الضرائب فى المرحلة الأولى لبدايتها، وفرض نوع من الحماية الجمركية، ونشير هنا إلى أن اتفاقية التجارة العالمية لم تلغ حتى الآن الضرائب الجمركية، بل وتضع أسسا لاستمرارها تحت مسمى الإغراق أو عدم الجودة، وهذا ما تستغله الدول الصناعية الكبرى حتى الآن، وكذلك إعطاء ميزات تفضيلية للصناعة المحلية، ووضع قيود على الاستيراد فى حالة توفر البديل الوطنى. أما فى أوضاعنا الراهنة فإن (جمارك السلع التامة الصنع أقل من جمارك مستلزمات الإنتاج فى بعض الصناعات، وهو ما يعطى ميزة أكبر للاستيراد! كما أن خامات الصناعة يتم تصديرها بأسعار أقل مما تباع به للمنتجين المحليين. كما أن قرار رئيس الوزراء بتشجيع المنتج المحلى وإعطائه ميزة سعرية فى حدود 15% غير مفعل) (الفريق حمدى هيبة رئيس مجلس التعميق الصناعى، ورئيس الهيئة العربية للتصنيع).

وهذا يؤكده أيضا على فهمى الصعيدى وزير الكهرباء والصناعة الأسبق فيقول أن رئيس الوزراء فى عهده (2001) أنشأ لجنة للتصنيع المحلى ألزمت جميع الجهات الحكومية حينئذ بالحصول على موافقة منها قبل استيراد أى منتج من الخارج، للتأكد من عدم وجود مثيل له فى السوق المحلية، ولكن بشرط أن يكون مستوى جودة السوق المحلية مماثلا للسلعة المستوردة. فمن العيب أن أصرف على عامل فى الخارج بدلا من عامل فى مصر. لكن هذه الفكرة (لاحظ أنه قرار وليس فكرة!) سرعان ما تاهت وسط توجه الدول إلى تطبيق سياسة السوق الحرة.

ويضيف: يجب على الدولة تهيئة المناخ المحلى للمصنعين، فأنا لا أستطيع كدولة، نتيجة الالتزامات الدولية أن أوقف الاستيراد، ولكنى أستطيع كحكومة أن أوفر للصناعة المحلية مشتريا ومستهلكا مضمونا وهو الحكومة، أى أنها يجب أن تقوم بشراء جميع المنتج المحلى بشرط أن يكون بنفس الجودة (حديث لصحيفة الشروق). ونضيف لذلك أن ضمان التسويق للصناعة المحلية سيعطيها أرباحا طائلة تمكنها من رفع مستوى الجودة.

وبينما نحن فى هذا التراجع المخيف كان العالم يدخل مرحلة أسماها ما بعد الصناعة، وهى الصناعات القائمة على الآلية الكاملة التى تعتمد على الإنسان الآلى ثم الصناعات الالكترونية، وكل أشكال الصناعات المتطورة التى يطلق عليها الهاى تيكأى المشروعات ذات التقنية العالية. وقد برهن التطور الصناعى على دور الإنسان وأنه هو أساس التنمية ومحورها وليس عبئا عليها كما يقول الحكام فى دعايتهم لتحديد النسل، فرأينا دولا صغيرة وبدون ثروات طبيعية وفيرة تقتحم المجال الصناعى وتحقق فيه انجازات كبرى وتحقق معدلات التنمية (كاليابان وهى بحجم ولاية كاليفورنيا ولديها كثافة سكانية على رقعة أرض محدودة، وجزيرة سنغافورة، وماليزيا) إن الأمم التى تريد أن يكون لها مكان تحت الشمس فلابد أن يكون لها نصيب فى كعكة هذا التقدم العلمى الصناعى، والأساس فى ذلك الاستثمار فى الإنسان (التعليم) وهذا ما سنتناوله إن شاء الله فى حلقة قادمة.

وعلى هذه الخلفية فإن ملامح نهضتنا الصناعية تقوم على:

* القيام بعملية إنقاذ لما تبقى من المصانع التقليدية سواء فى القطاع العام أو الخاص وتقديم كل أشكال العون لها باعتبارها نواة الصناعة الوطنية التى سننطلق منها.

* ضرورة تكثيف البحث للانطلاق فى مواكبة الثورة التكنولوجية فى مجالات الصناعة المتقدمة، والبدء من حيث انتهى الآخرون، كما فعلت التجارب التنموية فى آسيا.

* تعميق عملية التصنيع بمعنى تصنيع الآلات مستلزمات الإنتاج وعدم الاسترخاء والاكتفاء باستيرادها من الخارج.

* الجمع بين مستويات تكنولوجية مختلفة بين المشروعات كثيفة العمالة، والمشروعات قليلة الكثافة والتى تعتمد أكثر على الأوتوميةأى على العمل الآلى، وذلك لمعالجة مشكلة البطالة.

* إعطاء أهمية قصوى للصناعات الصغيرة والمتوسطة مع دمجها فى المنظومة الصناعية ككل، وذلك بقيام بعضها بأجزاء من العملية الإنتاجية للصناعات الكبرى، وبقيام البعض بسد الاحتياجات الاستهلاكية فى بعض المجالات حتى تتفرغ الصناعات الكبرى لما هو أهم وأكبر تعقيدا (الصناعات الصغيرة تمثل 40% من الإنتاج الصناعى فى الهند وتشكل 35% من صادرات البلاد!).

* المهمة الأولى للصناعة التحويلية تلبية المطالب الضرورية للشعب قدر الإمكان، من غذاء وكساء ومواد للبناء وأدوية ومتطلبات الدفاع الوطنى. ولا يتنافى هذا مع مراعاة المزايا النسبية للاقتصاد المصرى، وميزة التخصص فى أفرع معينة تمكننا من زيادة التصدير.

* إعادة النظر فى أوضاع الاستثمار الأجنبى الصناعى القائم أو المحتمل على أساس دمج أنشطته قدر الإمكان فى الخطة الوطنية العامة للتصنيع، وإصدار التشريعات الملائمة التى تحقق ذلك.

* ولكى نحقق أعلى معدلات ممكنة من النمو الصناعى، ينبغى تقديم الحوافز والضمانات لأصحاب المدخرات والمنظمين، باعتبارهم رأس الحربة فى التنمية المنشودة، وبدون إخلال بمبدأ السيادة للاستثمار الفردى والملكية الفردية، فإن على الدولة أن تبادر إلى الاستثمار المباشر فى أية مشروعات ضرورية يتردد القطاع الخاص فى القيام بها.

* كما فى مختلف المجالات الأخرى، فإن التكامل والتنسيق مع البلاد العربية والإسلامية فى المجال الصناعى ضرورى لفائدة جميع الأطراف من أجل تحسين الإنتاجية وتوزيع الأدوار والتخصصات، وزيادة حجم التبادل التجارى، وتبادل الخبرات.

الطاقة والثروة المعدنية:

أصبحت الطاقة من أهم المسائل التى تشغل الأمم الجادة فى الحفاظ على عملية التنمية والازدهار الاقتصادى عموما، فهى المحركة للنشاط الصناعى والزراعى وكافة مناحى النشاط الإنسانى, وقد ازداد الانشغال بهذه القضية مع التقارير المتوالية عن بداية هبوط منحنى الإنتاج البترولى (الزيت الغاز) فى وقت قريب تقدره بعض التقارير الدولية بعام 2030 وقد أشرنا من قبل إلى جريمة الإسراف فى تصدير البترول حتى دخلت مصر فى البلدان المستوردة له. لذلك يتعين إقرار سياسة تقوم على أساس وقف تصديره, لإطالة أمد الاستفادة بالمخزون الوطنى, ولإقامة فرصة أكبر لتوفير البدائل التى تحتاج لجهد علمى وإنفاق استثمارات كبيرة فى هذه المجالات البديلة. ويتعين استخدام المخزون المتوفر من الزيت والغاز, فى نهضة صناعية شاملة, وأن تشكل الصادرات الصناعية وغيرها من المنتجات مصدرا أساسيا لزيادة الصادرات، تعويضا عن تصدير الخام البترولى, وهذا يعود بعائد أكبر بكثير على الاقتصاد, لأن المنتجات المصنعة أعلى سعرا وربحية من المواد الأولية كقاعدة عامة. وبطبيعة الحال لابد أن يكون خفض الصادرات البترولية تدريجيا حتى لا يحدث خلل مفاجىء كبير, فى الميزان التجارى, وفى نفس الوقت لابد أن تكون خطة التخفيض قصيرة المدى, لوقف جريمة استنزاف مواردنا المحدودة. وفى نفس الوقت لابد من تطوير إمكانياتنا الوطنية فى مجال البحث والتنقيب وكافة حلقات الإنتاج البترولى وصولا إلى التكرير, والتوقف عن قبول الشروط المجحفة للشركات البريطانية والأمريكية, وفى المقابل يمكن الاستعانة بخبرات صينية وماليزية حتى نمتلك القدرة والخبرة على الإنتاج بإمكانياتنا وخبراتنا الوطنية وهى ليست بالقليلة, وقد بدأنا العمل فى هذا المجال منذ عقود من السنين.

اتجاه عشرات الدول إلى إنتاج الطاقة النووية لتوليد الكهرباء لم يكن من قبيل الترف, بل لأنها لا تمتلك موارد بترولية, أو تخشى تناقصها ولذلك أصبحت المفاعلات النووية المصدر الثانى للطاقة بعد البترول وهى تغطى 80% من احتياجات فرنسا, كما يتزايد اعتماد اليابان عليها, ورغم أن تكلفة بناء المفاعل كبيرة إلا أن تكلفة بنائها ليست كبيرة على المدى الطويل لأن عمر المفاعل 60 سنة وتقدم طاقة نظيفة, مع مراعاة إجراءات الأمان التى شهدت تطورا كبيرا. وكما قال أحد الخبراء العالميين فإن مصر متأخرة فى هذا المجال ستين عاما, وفرطت فى كوادرها العلمية بسبب عدم وجود مشروعات نووية, وهو الأمر الذى أدى لهجرات متوالية للعلماء والمتخصصين رغم أننا بدأنا فى الخمسينيات من القرن الماضى دخول هذا المجال, وكنا متقاربين من حيث المستوى العلمى التقنى مع إسرائيل. وتوقفنا عند مفاعل أنشاص للأبحاث وهو مفاعل عفى عليه الزمن, ثم أضفنا مفاعل أرجنتينى صغير للأبحاث أيضا. وتم وقف مشروع مفاعل الضبعة لأكثر من عشرين عاما, وعندما أعلنت الحكومة عن سياسة إنشاء المفاعلات عام 2006 لم تفعل شيئا حتى عام 2010, وهذا وقت ثمين ضائع لأن بناء المفاعل يحتاج إلى 10-15 سنة, ويحتاج الأمر إلى إعادة تنشيط وتهيئة العلماء وتدريب الكوادر المتخصصة. إلا أن أخطر ما فى الأمر أن المشروع النووى المقترح يقوم على أساس استيراد الوقود النووى دون اللجوء لتخصيب اليورانيوم على أرض مصر, وإذا قام المشروع النووى على ذلك فستكون كارثة محققة, لأن الوقود النووى (القائم على تخصيب اليورانيوم) هو روح المفاعل النووى, فإذا كان مستوردا من الخارج, فإن ذلك يضع مصر تحت رحمة القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة, لأن المفاعل النووى بدون وقود يتحول إلى مبنى لا قيمة له. وإذا حدث ذلك فستكون كهرباء مصر وطاقتها مرتبطة بقرار أمريكى, وهو أمر لا مثيل له فى التاريخ, لأن البترول كان يمكن استيراده من دول عربية صديقة عربية أو إسلامية أو لاتينية، ولكن الوقود النووى لا يوجد له سوق عالمى يمكن شراؤه منه, ولا تزال أمريكا ودول الغرب تتحكم فيه. وهذا هو جوهر الأزمة مع إيران التى تريد تخصيب اليورانيوم محليا وهو أمر يتفق مع المعاهدات الدولية. لذلك فإن من مصلحة مصر الوطنية أن تقف بقوة مع الموقف الإيرانى, لأنه يتعين عليها أن تسير فى طريق إيران إذا كانت تريد الحفاظ على استقلالها فى مجال الطاقة, ولا استقلال بدون مصادر مضمونة ووطنية للطاقة. بل ستكون مسألة الوقود النووى هى أداة الاستعباد الحديثة للأمم المستضعفة.

ولكن بالتوازى مع اقتحام مجال الطاقة النووية التى تقدم كميات وفيرة من الطاقة وتم اختبارها فى عشرات الدول, لابد من اقتحام مجالات الطاقة البديلة التى لم تعد مجرد أفكار فى مجال الأبحاث, بل بدأت الأمم المتقدمة شرقا وغربا فى استخدام الرياح كمصدر للطاقة, واستخدام الطاقة الشمسية على نحو متسارع, ونحن أكثر البلاد المهيئة لاستغلال الطاقة الشمسية لتوفرها فى بلادنا, وهى طاقة نظيفة ورخيصة. كذلك يجب إعادة دراسة مشروع منخفض القطارة الذى يمكن أن يشكل مصدرا كبيرا لتوليد الكهرباء بأسلوب المساقط المائية.

(ملاحظة: من أهم علامات تفوق الصين على الولايات المتحدة الآن أنها تنفق استثمارات أكبر فى مجال الطاقة البديلة).

وإهمال الطاقة الشمسية فى مصر أمر بالغ الغرابة لأن مصر من أكثر بلاد العالم تمتعا بالشمس فهى تتمتع بأشعة شمس مباشرة أكثر من 300 يوم فى السنة, ووفقا لتقديرات العلماء فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تغطى 20% من احتياجات الطاقة فى بلادنا على الأقل.

والشائع أن الطاقة الشمسية ممكنة للاستهلاك المنزلى, وإن صح ذلك فهذا ليس بالشىء القليل لأن 40% من استهلاك الطاقة فى مصر فى الاستخدام المنزلى، فى حين لا تستهلك الصناعة سوى 32%, ومع ذلك فإن الواقع قد تجاوز ذلك لأن الطاقة الشمسية تستخدم الآن فى مجالات أوسع من الاستهلاك المنزلى, فهى تستخدم الآن مثلا فى إنارة الشوارع فى ألمانيا وعالم مصرى وراء ذلك! كما أن السخانات الشمسية يمكن تصنيعها محليا وبأسعار زهيدة تصل إلى 1500 جنيه للمنزل الواحد ثم بعد ذلك تصبح الطاقة مجانا طول العمر، إلا من بعض الصيانة. وقد تم استخدام 200 ألف سخان شمسى منذ إنشاء المدن الجديدة فى أواخر عهد السادات, ولكن بمجرد ظهور بعض المشكلات الفنية البسيطة تم هجر هذه السخانات, بل وتم هجر هذا المجال كله بدلا من مواجهة هذه المشكلات، بينما تحولت الطاقة الشمسية إلى صيحة العصر فى العديد من دول العالم وبدأت تسد جزءا مقدرا من احتياجاتها للطاقة.

وقبل الطاقة الشمسية استخدمت البلاد الأسيوية الناهضة البيوجازأى الطاقة المولدة من روث الحيوانات ومخلفات الإنسان فى القرى التى تنتج غاز الميثان للاستعمالات المنزلية. وفى سنوات السبعينيات من القرن العشرين كانت الهند تحرق نحو ثلث مليار طن من روث البقر سنويا مما غطى أكثر من نصف الاحتياجات المنزلية من الوقود. ثم انتقل الأمر إلى نطاق أوسع من خلال مصانع كبرى لإنتاج كل من السماد العضوى ووقود المنازل. كما توسعت هذه التجربة فى الصين فى ذلك الوقت حتى تم إنشاء 5 ملايين مصنع لإنتاج البيوجاز والسماد. (العالم الثالث غدا بول هاريسون الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2001).

أما القمامة (التى نحتار فيها) فهى بدورها مصدر لتوليد الطاقة، حيث ظهرت فى الولايات المتحدة مصانع تعتمد فى استهلاكها للطاقة على استخدام غاز الميثان المنبعث من مقالب القمامة.

وهكذا فان الأمم الجادة فى التنمية, والمصرة على الاكتفاء محليا من الطاقة تسعى فى كل المجالات ولا تنتظر يوم نضوب البترول (زيت وغاز) ولا تريد أن تعتمد على الطاقة النووية فحسب, بل تنوع من مصادر الطاقة النظيفة والرخيصة والمتجددة بحيث لا تتعرض لمخاطر النضوب .

كما ظهر مصدر جديد للطاقة من المحاصيل الزراعية كالذرة والسكر والتى تولد مادة الإيثانول, والبرازيل تستخدم هذا المصدر على نطاق واسع لإنتاج البنزين. وهذا الاتجاه خطر لأنه يؤدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية, ويؤدى إلى زيادة الفجوة الغذائية فى العالم, لذلك هناك اتجاه لزراعة أنواع أخرى من النباتات غير الغذائية التى يمكن توليد الطاقة منها, ومن مزايا هذه النباتات أنها يمكن أن تزرع فى الصحراء وتروى من مياه البحر, وهى مناسبة جدا لظروف مصر.

رحمة الله واسعة, وخزائن الأرض لا تنفد من خيرات الله, والحضارة البشرية لن تندثر بسبب زيادة السكان كما تصور مالتوس, ولا من تآكل الموارد, ولكن الخطر الرئيسى على البشرية من الظلم والاستكبار والاستئثار.. أما نحن فى مصر فنعانى فى موضوع الطاقة كغيرها من الموضوعات من حالة الشلل والكسل والعجز فى التدبير والبحث والحركة بسبب شيخوخة النظام. واقتحام كل هذه المجالات التى تبدو جديدة علينا, وهى ليست جديدة كلها فالفلاح كان يستخدم (الجِلة) كسماد وكوقود, اقتحام هذه المجالات بصورة علمية وتطبيقها بصورة شاملة فى مختلف أنحاء البلاد, تحتاج لعزيمة وإصرار وجهد وكل هذه خصائص غير متوفرة فى حكام لم يتعلموا سوى فنون السمسرة والمتاجرة فى أراضى الدولة, وإدارة توكيلات الشركات الأجنبية, وتصدير خام البترول (زيت وغاز). أما بالنسبة للثروات المعدنية فإن توفيرها من عدمه لا يؤثر على مشروعات التنمية الصناعية, لأنه يمكن استيرادها بسهولة نسبية من الأسواق العالمية (تجربة اليابان), ولكن لا شك أن توفرها بالداخل يعطى ميزة اقتصادية فى توفير النفقات, وضمان التدفق. ومن الواضح أن النظام الحاكم لا يعطى لهذا المجال أى أولوية أو اهتمام رغم أهميته, ومسألة الثروة المعدنية ملحقة بوزارة البترول التى تنشغل بنسبة 95% بمسائل البترول. ولا توجد حتى الآن خريطة جيولوجية موثوق بها لحجم ونوعية الثروات المعدنية فى بلادنا, لعدم الاستخدام الأمثل لعمليات الاستشعار عن بعد, وعدم وجود برنامج من الأقمار الصناعية للقيام بهذا الاستكشاف, وقد أصبحت الأقمار الصناعية الوسيلة الرئيسية فى هذا المجال. وهذا يشير إلى ضرورة اقتحام هذا المجال بقوة: أى تصنيع الأقمار الصناعية محليا, ولدينا الكفاءات القادرة على ذلك, ولكننا لم نؤسس بعد مؤسسة لعلوم الفضاء. ونكتفى بشراء الأقمار بطريقة تسليم المفتاح وبعد فقدان القمر إيجيبت 1 من إنتاج أوكرانيا فإنه لا يوجد الآن أى قمر صناعى يقوم بدور المسح الجيولوجى لأراضى مصر.

كانت خطة العلماء المصريين بريادة د. بهى الدين عرجون (ويشرفنا أنه كان عضوا بحزب العمل) أن يتعلم علماؤنا من الأوكرانيين تقنيات تصنيع القمر الصناعى وقطعوا شوطا لا بأس به, ولكن الدولة لم تقرر أى تمويل لصناعة القمر الصناعى ايجيبت 2, للاستشعار عن بعد, وكان من المفترض أن يلحق بالأول قبل انتهاء عمره الافتراضى (3 سنوات), ولم يصدر قرار بإنشاء هيئة لعلوم الفضاء حتى الآن, وهو الأمر الذى أدى إلى تسرب العلماء والخبراء إلى أعمال أخرى. وعدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر.

(راجع كتابى: هموم الأمة, فى الفصل الخاص بتاريخ مصر المعاصر فى محاولة دخول عصر الفضاء).

ملاحظة: لا يوجد فى منطقتنا من يصنع الأقمار الصناعية ويطلقها بإمكانياته الذاتية ويتابعها إلا إسرائيل وإيران!

(15) العدالة الاجتماعية.. ومظالم عهد مبارك

العدالة اجتماعية ركن ركين فى الرؤية الإسلامية، والله يأمرنا بالعدل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ),ولعلكم لاحظتم أن العدالة بشقيها: السياسى والاجتماعى دخلت فى العديد من الموضوعات السابقة، فالتنمية لا قيمة لها إذا لم تقترن بالعدل، وقد ورد هذا المعنى مرارا فى تناولنا السابق لطبيعة الملكية، وفى دور الزكاة، وفى أولوية إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، كما سترد فى المسائل القادمة حين نتناول الصحة والتعليم وغيرهما من المجالات، كما أن الشورى أساس العدل السياسى. وكذلك استقلال السلطة القضائية,فالعدالة عموما والعدالة الاجتماعية خصوصا تصبغان كل شىء فى الرؤية الإسلامية حتى وُصف بها الحاكم والشاهد، بل هى صفة يتعين على المؤمنين أن يتحلوا بها فى كل أعمالهم وقراراتهم العامة والخاصة. وهى اسم من أسماء الله الحسنى (العدل). وكما قلنا لمحبى الحرية من المؤمنين (الليبراليين) ستجدون ضالتكم فى الإسلام، نقول أيضا لمحبى العدالة الاجتماعية من أصحاب المدارس الاشتراكية ستجدون ضالتكم فى الإسلام. فقد قامت النزعات والمذاهب الاشتراكية المتنوعة على أساس قيمة إنسانية أصيلة,وهى رفض استغلال إنسان لأخيه الإنسان، وأن البشر متساوون ولا يجوز أن يستعلى أحد على أحد,ولا أن تتكالب قلة على الثروات وتحرم الأغلبية منها,وهؤلاء فى الإسلام هم المستكبرون والفاسدون والمترفون، وأن الغاية الإنسانية الفاضلة أن يتعامل الناس بمكيال واحد، ولا يحكمهم إلا قانون تكافؤ الفرص. وهذه قيمة أصيلة فى الإسلام فـ (كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربى على أعجمى ولا أبيض على أسود أو أحمر إلا بالتقوى) حديث, (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13),فلا يعترف الإسلام بنقاء عرق على عرق، ولا علو قومية على قومية، ولا علو الحكام على المحكومين، ولا رأسماليين على عمال، ولا أى فئة من الناس على باقى الناس,بل أعلى الإسلام من شأن المستضعفين,ورفعهم فوق بعض الأغنياء وأصحاب المال والأعمال، ووعد بنصرهم. لكنه لم يأخذ موقفا طبقيامن الأغنياء، وفتح لهم باب الرحمة إن هم أخذوا المال بحقه وأنفقوه بحقه، ولكنه حذرهم من فتنة المال. فكل الناس معرضون للفتنة ولكن الأغنياء معرضون لفتنة إضافية: هى فتنة المال والشعور بالاستغناء: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) (الجن: 16-17), (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15),وقد كان من الأنبياء من يعمل خياطا كإدريس (رواية لابن عباس فى تفسير ابن كثير),ونوح تحول بوحى من الله ليعمل نجارا وبناءا للسفن، وإن كنا لا ندرى ما مهنته الأصلية. وموسى رعى الأغنام ما بين 8 إلى 10 سنوات فى مدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) الشيخان. وداود لم يكن (يأكل إلا من عمل يده) حديث بالبخارى. وكان زكريا نجارا (حديث مسلم وابن ماجه) وابنه يحيى كان إذن ابن نجار وكان ابن خالة عيسى ابن مريم,وزكريا النجار هو الذى كفل مريم.

وكان أغلب أنصار الأنبياء من المستضعفين,لذلك كانت حجة المعاندين المترفين تبدو وجيهة بالنسبة لهم: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) (الشعراء: 111),أى كيف نتبعك يا نوح ونحن نرى أتباعك من سفلة الناس وأقلهم جاها ومالا. فيرد عليهم نوح: (قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الشعراء: 112) أى أى شىء أعلمنى ما هم عليه من قلة الجاه والمال؟! إنما أطلب منهم الإيمان دون تعرض لمعرفة صناعاتهم وأعمالهم. طبعا هو يعرف ولكن يقول أن هذا الأمر لا يهمنى لأنه ليس بيت القصيد فهو يبحث عن إيمانهم بالله، ولا يشغله أصلهم الطبقى. ثم يؤكد أنه متمسكا بهم: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 114),أى سأظل متمسكا بالذين يؤمنون بدعوتى مهما كان حالهم من فقر أو غنى، تلبية لرغبتكم كى تؤمنوا بى.

وفى موضع آخر يقول المعاندون لنوح إن كل أتباعك وليس معظمهم من الطبقة الدنيا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِى الرَّأْيِ) (هود: 27),وكان ذلك هو أيضا موقف كبراء ثمود من صالح حيث أخذوا يقرعون أتباعه المستضعفين: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِى آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الأعراف: 75-76). كذلك كان المحاربون لشعيب هم كبراء مدين: (وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ) (الأعراف: 90),والملأ هم علية القوم. وكان ذلك موقف زعماء وكبراء عاد من هود: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ) (الأعراف: 66),والسفاهة هى خفة العقل! وكان الذين تصدوا لدعوة محمد عليه الصلاة والسلام هم كبراء مكة: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (ص: 5-6).

وكان فرعون وكبار معاونيه هم أعداء دعوة موسى، ولم يكن معه إلا مستضعفى بنى إسرائيل. وكان أنصار المسيح ابن مريم من الفقراء والمساكين، وكان حواريوه من صيادى السمك فى أغلبهم كما تقول الروايات وكان مرقس الذى تنسب إليه الكنيسة الأرثوذكسية المصرية اسكافيا.

والذى نستنتجه من كل ذلك أننا أمام قانون اجتماعى (سنة من سنن الله)، أن أصحاب السلطة والجاه والمال، هم الذين تصدروا لمعاداة دعوة الأنبياء، وسيظلون هم قادة المعسكر المعادى لحركات الإصلاح والمصلحين من بعد الأنبياء: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف: 23) فهؤلاء بامتلاكهم السلطان السياسى والاقتصادى,وبما يتمتعون به من مزايا وامتيازات,وحيث تنفتح أمامهم من مواقعهم فرصة الاغتراف من ملذات وشهوات الحياة الدنيا الحسية والمعنوية، يعز عليهم التفريط فيها، بل يحاربون حتى الموت للاحتفاظ بها ويسعون لتصفية الحركات الإصلاحية. ودعوة الدين هى أعمق أساس للمساواة بين البشر، فهى قائمة على أساس أن الملك لله، وأن البشر أمامه سواء ولا يحاسبهم إلا على أعمالهم دون النظر لمركزهم الاجتماعى!! فما قيمة أى مركز اجتماعى أو سياسى أمام قدرة الله وجبروته عز وجل. وما كل ما يستكبرون به على الناس من ثروة وأدوات قوة إلا من صنع الله.ولو اقتصر الأمر على التهديد بالحساب الآخروى لهان الأمر على المستكبرين,ولكن مشكلةالدين أنه يأمرهم بأعمال محددة فى الدنيا، وينهاهم عن أعمال أخرى، وهذا تقييد للحرية غير مقبول!! ولا يمكن أن يكون صحيحا: (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (الأعراف: 66)!! لذلك يقول كبراء مدين لشعيب متعجبين مستنكرين: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87) أى يا شعيب المعروف عنك الحلم والرشد تريد أن نمتنع عن التصرف فى أموالنا كما نريد مما نرى فيه مصلحتنا؟! أى لو كان الأمر اقتصر على الدعوة لدين جديد فلربما كان الأمر محتملا,أما أن تدعى أن هذا الدين يتدخل فى تصرفاتنا المالية فهذا ما لا يمكن احتماله وتصوره. فدين الله ليس مجرد خلاف فى أداء الشعائر رغم أهمية ذلك، ولكنه يضع أسسا جديدة عادلة فى شئون المجتمع بما فى ذلك النواحى الاقتصادية والمالية. وقد دعا أنبياء الله إلى الزكاة كما ورد فى القرآن الكريم,ولكنه لم يحدد لنا كيفية أدائها, لأنه وضع لنا الصورة النهائية مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم, فى آيات محددة بالإضافة لمزيد من التفصيل فى السنة.

والأمر لا يقتصر على الزكاة,بل يرى المستكبرون أن دين الله يضع دستور لحركة بنى البشر فى مختلف المجالات, وأن هذا الدستور يسرى على الملك والصعلوك، على الوزير والغفير, على الكبير والصغير، على المرأة والرجل.. إلخ,بينما بدون هذا الدين، فإن سلطانهم لا يحده حدود، ولا تقيده قيود، وهم المرجعية فى كل شىء، وهم الذين يحددون الصواب والخطأ، وما يجوز وما لا يجوز. والهوى والقدرة والاستطاعة التى لديهم هى التى تحدد كل شىء فى تصرفاتهم. وبالتالى فإن هذا الدين يحد من سلطتهم السياسية ويجعل فوقهم سلطة أعلى من المرجعية الدينية، وسلطتهم المالية أيضا توضع تحت ذات المظلة، ويتم كبح رغباتهم فى الاستمتاع إلى أقصى حد من متاع الحياة الدنيا.

وبالتالى فإن هذا الدين ينتقص من سلطانهم ومكانتهم وثرواتهم بالمعايير الدنيوية,فلا يقبلون عليه بل يحاربونه,ولديهم من الأدوات والإمكانيات ما يغريهم بذلك، وما ينطبق على مرحلة الأنبياء يظل ساريا كقانون فى مرحلة ما بعد الأنبياء، ولكن قلة من هذه الطبقات كانت تستجيب لدعوة النبوة وما تتضمنه من عدالة بفعل نور الإيمان الذى يتسلل إلى قلوبهم ثم يغمرها,وحدث هذا بصورة أكبر فى عهد النبوة الأخيرة (راجع الفصل الأخير من دراسة سنن التغيير فى السيرة النبوية) وفى حالة إقامة الدين أى إقامة الدولة الإسلامية فإن القوانين تعمل مكملة للوازع الدينى لضمان إقامة العدل كما أشرنا من قبل.

أما المستضعفون فيكون الطريق ممهدا لهم لقبول الخيار الإيمانى، فهم لن يخسروا إلا قيودهم,فدين الله يحررهم من الأسر، وينصفهم، ويجعلهم فى مكانة متساوية مع الكبراء فى الدنيا قبل الآخرة، وهم الذين ذاقوا مرارة الظلم واكتووا به، وهكذا يكونون متحررين من العوائق والفتن التى تحول بينهم وبين دين الله. ولكن يظلون يعانون من فتنة الخوف من بطش الحكام، يظل فريق منهم يعلى من شأن خشية المترفين. ستظل إذا قوة الإيمان هى الفيصل، ولكن كقاعدة عامة وبأى إحصاء بسيط فإن الداخلين فى دين الله من المستضعفين سيظل أكثر بكثير من المتحررين من الطبقة المترفة، ليس لأنهم يشكلون معظم السكان فحسب,ولكن حتى إذا أخذنا بالنسبة المئوية لكل طائفة، تظل نسبة الداخلين فى دين الله من المستضعفين بالنسبة لعددهم الكلى، أكبر من الداخلين فى دين الله من طبقة الأثرياء بالنسبة لعددهم الكلى. ولكن الواحد من الأثرياء والكبراء بألف لأنه ضحى من أجل إيمانه بأشياء كثيرة (نموذج امرأة فرعون).

وقد عبر القرآن عن تحالف السلطة السياسية والأمنية والمالية بقصة فرعون وهامان وقارون (راجع سورة القصص). لذلك نجد أن إقامة الدين (ويمكن أن تقرأها إقامة العدل) تكون أساسا لمصلحة المظلومين، الذين يعيدهم الإسلام إلى ما نسميه الآن (المواطنة الكاملة) ولذلك وعدهم الله بالنصر والتمكين إذا هم جاهدوا فى الله حق جهاده: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَنُرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: 5-6), (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا) (الأعراف: 137).

والعدل هو سمة الإسلام، حيث يتنافر الإيمان مع الظلم، حتى كاد القرآن كريم يسوى بين الكفر والظلم (الظلم هو الجريمة الثانية فى القرآن بعد الكفر من حيث عدد الورود) ففى آيات كثيرة وصف القرآن الكفار بأنهم ظالمون. وجاء فى الحديث القدسى: (لقد حرمت الظلم على نفسى فلا تظالموا).

ويقول القرآن على لسان سيدنا محمد: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى: 15). والله يأمر بالعدل حتى مع الذين يبغضون الإسلام: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8), (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).

ولكن الإسلام لا يصل مع الأغنياء إلى الحد الذى ورد فى الأناجيل المعاصرة من أن الغنى لا يدخل الجنة حتى يدخل الجمل من سم الخياط (أى من ثقب الإبرة!) ولعل هذه صيغة بلاغية لصعوبة دخول الجنة بالنسبة للأغنياء، وليس إلى استحالتها. فلا يوجد فى الإسلام ما تسميه الماركسية موقفا طبقيا من الأغنياء (الرأسماليين أو البورجوازية) بحيث يتم تجريمهم لمجرد وضعهم الطبقى. فالإيمان فى الإسلام هو الفيصل فى تقييم البشر، لأن الإيمان يُعدل من سلوك الجميع بعد أن يدخلوا فيه، فلا يظل الأغنياء على استغلالهم وتقتيرهم وأثرتهم واستعلائهم. ولكن الإسلام يوضح حرج موقفهم كما ذكرنا (فتنة المال والسيطرة)، ويحذرهم وينبههم لهذا الخطر الإضافى الذى لا يعانى منه المستضعفون. وفى نفس الوقت فإن النظام الإسلامى يقدر دور أصحاب المال والأعمال فى التنمية، فهم فئة المبادرين والمنظمين الذين لا غنى عنهم فى الاقتصاد,ولكنه يضع القواعد التى تحكم عملهم بحيث لا يظلمون ولا يُظلمون.

وانعكاس العدل فى جانبه الاقتصادى والاجتماعى له ضوابطه المادية فى الإسلام بحيث لا يترك هذا الموضوع الخطير للضمير، رغم أن التقوى هى أساس كل شىء فى الإصلاح، ولكن إذا لم يتق الأغنياء الله فإن القانون (الشريعة) يتدخل لإحقاق الحق. وقد تحدثنا عن الزكاة، وعن الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، وعن التنمية التى تستهدف إشباع الحاجات الرئيسية للشعب. ونضيف إلى ذلك عددا من المبادىء العامة والقواعد التى تضمن استقرار العدالة الاجتماعية.

وقد تحاورت مع مجموعة من الأوروبيين من مجموعات السلام واليسار الجديد حول العدالة الاجتماعية فى الإسلام,ووجدت منهم تجاوبا كبيرا (راجع الحوار باللغة الإنجليزية على موقع العمل). ولكى أقرب لهم المفهوم الإسلامى فى العدالة الاجتماعية، قلت لهم إنه أقرب ما يكون لمدرسة الاشتراكية الديمقراطية فى أوروبا، التى ظهرت فى أوائل القرن العشرين وحاربها لينين زعيم الثورة الروسية بضراوة، ورغم أن لينين يبدو أنه انتصر فى المدى القريب بنجاح الثورة البلشفية فى روسيا وتمدد نموذجها فى شرق أوروبا إلا أن الاشتراكية الديمقراطية انتصرت على المدى الأطول. وقد قامت هذه المدرسة على فكرة تهذيب وتشذيب الرأسمالية بمحاولة معالجة عيوبها الصارخة، بالتركيز على إصلاح أحوال العاملين وتقديم كافة أشكال الضمان الاجتماعى والصحى لهم، وأيضا على القبول بالتوسع فى مجال القطاع العام وفقا لاحتياجات المجتمع، وزيادة تدخل الدولة فى الشئون الاقتصادية لتحقيق التوازن ومواجهة الأزمات، بالإضافة للمسئولية الأساسية عن الخدمات. وهكذا تحول التعليم والصحة إلى مرافق مجانية,وفى البلاد الاسكندنافية شمال أوروبا أكمل تطبيق لهذه المدرسة.

ووجه التشابه مع الرؤية الإسلامية أن الإسلام لا يسعى إلى تأميم ومصادرة الملكيات الخاصة، ولكنه فى المقابل يأخذ من الأغنياء حقا معلوما للفقراء، وأن الزكاة إذا لم تكف جاز للدولة أن تأخذ أكثر منها لرفع المستوى المعيشى لعامة الناس، وقد رأينا فى الزكاة نظاما متكاملا للضمان الاجتماعى والصحى، كما كان لكل مولود فى الإسلام مرتب من بيت المال، كما يحدث الآن فى بعض البلاد الأوروبية وكندا.

إن الفكر الاقتصادى الإسلامى تواضع على ضرورة توفر حد الكفاف كمرحلة أولى,وهو الحد الأدنى من المأكل والمشرب والمأوى والذى بدونه لا يستطيع المرء أن يعيش، فهو غير قابل للنقصان,وبمجرد توفر ذلك يتم الاستهداف الفورى لحد الكفاية أو حد الغنى، أو ما يسمى فى العصر الحديث الرفاهية الاقتصادية، أى الانتقال مما سماه الفقهاء: الضروريات إلى الحاجيات ثم التحسينات، أى الرفع العام لمستوى المعيشة. يقول عمر بن الخطاب: (إذا أعطيتم فاغنوا) ويقول على ابن أبى طالب: (أن الله فرض على الأغنياء فى أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم). ويقول الماوردى: (فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى).ويقول السرخسى: (وعلى الإمام أن يتق الله فى صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرا إلا أعطاه من الصدقات حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين بعد نفاد الصدقات أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت المال) (السرخسى المبسوط).

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم : (من ترك دينا أو ضياعا أى أولادا صغارا ضائعين لا مالا لهم فإلى وعلىّّ),وأيضا: ( كاد الفقر أن يكون كفرا).

ومن المبادىء الأساسية التى يمكن تحويلها بسهولة إلى قوانين صارمة: منع كنز المال أو حبسه عن التداول والإنتاج: (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7), (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: 34).التدخل فى التسعير إذا اقتضت الضرورة، كوجود غش متعمد، أو إخفاء للسلع بهدف رفع أسعارها.منع الاحتكار (من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطىء) حديث بمسلم وأبى داود والترمذى.

والمجتمع المسلم لا يسمح بوجود جائع واحد,وإلا فإن الحاكم له صلاحيات فى اتخاذ مزيد من التدابير مع الأغنياء (إذا بات مؤمنا جائعا فلا مال لأحد) حديث أخرجه أبو داود. وتدخل الدولة لحفظ التوازن الاقتصادى عندما يحدث خلل بين أفراد المجتمع من الأمور الثابتة فى الإسلام، فبعد الهجرة من مكة إلى المدينة كان وضع المهاجرين بائسا إذ تركوا أموالهم فى مكة بينما الأنصار مستقرون فى المدينة وأساس ثروتهم الزراعة، ولبعضهم أراضى واسعة، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم منع تأجير الأراضى الزراعية: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يؤاجرها إياه) رواه أبو داود. وقد أخذ بعض الفقهاء لذلك أساسا لتحريم تأجير الأرض الزراعية عموما,وهذا غير صحيح، لأن هذا كان قرارا سياسيا لمعالجة وضع مؤقت اتخذه رسول الله كحاكم وليس قاعدة دينية ثابتة، ذلك أنه بعد استقرار أحوال المهاجرين وتحسن أوضاعهم المادية أجاز الرسول تأجير الأراضى الزراعية.

ورغم أننا نقصر حديثنا وأدلتنا على القرآن والسنة باعتبارهما أساس التشريع والثوابت، ولكن فى الفقه الإسلامى متسعا كبيرا لاجتهادات الصحابة والتابعين وما بعدهم من الفقهاء فى إثراء الفكر الإسلامى الاقتصادى,وهذا مجال لدراسات أخرى بإذن الله,خاصة وأن هذه الاجتهادات يؤخذ منها ويرد على أساس أنها كانت تطبيقات لوقائع متجددة، وقد يصلح بعضها أو لا يصلح لعصرنا الحديث. ولكن من المهم الإشارة فى هذا المقام إلى القرار المهم الذى حظى بالإجماع بعد مناقشات معمقة بين الصحابة حول التصرف فى الأراضى الزراعية فى العراق والشام، حيث أجمع الصحابة بعد الشورى على الأخذ برأى عمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى طالب بعدم اعتبار هذه الأراضى من الغنائم حتى لا تستأثر أقلية بثروة كبيرة، وأن يتم اقتصار الغنائم على المنقولات بخلاف الأمر فى العقارات والأموال الكبيرة كالأراضى المفتوحة فتكون وقفا على المسلمين جميعا أى ملكية عامة للدولة لا ملكية خاصة للمحاربين، وأن تبقى فى يد أصحابها الأصليين على أساس حق الانتفاع مقابل دفع خراج لبيت المال أى أجرة الأرض (ابن الجوزى سيرة عمر بن الخطاب وأيضا المدخل إلى الاقتصاد الإسلامى د. محمد شوقى الفنجرى). وقد كان لهذا الرأى الذى تحول إلى سياسة دور كبير فى إحقاق العدالة الاجتماعية، وعدم نزع الأراضى من أصحابها رغم أنهم لم يدخلوا الإسلام، وعدم استئثار فئة ضئيلة (المحاربين) بأراضى زراعية شاسعة، وفى نفس الوقت استفاد المسلمون بكل أجيالهم من الخراج الذى يحدد على أساس عادل (خصوبة الأرض وإنتاجها الفعلى ووسائل ريها)، فهذا الخراج كان يدخل الخزانة العامة ليعاد إنفاقه فى مصلحة عموم المسلمين ومواطنى الدولة الإسلامية، وقد طبقت هذه القاعدة عند فتح مصر.وسنجد فى كثير من الآيات القرآنية قواعد ومبادىء عامة يمكن بسهولة تحويلها إلى قوانين نافذة، فهى لا تتوقف عند الوعظ العام ومخاطبة ضمير المؤمنين رغم أن ذلك هو الأساس الذى يعول عليه النظام الإسلامى وسنظل نذكر بذلك، ولكنها لا تتوقف عند الوازع الدينى وتأمر الحكام بالتدخل لإحقاق الحق ومحق الظلم، ومن ذلك آيات عديدة.. منها: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188), (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: 29).

ومصادر الحصول على الأموال والأملاك بالباطل معروفة: بالغش والتدليس والغصب والرشوة (وهذا ما تشرحه آية البقرة 188) والاحتيال والتزوير، كما نرى الآن من الاستيلاء على أراضى الفلاحين التى يزرعونها منذ عشرات السنين فى إطار ملكية الإصلاح الزراعى أو الأوقاف، والاستيلاء على أراضى الدولة بغير حق، وبأسعار رمزية، وإعادة بيعها بأموال طائلة، ورشوة كبار رجال الدولة لتمرير هذه الصفقات المشبوهة. ونص الآية التى تركز على رشوة ذوى النفوذ: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188).

وقد تكون قوانين الكسب غير المشروع تغطى كثيرا من هذه الأمور,ولكنها لا تُفعل على أرض الواقع. أما فى ظل النظام الإسلامى فإن الأمر يرقى إلى مستوى العقيدة ولا يمكن التفريط فيه، كما أن القواعد الصارمة فى التعامل مع المال ستبدأ من الحاكم قبل صغار المسئولين والمواطنين. لذلك جاء فى قرارات المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر: (أن أموال المظالم وسائر الأموال الخبيثة التى تمكنت فيها الشبهة على من هى فى أيديهم يردوها إلى أهلها أو يدفعوها إلى الدولة فإن لم يفعلوا صادرها أولياء الأمر ليجعلوها فى مواضعها).

ومن ذلك على سبيل المثال تلك الأراضى التى كانت تمتلكها الأسرة الملكية الحاكمة قبل ثورة يوليو، فالثابت تاريخيا وبالوثائق أن الخديوى إسماعيل أصابه النهم فى التوسع فى ملكية الأراضى الزراعية,وكان يتم الضغط بوسائل غير شرعية واستغلالا لسطوة الحاكم على الفلاحين لحملهم على بيع أطيانهم أو التنازل عنها للخديوى، حتى صار مالكا لخمس أطيان القطر المصرى، بل لجأ إلى وسيلة غير شرعية أخرى وهى استخدام أموال قرض اقترضته الحكومة ويسدد من ميزانية الدولة (مال عام) فى شراء بعض الأطيان، أى اشترى من مال الشعب أملاكا خاصة!! (جمال الدين الأفغانى عبد الرحمن الرافعى دار المعارف الطبعة الثانية ص 28، 29).

وهناك من القوانين الراهنة ما لا تتعارض مع الرؤية الإسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولكنها تحتاج تفعيلا وتعديلا. مثلا فإن قانون الكسب غير المشروع لا يحاسب الوزراء، كذلك ففى عمل الرقابة الإدارية ما يمنعها من مراقبة الوزير إلا بإذن خاص من رئيس الوزراء. فى حين أن قواعد الحسبة فى الإسلام أن يخضع لقواعدها (جميع الناس دون تمييز فى الدين أو الجنس أو المنصب فليس للخليفة أو القاضى أو أرباب الولاية امتياز.. وللمحتسب أن يحتسب عليهم جميعا) (نهاية الرتبة فى طلب الحسبة عبد الرحمن بن نصر الشيزرى),ووظيفة المحتسب فى العصر الراهن لم يعد من الممكن أن تسند لشخص واحد، بل لجهاز كامل، كما ذكرنا هو جهاز المحاسبات المعاصر مع إعطائه صلاحيات تنفيذية.

ومن الآيات القرآنية فى هذا المجال التى يمكن أن تشتق منها وتقنن القوانين أو يتم ضبط القوانين الراهنة وفقا لها:

(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّى أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ .وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود: 84-85), وهو مبدأ العدل فى البيع والشراء وفى التعامل المالى بصفة عامة.

وكذلك الآيات التى تنهى عن الإسراف والتبذير:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان: 67) وأيضا: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: 27).

والنهى عن الإسراف يشمل الإنفاق العام والخاص، ونحن نرى أمثلة عديدة لذلك تحدث الآن دون أى ضوابط، فيتم إنفاق مالية الدولة وشركاتها العامة فى بناء المساكن الفاخرة بينما تعانى طبقات الشعب من أزمة إسكان حادة، وكذلك فتح باب الاستيراد للسلع الترفيهية (التى تسمى استفزازية) وتبديد العملة الصعبة فيها، بينما غالبية الشعب تنقصها الضرورات. ونظرا لغياب الدولة الإسلامية لفترة طويلة، فقد تعود المؤمنون أن يفهموا الآيات فى إطار السلوك الشخصى، وإن كان ذلك صحيحا، إلا أن آيات القرآن الكريم توجهنا لضبط حياتنا الخاصة والعامة معا.

وفى هذا المجال يمكن اشتقاق العديد من القواعد والقوانين التى تضبط الإنفاق العام بدون إسراف أو تقتير. فمثلا نجد أن المشروعات العامة التى تنفق فيها المليارات دون دراسة كافية ولمجرد الوجاهة المطلوبة للحاكم، هى من أخطر أنواع الإسراف والتبذير,كمشروع توشكى، وكذلك ما نقرأه من تقارير عن البذخ فى الإنفاق على تأثيث مكاتب كبار المسئولين، والسيارات الفارهة المستوردة والتى يتم استبدالها سنويا,فى هذا البند وحده تستنزف مئات الملايين سنويا، بينما نرى المسئولين فى الهند يستخدمون سيارات متواضعة من الإنتاج الوطنى. وأخيرا مثلا اضطر وزير فرنسى للاستقالة لأنه اشترى السيجارلفترة من الزمن من الميزانية العامة، فأين هذا مما نراه فى بلادنا من توظيف إمكانات وأموال الدولة للمصالح الشخصية للمسئولين. كذلك فإن التقتير فى الإنفاق العام على الخدمات والمشروعات الأساسية والضرورية للناس مرفوض بدوره. نحن إذا أمام قاعدة عامة هى ترشيد الإنفاق، والقوانين واللوائح تضع قواعد تحول هذا المبدأ العام إلى ضوابط عملية يمكن المحاسبة على أساسها، كوضع قاعدة عدم استيراد سلع أو مستلزمات إنتاج يوجد مثيل وطنى لها,وسد الثغرات فى قوانين المناقصات التى يتم التلاعب فيها تحت بند الضرورةوالمصلحة القومية العلياحتى يلجأ الوزير للأمر المباشر (كما حدث فى مجال الإسكان والعقارات قضية مدينتى مثلا), وهنا لابد أن نلحظ أن سد أبواب الفساد من أهم وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن تزايد الثروات بصورة غير طبيعية فى أيدى القلة، لا يتم إلا عبر وسائل غير مشروعة لا تتوخى العدالة وتميز بين الناس حتى بين رجال الأعمال والمستثمرين أنفسهم.

ضبط العقود والوفاء بها:

ومن الأمور الملفتة للانتباه أن ضبط العقود فى الأمور الاقتصادية تم وضع قواعده فى أطول آية فى القرآن الكريم بالإضافة لآية أخرى تالية لها. والمعروف أن القرآن الكريم كتاب هداية ولا يدخل فى التفاصيل عادة، ويتركها لنا، كى نعمل فيها عقولنا فى إطار المبادىء العامة الكلية التى وردت فيه، ولذلك عندما نرى القرآن يدخل فى التفاصيل ثم فى تفاصيل التفاصيل فى موضوع معين فهذا يعنى أنها بالغة الأهمية، وأنها من الثوابت، والضروريات لضبط المجتمع. ومن ذلك هذه الآية 282 بسورة البقرة,والتى تحض على كتابة العقود وفى ظل وجود شهود مما يرجع إلى تفاصيله فى تفاسير القرآن.وما يعنينا الآن أن القرآن يرشدنا، ومن خلال تشريع عملى يضع فيه أساس عمل الشهر العقارى فى عصرنا، ويضع القاعدة التى أخذت بها التشريعات الأوروبية الحديثة التى تفصل بين الدين المدنى والدين التجارى، يرشدنا إلى خطر العقود وضرورة كتابة الدين صغر أو كبر فى وثيقة، وأن الوفاء بالعقود مبدأ أساسى لإحقاق العدالة والاستقرار فى المجتمع والآية 282بسورة البقرة تبدأ بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) وأيضا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1).

تحريم شهادة الزور:

ومن الأمور التى تحدث خللا اجتماعيا فى المجتمع هى شهادة الزور,سواء أكانت فى المحاكم أو فى أى شهادة (تقرير) بمواقع العمل المختلفة، لأن قول الزور أحد وسائل إضاعة الحقوق,وعادة ما يكون قول الزور بسبب ضغوط الأقوياء والأغنياء بالترغيب والترهيب، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30), (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (الفرقان: 72),ذكر اجتناب شهادة الزور باعتباره من الصفات الأساسية للمؤمنين. كذلك حذر القرآن من محاباة الفقير تعاطفا معه أو إشفاقا عليه فشهادة الحق هى الأولى، والله يتولى الفقير والغنى معا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا) (النساء: 135).

حسن اختيار القائمين على الإنفاق:

(وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً)(النساء: 5).

تحض هذه الآية على حسن اختيار القائمين على الأموال العامة حتى يحسنوا إنفاقها، والواقع أنه مهما وضعت الدولة من نظم لإحكام الرقابة على المال العام سواء كانت رقابة قبل الصرف، أو بعده، فإنها لا تكفى وحدها لإحكام إنفاق المال العام إنفاقا رشيدا، فقد ثبت من تحليل بعض حوادث اختلاس الأموال العامة أنه بالرغم من سلامة النظم المطبقة فإن البعض من العاملين الذين ليسوا على مستوى من الأخلاق الحسنة والتصرفات السليمة، تمكنوا من الاعتداء على المال العام بالاختلاس والسرقة والاغتصاب,وفى ظروف أخرى كانت نظم الرقابة المالية غير موجودة أو بها ثغرات، لذلك يبقى حسن اختيار العاملين على الأموال العامة هو الضمانة الأساسية لصيانة هذه الأموال وصرفها فى وجوهها الشرعية (قطب إبراهيم محمد مرجع سابق ص 137),وهذا المبدأ المهم يؤكد أن نزاهة حاكم البلاد حاسمة للحفاظ على المال العام وتحقيق العدالة الاجتماعية، لأن الحاكم هو الذى يختار هؤلاء العاملين، وسنأتى لدور الحاكم لاحقا.

وهذه الآية أيضا تنطبق على المال الخاص، لأن القرآن طالما أشار إلى وحدة المجتمع ووحدة الناس فاستخدم تعبير أموالكموهو يعنى أموال الآخرين، لأن المال للجميع، والجميع يجب أن يكون حريصا عليه، متضامنا فى الحفاظ عليه، لأن المال يدور فى المجتمع، وأن كل فرد فى المجتمع يجب أن يكون حريصا على أموال الآخرين وكأنها أمواله الخاصة. كما استخدم القرآن تعبير أنفسكمبينما هو يقصد أنفس الآخرين: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) (النساء: 29),فليس المقصود بها الانتحار، بل قتل الآخرين.والمسلم ليس حرا فى استعمال ماله الذى كسبه بالطرق المشروعة، يصرفه حسبما شاء، بل هو مقيد فى استعماله بما يحقق مصلحته ومصلحة مجتمعه,ذلك أن هذا المال الذى وفقه الله تعالى فى الحصول عليه هو نعمة أنعمها الله عليه، وهو مال الله الذى استودعه لديه ابتلاءا واختبارا، بحيث إذا صرفه فى غير موضعه أو على غير مقتضى العقل، عد بنص القرآن مجرما: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ) (هود: 16) أو شيطانا: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27) أو سفيها: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ),وحقت مساءلته أو الحجر عليه (الإسلام والمشكلة الاقتصادية د. محمد شوقى الفنجرى مكتبة الأنجلو المصرية ص 929).

وهذا ينقلنا إلى جريمة اختلاس المال العام وخطورتها فى الإسلام.

جريمة اختلاس المال العام:

واختلاس المال العام جريمة كبرى فى الإسلام، مهما كان قدر المال المختلس: (وَمَا كَانَ لِنَبِى أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (آل عمران: 161).

والغلول هو الخيانة فى المغانم خاصة، والمغانم مال عام، والمقصود أن يخفى المحارب بعض الغنائم ويختلسها لنفسه بعيدا عن التقسيم الشرعى. وهذا المبدأ يسرى على كل مال عام، وهذا واضح فى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد فهو غلول). ووصف رسول الله الخازن الآمين بأنه متصدق رغم أنه لا يصرف من ماله الخاص، ولكنه كان أمينا على المال العام فله أجر المتصدق: (إن الخازن المسلم الأمين الذى يعطى ما أمر به كاملا موفرا، طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى الذى أمر له به، أحد المتصدقين) متفق عليه. وعظم رسول الله أمر الغلول فى حديثه (لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير، له رغاء يقول يا رسول الله:أغثنىفأقول لا أملك لك شيئا لقد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له جمجمة يقول: يا رسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك شيئا لقد أبلغتك، فلا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاه..) مسلم. وأيضا: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور,ولا صدقة من غلول) مسلم. وتتعدد الأحاديث الشريفة التى تحذر المختلس من بيت المال حتى وإن كان عودا من آراك (السواك).

ومن الملفت للانتباه أن البلاد الغربية تتشدد فى قوانينها وممارساتها فى مسألة الحفاظ على المال العام، حتى أن الرؤساء يحاسبون إذا استخدموا طائرات حكومية فى أغراض شخصية، بينما حكام المسلمين يعتبرون كل أملاك الدولة ملكهم الشخصى. وكما أوضحت فى كتاب (الجهاد صناعة الأمة) فإن الغرب سبقنا لأنه أقرب للأخذ بسنن الله الاجتماعية وإن كان لا يعرف الإيمان، بينما نحن تفلتنا من سنن الله وضعف إيماننا.والآن فإن بلاد الشرق تسبقنا لذات الأسباب.

أجر رئيس الدولة:

من الأمور المهمة التى سبق بها الإسلام العالم المعاصر بـ 14 قرن ونصف القرن هى مسألة الفصل بين المال الخاص والمال العام فى ميزانية الدولة. فقد كان المستقر لدى الملوك والحكام هو الإنفاق من خزانة الدولة فى الأمور العامة والشخصية دون تحديد أو فصل. والإسلام هو الذى حدد بشكل قاطع مسألة المال العام وحرمته وأنه لا ينفق إلا فى سبيل الله (أى المجتمع)وفقا للضوابط الشرعية.

وقد أظهرت حوادث التاريخ أن ترف ونهم الحاكم هو أكبر مصدر لابتلاع ثروات الأمة وإحداث خلل اجتماعى رهيب، لأنه يكون عادة على حساب المستضعفين.وتؤكد وقائع التاريخ أن ثروات الملك وحدها كانت كافية لإغناء الشعب كله. ومع ذلك فإن الأمر لا يقتصر عليه وحده لأن حكمه لن يستقر إلا بإرضاء حاشيته وأسرته وكبار المسئولين,فيوزع الأراضى والعطايا عليهم، ويكون ذلك أيضا خصما من أموال واحتياجات المستضعفين، ويكون ذلك من أبرز أسباب الظلم الاجتماعى، لأن حول قطب الحاكم يزداد الأغنياء غنى أما فى القطب الآخر للمجتمع فيزداد الفقراء فقرا. ونحن عندما نتحدث عن فساد الحاكم ومن حوله لا نتحدث عن بضع ملايين أو مليارات بل القسم الأكبر من ثروات الأمة، ومثال الخديوى إسماعيل الذين ذكرناه من قبل، أى استيلاءه على خمس الأراضى الزراعية وحده هو مثال متكرر وليس أمرا عجيبا يحتكره إسماعيل.

وقد بدأ التشريع الإسلامى فى مسألة قداسةالمال العام فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحاكم,وقت كانت موارد الدولة قليلة للغاية,ولنذكَّر أن الدولة كانت معظم الوقت فى مدينة واحدة وما حولها، لذلك لم يكن هناك مرتب واضح للرسول كحاكم، بل إن بيت المال كان خاويا فى معظم الأحيان، وعندما تأتى له موارد فتوزع على الفور ولا يبقى فيه شىء.ولكن الثابت فى السنة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش كأواسط الناس,بل أقل منهم,بل إنه كثيرا ما لامس حد الكفاف. كان يعيش فى غرفات أى لكل زوجة غرفة مبنية من الطين، وكنت إذا رفعت يدك لأعلى تلمس السقف! وفى السيرة النبوية متسع لهذا القصص عن الأيام التى مرت على الرسول دون إشعال نار للطبخ، والأيام التى لم يكن بها زاد من أى نوع، ومعاناة زوجات الرسول من هذه الأوضاع، وكيف توفى الله الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى مقابل بعض الشعير. وكيف تزوجت فاطمة بنت محمد فى بيت متواضع الأثاث إلى أبعد حد,ولو أخذ الرسول نسبة معقولة من أموال بيت المال لكان أغنى الناس، وما كانت هذه أحواله المعيشية.

ولا توجد رواية عن أجر معلوم للرسول (كرئيس للدولة) فأحواله تنبىء عما هو أسوأ من ذلك، وما كان له أن يأخذ من الزكاة أو الصدقات,فالنبى لا يأخذ صدقة. وكانت مخصصاته تأتى من الغنائم والفىء بنص القرآن.وكان الرسول ينفق من هذه المخصصات فى شئون الأمة,ولا يستأثر بها لنفسه وذوى قرباه,رغم أن ذلك حقه.وبعد تولى أبى بكر الخلافة توقف عن التجارة,وبعد تشاور مع الصحابة تم إقرار مرتب سنوى له ألف درهم فقط,بما فى ذلك نفقة العمرة والحج,وهو نفس المرتب الذى تقرر لعمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة. كذلك تقرر فى عهد الرسول مرتبات للولاة عينية أو نقدية كمثال تولى عتاب بن أسيد ولاية مكة بمرتب درهم كل يوم. واستمر هذا النظام بعد وفاة الرسول، وامتد ليشمل الكتاب والقضاة وعمال الخراج وعمال الصدقات على المستوى المركزى وعلى مستوى الولايات، وكانوا يمنعون من مزاولة التجارة.

وأكد رسول الله على هذا المبدأ الدستورى فى عدة أحاديث ذكرنا بعضها، فالوالى ليس له إلا مرتبه، ولكن يمكن توفير بعض الأساسيات له كما ورد:(من ولى لنا شيئا، فلم تكن له امرأة فليزوج امرأة، ومن لم يكن له سكن فليتخذ مسكنا، ومن لم يكن له مركب فليتخذ مركبا. ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادما. فمن اتخذ سوى ذلك: كنزا أو إبلا جاء الله به يوم القيامة غالا أو سارقا).

وفى إطار سد الذرائع التى يدخل منها الفساد وضع رسول الله قاعدة ذهبية أخرى تأخذ بها الدول الغربية الآن، وهى تحريم حصول المسئول أو الموظف العام على هدايا,لأن ذلك يفتح الباب للرشوة المقنعة. فقال: (ما بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلىّ أفلا جلس فى بيت أبيه وبيت أمه فينظر هل يهدى إليه أم لا؟! والذى نفس محمد بيده لا يأتى أحد منهم بشىء إلا جاء به على رقبته يوم القيامة إن كان بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاه بفروة. ثم رفع يده حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال:اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت). وفى حديث آخر:(هدايا العمال غلول)أحمد والبيهقى.

وكل هذه الضوابط على الموظفين العموميين لن تتحقق إذا لم يكن الموظف الأول (الحاكم) يلتزم بها ويدعو إليها، فهو القدوة وهو الذى يملك السلطة فى آن معا. ولا يستطيع أى حاكم أن يفسد ثم يأمر من حوله بالاستقامة، بل إنه عندما يفسد يكون من ضمان استقرار حكمه أن يطلق يد من حوله فى الفساد، ولكن تحت المراقبة والسيطرة حتى لا يتفوقوا عليه!!

وهنا نعود مرة أخرى إلى الارتباط الحميم بين ما هو سياسى وما هو اقتصادى واجتماعى, فالشورى التى تضمن اختيار الحاكم ومراقبته، هى التى تضمن استقامته. ولا يمكن إقامة العدالة الاجتماعية بدون بداية الإصلاح من الرأس.. من قمة الهرم.

فكما يقول عمر بن الخطاب: (إن الناس ليؤدون إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، وإن الإمام إذا رتع رتعت الرعية). لذلك فنحن نؤيد النصوص الدستورية الراهنة فى مصر التى تحرم على رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء مجلس الشعب من التعامل المالى مع الدولة (عدا المرتب)، وهى النصوص التى لا تحترم,بل تخترق جهارا نهارا وعلى نطاق واسع. بل لابد من نصوص واضحة تمنع المسئولين من ممارسة التجارة والأعمال الخاصة، ووضع ضوابط تمنع من استخدام الأبناء والزوجات والأشقاء كغطاء لذلك، حيث يقوم المسئول بفتح الطرق أمامهم لتحقيق أرباح طائلة بصورة غير مشروعة. وهذا باب أساسى للفساد فى مصر، ولنهب عشرات المليارات من دماء الشعب. والعجيب أن لدينا من التشريعات ما يسد هذه الثغرة تماما ولكنها تشريعات مجمدة!! (المادة 158 من الدستور، والمادة 115 من قانون العقوبات).

هذه علامات أساسية من القرآن والسنة تضع الأساس المكين للعدالة الاجتماعية، ولكن لابد أن نعود لنؤكد أن الزكاة هى المحور الأساسى، والعمود الفقرى، هى مؤسسة شاملة للضمان الاجتماعى كما أوضحنا فى حلقة سابقة، لا يمكن أن تتوصل البشرية لما هو أكمل منها وأعدل بين الناس، من زاوية دوران المال وعدم احتكاره، ومن زاوية إغناء الفقراء، من زاوية تعويض الغارمين والمنكوبين لأى سبب من الأسباب,ومن زاوية التقريب بين الطبقات، ومقاومة اتساع الفوارق بينها إلى حد التطرف المخيف فى الظلم. ويكفى أن تعرف أن النظام الضرائبى الأمريكى لم يتمكن من منع هذه الظاهرة المخيفة: (حيث أضحى 1% من الأمريكيين يمتلكون 60% من كل مصادر الدخل، بل أكثر من ذلك إذا حذفت قيمة المنازل الشخصية، وصارت القيمة متعلقة بوسائل الإنتاج فقط وإدارة الأعمال وكل ما يتعلق بها فإن هذه النخبة التى تشكل 1% فقط تحصل على 90-95% من كل مصادر الدخل (الفردوس المستعار الفردوس المستعاد د. أحمد خيرى العمرى دار الفكر دمشق الطبعة الأولى 2007ص 332).وقد قال بيل كيلنتون رئيس الولايات المتحدة السابق قولا قريبا من ذلك حين قال أن 1% من الأمريكيين يستحوذون على 70% من ثروات البلاد!!(راجع كتابى: أمريكا طاغوت العصر الطبعة الثالثة).

*****

والآن لابد من وقفة أمام أحوال مصر الراهنة وما ينتابها من مظالم اجتماعية غير مسبوقة فى تاريخنا المعاصر.

المظالم الاجتماعية فى عهد مبارك:

كانت المظالم الاجتماعية من أهم عناصر أزمة المجتمع المصرى فى أواخر عهد فاروق، والآن فإن مصر بعد ثلاثة عقود من حكم مبارك تعانى من استفحال المظالم الاجتماعية، والتى حققت أرقاما قياسية تشير إلى فوارق هائلة فى الدخول بين قلة محدودة وجموع الشعب، وإلى حالة منهجية من الانحياز للأغنياء على حساب الفقراء ومحدودى الدخل، فى حين أن معظم الأغنياء يحققون ثرواتهم الطائلة من خلال أعمال طفيلية أو غير إنتاجية عموما, وأيضا من خلال وسائل غير مشروعة، وطبقة هذه مواصفاتها لابد أن تكون أقل ارتباطا بالوطن، وأكثر استعدادا لتهريب أموالها للخارج، وأقل ارتباطا بالشعب وهمومه من طبقة رأسمالية عاملة فى الإنتاج، وقد رأينا فى تجارب الغرب الرأسمالى أن الرأسماليين يدركون أن رفع أجور العاملين من شأنه أن يسهم فى المزيد من دوران عجلة الاقتصاد، بزيادة الاستهلاك، مما يعود على زيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الأرباح، أى أن الرأسماليين العقلاء يدركون بحسابات عملية (براجماتية) أن إفقار الشعب أكثر مما يجب يعود بالوبال عليهم! وهم بالتأكيد لا يحققون العدالة المطلوبة، ولكنهم بالتأكيد أفضل من مجموعات السلب والنهب التى تهيمن على اقتصادنا المصرى، فهؤلاء قصيرو النظر، محدودو الفكر، لا ينظرون إلا للمكاسب السريعة واليومية، وبدون إعادة لتوظيفها بمشروعات إنتاجية تعود على الاقتصاد بالمزيد من النماء. وهذا يؤدى إلى تعميق المظالم الاجتماعية ونشر البطالة.

بل لقد انتقل النظام فى العقد الأخير من مرحلة تكريس الخدمات لبعض رجال الأعمال الذين يرفعون شعار اربح واجرىإلى استدعاء هؤلاء الأشخاص أنفسهم لإدارة النظام السياسى والهيمنة على الوزارات الاقتصادية تحديدا,وهكذا اختلطت الدولة ومراكز قرارها الاقتصادى بهؤلاء المغامرين ووكلاء الشركات الأجنبية,بل توحد الطرفان فى عصبة واحدة بصورة مباشرة وفجة لا وجود لها فى أى نظام رأسمالى، وانعدم التمييز بين الوزارة والشركة الخاصة، وبين المال العام والمال الخاص. وهذه الحالة المزرية تفسر تدهور الأوضاع الاجتماعية فى البلاد الذى وصل إلى الحد الذى نشير إلى أبرز ملامحه. ونبدأ بالتقارير الدولية التى لا يمكن أن توصف بأنها منحازة ضد نظام مبارك,فحسب مؤشر البؤس الذى تعده وكالة أنباء بلومبرج فإن مصر احتلت عام 2009 خامس أسوأ مركز فى قائمة من 60 دولة يغطيها المؤشر فى تقريره السنوى,والذى يقيس الأحوال الاجتماعية بالجمع بين معدلى البطالة والتضخم,وتشير تقارير أخرى إلى أن معدل المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر يتجاوز 40%,بل ويصل إلى 48%. وفى التقرير السنوى لمعهد ليجاتوم الدولى احتلت مصر المرتبة الـ 89 بين 110 دولة فى مؤشر الرفاهية الاجتماعية.

وفى مجال التفاوت الطبقى يقدر د. حمدى عبد العظيم أن 20% من المصريين يتحكمون فى 80% من ثروات البلاد، بينما يعتمد 80% من المصريين على 20% من هذه الثروات. بينما يؤكد د. عبد الخالق فاروق أن ألفى فرد وأسرهم من كبار رجال المال والأعمال يستحوذون وحدهم على 24% من الدخل القومى سنويا. ويعطى تقرير خطير صورة مجسمة عن هذه الفئة المسيطرة تؤكد ما ذكرناه عن خصائصها الطفيلية دون أن يتجرأ أحد من الحكومة على الرد عليها رغم ما تحتويه من معلومات يشيب لهولها الولدان، وخلاصة هذه الصورة أن هناك وفقا لإدارة إثبات الأملاك فى إمارة موناكو أو مونت كارلو بفرنسا، 1650 مصريا يمتلكون قصورا تبدأ بخمسة ملايين يورو وتتجاوز أسعار بعضها الخمسين مليون يورو، وأن هذه الطبقة المترفة تقيم حفلات زواج أبناءها فى هذه المستوطنة المصرية فى فرنسا!! ومن هؤلاء وزراء حاليون، وحتى أثناء وجودهم بمصر فإن كل مقتنياتهم ومكونات بيوتهم مستوردة من الخارج وأطفالهم يتعلمون فى مدارس خاصة بسويسرا والتى يضعون أموالهم فى بنوكها. وهو يشير تحديدا إلى 25 عائلة تتحكم فى مصائر البلاد (جريدة الفجر – 2 أغسطس 2010).

وقد أصاب المرتبات الرسمية حالة من الجنون والبذخ الأسطورى,حتى أن بعض كبار الموظفين يحصلون على مرتبات أعلى من مرتبات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فى وقت يقولون للشعب أنه لا يمكن رفع الحد الأدنى للأجور. فى وقت تتجه نسبة بند الأجور إلى الانخفاض بالنسبة للناتج المحلى الإجمالى فقد انخفضت نسبة أصحاب حقوق العمل من 48,5% عام 1989 إلى 30% عام 2009,بينما يحصل أصحاب حقوق الملكية على 70%!!,ورغم هذا التراجع النسبى لنصيب الأجور إلا أن كبار الموظفين يلتهمون نصيب الأسد من نصيب الأجور والمرتبات. فهناك عدد محدود من هؤلاء يتقاضون رواتب شهرية تتراوح ما بين نصف مليون ومليون جنيه كمديرى الأمن ورؤساء البنوك وبعض رؤساء مجالس الإدارات فى القطاع العام والوزراء وأصحاب الوظائف السيادية، بينما الحياة الكريمة لا تحتاج لكل هذا المرتب، فهذه سفاهة وظلم فى وقت يبلغ الحد الأدنى للأجور 118 جنيه عام 2010، وفى وقت يبلغ مرتب الرئيس الأمريكى ما يساوى 180 ألف جنيه شهريا.نحن إذا أمام جريمة مكتملة الأركان ضد جموع الموظفين البالغ عددهم حوالى 6 مليون مواطن. كما يتحقق هذا التلاعب فى مرتبات الكبار بالجمع بين عدة وظائف,حتى وصل مرتب بعضهم إلى 1,3 مليون جنيه شهريا,فى وقت ترفض الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200جنيه شهريا باعتباره يمثل حد الفقر وفقا للمعايير الدولية,وذلك فى أسرة مكونة من فردين فقط. ويعتمد الكبار على لعبة جديدة للحصول على هذه الأموال من خارج ميزانية الدولة، وهى الصناديق الخاصة التى تتكون من رسوم مفروضة على المواطنين,وهذه الصناديق تؤسسها المجالس المحلية والوزارات والجامعات,وتوزع بمعرفة الوزير أو رئيس الحى أو المحافظ أو رئيس الجامعة,وما تم حصره حتى الآن حوالى 10 آلاف صندوق,ويقول الجهاز المركزى للمحاسبات أنها تتصرف فى تريليون وربع تريليون جنيه سنويا,أى أكثر من ميزانية الدولة، وهذا أمر لا مثيل له فى العالم، لأنها شبكة من الفساد تعمل خارج القانون، ومع ذلك تعمل وكأنها مؤسسة شرعية لا يقترب أحد منها ومن تصرفاتها!

ورغم أزمة الطاقة التى يعانى منها المواطن فإن المشروعات الكثيفة لاستهلاك الطاقة وعلى رأسها الحديد (أحمد عز)والأسمنت (مصانع أجنبية) والأسمدة فهى تحصل على 61% من دعم الكهرباء و75% من دعم الغاز الطبيعى، ومع ذلك تبيع منتجاتها السلعية فى السوق المحلى بأعلى من أسعار السلع المناظرة لها فى الأسواق الدولية (أحمد النجار عبد الخالق فاروق),وفى هذا انحياز غير مبرر لصنف معين من رجال الأعمال، ويدفع الشعب الثمن مرتين، بذهاب دعم الطاقة لهم، بينما يتعرض الشعب لزيادة متواصلة فى أسعار الكهرباء، ثم لا يتحول هذا الدعم إلى خفض فى السلع المنتجة ويشتريها الشعب بأعلى من الأسعار العالمية!بينما يعانى أغلبية الشعب من التضخم الذى بلغ 20% عام 2007/2008 وفقا لإحصاء البنك المركزى المصرى.وبالتالى فإن العلاوات المحدودة للأجور والمرتبات يتم التهامها بالغلاء، ومن ثم فإن الأجور الحقيقية للعاملين تتناقص عمليا من حيث قدرتها الشرائية,وقد أدى ذلك إلى أمراض اقتصادية واجتماعية عديدة: عدم الاهتمام بإتقان العمل، البحث عن عمل إضافى على حساب العمل الأصلى من حيث الجهد والتركيز، اللجوء لوسائل غير شرعية لزيادة الدخل كالرشاوى أو الإكراميات الإجبارية!

وقد أدى نمط الاقتصاد القائم على اختطاف الأرباح من أعمال غير منتجة إلى زيادة البطالة بصورة خطيرة، والحكومة مشغولة بتزوير الإحصاءات بدلا من الحل الحقيقى للمشكلة، وتدعى أن البطالة 8% فى حين أن بعض التقديرات الدولية المحايدة تصل بهذه النسبة إلى 27%، ولا تلتزم الحكومة بسياسة تقديم إعانة للبطالة، وهو الأمر الذى يزيد من مساحة الفاقة والفقر، ويلقى بأعباء إضافية على الأسر التى لا تستطيع أن تجد وظائف لأبنائها، وهو الأمر الذى جعل الزواج أمر متعثر ورفع متوسط سن الزواج ، وزادت أرقام العنوسة حتى 11 مليون,وما يؤدى إليه ذلك من أمراض اجتماعية خطيرة.وفى إطار سياسة الانحياز للأغنياء، أتت سياسة الضرائب والتى يتم تعديلها باستمرار نحو الأسوأ,أى نحو التمييز ضد الفقراء. فوفقا لآخر تعديل على ضرائب الدخل فقد أصبح أعلى معدل هو 20%,وهو نسبة تطبق على الدخول التى تبدأ بـ 40 ألف جنيه فى العام، وأصبح صاحب هذا الدخل البسيط يتساوى مع أصحاب الدخول بالملايين والمليارات، وهذا يتنافى مع أبسط مبادىء العدالة,وهو أمر لا وجود له فى بلدان العالم المختلفة,حيث أن الشريحة العليا للدخول تصل ضرائبها إلى 52% فى هولندا و50%فى بلجيكا و45% فى الصين و40% فى فيتنام و35% فى تركيا و35% فى باكستان على سبيل المثال (تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام 2009رئيس التحرير:أحمد النجار ص 191). وفى ذلك إلغاء لفكرة الضرائب التصاعدية العادلة. وإذا نظرنا إلى خريطة حصيلة الضرائب سنجد أن أغلبيتها الساحقة من الموظفين والعاملين أو من الهيئات العامة,بينما تتضاءل مساهمة كبار رجال الأعمال من أصحاب المليارات إلى أدنى نسبة,فى وقت يقولون فيه أننا نعيش فى اقتصاد السوق، والوضع الطبيعى فى هذا الاقتصاد أن يكون الاستثمار الخاص هو الممول الأكبر للضرائب. كذلك فإن سواد الناس هم الذين يدفعون الضرائب غير المباشرة,أى ضريبة المبيعات لاستهلاكهم الأكبر للمنتجات، كما يتحملون الجانب الأكبر من الجمارك التى تضاف أيضا إلى سعر المنتجات. وتحولت خزانة الدولة الخاوية من سفه الإنفاق العام، وقلة النشاط الإنتاجى المثمر، تحولت إلى دور الجباية التى تلهب ظهور الناس من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فهى تستولى على أموال التأمينات (400مليار جنيه)، وتفرض الضرائب تلو الأخرى وتذهب فى ذلك كل مذهب، وتتفنن أشكالا متنوعة من فنون سلب الناس أموالهم، وهذه من خصائص مرحلة الانحطاط فى الأنظمة السياسية، فهذه الضريبة العقارية تجبر الناس على دفع ضريبة على مسكنهم الخاص الذى يسكنون فيه الذى حصلوا عليه بشق الأنفس، ولا يستخدم فى أى نوع من الاستثمار أو التربح، أى يدفعون ضريبة بدون نشاط معين إلا مجرد الستر عن عيون المارة! والأموال التى تملكوا بها هذا العقار أو الوحدة السكنية جاء من نشاط دفعوا عليه ضرائب بالفعل، من قبل، والآن يراد منهم أن يدفعوا ضريبة مستمرة أبد الدهر على هذا الإيواء.

وأزمة إضراب النقل الثقيل (المقطورات) وهو من أكبر الإضرابات التى شهدتها البلاد يرجع فى أحد أسبابه لزيادة الضرائب على أصحاب هذه المقطورات,والذين أصبحوا مطالبين بعمل دفاتر حسابية لنشاطهم باعتبارهم من أصحاب المشروعات الاستثمارية,ولو قدرت الضرائب أن دخلهم يصل إلى 40 ألف جنيه فى السنة فسيأخذون منهم 20% ضرائب بالتساوى مع أكبر ملياردير فى البلد. ويقول الخبير الاقتصادى رضا عيسى إن النظام الضريبى حتى قبل الضريبة العقارية يعنى أن المواطن يعمل 3 شهور فى السنة لسداد الضرائب المفروضة عليه. بينما الإسرائيلى يعمل 18 يوم فقط لسداد الضرائب السنوية.كذلك فإن المواطن يكتشف تضاعف الرسوم التى يدفعها فى مختلف معاملاته مع أجهزة الدولة (التراخيص المختلفة رسوم الزواج الدمغات.. إلخ). وكأن هناك حربا معلنة على الفقراء والطبقات المتوسطة، لذلك تشهد البلاد منذ عدة سنوات موجات لا تنتهى من الإضرابات والاعتصامات من مختلف فئات الشعب احتجاجا على المظالم المتنوعة.والمثير للدهشة أن معظم هذه الاحتجاجات لا تكون بسبب مطالب جديدة، ولكن بسبب ما تم اقتطاعه منها، كعدم تثبيت التعيين، أو إلغاء بدلات أو طرد من العمل أو ضرائب جديدة.. أو تأخير فى دفع المرتبات، أو عدم المساواة مع فئة مماثلة.. إلخ,ولولا استمرار بقايا تحويلات المصريين بالخارج، واستمرار بقايا مدخرات لمن كان يعمل سابقا فى الخارج، لكانت ثورة الاحتجاج أشد وأعتى، وهذا ما سيحدث فى مقتبل الأيام مع تراجع فرص العمل فى العديد من الدول العربية وأوروبا.

وتواجه الدولة الاحتجاجات الحالية ببعض المسكنات هنا وهناك بالاستجابة لجزء من المطالب,وتسويف بعضها بالوعود. ولكن هذه الحالة المتفجرة لن تحل بهذا التحايل، فلابد من إصلاح اقتصادى اجتماعى شامل لا يقوى عليه نظام تمكن فيه الفساد إلى هذا الحد.

وأخيرا فإن ما ذكرنا، هو غيض من فيض,ويكفى لرسم الملامح العامة للظلم الاجتماعى، مع ضمها لما ورد وسيرد فى الحلقات الأخرى من مختلف مناحى الحياة فى البلاد.

(16)ما هو موقع المسيحيين المصريين فى مشروعنا الإسلامى؟

موقف حزب العمل من هذه القضية مبسوط فى وثائق وكتب عدة، بل فى مواقف عملية رائدة, خاصة فى مجال ترشيح المسيحيين على قوائم حزب العمل, وإدخالهم مجلس الشعب، أو فى انتخابهم فى قيادة الحزب، ولا تزال أبواب عضوية الحزب مفتوحة لأى مسيحى يقبل برنامجنا السياسى ويقبل العمل تحت مظلة المشروع الإسلامى الحضارى.

ويمكن الرجوع لموقفنا فى كتاب: “الإسلام دين وحضارةللأستاذ عادل حسين فى الفصل الأول، وفى تقارير المؤتمر السابع للحزب 1999، وفى دراستى (أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين الفصل الخامس). وخلاصة هذا الموقف أننا نتعامل مع المسيحيين فى مصر كمواطنين فى الدولة الإسلامية يتمتعون بالجنسية الإسلامية كهوية حضارية للوطن، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعبادتهم وأحوالهم الخاصة، وهذا هو الموقف الإسلامى النظرى (الفقهى) العام, وإن كان فى مصر قد أخذ شكلا أكثر اكتمالا من أى بلد آخر.

إن الإسلام إذا كان بالنسبة للمسلمين دين وحضارة، فهو بالنسبة للمسيحيين يمكن أن يكون حضارة فحسب، وإن النظر الموضوعى لأساسيات الدين الإسلامى يكشف عدم وجود تعارض مع قيم وأخلاقيات المسيحيين الشرقيين، وأنهم كانوا بطبيعتهم أقرب لإخوانهم المسلمين خاصة فى مصر من الوافدين والمستعمرين المسيحيين الغربيين، حتى قال أحد الغربيين إن مسيحيى مصر هم مسلمون يصلون فى الكنائس يوم الأحد! فى إشارة إلى حالة الاندماج العام بين الطرفين فى مختلف العادات والتقاليد وطرائق الحياة. ولكننا نعانى منذ عدة عقود من مشكلات طارئة خطيرة بتأثير واضح من المخططات الصهيونية الأمريكية، وهذه المشكلات غير مسبوقة فى تاريخ مصر، ويتعين التعامل معها كمتغير جديد أضحى يشكل خطورة جدية على وحدة الأمة.

ولذلك فإن كثيرين سينظرون إلى عنوان هذه الحلقة (ما هو موقع المسيحيين المصريين فى مشروعنا الإسلامى؟) باعتباره عنوانا عجيبا يبدو خارج سياق أحوال الأمة! وسنأتى لذلك، ولكننا نؤكد أن مواقفنا من المسيحيين مواقف مبدئية لا تتغير لأنها بالنسبة لنا أوامر إلهية وجزء لا يتجزأ من عقيدتنا، وليست مجرد مواقف سياسية سطحية بهدف المناورة والكسب السياسى العارض، لذا نرجو أن يتأكد المسيحيون من إخلاصها وأنها الأوفق لهم فى دينهم ووطنهم وحياتهم الشخصية من أى خيار آخر علمانى أو تغريبى أو تابع للغرب.

وإذا أردنا الاختصار هنا نقول إن مبدأ (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) هو مبدأ المواطنة الكاملة, فلهم كل حقوق وواجبات المواطنين المسلمين. والمهم هنا الإشارة إلى المساواة أمام القانون (باستثناء الأمور المتعلقة بالعقيدة)، وأن القوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على أساس إسلامى هى بالنسبة لهم قوانين مدنية يلتزمون بها ويستفيدون منها كمواطنين فى الدولة، فى كل الأمور التى لا تتعلق بعقيدتهم. وهم فى المقابل ليست لديهم شريعة فى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أى لا يوجد تصادم بين شريعتين، والخيار أمامهم بين الشرائع الغربية العلمانية، والشريعة الإسلامية، وليس بين المسيحية والإسلام كما يتصور البعض. أما فى مجال كثير من الأمور الحياتية والقيم الأخلاقية وبعض الشرائع التفصيلية فإنها تتسق مع مبادىء الإسلام كما ورد فى الوصايا العشر: لا تقتل.. لا تسرق.. لا تزن.. لا تكذب.. إلخ, وكذلك وعلى عكس المفهوم الشائع فإن المسيحية (وفقا لعقيدة الكنيسة المصرية) تحرم الخمر ولحم الخنزير وكذلك تحرم الربا والشذوذ الجنسى.

والإسلام هو مؤسس المواطنة، حيث تساوى الناس فى دستور (صحيفة) المدينة فى الحقوق والواجبات بما فى ذلك اليهود. وقبل الإسلام كانت المواطنة تعنى التوحد على دين واحد, بل على مذهب واحد (كما هو الحال فى التاريخ الأوروبى)، وحتى فى الزكاة وهى فريضة دينية فإن الفقراء من غير المسلمين من مواطنى الدولة لهم حق فيها، أو من بيت المال.

والإسلام على خلاف التاريخ الأوروبى كفل الحرية التامة للاعتقاد, فللمسيحيين الحق فى ممارسة عبادتهم وشعائرهم, والتمسك بعقائدهم وبقوانينهم الخاصة بالأحوال الشخصية. وينسى كثيرون أن جميع الكنائس فى مصر قد بنيت فى عهد الإسلام, لأن الحكم الرومانى السابق على الإسلام منع المسيحيين الأرثوذكس المصريين من ممارسة شعائرهم أو إبداء معتقداتهم، ودمر كنائسهم أو استولى عليها لحساب المذهب الذى كان يتبناه الرومان.

وينحصر الحوار داخل التيار الإسلامى حول مسألة تولى غير المسلمين للوظائف العليا للدولة كالإمامة وقيادة الجيش والقضاء والولاية على الصدقات, لأنها أمور تتصل مباشرة بالعقيدة، أى بتطبيق الشريعة الإسلامية والاجتهاد فى ذلك وأحكام الجهاد. وهو ما سماه المواردى وزارات التفويض، أما وزارت التنفيذفهى مفتوحة لغير المسلمين. ويضيق المستشار طارق البشرى من هذه المساحة حين يشير إلى أن ما يسمى وزراء التفويض أصبحوا محدودين للغاية فى النظم الحديثة، بل إن السلطات الفردية تتجه للتلاشى لحساب المؤسسات والهيئات، وبالتالى فإن مشاركة غير المسلمين فى جميع المؤسسات لا تؤثر على الولايات العامة للمسلمين (المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية دار الشروق الطبعة الثانية راجع صفحات من 669-690).

والمقصود بذلك أن القرارات تصدر من مجلس الوزراء بالأغلبية, فوجود وزراء مسيحيين لا يؤثر على الولاية العامة للمسلمين، وكذلك الأمر فى الهيئة التشريعية التى تضم مئات الأعضاء بينما لن يزيد المسيحيون عن 10 أو 20% فى أحسن الأحوال. وفى الهيئات القضائية نجد أنها تتكون فى معظمها من 3 أو 5 أو 7 أعضاء. وفى الجيش المصرى يشارك المسيحيون بشكل طبيعى حتى وصل اللواء عزيز غالى إلى قيادة الجيش الثانى خلال حرب أكتوبر، وحاليا يوجد مسيحيون فى أعلى مراتب الجيش (قائد أحد الجيوش، ورئيس أركان القوات الجوية على سبيل المثال), لذلك فإننا نطالب بمساهمة المواطنين المسيحيين ومشاركتهم فى كافة الهيئات السياسية الرسمية والشعبية كالأحزاب والنقابات والمجالس المحلية والتشريعية والجمعيات، وهو أمر متحقق بالفعل من الناحية القانونية الآن.

والوضع الخاص للإمامة أو قيادة الجيش أو قيادة هيئة الزكاة، عندما تُخصص للمسلمين فليس فى ذلك أى تمييز ضد المسيحيين، فهو مبدأ ديمقراطى أى أن يكون الحكم للأغلبية، والإدارة الصحيحة لهذه المواقع تتطلب معرفة إسلامية، واعتقاد إسلامى (أى ليست مجرد معلومات)، وليس فى ذلك أى إهانة لأحد, أو تقليل من شأن أحد. فنحن لا نطالب مثلا أن يكون رئيس الولايات المتحدة أو فرنسا أو روسيا مسلما، بينما المسلمون أقلية ضئيلة, فهذا يتعارض مع أبسط قواعد المنطق وحكمة تاريخ وسنن المجتمعات، والديمقراطية! وإذا كان مسموحا للمسلم أن يترشح فى الولايات المتحدة مثلا فلا يوجد أحد يتصور أن ينجح هذا المرشح. وبالتالى فإن الإلحاح على طرح هذا السؤال: هل توافقون كإسلاميين على تولى مسيحى لحكم البلاد؟! هو سؤال غير منطقى ولا محل له. كما أن الإثارة المتوالية لفكرة أن تطبيق الشريعة الإسلامية يعنى التمييز ضد المسيحيين فهى بدورها كسابقتها نوع من المطالبة بإلغاء الإسلام، لأن تطبيق الشريعة جزء لا يتجزأ من العقيدة، ولا ندرى ما هو الأصل الديمقراطى للقول بأن 94% من المجتمع يلغون عقيدتهم حتى لا يثيروا حفيظة 6% منه. مع ملاحظة أن العقيدة تعنى هنا بالنسبة للمسلم مصيره الأبدى، أى خلوده فى الجنة أو خلوده فى النار. فهل يمكن التضحية بالدنيا والآخرة لأن هناك أقلية تدين بدين آخر.

فما بالنا والعقيدة الإسلامية هى العقيدة الدينية التى لا تجرح مشاعر أحد، بل التى توفر الضمانات لغير المسلمين أكثر من أى نظام فى العالم. وهذا موضوع طويل, ولكن التاريخ حسم ذلك بألف مثال ومثال (بالنسبة لمصر أباد الرومان المسيحيين المصريين لمجرد خلاف مذهبى وقتلوا الملايين، فهل حدث ذلك فى أى عصر إسلامى حتى فى عهود الانحطاط!). أما الآن فنحن نرى مثلا أن الولايات المتحدة لا تسمح للمسلمين بتطبيق قانون أحوالهم الشخصية, فإذا تعددت زوجات المسلم يحاكم ويسجن، ونرى تزايد حالات الاستفزاز من الحجاب الذى وصل إلى حد المنع القانونى فى فرنسا، رغم أن ارتداء الحجاب ليس فيه أى اعتداء على أحد. ونرى استفتاءا فى سويسرا لمنع المآذن. فهل منع أى بلد إسلامى أبراج الكنائس؟!

باختصار فإن تطبيق الشريعة الإسلامية فى جوانبها القانونية لا يمثل أى اعتداء على أحد ولا يمثل فرضا لعقيدة الإسلام على أحد.

ولكن منذ عدة عقود تتصاعد أزمة طائفية فى البلاد وبالتحديد منذ سنوات السبعينيات من القرن العشرين. وقد ذكرنا من قبل (راجع كتاب: أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين) أن مسئولية ذلك تعود إلى الدولة والحركة الإسلامية وقيادة الكنيسة. أما الدولة بمعنى النظام الحاكم فهو لا يحسن إدارة أى مجال من مجالات حياتنا، فليس هذا هو المتغير الأهم، أما الحركة الإسلامية فقد نشأت لها فروع متشددة فى التعامل مع المسيحيين, ونرى أنه جانبها الصواب من الناحية الشرعية (بعض الجماعات الإسلامية) ولكننا لا نناقش ذلك الآن، لأن هذه الجماعات انحسرت، والسائد الآن فى التيار الإسلامى هو الموقف الذى طالما دعونا له والذى أشرنا إلى ملامحه فيما سبق، وكان أهم تغير هو فى مواقف الإخوان المسلمين فى اتجاه موقف حزب العمل، وسقط تحفظها فى مجال ترشيح وتأييد ترشيح مسيحيين فى مجلس الشعب والنقابات والمجالس المحلية، وكانت بداية الانعطاف فى انتخابات عام 1987 فى إطار التحالف الإسلامى بين حزب العمل والإخوان المسلمين.

أما التغير الأهم فهو فى موقف الكنيسة، ففى عهد البابا شنودة تحولت الكنيسة لأول مرة منذ تأسيسها إلى كيان حزبى للمسيحيين، وسلطة سياسية للشعبالمسيحى داخل الدولة. وهو الأمر الذى ساهم فى حدوث حالة التكتل الطائفى غير المسبوقة، حيث أصبح هناك مجتمع شبه كامل للمسيحيين على أرض مصر، وأصبحت قيادة الكنيسة هى الواسطة بين المواطن المسيحى والدولة المصرية. وكان هذا الموقف الجديد تماما على الكنيسة من أسباب حدوث هذا الشرخ. وقد تمكن البابا شنودة من تحقيق مشروعه بإحكام سيطرته الفردية على الكنيسة وفرض رؤيته على الجميع، وأزاح من طريقه كل أقطاب الكنيسة كمتى مسكين والأنبا جريجوريوس على سبيل المثال, وكانوا مختلفين مع هذه الرؤية باعتبارها خروجا على التقاليد الراسخة للكنيسة المصرية من عهد مرقس إلى عهد كيرلس. وقد ساعد البابا شنودة على تحقيق مشروعه عاملان: 1. ضعف النظام السياسى. 2. تزايد النفوذ الأمريكى فى مصر. فقد ضعف النظام السياسى الذى أخذ فى التراجع أمام هذا المشروع الجديد لقيادة الكنيسة خشية إغضاب الولايات المتحدة التى أعلنت نفسها حامية حمى المسيحيين فى مصر، كما كانت حماية الأقليات من المبررات الرسمية لاحتلال بريطانيا لمصر!

وكانت بداية الالتقاء بين موقف البابا شنودة والموقف الأمريكى فى عهد السادات, حين وقف الطرفان بحزم ضد رغبته فى تقنين الشريعة الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى وقف التقنين بالفعل وكان ينتظر مجرد الإقرار فى مجلس الشعب. ولكن تحت هذه الضغوط (الأمريكية فى المحل الأول) أطاح السادات بالدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب، الذى قاد عملية التقنين التى دخلت فى غياهب النسيان حتى اغتيال السادات وحتى الآن. بل فى عهد مبارك تم إدخال مادة مريبة فى الدستور خلال التعديل الأخير عن المواطنة فى محاولة للإلغاء الضمنى للمادة الثانية، التى تنص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع. وأصبح النظام يشير إلى هذه المادة الجديدة كمبرر لعدم مشروعية الأحزاب السياسية وأى نشاط إسلامى له طابع سياسى، وهى بدعة جديدة، أى أن يتم وضع مادة جديدة وكأنها تلغى مادة أخرى دون إلغاء الأخيرة بشكل صريح خوفا من إثارة الرأى العام! وأصبح النظام يتراجع بانتظام أمام المطالب الأمريكية، رغم انتقاداته الإعلامية لتقارير أمريكا حول الحريات الدينية، وهى سياسة جديدة للولايات المتحدة, أى استخدام هذا التقرير السنوى للضغط على الأنظمة الصديقة والمناوئة على السواء من خلال إدعاء أمريكا مناصرة الأقليات الدينية. وأصبحت الكنيسة عمليا محصنة ضد تدخل الدولة القانونى فى أى شئون إدارية أو مالية، وأصبحت أجهزة الدولة عاجزة عن أى تدخل فى النشاط الكنسى البعيد تماما عن العقيدة كالأنشطة الاجتماعية والرياضية والفنية ومجموعات الدروس الخصوصية، والاجتماعات ذات الطابع النقابى والسياسى التى تحدد موقف الكنيسة كحزب سياسى، خلال الانتخابات العامة والنقابية، وأيضا خلال الأنشطة العامة على مدار الساعة. وإذا كون المسيحيون حزبا سياسيا صريحا فإن ذلك سيكون أفضل من الوضع القائم من عدة زوايا: فالحزب السياسى الصريح سيكون مطالبا بتقديم برنامج عام للوطن لا الاكتفاء بالمطالب الطائفية، وسيكون له مقرات تخضع لكل ما تخضع له الأحزاب السياسية الأخرى، وسيكون له صحيفة تتحدث فى الشئون العامة لا الطائفية فحسب، أما فى الوضع الراهن فقد ارتبط ما هو سياسى بما هو مقدس، حيث لا يمكن انتقاد هذا الحزب غير المعلن لأنه يعمل داخل أسوار الكنيسة والمبانى العديدة التابعة لها، لأنه سيصبح انتقادا للكنيسة, أى اعتداء على عقيدة ودين الأقلية، وسيتحول الموضوع إلى اضطهاد دينى لا خلاف سياسى. أما الأغلبية المسلمة وقواها السياسية فأصبحت هى المضطهدة، حيث تم تأميم المساجد والسيطرة على أنشطتها المختلفة بنسبة تصل إلى 100%!! بينما الكنيسة حرة فى أنشطتها وتمويلها الذى ليس له أى حساب رسمى بنسبة 100%. ونحن نريد الحرية المشروعة للعبادة للجميع مسلمين ومسيحيين.

وحتى كبار رجال الأعمال المسيحيين أصبحت لهم حصانة خاصة مهما فعلوا من أعمال منافية للقانون، خشية الاتهام بالاضطهاد الدينى. وحتى قضية بناء الكنائس التى تحولت إلى قضية ساخنة، فإن عهد مبارك قد شهد الموافقة على بناء عدد غير مسبوق من الكنائس. وكلما استجابت الدولة للكنيسة كلما ارتفعت أصوات القيادة الكنسية بالصراخ من الاضطهاد!!

ونحن نرى أن الكنائس يجب أن تبنى بشكل لائق وبما يتناسب مع عدد السكان فى كل مكان. ولعل الإخوة المسيحيين يدركون أنه مع تقدم المشروع الطائفى والانفصالى فإن إحساس المواطن المسيحى بالأمان يتراجع ويتقلص. فلا الأسوار العالية تضمن الأمان, ولا حماية الولايات المتحدة. الأمان الحقيقى فى علاقات المودة والتراحم والبر بين المصريين بعضهم البعض. ومن المؤسف أن نقول إن بعض مجموعات أقباط المهجر متصلة علنية باللوبى اليهودى الأمريكى وبإسرائيل. وقد قرأنا مؤخرا لرئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية عن دور إسرائيل فى إحداث الفتنة الطائفية فى مصر.

إن الأمريكيين والإسرائيليين يسعون لاستخدام المسيحيين المصريين كوقود لتمزيق الوحدة المصرية، وإضعاف الكيان المصرى الذى هو أكبر تهديد لإسرائيل وللنفوذ الأمريكى فى المنطقة (على المدى الطويل وليس فى ظل هذا النظام بطبيعة الحال), ووصلت إدعاءات بعض تنظيمات أقباط المهجر إلى اتهام النظام المصرى بالوهابية والإسلام المتطرف, وهذا كلام أقرب إلى الهزل منه إلى كلام العقلاء. فلماذا لا يفكر المواطنون المسيحيون إلى أى منحدر يقودهم هذا المخطط الأجنبى؟!.

إن الإنجيل يدعو إلى السلم والمحبة واللين. المسيحية فى عهدها الصافى أى فى عهد المسيح بن مريم لم تنتشر إلا بهذه القيم، والحركة الإسلامية تنتشر فى مصر الآن وهى محرومة من كل المساجد!!

إن الذى يحافظ على الوحدة الوطنية حقا هو حسن المعاشرة ولطف المعاملة ورعاية الجوار وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان. لذلك تجد العلاقات بين المسلمين والمسيحيين من كبار السن علاقات طبيعية وودية وصحية أما الأجيال التى نشأت فى الثلاثين سنة الأخيرة فهم فى أحسن الفروض لا يعرفون بعضهم البعض!

ويشكو المسيحيون أحيانا من ممارسات الأمن، وهناك بالفعل ما يمكن أن نسميه تقلصاتتحدث بين أجهزة الأمن والكنيسة، وهى تقلصاتلأنها موسمية ولا تقارن بما يمارسه الأمن مع الأحزاب الإسلامية. وهى تحدث لأن الأمن يشعر بأن سيادته المطلقة والمحكمة على رقاب العباد جميعا، مقيدة إلى حد بعيد، فى مجال التعامل مع الكنيسة، والأمن يعالج مسألة الوحدة الوطنية بعقليته الأمنية. ومن نافلة القول أن نقول أن مشكلة بهذا الحجم لا يمكن أن تحل فى إطار أمنى ككل المشكلات الكبرى فى البلاد. وأن الصوت الأعلى فى هذه القضية متمثلا فى الإعلام يروج هذه المعضلة عن طريق الإمعان فى علمنة الدولة، وهو الأمر الذى يزيد المعضلة استفحالا.

ونحن لا نملك إلا التوجه للمواطن المسيحى لنقول له أن التوجه إلى الإسلام والعودة إلى شريعته ليس فى مواجهتك بأى حال من الأحوال، فهى عودة للذات وعودة إلى الله، وهو تيار فى مختلف البلاد العربية والإسلامية، كما أن العودة للأصول الدينية تيار موجود لدى مسيحيى مصر وفى مختلف بلدان العالم. ولابد من التفاهم والحوار مع التيار الإسلامى والاستماع إلى رؤيته ودراستها. ونحن نزعم أن الرأى الغالب فيه والذى يسميه البعض الإسلام السياسى لا يضمر لكم أى شر، ويسعى ويرغب فى إعادة اللحمة الوطنية المصرية إلى ما كانت عليه فى إطار دينى وطنى وليس فى إطار علمانى. فإذا كنت متدينا حقا بالمسيحية، فإن أخوة الإسلام هم أقرب الناس إليك. الولايات المتحدة لا تأبه بالمسيحية وإلا لكانت اهتمت بأخلاقياتها على الأرض الأمريكية، أمريكا لا تعرف إلا مصالحها واستمرار سطوتها وتسلطها على الشعوب. وأنت تعرف رأى اليهود فى المسيح عليه السلام ولا نريد أن نكتب وقاحاتهم. وأمريكا وإسرائيل يتفقان على إضعاف مصر واستعمارها بوسائل حديثة، ومن يحب مصر وتربى فى مدرسة الوطنية المصرية وعصر الشهداء القبطى من أبرز ملامحها التاريخية، فلا يقبل بهذا المخطط الصهيونى الأمريكى. قوة مصر فى اتحاد بنيها. وعدم إدراك هذا المخطط أكبر تهديد لسلامة وأمن وطمأنينة ووطنية المسيحيين، وبديهى أنه ضار بأمن وحضارة مصر. ولا ننفى وجود مشكلات لكم أو مطالب أو هواجس, ولكنها تحل بالحوار والتفاهم وفى الإطار الوطنى. والضمانة الأساسية لذلك أن الله يأمرنا بذلك: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

والبر يعنى أن تعطى صاحب الحق أكثر من حقه, وقد استخدم القرآن هذا اللفظ مع الوالدين فقال عن سيدنا يحيى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: 14), وقال على لسان المسيح: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: 32), والقسط هو العدل. وليس بعد البر أو العدل ما يمكن أن تقدمه لأى إنسان.

*****

ملاحظة: كتب هذا الموضوع قبل حدوث التفجير المأساوى بكنيسة الإسكندرية والتى راح ضحيته حوالى 18 مواطنا مسيحيا، ونحن إذ ندين هذه الجريمة فى حق الأبرياء من بنى الوطن، نقول إن الإسلام منها براء. ولكن الوفاء لهذه الدماء وهذه الأرواح المصرية يعنى أن نعمل على سد كل الثغرات حتى نمنع تكرارها. وما ورد فى هذه الحلقة تضمن التحذير من الفتنة، كما تضمن رؤيتنا للمواجهة الوطنية المخلصة لهذه المعضلة، وقد أصدر الحزب بيانا بهذه المناسبة طالب فيه بتشكيل لجنة من الحكماء المسلمين والمسيحيين، ذات طابع قومى وغير حكومى، لبحث كل القضايا المتفجرة بهدوء وصراحة فى اجتماعات مغلقة, والتوصل إلى توصيات محددة يتم فرضها على جميع الأطراف بالقوة الأدبية وبقوة الرأى العام المصرى الإسلامى والمسيحى.

ملاحظة: بعد انتصار الثورة تبين فى مفاجأة مذهلة أن أجهزة أمن مبارك وراء تفجير كنيسة القديسين, كما تبين فيما بعد أن ذيول أمن الدولة والحزب الوطنى وراء تفجير فتنة أطفيح!! وهذا ما يكشف عن المجرم الحقيقى وراء تفجير الرابطة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين. كما كشفت الثورة المجيدة أصالة الشعب المصرى ورغبته الجارفة فى الوحدة الوطنية.

وهذه الملاحظة هى الإضافة الوحيدة على الدراسة فى كل أبوابها, فهى دراسة كُتبت فى السجن قبل اندلاع ثورة 25 يناير.

(17) البحث العلمى

التعليم هو القاعدة العريضة لتربية وإعداد أبناء الأمة بأسرها، وينبثق من هذه القاعدة ويبنى عليها قطاع البحث العلمى، حيث ينخرط فيه أنبه وأذكى العناصر من التعليم الجامعى. والجامعات من المفترض أن تكون صروحا ومرتكزات أساسية لانطلاق البحث العلمى من خلال مراكز متخصصة أو أبحاث يكلف بها الطلاب النابهون فى دراستهم الجامعية أو العليا (رسائل الماجستير والدكتوراه). ولكن البحث العلمى أشمل من ذلك,فلابد أن ترعاه الدولة على أعلى مستوى من خلال مجلس أعلى للبحث العلمى، وأن تكون هناك خطة قومية للبحث العلمى، تقوم على تنفيذها مراكز بحوث متخصصة فى مجالات عدة,وأن يكون بين هذه المراكز البحثية التابعة للدولة، والمراكز الخاصة التى تنشأ فى كنف النشاط الصناعى والزراعى التى تقوم بها الوحدات الاقتصادية الخاصة، والنشاط البحثى فى الجامعات، تنسيق كامل وتوزيع أدوار وتقسيم عمل، وفقا لخطة التنمية ووفقا للأولويات الوطنية.

والعلم هو أساس قوة أى مجتمع، ينعكس فى قوتها الاقتصادية والعسكرية وكافة مناحى الحياة. والدولة التى تتخلى عن العلم تخرج من السباق الحضارى، وتتحول إلى دولة مهيضة الجناح لا خطر لها ولا وزن بين الأمم.وقد شهد العالم ويشهد تطورات مذهلة فى البحث والكشوف العلمية وتتسابق الأمم فى ذلك, ولا تقدر الدول على الإلمام والتبحر فى كل المجالات من كثرة تشعبها وتفرعها,ولكن على الأقل فإن كل دولة تعطى أولوية لمجالات دون أخرى وفقا لاهتماماتها وحاجات مجتمعها الملحة,أو للحفاظ على مكانتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

أما القول بأن هناك أمما قد سبقتنا,وأن علينا أن ننقل ما توصلت إليه وهذا يكفى ولا يجوز أن نطمع فى أكثر من ذلك، فهى رؤية انهزامية ولا نريد أن نقول غير وطنية. فحتى النقل إذا لم يرتبط بالإبداع الخاص يصبح نقلا بليدا، وأنت لا يمكن أن تنقل العلم دون أن تبرع فى تطبيقه، وإذا لم تعبر الجسر بين العلم النظرى والتطبيقى الواقعى (التكنولوجيا) فلن تدرك حتى كيفية استخدام واستعمال التكنولوجيا الحديثة وسترجع فى كل صغيرة وكبيرة للخبير الأجنبى أو المورد. إن نقل العلم النظرى ضرورى بلا شك، ولكن ليس لمجرد رفع مستوى مناهج العلوم الطبيعية فى الجامعات فى انفصال كامل عن الوقع، وإلا سيتحول إلى علم لا ينفع. بالإضافة لذلك فإن أرض الله واسعة، بمعنى أن مجالات وروافد وفروع العلم لا تنتهى ويمكن لأمة أن تنجح كما ذكرنا فى مجالات أكثر من مجالات الأخرى.

ولنضرب مثلا بالنهضة الأوروبية، فقد قامت على أساس نقل العلوم من الحضارة الإسلامية وترجمتها وتحويلها إلى عمود فقرى للنهضة حيث بلغ عدد الجامعات 180جامعة مع حلول عام 1500,وكان ذلك فى مجالات الميكانيكا والفيزياء والبصريات والكيمياء والرياضيات وغيرها. ولكن كانت هذه هى نقطة الانطلاق للدخول فى عالم الكشوف العلمية الأكثر تطورا. وقد ثبت مثلا أن كوبرنيكس صاحب نظرية حركة الكواكب ودورانها حول الشمس قد استندت دراسته كما قال هو!إلى ما استفاد منه من دراسات البتانى والبطروجى والزرقالة وابن رشد وثابت بن قرة. ولكن الثابت أيضا أنه استفاد من نظريات نصير الدين الطوسى وابن الشاطر (مصباح علاء الدين دار الكتاب العربى بيروت الطبعة الأولى 2009للباحث الأمريكى وعالم الفيزياء جون فريلى).

إن الأمة التى تترجم النظريات من الأمم التى سبقتها وتكتفى بتدريسها فى الجامعات هى أمة بليدة، ولن تستفيد كثيرا من ذلك، فالغاية الأساسية هى الأخذ ثم البناء على ذلك، وأن تكون لكل أمة إبداعاتها الخاصة وإسهامها الخاص فى التقدم العلمى. والمعروف أننا نقول بالنقل من أوروبا والغرب منذ 200 سنة,وهذا كاف لكى نبدأ فى إبداعنا الخاص ومشاركتنا الإيجابية، بل لا شك أننا تأخرنا كثيرا فى ذلك. بل لقد فعلنا شيئا معاكسا يؤدى إلى تبديد أى رأس مال علمى نكونه، أولا بأول، وهو هجرة (أو نزيف) العقول، فكلما أعددنا عالما هجَّرناه للغرب ليسهم فى تقدم العلم هناك، بينما نظل نحن فى موقع المتلقى والمستهلك. رصد تقرير لجهاز الإحصاء المركزى 600 عالم مصرى من العلماء النادرين موجودين فى الغرب,وأن عدد العقول المهاجرة من مصر وصل إلى 854 ألف عالم وخبير خلال النصف قرن الماضى وحتى الآن. وقدرت أكاديمية البحث العلمى فى مصر خسائر مصر من نزيف العقول بما يجاوز 45 مليار دولار وقدر جهاز الإحصاء أن 40% من المبعوثين للخارج لا يعودون! ويرفع د. ماجد الشربينى رئيس أكاديمية البحث العلمى النسبة إلى 48%!

ومن الأمثلة الصارخة التى نشر عنها مؤخرا العالم القناوى (أى من محافظة قنا) إبراهيم سمك خريج جامعة أسيوط الذى يقوم الآن بدور رائد فى نشر توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية فى ألمانيا. وهانى عازر الغرباوى (أى المولود فى طنطا)، الذى أصبح رائدا فى تصميم وتنفيذ أنفاق القطارات فى ألمانيا أيضا، وأنشأ فى برلين أهم محطة قطارات فى العالم!

وبمناسبة القطارات ولتأكيد أن الأمم لا تسير خلف بعضها فى طابور رتيب، بل تسير كسباقات الأولمبياد حيث قد يفوز فى آخر السباق من كان متأخرا فى أوله, نقول إن اليابان كانت رائدة فى تكنولوجية صناعة القطارات السريعة (القطار الطلقة) فى وقت كانت الصين ترسف فى أغلال التخلف. أما الآن فقد سبقت الصين اليابان عموما على المستوى الاقتصادى العالمى، أما فى مجال القطارات فقد تفوقت الصين على اليابان وأصبح لديها أحدث منظومة للقطار الطلقة (أى أن سرعته كسرعة طلقة رصاص) والذى وصل إلى قرابة خمسمائة كيلومتر فى الساعة!

وسيستمر نزيف العقول المصرية إذا ظلت الأوضاع على ما هى عليه,والتى تتلخص ببساطة فى أنه لا توجد فى مصر منظومة للبحث العلمى، بل وصل الأمر فى هذا المجال إلى حد الصفر الكبير وفقا لوصف فينيس كامل وزيرة البحث العلمى السابقة (ميزانية أكاديمية البحث العلمى أقل من 3 مليون دولار!!) وكل ما قد نسمعه أحيانا عن بحوث أجريت فى مصر، فهى محاولات ومبادرات فردية تم وأدها بنجاح ولم يسمح لها بأن تتطور وتتشابك مع منظومة متكاملة للبحث العلمى، لأن الباحث فى مجال معين يحتاج عادة لمساندة من باحث فى قطاع آخر فى نقطة مشتركة بينهما. والأهم من ذلك أن البحوث الجادة تنتقل إلى الأرشيف، ولا تتم الاستفادة بها فى أى مجال، وهو الأمر الذى يمثل بيئة طاردة للعلماء خارج البلاد فى مختلف المجالات.

ويؤكد د. أحمد زويل ما ذكرناه آنفا، وهو أن قاعدة الاكتشافات العلمية والتطبيقات التكنولوجية الحديثة، تستند أساسا إلى الالتزام بالاستثمار القوى فى التعليم العلمى فبدون وجود قاعدة علمية أساسية فإن الدول لن تتمكن من الحصول على المعرفة التى تمكنها من إنتاج الاختراعات والاكتشافات، التى تسهم بدورها فى تشكيل مستقبل الأمم.

ويشير هذا الحديث إلى مسألة التعليم العلمى ثم الأبحاث التى تستهدف بحث الظواهر الطبيعية التى لا تبدو لأول وهلة مقدمة للتوصل إلى اختراع محدد، أى أبحاث يحددها الفضول العلمى فى المحل الأول.ويضرب أمثلة عدة بالأبحاث العلمية حول الليزر، والتى تحولت فيما بعد إلى صناعة لها سوق عالمية بالمليارات فى مجالات: الطب والصناعة والزراعة والدفاع. كما أن نظرية علمية مجردة هى التى قادت إلى الجهاز الشهير الآن (الرنين المغناطيسى) وكذلك الأمر بالنسبة للترانزستور. ثم يقول: (حفظ المعرفة سهل, ونقلها أيضا أمر سهل ولكن صناعة معرفة جديدة ليست بالسهل، وليست مربحة على المدى القصير، غير أن التاريخ أثبت أن المعرفة أساس النهضة والتقدم) (مقال لأحمد زويل فى مجلة Natureالعالمية 18نوفمبر 2010).

إذا عندما نتحدث عن منظومة البحث العلمى فنحن نتحدث عن هرم له 3 مستويات:

1- الارتقاء بالدراسات النظرية فى مجال العلوم الطبيعية بالجامعات، وهذه تعتمد إلى حد كبير على النقل والترجمة من الأمم التى سبقتنا.

2-ثم قاعدة للبحث العلمى فى مجال النظريات العلمية لفهم واستنباط ظاهرة طبيعية جديدة.

3- ثم قاعدة البحوث التطبيقية التى تستفيد من النظريات العلمية المنقولة أو المبتدعة فى الوطن، فى التوصل لاختراع عملى جديد فى أى مجال من المجالات، وهذا ما يطلق عليه التكنولوجيا، التى ما هى إلا ربط حقيقة علمية ما باختراع عملى ما وفقا لتوليفة محددة، وبالمناسبة فهذه التوليفة قد تتنوع وتتشكل بصور مختلفة بين بحث وآخر، وبين دولة وأخرى.. وهكذا. وهذه هى قمة الهرم ولكن لا يمكن الوصول إليها بدون المرحلتين الأوليين.

ومن المؤسف أننا لا نمتلك أى مرحلة من هذه المراحل بصورة حقيقية,ولكن لا شك أننا قطعنا شوطا لا بأس به فى المرحلة الأولى، ولكن بطريقة النقل والترجمة,ومع ذلك فإننا نلحظ تأخرا فى هذا المجال فى إطار التدهور العام لمستوى التعليم فى الجامعات مع تكدس أعداد الطلاب، ونقص الإمكانات فى المعامل والتجارب العملية، وهبوط مستوى التعليم عموما فى الجامعات. ولكن مهما حققنا من تقدم فى هذه المرحلة (فى النقل والترجمة) فإن ذلك لن يدفع البلاد إلى الأمام إلا بالمرحلتين التاليتين، وبدونهما سنواصل تصدير أفضل خريجينا للغرب!

قوة الأمم = العلم، هذه معادلة لا مراء فيها,فالقوة العسكرية والاقتصادية لأى أمة = قدرتها العلمية. ومن حق المؤمنين أن يخشعوا عندما يتذكرون أن أول اتصال بين السماء والأرض فى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كان:(اقْرَأْ) – (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ .الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ .عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). وهو أمر مذهل بكل المقاييس لا يمكن أن يكون إلا من عند الله. فمحمد أمى، ومجتمعه أغلبيته الساحقة أمية، حتى أن الذين يعرفون القراءة والكتابة يقال أنهم كانوا مائة أو مائتين! وهذه الآيات تتنزل فى مجتمع بدوى متخلف لا يمت بصلة بما نسميه الآن البحث العلمى، بل كان مجتمع الرعى والأشعار والبلاغة.. إلخ,بينما كانت أمم أخرى تعرف درجات من البحث العلمى: فى مصر وفارس وبلاد الروم على سبيل المثال حتى قبل البعثة المحمدية بقرون! أما الآن فى القرن الحادى والعشرين فإننا نعلم جيدا معنى هذه الكلمات الإلهية.. فقد كان الصراع فى الحرب العالمية الثانية سباقا محتدما حول الاختراعات العلمية، فى مجال الصواريخ والطيران بل أدى هذا الصراع المحموم فى مجال الذرة إلى التوصل للقنبلة النووية فى نهاية الحرب (وقد استعانت أمريكا بالعلم الألمانى فى هذا المجال). وعندما اكتسحت جيوش أوروبا العالمين العربى والإسلامى كان ذلك بسبب التقدم العلمى، والفجوة المعرفية التى نجمت عن ذلك بين الطرفين. وكان الصراع الأمريكى السوفيتى يتمحور أساسا حول العلم، وعندما سبق الاتحاد السوفيتى أمريكا فى غزو الفضاء بإرسال أول مركبة مأهولة بالبشر (جاجارين) إلى خارج الغلاف الجوى للأرض، أضيئت كل المصابيح الحمراء فى واشنطن وكان الرد هو حملة قومية للنهضة بالتعليم والعلم حتى لاحقت أمريكا السوفيت وسبقتهم بالوصول إلى القمر خلال عدة سنوات. أما الآن فإن الصراع الأمريكى الصينى يتمحور أيضا حول امتلاك أسباب العلم والتكنولوجيا. وكل تجارب التقدم فى آسيا وأمريكا اللاتينية مرتبطة بتقدم مستوى التعليم والعلم.

(واهتمام القرآن الكريم بالعلم لا يتوقف عند هذه الآيات الأولى، فالعلم هو حقيقة الكون وجوهر الوجود، وهو أساس خلافة الإنسان فى الأرض: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31),وعلم الله هو أساس الوجود، وقد وصف الله جل شأنه نفسه بالعليم 165 مرة، وورد لفظ العلم فى 92آية أما مادة علم ومشتقاتها فبلغت 756 مرة!! والعلم هو أساس قدرة الإنسان على الحرية والاختيار والإرادة التى لا يكون الإنسان إنسانا إلا بها. وعن طريق العلم بنى الإنسان وعمر وأنشأ، وألجم مظاهر الطبيعة، وروض بعضها الآخر لخدمته مستغلا نواميسها لكى يسبح ويطير وينتقل من مكان إلى مكان بسرعة الصوت وينقل صوته ويستقبل الصور بسرعة الضوء، وهو يوشك أن يصل إلى الكواكب، بل ويرسل المركبات لتصوير النجوم والشمس على رأسها: (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ),وسورة العلق تعطينا مفتاح العلم وهو (القراءة) القراءة العامة لصفحة الكون والتأمل فيها، والقراءة بالمعنى الإصطلاحى أى بمطالعة الخط، وما خطه السابقون الأقدمون، على الأحجار والآثار والأوراق وما يكتبه المعاصرون من ثمار تجاربهم وحصيلة معارفهم) (تفسير فاتحة الكتاب وجزء عم أحمد حسين المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أكتوبر 1972 – ص 239 – 241 بتصرف).

نظام مبارك لا يضع البحث العلمى فى حسبانه على الإطلاق، وهذا وحده سبب كاف لتفسير حالة التدهور التى وصلت إليها البلاد. بينما كان نهرو رئيس الهند ورفيق غاندى يرأس بنفسه المجلس الأعلى للبحث العلمى، لبحث الأولويات وتذليل العقبات أمام البحث العلمى، وتوفير التمويل اللازم له. وهذا حدث فى كل الدول التى سبقتنا وما أكثرها خلال الثلاثين عاما الماضية. والإنفاق على البحث العلمى هو المؤشر الدامغ فمصر تنفق على البحث العلمى أقل من 0.23% من الناتج المحلى أى أقل بكثير من 1%، حتى أن عددا من البلاد العربية سبقتنا فى هذا المجال فتونس تجاوزت نسبة 1%، بل سبقتنا السودان ولبنان وقطر 2,8%، والأردن والمغرب,على الرغم أن مصر بها أعلى نسبة من العلماء مقارنة بعدد السكان (تقرير اليونسكو لعام 2010),أما فى إسرائيل فتصل النسبة إلى أكثر من 5%، أما تركيا فأصبحت تصنف رقم 18 فى العالم فى مجال البحث العلمى. ورغم ذلك فإن ما ينفق على البحث العلمى وهو ضئيل للغاية فإن أكثر من 80% منه لسداد الرواتب البائسة للباحثين والإداريين. ومع ذلك فإن البحوث التى يقومون بها بشق الأنفس وبإمكانيات ذاتية فإنها كما ذكرنا تذهب إلى الأدراج.

وفيما يتعلق ببراءات الاختراع فقد كشف الجهاز المركزى للإحصاء أن براءات الاختراع الممنوحة من أكاديمية البحث العلمى فى مصر كان 82% منها عام 2009 منسوبة لأجانب!! وحتى هذه البراءات (وهى قائمة أساسا على جهود فردية) لا تعرف طريقها إلى التحول إلى منتج تجارى. وكثيرا ما ترد فى الإعلام الحكومى المرئى والمسموع والمطبوع نداءات واستغاثات أصحاب هذه البراءات من المصريين الذين لا يجدون آذانا صاغية من أى جهة حكومية، ويقولون لهم اتجهوا إلى القطاع الخاص! وهذا الآخر لا يجيب. إن متابعة قطاع البحث العلمى مسألة أساسية (إستراتيجية) لا يمكن أن تترك للقطاع الخاص خاصة فى المراحل التأسيسية، وبعد استقرار آليات البحث العلمى ورعاية المخترعين لا شك أن القطاع الخاص سيكون له دور فى تمويل البحث العلمى، والتشجع على استخدام تكنولوجيات محلية فى مشروعاته عندما يدرك فائدتها فى تعظيم أرباحه. أما فى ظل الأوضاع الراهنة حيث لا تهتم الدولة بتشجيع الصناعة الوطنية ولا البحث العلمى فكيف سيغامر القطاع الخاص بالولوج لهذا المجال.

ومن الأمور التى يجب أخذها فى عين الاعتبار فى بلد تخلف عن ركب الحضارة والبحث العلمى، أن ندرك أننا يجب أن نبدأ حيث انتهى الآخرون ولا نصعد على السلم خطوة خطوة، فلابد من قفزات، ولابد من اقتحام آخر صيحات البحث العلمى. على سبيل المثال فإن الموجة الأخيرة فى البحث العلمى العالمى تدور حول النانو تكنولوجىوهى تساهم فى التوصل إلى تكنولوجيات رخيصة وأكثر فاعلية.والنانو تكنولوجى هو العلم الذى يبحث فى الذرة وجزيئاتها وله تأثير كبير على مجالات الصحة والإلكترونيات والطاقة والمياه كتحلية مياه البحر وتنقية مياه الشرب والغذاء والبناء والسلامة. وبدأت تظهر فى الأسواق سلع ومنتجات على أساس النانو. علم النانو يضع الأساس للتعامل مع الأشياء على مقياس يتراوح بين واحد و 100 نانو متر. والنانو متر هو جزء من بليون جزء من المتر! على سبيل المثال فإن صفحة الورق يبلغ سمكها حوالى 100 ألف نانو متر!! وبمقياس النانو تختلف الخصائص الكيماوية والبيولوجية للمواد بطرق أساسية وذات قيمة، ويساعد على فهم المواد وابتكارها وقد دخلت تطبيقات ذلك فى كل صناعة تقريبا فى الشرق والغرب. أما فى مصر فقد اقتصر الأمر على بعض البرامج التلفزيونية القليلة التى يستضاف فيها بعض الباحثين المصريين ليتحدثوا عن هذا السحرالجديد، مؤكدين فى ذات الوقت أن مصر لم تدخل هذا المجال البحثى بشكل جاد.

وأخيرا نعود ونلخص الخطوط العامة لخطة النهضة فى هذا المجال:

تأسيس مجلس أعلى للبحث العلمى من أعلى الكفاءات العلمية المصرية فى مختلف المجالات من العلماء المتواجدين على أرض الوطن أو المقيمين فى الخارج.

أن يقوم هذا المجلس بوضع خطط قصيرة، وخطة طويلة الأجل للنهضة بالبحث العلمى فى مختلف المجالات، وفقا لأولويات الاحتياج الوطنى، وأن تكون هذه الخطة ملزمة للدولة بعد مناقشتها على أعلى المستويات السياسية.

إعادة تأهيل مختلف الكليات العاملة فى مجال العلوم الطبيعية، ورفع مستوى الأداء التعليمى بها، وإلغاء سياسة تكديس الكليات بالطلاب بصورة لا تساعد على الارتقاء بالتعلم والاستيعاب وإجراء البحوث العلمية.

ولا يتم ذلك بدون توفير التمويل اللازم برفع نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمى، والإدراك أن الاستثمار الأول والأهم يجب أن يكون فى التعليم والبحث العلمى كما فعلت كل الأمم التى نهضت وارتقت فى معارج التقدم.

التوسع فى إنشاء المراكز العلمية المتخصصة، ومن أبرز الأمثلة المطلوبة: وكالة لعلوم الفضاء.

ربط العمل بين مراكز البحوث العاملة فى مجال واحد أو متداخل: كالربط بين مراكز البحث فى الصحراء والمياه ومراكز البحوث الزراعية فى منظومة تكاملية واحدة.

أن يكون إرسال المبعوثين للتعلم للخارج وفقا لخطة وأولويات البحث العلمى، ثم استيعابهم بعد عودتهم فى إطار بيئة بحثية جاذبة. والأمر لا يتعلق بتوفير مرتبات لائقة لهم فحسب وهذا بديهى ولكن بوجود مشروع نهضوى فى مجال البحث العلمى يرضى طموحاتهم ويحقق ذواتهم. فلا شك أن الباحث الوطنى يقبل دخلا أقل مما يحصل عليه فى الخارج إذا شعر أنه يساهم فى مشروع حقيقى لنهضة بلاده.

توفير الحماية والأمن للعلماء المتخصصين فى مجالات حساسة لأنهم يكونون مستهدفين للتصفية من جانب إسرائيل وغيرها، ولنا فى ذلك تجارب عديدة.

وكما فى كل المجالات فإننا نرى ضرورة توثيق التعاون مع البلاد العربية والإسلامية فى مجال البحوث العلمية، للتنسيق والمساندة فى هذا التحدى الحضارى، كذلك لا تقتصر بعثاتنا العلمية على الدول الغربية,بل يتعين زيادة بعثاتنا للدول الأسيوية واللاتينية الناهضة، مع القيام بأوسع حركة ترجمة تخصص لها هيئة أو مؤسسة محددة لنقل أكبر كم من البحوث العلمية فى مختلف المجالات.

فيما يتعلق بالكفاءات الوطنية العديدة المهاجرة سواء بالإقامة أو بالتجنس فإن التعامل معها يكون بأسلوبين، إما استعادتهم تماما للوطن للمشاركة فى نهضته، أو بإقامة نوع من التعاون للاستفادة من خبراتهم، والاعتماد على استشاراتهم فى مجالات تخصصهم أو الاستعانة بهم فى إلقاء محاضرات متخصصة. ولقد برهنت تجارب الدول الناهضة (الصين وإيران مثلا) أن وجود نهضة علمية وطنية يؤدى إلى جذب وإعادة استيعاب معظم العقول المهاجرة.

إن أهمية تطوير البحث العلمى الوطنى يتعلق بأمر مهم أشرنا إليه، فرغم أن المعارف الأساسية واحدة إلا أن تحويلها إلى تقنية (تكنولوجيا) يمكن أن يتم بوسائل عديدة، عن طريق توليفات متباينة. وبالتالى فهناك ضرورة للتوصل إلى تكنولوجيا محلية تكون أقل تكلفة، وأكثر ملائمة للبيئة، وكذلك أكثر مراعاة للحفاظ على البيئة.

لابد من الاهتمام الخاص بمجال البحث العلمى المتصل بتطوير قدراتنا الدفاعية، خاصة ونحن فى صراع تاريخى مع الصهاينة ومن والاهم، والحروب أصبحت تعتمد أكثر من أى وقت مضى على امتلاك وسائل التقنية الحديثة فى مختلف فروع القوات المسلحة.

(18) الصحة والبيئة

الصحة حق من حقوق الإنسان لا يمكن التنازل عنه، فهو من المكونات الأساسية للحد الأدنى لاحتياجات المواطن، وهو الحق فى الحياة، ثم الحياة الصحية، ولا يمكن تحت أى ذريعة من الذرائع لأى دولة أن تفرط فى هذا الحق. ولقد اتفقت الأنظمة السياسية المختلفة فى العالم على الالتزام بتوفير الضمان الصحى لمواطنيها سواء من خلال الالتزام الكامل للدولة بالعلاج المجانى، أو من خلال نظم التأمين الصحى. أما فى بلادنا فقد حدث فى مجال الصحة كما حدث فى مجال التعليم وباقى المجالات، فقد انتقلنا من نظام محدد وهو المجانية، إلى الفوضى، والآن لا يأمن المواطنون على أنفسهم من غائلة الأمراض. فقد انهار نظام العلاج المجانى، دون توفير بديل حقيقى لجموع السكان، بينما تضخمت فروع العلاج الاستثمارى مرتفع التكاليف، بحيث أصبح الأغنياء أو الطبقات فوق المتوسطة هى القادرة على مواجهة تكاليف العلاج الحقيقى.

فالمستشفيات الحكومية والعامة لا تقدم علاجا مجانيا حقيقيا، بل يطلب من المريض بشكل غير رسمى بدفع تكاليف العلاج كشراء الأدوية، أو بشكل رسمى من خلال ما يسمى العلاج الاقتصادى,وآخر قرارات وزارة الصحة تشير إلى تخصيص 40% من أسرة المستشفيات العامة للعلاج المجانى,وأن يكون العلاج المجانى بين التاسعة صباحا والواحدة ظهرا!! بل إن المتخصصين يشيرون إلى أن هذه النسبة (40%) أقل من الواقع الحقيقى. ويعقب العلاج المجانى مرحلة العلاج الاقتصادى من الساعة 1 إلى 5 مساء!! وهذا العلاج بأجر أصبح موجودا منذ فترة,وأسعاره فى تزايد مستمر,وتقترب حثيثا من أسعار السوق، ثم تأتى مرحلة ثالثة من الساعة الخامسة حتى الحادية عشر مساءا,وهى المرحلة الاستثمارية,وهذه أسعارها مفتوحة وحرة ومتروكة للأطباء,أى ستكون كأسعار السوق تماما.

وتقول وزارة الصحة أن هذا النظام سيوفر تمويلا للمستشفيات العامة,وسيرفع من أجور الأطباء والممرضات، وهو نفس منهج التعليم الأجنبى والمفتوح داخل الجامعات الحكومية,أى تحويل مسألة التمويل من الحكومة للشعب! وهذه معادلة مقلوبة,فالشعب هو مورد وأساس كل ثروات الأمة، والشعب هو دافع الضرائب، فما معنى أن يمول أيضا الخدمات الأساسية التى هى من أخص واجبات الدولة، ونحن هنا نتحدث عن الصحة التى لا تحتمل هذا التلاعب والاستغلال.

وقد أصبح الحديث عن مجانية العلاج من قبيل الهزل عندما تكون تكلفة عمليات القلب مثلا فى المستشفيات العامة تتراوح ما بين 4 آلاف إلى 20 ألف جنيه، ولا يشمل ذلك قيمة الأدوية ولا المحاليل ولا الدم ومشتقاته,ولا قيمة الوصلات والتوصيلات والشرايين الصناعية,ولا أجر طبيب التخدير (650 جنيها لكل عملية).وعندما تكون قيمة جلسة الغسيل الكلوى الواحدة 525 جنيها كما ورد فى اللائحة الموحدة للعلاج بأجر بالمستشفيات العامة.

هذه المستشفيات مؤسسات عامة وملك للشعب، ولا يمكن تحويل وظيفتها عن الأغراض التى أنشئت من أجلها، ولكننا ابتلينا بحكومة لا تعرف الفرق بين الملكية العامة والملكية الخاصة، (وزير الصحة هو صاحب مستشفى دار الفؤاد الاستثمارى) حتى وصل بها الهوس للسعى إلى هدم مستشفى العباسية,وهى مستشفى الأمراض النفسية العامة الوحيدة فى القاهرة,للاستفادة ببيع أرضها تجاريا كأرض معارض، حتى قبل بناء مستشفى بديلة!! بل وأكثر من ذلك يسعى النظام لإقرار نظام جديد للتأمين الصحى,يفتح الطريق لخصخصة التأمين الصحى وتركه لاقتصاديات السوق,وهذا ما لا يحدث فى أى بلد محترم بالعالم.

والمعروف أن علاج التأمين الصحى الذى يغطى العاملين فى الدولة يعانى من التخلف ونقص الإمكانيات والكفاءات,حتى أن العاملين فى الدولة عندما يمرضون يبذلون قصارى جهدهم من أموالهم المحدودة للعلاج الخاص,لأن الحياة أغلى ما يمتلكها الإنسان، فهم يعرفون مدى تدهور أحوال التأمين الصحى.وبدلا من تطويره وكان يحقق فائضا وصل إلى 100 مليون جنيه عام 1995 فإن الحكومة تتعمد تركه للتدهور حتى تبرر خصخصته كما فعلت فى مصانع القطاع العام.

وهنا نجد كما فى التعليم حالة الشح التى تصيب الإنفاق العام بنسبة تقل عن كثير من بلدان العالم,وكأن صحة المواطنين لا تشغل حكام البلاد. فمقابل 20% من الناتج القومى للإنفاق على الأجهزة الأمنية والسيادية,فإن الصحة تحصل على 5% وتهبط فى بعض التقديرات إلى 3,5%. وقد أدى ذلك إلى أن التأمين الصحى الحكومى يغطى بين 40%45% من السكان (مع بؤس أحواله المشار إليها) بينما يغطى التأمين الصحى الخاص 7% من السكان، وهو ما يعنى أن نصف السكان غير مشمولين بالغطاء التأمينى الصحى,اللهم إلا العلاج المجانى الوهمى.

وتؤكد وزارة الصحة أنها تنفق 101 دولار على كل مصرى سنويا بينما يرتفع هذا الرقم إلى 463 دولارا فى تونس، 677 دولارا فى تركيا، بل سبقتنا فى هذا المؤشر بلاد مثل كوستاريكا وبوركينافاسو وسلطنة عمان والمغرب وقبرص. والمعروف أن الإنفاق العام على الصحة يصل إلى 15% من الناتج المحلى فى بلاد الغرب رغم الارتفاع الكبير فى مستويات المعيشة. وتؤكد الدراسات المتخصصة أن المواطن المصرى يتحمل 60% من إجمالى الإنفاق الصحى، بينما فى بلاد مثل الإمارات والجزائر تتحمل الدولة وليس المواطن 70% من إجمالى الإنفاق على الصحة,وتحتل مصر المرتبة رقم 120 فى العالم (وفقا لمؤشرات 2009) فى متوسط العمر المتوقع عند الولادة وهو 72عاما، وفى هذا المؤشر تسبقنا بلاد مثل الأردن وقبرص وليبيا والسعودية وتونس وسرى لانكا، وقطاع غزة المحاصر!!

ولكن فى المجال الصحى فإن بلادنا تشهد حالة لا مثيل لها فى تاريخ البلاد,ولم نسمع بها فى أى بلد آخر، إن البلاد تعانى من حالة وبائية مميتة (وليس هذا هو العجيب),ولكن العجيب أن الحكومة تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها، فهى لا تقوم بإعلان الطوارىء، وجمع العلماء والمتخصصين لبحث الأمر الجلل فى مؤتمرات علمية خاصة وجادة من أجل تفسير هذه الحالة غير الموجودة فى أى بلد مجاور أو فى العالم بهذه الصورة المخيفة.ونعنى بذلك الانتشار الكبير للثالوث المهلك (السرطان الكبد الوبائى الفشل الكلوى) بأعلى المعدلات العالمية، فهذه المصيبة لابد من تفسير علمى لها متفق عليه تتبناه الدولة وتضع خطة المواجهة على أساسها.ولكن الحكومة ورأس الدولة لم يتعرضا أبدا لهذا الأمر على كثرة الخطب والبيانات، وهو أمر يعكس حالة غير عادية من عدم المسئولية. كذلك فإن الهيئات الشعبية والمعارضة لا تعطى هذا الأمر أهميته التى تستحق، ولم تحاول أن تفرض هذا الموضوع على جدول أعمال الأمة، رغم أننا أمام حالة من الإبادة للشعب أو على الأقل تحويله إلى شعب من المرضى. وكما نقول عن حربنا مع إسرائيل أنه لا توجد أسرة لا يوجد بها شهيد. فإننا حاليا لا توجد لدينا أسرة مصرية ليس بها مصاب واحد على الأقل من هذه الأمراض الثلاثة.

والواقع أن هذا الانتشار للثالوث المرضى المميت ليس غامضا تماما، فالعلماء والمتخصصون قالوا كلمتهم,ولكنها مجرد آراء منشورة فى الصحف، فقد قام حزب العمل بأعتى حملة ضد وزارة الزراعة بسبب مسئوليتها الرئيسية عن هذه الكارثة، واعتبرنا أن مصر تعرضت لضربة كيماوية بيولوجية كتلك التى تتعرض لها الشعوب فى الحروب,وقد كانت هذه الحملة من أهم أسباب تجميد حزب العمل وإغلاق صحيفته الشعب، كما أدت إلى حبس كاتب هذه السطور واثنين من صحفى الشعب بتهمة إهانة يوسف والى.أى أن الذى تحدث فى هذا الموضوع بجدية كان هذا هو مصيره!

وقد وصلت الإصابة بالثالوث المميت إلى أرقام قياسية عالمية، وتختلف الأرقام نتيجة عدم اهتمام الدولة بالموضوع، ولكن كل الأرقام تؤكد أن مصر تجاوزت الخطوط الحمراء.. فالإصابة بالفيروس سى وصلت إلى 20% من السكان، وأن 500 ألف مصاب يكتشفون سنويا (تقول وزارة الصحة أنهم 100ألف فقط!) المهم أن التقارير الدولية تضع مصر فى المرتبة الأولى فى الإصابة بهذا المرض الفتاك الذى لا يوجد له علاج شاف.

وفى دراسة علمية نشرتها الأهرام (17سبتمبر 2010)جاء أن معدل الإصابة بالفشل الكلوى 4 أضعاف مثيلاته فى العالم، أى أننا أيضا فى المركز الأول من دون العالمين. وأيضا فإننا نحقق أعلى معدلات فى العالم فى الإصابة بالسرطان (100 ألف مريض سنويا).

ويؤكد العلماء والمتخصصون أن هذا الوباء الثلاثى ترجع أسبابه الأساسية إلى:

1. المبيدات والتقاوى والهرمونات المسرطنة التى ترد للبلاد رسميا أو بالتهريب من إسرائيل ومن جهات خارجية أخرى. واعترفت الحكومة مؤخرا (2010) بوجود 5 آلاف طن من المبيدات المحرمة دوليا فى مخازن الحكومة. وقد ظلت الحكومة مثلا تستخدم مادة اليوريا كسماد للحاصلات الزراعية رغم أن العالم أوقف التعامل به بعد تأكده من تأثيره السرطانى. (د. نادر نور الدين محمد أستاذ الموارد الزراعية بجامعة القاهرة). والملفت للانتباه أن قطاع غزة والأردن يعانيان من ارتفاع معدلات السرطان فيهما أيضا بسبب التطبيع الزراعى مع العدو الصهيونى (غزة مضطرة بطبيعة الحال). وقد ظلت مصر تستخدم المبيدات بكميات هائلة تصل إلى 30 ألف طن سنويا (تتحول فى الواقع إلى 42ألف طن خلال الاستخدام) وهو الأمر الذى أدى لإفساد التربة.

وقد أدى سوء الصرف الزراعى إلى دخول البلاد فى حلقة شريرة، فالصرف الزراعى يصب فى النيل بما يحمله من بقايا المبيدات، فتصل المبيدات للإنسان والحيوان مرة من خلال المزروعات ثم مرة أخرى من خلال المياه، وحتى محطات المياه لا تملك التقنية الكافية لتصفية كل هذا التلوث. بل إن الكلور يتفاعل مع بعض الملوثات وينتج مواد مسرطنة!.

2. ولكن الأمر لا يقتصر على المبيدات والتقاوى والهرمونات، فتلويث المياه لا يأتى من المبيدات من خلال 5,2 مليار متر مكعب سنويا من الصرف الزراعى فحسب، بل من الصرف الصحى والصناعى الذى يصب فى نهر النيل بكميات هائلة (550 مليون متر مكعب سنويا من المخلفات الصناعية وحدها)بالإضافة للصرف الصحى لآلاف القرى. كما أن اهتراء شبكات المياه وبدائية الصرف الصحى فى معظم القرى تؤدى إلى اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحى,وهذه ظاهرة متكررة، بالإضافة لتسرب الصرف الصحى للمياه الجوفية، فإذا لجأ الفلاح إلى مضخات المياه فسيواجه نفس المخاطر. لذلك فإن معدلات انتشار هذه الأمراض فى الريف أكبر لأن الريفى محاصر من كل الجهات,ولأن الصرف الصحى الحكومى لا يغطى سوى 8% من القرى المصرية.

ويؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية الأخير أن تلوث المياه يؤدى إلى وفاة 90 ألف حالة سنويا. ويضع البنك الدولى مصر فى المرتبة الأولى فى التلوث البيئى بين الدول العربية. والمفترض عدم إلقاء هذا الصرف الزراعى الصناعى الصحى فى نهر النيل وهو شريان حياة الأمة، بدون معالجة. لقد حولوا نهر الحياة إلى نهر للموت، وتجاوزت فيه نسبة المواد الضارة كل المعدلات المسموح بها دوليا.وقدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن 38مليون مصرى يشربون مياها ملوثة.

وهذا التلوث فى مياه النيل ليس مسئولا عن الأمراض الثلاثة الخطيرة وحدها,بل عن سلسلة أخرى من الأمراض ليست سهلة لأنها تؤدى إلى موت الأطفال، كالتيفود والباراتيفود ومختلف الأمراض المعوية (وهذه الأخيرة معدلاتها فى مصر أعلى بـ 3أضعاف من الدول المماثلة لمصر فى معدل الدخل السنوى للفرد وفقا للبنك الدولى).

*****

وهذا ينقلنا إلى خريطة الأمراض بصورة عامة بعد الثالوث المميت.

فنحن نعانى بعد تلوث التربة والمياه لتلوث الهواء أيضا بنسبة قياسية على المستوى العالمى، وتشير التقارير الدولية إلى أن القاهرة أكثر مدن العالم تلوثا، وأن الهواء فى القاهرة والمدن الكبرى الأخرى به من المواد الضارة كالرصاص بمعدلات تعدت النسب المسموح بها بمعايير الصحة العالمية، هذه المواد لها تأثيرها الضار على الجهاز الهضمى والمناعى وتتسبب فى أمراض الكلى والكبد,خاصة للأطفال,بالإضافة لأمراض الرئتين,ويرجع تلوث الهواء أساسا إلى عوادم السيارات والمصانع (52%من مصانع مصر فى القاهرة الكبرى).وهذه من نواتج ما بدأنا به هذه السلسلة بالحديث عن مشكلة التكدس السكانى فى الوادى والدلتا، الذى تحول إلى تكدس غير إنسانى فى منطقة القاهرة الكبرى التى تشمل قرابة ربع السكان.

ويقول د. شريف مختار أن مرضى ضغط الدم يصل عددهم إلى 20 مليونا أى نسبة 25% من الشعب المصرى. وجاء فى مؤتمر علمى للأطباء بجامعة الفيوم أن مصر بها 10 ملايين مصاب بالسكر,منهم 1,5 مليون مصرى معرض لبتر الساق. وفى تقرير لمنظمة الصحة العالمية جاء أن وباء السل والملاريا والحمى الخبيثة والدفتريا ظهرت مجددا فى مصر وهى ما يطلق عليها (أمراض الفقر),ووفقا لوزير الصحة فإن مصر من أولى الدول إصابة بمرض القلب، وهذا ما يؤكده أيضا د. مجدى يعقوب.

ويقول د. أحمد عكاشة رائد الطب النفسى فى مصر أن هناك 10 ملايين مصرى يعانون من أمراض نفسية,وبين هؤلاء مليون ونصف مليون مصابين بالاكتئاب، وهذا أمر وثيق الصلة بأحوال مصر الاجتماعية المتدهورة. ويشير أيضا إلى أن الأمراض الطفيلية والمعوية التى تصيب الأطفال فى مصر بسبب تلوث المياه بالإضافة لانتشار مرض فقر الدم (الأنيميا) بسبب سوء التغذية، كل ذلك يؤثر على المخ ويؤدى إلى انخفاض معدل الذكاء. وجاء فى دراسة علمية أن معدل الذكاء فى البلاد التى تعانى من قلة هذه الأمراض مرتفعا، فجاء معدل الذكاء فى هونج كونج 107 كوريا الجنوبية 106واليابان 105والصين 104وسنغافورة 103أما فى مصر فهو 83. وذلك وفقا لمعيار (فلين).

ويربط د. أحمد عكاشة ذلك بمسألة تلوث المياه وما تؤدى إليه من أمراض الطفولة. كما أشارت دراسات علمية دولية عدة إلى مشكلة عجيبة، وهى مسألة تقزم المصريين، أى أن متوسط طول المصريين فى انخفاض مستمر بسبب سوء التغذية وأمراض الطفولة. وكل ذلك يضاف إلى الأمراض المتوطنة كالبلهارسيا، ثم التوطن الجديد لأنفلونزا الطيور والخنازير. وكل ذلك غيض من فيض,وتفاصيل خريطة الأمراض مثيرة للرعب ولا نقول مجرد القلق. ومع ذلك فإن حكامنا يواصلون طريق خصخصة العلاج، والإقلال من الإنفاق العام على الصحة، ويواصلون رفع الدعم عن السلع الغذائية الرئيسية.

وعموما فإن رفع مستوى المعيشة وتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية هو أساس تحسن الحالة الصحية، فالوقاية خير من العلاج، لكننا نعرف أن 48% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وتتزايد مشكلة البطالة حتى وصلت إلى قرابة 27% فى بعض التقديرات (وتقللها الأرقام الرسمية إلى 10%)، وكل ذلك نتيجة سوء سياسات التنمية التى أشرنا إليها التى لا تضع القطاعات الإنتاجية فى مقدمة اهتماماتها، بل والتركيز على وسائل للنمولصالح فئة محددة من السكان.

بل إن مصر الحضارة تعانى الآن من مشكلة القمامة، وأن النفايات والمخلفات الصلبة وحدها تبلغ 75 مليون طن سنويا,وأن أسلوب حرقها يؤدى إلى تلوث الهواء بمواد بالغة الضرر,بل وصلت حالة التخلف إلى العجز حتى عن مجرد جمعها بصورة منتظمة، بل وصل الأمر للجوء لشركات أجنبية للقيام بهذه المهمة دون أن تحل المشكلة خاصة فى القاهرة الكبرى، وهذه علامة خطيرة على حالة العجز الإدارى لنظام بلغ أرذل العمر فى شيخوخته، فأمة تعجز عن التخلص من نفاياتها هى أمة لا تستحق الحياة، لأن حتى الحيوانات تفلح فى ذلك! والحلول معروفة وترددها وسائل الإعلام الرسمية,لكنها لا تنفذ, وهذا هو المقصود بحالة الشيخوخة المتقدمة، حيث يعرف المرء ما يجب عمله,ولكنه يعجز عنه لتخلف قدرته الجسمانية والذهنية. وهذه حالة النظام بدءا من جمع القمامة والتخلص الصحى منها حتى الولوج إلى عالم الإلكترونيات والفضاء! والحل المعروف فى هذا المجال البدائى، أن النفايات ثروة وليست مشكلة، وأن تدويرها يمكن أن يكون أساسا لصناعات عدة مربحة، ليس القمامة فحسب,بل المخلفات الزراعية التى تتسبب فى السحابة السوداء,وهى مصدرا آخر لتلوث الهواء، فقش الأرز وحده يمكن الاستفادة به فى صناعة الورق، وغيرها من المواد التى تدخل فى عدد من الصناعات.

نستنتج من كل ما سبق أننا نرى:

أن سياستنا الصحية يجب أن تقوم على مبدأ الوقاية خير من العلاج، ويتطلب هذا رفع مستوى الثقافة الصحية للمواطنين، واتخاذ الإجراءات العامة الكفيلة بمنع تلوث البيئة فى الجو والماء والطعام، والاعتناء بالنظافة فى البيت والحى والقرية والمدرسة ومكان العمل، والاهتمام بالممارسة المنظمة للرياضة.

توفير العلاج المجانى للمواطنين، والارتقاء بمؤسسة التأمين الصحى، ومد شبكة التأمين الصحى لتشمل كافة المواطنين، والمعروف أن العاملين يساهمون فى هذا الإنفاق من خلال جزء مقتطع من رواتبهم، ولكن الفجوة التى قد تنشأ لابد أن يغطيها الإنفاق العام.

الحفاظ على صناعة الأدوية الوطنية وتطويرها,خاصة وقد حققت البلاد تقدما ملموسا فى هذا المجال منذ أعوام الستينيات من القرن العشرين، وهو ضرورة صحية وأمنية واقتصادية، وكانت قادرة فى السابق على توفير معظم احتياجاتنا بأسعار فى متناول الجميع وأيضا على التصدير.

الاهتمام بمهنة الطب، بالارتقاء بمستوى التعليم فى كليات الطب,وعدم تكديس الطلاب فيها بما يعوق الاستفادة العلمية الحقيقية، ورفع رواتب الأطباء التى وصلت إلى حدود غير مقبولة. والحقيقة فإن البلاد قد أنجزت ثروة حقيقية فى مجال إعداد أطباء على مستوى عال فى مراحل سابقة، ويتعين الحفاظ على هذه الثروة البشرية وتنميتها وتوفير كافة السبل لاستمرار تواصل الأطباء مع التطورات الحديثة فى مجال الطب.

إنشاء مجلس أعلى للصحة من كبار علمائنا فى هذا المجال، وأن تكون أولى مهماته مواجهة الأمراض الخطيرة المتفشية بخطة قومية ذات طابع عملى وملزمة للجميع، وبعد خطة الطوارىء هذه يتولى المجلس وضع السياسات العامة للارتقاء بالصحة والعلاج الطبى ومتابعة الخبرات العالمية فى هذا المجال.

تحويل وزارة البيئة من وزارة دولة إلى وزارة متكاملة لها هيئاتها وهيكلها وسلطات تنفيذية محددة.أما وزارة البيئة الحالية (يتولاها وزير دولة!)فهى مجرد مكتب لإصدار بعض التقارير مع عدم القدرة على المتابعة والحسم. إن مشكلة الحفاظ على البيئة أصبحت من أهم القضايا التى تواجه البشرية حاليا فى ظل حالات الانتهاك الواسعة لسلامة البيئة بحثا عن الأرباح السريعة بأى ثمن.

الاهتمام بالتوسع فى مجال الطب البديل، لأننا فى إطار السير فى خط النقل والتقليد من الغرب، لا نتابع آخر التطورات العلمية حتى فى الغرب، ولا نتابع خبرات شعوب الشرق المبهرة فى المجال الطبى، ولا نهتم كثيرا بإحياء خبراتنا الحضارية والمحلية فى مجال الوقاية والعلاج. والمدارس الطبية الشرقية (الصين على سبيل المثال) لا تسير فى طريق النقل والتقليد,بل لها خبراتها الخاصة وعلومها الخاصة التى تطورها دون انغلاق على التطورات فى الغرب، وهى تعتمد على وسائل لا تركز على الجراحات والعقاقير إلا عند الضرورة القصوى، بل تركز على العلاج الطبيعى، والإبر الصينية القائمة على أساس تحديد خريطة تشريحية لمسارات الطاقة فى جسم الإنسان، وطب الأعشاب القديم. والملفت للنظر أننا نركز على نقل مناهجنا الطبية من الغرب دون أن نلحظ آخر التطورات فيها. فمن بين 127كلية طب معتمدة فى الولايات المتحدة أصبح هناك ما يقرب من 34كلية منها تعتمد على العلاجات البديلة بدلا من استخدام الأدوية والعقاقير مثل الإبر الصينية، وطب الأعشاب الصينى القديم، واليوجا بما فى ذلك الصوم الطبى وهو الامتناع عن الطعام والاكتفاء بالمشروبات الطازجة لفترة معينة (د. عبد الهادى مصباح).

طبعا لا نوافق على بعض المبالغات التى تتحدث عن أن الطب الإسلامى أو النبوى علما متكاملا، فالرسول عليه الصلاة والسلام جاءنا مبشرا وهاديا,وليس لترويج علم طبى محدد أو غيره من العلوم، وقد نصح عليه السلام بالتداوى، وكان لدى العرب أطباء متخصصون (راجع فى شرح ذلك كتاب د. يوسف القرضاوى السنة مصدر للمعرفة والحضارة من ص 66حتى ص 72دار الشروق الطبعة الخامسة).

ولكن هناك من الإشارات التى يمكن الاستفادة بها فى المجال الصحى والطبى,ولكن يدخل أغلب ذلك فى إطار الوقاية، فكل الثمرات التى أشار إليها القرآن الكريم ثبت بالعلم فوائدها الصحية الجمة. ولكننا نتوقف بشكل خاص عند عسل النحل، فالقرآن احتفل بالنحل بشكل خاص عندما قال:(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)و(يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 69).

قد لا يعرف كثيرون أن منظمة الصحة العالمية أقرت 500دواء من النحل والعسل والمنتجات الأخرى للنحل، كالشمع، وغذاء ملكات النحل، والمادة التى تلسع بها. وهناك بالغرب معاهد متخصصة فى دراسة إمكانيات النحل وفوائدها فى العلاج الطبى. ولكننا نؤكد مرة أخرى أننا لسنا مع القائلين بوجود علم طبى متكامل، ولا أى علم طبيعى آخر فى الإسلام. ولكن هناك إشارات ونصائح وقواعد ومعلومات يتعين الاستفادة منها، وأغلبها سيكون فى مجال الوقاية كالحديث الذى يدعو للاكتفاء بثلث ما يملأ المعدة (ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).

ويتوازى مع ذلك الطب الشعبى الذى اندثر، وحدث فيه انقطاع، لذلك فإن التداوى بالأعشاب دون إشراف علمى حقيقى يمكن أن يكون خطرا. وليس الطب الشعبى والذى قد نجد آثاره فى الواحات والمناطق الصحراوية وفى قليل من مناطق الريف، ليس إلا الطب الذى كان يتداوى به أجدادنا. ومن العجيب ألا توجد ماده واحدة فى كلية الطب على الأقل لدراسة بقايا هذا الطب، أو فى كلية الصيدلة، أو مادة لمراجعة تراث علمائنا الكبار فى هذا المجال.ولا شك أن الغرب قد استوعب علمهم وبنى عليه، ولكن مراجعتنا لهذا التراث قد تفتح لنا آفاقا خصوصية، وهذا هو الفارق بيننا وبين الصين ليس فى الطب وحده، فالصين لم تعرف الانقطاع عن ماضيها,وظلت تبنى عليه وتدمج علومها بما توصلت إليه علوم الغرب، ولكننا أصبنا بمرض الانقطاع عن ماضينا وتراثنا. وليست هذه الدعوة من التعصب الوطنى أو الدينى فى شىء، بل هى من وحى المنهج العلمى الصحيح,فكما أن النظام الغذائى لكل شعب يرتبط بالمواد الغذائية المتوفرة فى بيئته، فإن كثيرا من الدواء (ولا نقول كل الدواء) يتوفر فى بيئته أيضا.لذلك فإن الأمراض تختلف من بيئة لأخرى وكذلك الدواء. والأمراض البسيطة تعالج بأدوية بسيطة تناسبها فى مجتمعات يغلب عليها البساطة فى أغذيتها، أما الأمراض المركبة فغالبا ما تحدث بسبب تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، وتحتاج إلى أدوية مركبة. كذلك فإن الأعشاب التى تنبت فى بيئة محددة تكون عادة هى المناسبة لعلاج الأمراض التى تنشأ فى هذه البيئة. ولكن كما ذكرنا فإن انقطاع التطور العلمى فى مجال الطب والعلاج والتداوى بما يمكن أن نسميه الطب القديم، يستدعى أن نؤسس فرعا على الأقل لإعادة إحياء ما يمكن إحياؤه منه بضوابط البحث العلمى، فهذا أفضل صحيا وأكثر اقتصادية، وأكثر إثراء للعلوم الحديثة.

فى مجال الطب والطب البديل والصيدلة لابد من السير فى ثلاث شعب: مواصلة النهل من التقدم الطبى فى الغرب إرسال بعثات لدراسة الطب فى الدول الآسيوية إعادة دراسة تراثنا العلمى وما تبقى منه من ممارسات عملية ضئيلة. ويختلف الأمر من فرع لآخر، فمثلا فى مجال الطب النفسى لابد أن يكون لنا إبداعنا الخاص فيه، لأنه يتصل بصورة مباشرة بالثقافة الوطنية وبمنظومة القيم الحضارية الخاصة بنا, وأن يكون كل ذلك من خلال كليات الطب والصيدلة وليس من خلال الهواة أو غير المتخصصين.

الارتقاء بمهنة التمريض بالتوسع فى مدارس ومعاهد وكليات التمريض، ويقترح د. حمدى السيد نقيب الأطباء أن يكون التأهيل على مرحلتين من التعليم الأولى بواسطة حصولهن على المدارس ذات الخمس سنوات بدلا من الثلاث سنوات.والثانية من خلال كليات التمريض. كذلك يقترح المتخصصون السماح للممرضات بمواصلة الدراسات العليا بعد التخرج، والانتقال من عصر الممرضة العامة إلى عصر الممرضة المتخصصة. كذلك لابد من الارتقاء بمرتباتهن وقيمة البدلات خاصة بدل العدوى (مخاطر المهنة). وتشير الإحصاءات إلى وجود عجز فى المستشفيات المصرية من الممرضات يصل إلى ربع مليون.

والمعروف أن التمريض حلقة مكملة لا تتجزأ مع عمل الطبيب، وأن من مظاهر تقدم العلاج الطبى فى بلاد الغرب، المستوى الرفيع لمهنة التمريض.

باب العلاج على نفقة الدولة هو نوع من التلاعب بمجانية العلاج، فأصحاب الأمراض المستعصية أو المكلفة يتقدمون بطلبات خاصة لوزارة الصحة وقد توافق أو لا توافق عليها، فأصبح ذلك بابا للفساد الواسع بالمليارات والمتاجرة بآلام الناس كما رأيناه فى فضيحة نواب العلاج على نفقة الدولة، حيث كشفت الوثائق استغلال هذا الباب لعلاج الوزراء وكبار المسئولين حتى الأغنياء منهم، وحصول بعض كبار المسئولين على كميات هائلة من الأدوية للمتاجرة فيها، أو تخصيص هذا العلاج للأقارب والمحاسيب وفى مجالات غير ضرورية كعمليات التجميل!

والأصل أن العلاج مجانى للجميع فإن استحق مواطن العلاج فى مرض خطير فلا يجوز أن يحتاج لموافقة مركزية خاصة، بل يكون ذلك من خلال المستشفى العام الذى يعالج فيه، وأن يتحمل الطبيب المعالج والمختص المسئولية عن ذلك. أما باب الموافقة الخاصة من وزارة الصحة للعلاج على نفقة الدولة فمن المفترض أن يقتصر على مسألة العلاج فى الخارج، حيث تجتمع لجنة طبية على أعلى مستوى لتقرر أن علاج هذا المواطن غير موجود فى البلاد، وأن المرض خطير ويهدد حياته، وأن تكون الأولوية وفقا لمدى خطورة المرض.

لسنا بطبيعة الحال ضد العلاج الخاص للقادرين ولمن يرغب فى ذلك، وحتى فى هذا المجال لابد أن تكون هناك ضوابط ومعايير عامة.

أما مفهوم العلاج الاقتصادى فيمكن إحالته كما هو الحال فى بعض الممارسات الحالية للجمعيات الخيرية التى تقدم خدمات طبية فى عيادات أو مستشفيات بأسعار رمزية ومعقولة، فهو علاج مدعم بأموال أهل الخير.

ونشير أخيرا إلى أن العلاج المجانى كان هو القاعدة المستقرة فى فترات ازدهار حضارتنا الإسلامية، حيث كانت المستشفيات تقدم الإقامة والعلاج والأدوية والعمليات الجراحية والأكل مجانا,بل كانت تعطى المريض إعانة مالية بعد شفائه وخروجه من المستشفى فى فترة النقاهة!!

(19) مبحث حول البيئة فى مصر

بقلم: د. أحمد الخولى

البيئة هى الوسط أو الحيز الذى يعيش فيه الإنسان ويمارس فيه نشاطه, وتشتمل البيئة على الكائنات الحية من نبات وحيوان وكائنات دقيقة, تحيط بها مجموعة من المواد مثل الهواء والماء والتربة والقوى مثل الطاقة الشمسية والرياح وجريان المياه والأمواج, وترتبط فيما بينها بعدة تفاعلات تؤثر فيما بينها بما يحقق التوازن البيئى, أى بما يعنى المحافظة على مكونات البيئة بإعداد وكميات مناسبة على الرغم من نقصانها وتجددها المستمرين, حيث أوجد الله سبحانه وتعالى تلك المكونات بقدر وتوازن معلوم: (الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2), (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49), (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِى وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر: 19), وما يحدث من خلل فى التوازن البيئى ينتج عن تأثير لبعض الأنشطة البشرية مثل الاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية, أو التعامل معها بدون تقدير لأهميتها مما يؤدى إلى تغير فى العوامل الطبيعية مثل: تغير درجات الحرارة جفاف المياه تغير خواص التربة.. إلخ), وقد لخص القرآن الكريم ذلك فى هذه الآيات الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41), (وَلا تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56), (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (العنكبوت: 36).

ومن هذا المنطلق القرآنى فإن هدفنا الأساسى هو الحفاظ على الموارد الطبيعية التى حبانا الله بها, وتنميتها تنمية مستدامة, أى استخدام هذه الموارد بما يكفل تلبية الحاجات الأساسية والمشروعة للجيل الحاضر دون الإخلال بقدرة الموارد الطبيعية ونظمها البيئية على الوفاء بتلبية احتياجات الأجيال المقبلة.

والموارد الطبيعية قسمان, موارد متجددة مثل المزارع والمراعى والمصايد والغابات, وغير متجددة مثل المعادن والوقود الحفرى ومياه الخزانات الجوفية, وتحقق التنمية المستدامة التوازن بين تفاعلات المنظومات الثلاث التى يتألف بها إطار الحياة للمجتمع البشرى وهى: الطبيعة التقنية المجتمع (تقرير لجنة الأمم المتحدة للبيئة والتنمية 1987, مداولات مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية 1992).

البيئة فى مصر:

تشغل أرض مصر الجزء الشمالى الشرقى لقارة أفريقيا, وهى عبارة عن مربع يمتد حوالى 1073 كم من الشمال إلى الجنوب, وحوالى 1229 كم من الشرق إلى الغرب بمساحة أكثر قليلا من مليون كم2 (1.019.600 كم2) التى تمثل حوالى 3% من المساحة الكلية للقارة الأفريقية, وتقع مصر بين عشر درجات خطوط عرض (من خطى عرض 22 ْ شمالا، 32 ْ شمالا), وهذا يعنى أن مصر فى معظمها تقع فى المنطقة المعتدلة, وأقل من ربعها يقع جنوب مدار السرطان, وهذا يجعل مصر جزء من الحزام الصحراوى العظيم الممتد من المحيط الأطلنطى فى الغرب مارا شرقا بكل شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. وتتصف مصر بمناخ حار يكاد يكون غير مطير حيث متوسط الأمطار السنوى على مساحة مصر لا يزيد عن 10 مم وحتى على امتداد الشريط الساحلى الشمالى الضيق لمصر (ساحل البحر المتوسط) حيث تسقط معظم الأمطار فإن متوسطها السنوى أقل من 200 مم, وتقل الكمية سريعا كلما اتجهنا جنوبا, وندرة الأمطار تدل على حقيقة واضحة أن الجزء الأعظم لمصر ما هو إلا صحارى قاحلة فقط, ومن خلال نهر النيل حيث كمية ضخمة ومنتظمة من المياه الواردة من المرتفعات العالية الواقعة على مئات الكيلومترات فى الجنوب (حيث تتواجد فى عدة دول إفريقية ما يطلق عليها دول المنبع ومن أهمها إثيوبيا وأوغندا) هناك كمية من المياه العذبة تصل إلى مصر فى مجرى نهر النيل والمكون من المجرى الرئيسى فى مصر العليا (الصعيد) وفرعيه: دمياط ورشيد بالدلتا (مصر السفلى) بالإضافة إلى بحر يوسف بالفيوم, وهذه المناطق (مصر العليا والدلتا والفيوم) تتصف بأراضيها الخصبة التى تغطى أقل من 4% من مساحة مصر الكلية وعليها يعيش معظم السكان.

ونهر النيل له تأثيره المباشر ليس فقط على الصفات الطبيعية فى مصر, ولكن على تاريخها وسكانها, فقد ذكر العالم الإغريقى القديم هيرودوتاس (454 425 قبل الميلاد) عبارته الشهيرة “مصر هبة النيل, وهذه العبارة تعتبر حقيقة واقعة لأن نهر النيل أعطى مصر ولا يزال الخصوبة التى تمكنها من التنمية الزراعية, وتحقق لها ولأبنائها مزيد من التطور والمدنية والاستقرار.

ونتيجة لتواجد حوالى 83 مليون نسمة من السكان يستغلون هذه الرقعة الصغيرة من الأراضى الخصبة, بالإضافة لبعض الموارد من المصايد السمكية والمعدنية على السواحل وفى الصحارى فقد نشأ عن ذلك استغلال مفرط وغير مخطط للموارد الطبيعية المتاحة, صاحبه ضعف فى التقنيات, واستسهال فى تطبيق اللوائح والنظم والقوانين, وصل لدرجة التغاضى عن عمد مما أوجد العديد من المشكلات والقضايا البيئية الرئيسية نوجزها فيما يلى:

1- التصحر: ظاهرة التصحر تطلق على حدوث عملية هدم أو تدمير للطاقة الحيوية للأرض (التربة والنبات الطبيعى وموارد المياه) بفعل العوامل البشرية أو المناخية أو كليهما معا, والتى يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى ظروف تشبه ظروف الصحراء, وهو مظهر من التدهور الواسع للأنظمة البيئية الذى يؤدى إلى تقلص الطاقة الحيوية للأرض المتمثلة فى الإنتاج النباتى والحيوانى بما يؤثر سلبا على صحة الحيوان والإنسان, ويحرمهما من فرص الحياة للوجود البشرى.

أعلنت الأمم المتحدة فى السبعينيات أن مصر أولى دول العالم صحراويا نظرا للظروف القاسية التى تتميز بها الصحراء بها حيث تحتوى على حوالى 86% من الأراضى شديدة القحولة و14% أراضى قاحلة، وحيث يعتبر مناخ مصر شبة معتدل على سواحل المتوسط وجاف فى الدلتا والوادى وشديد الجفاف فى الأراضى الصحراوية, وتؤدى هذه التغيرات المناخية إلى اختلاف عمليات تدهور التربة وفى درجاتها وآثارها من منطقة إلى أخرى، وتتفاوت درجات التصحر فى مصر من التصحر المعتدل حيث يقل إنتاج الأراضى بنسبة تتراوح بين 10 إلى 25%, إلى التصحر الشديد والشديد جدا حيث يقل إنتاج الأراضى بنسبة تصل إلى أكثر من 50% كما هو حال الأراضى الواقعة فى شرق وشمال غرب الدلتا, ومن أهم المشاكل التى تتعرض لها الأراضى فى مصر وتتسبب فى التصحر ما يلى:

أ‌– فى منطقة الصحراء الغربية والواحات يساء استعمال المياه وتتعرض للفقد السريع نظرا للقيام فى الزراعة بعمليات الرى السطحى بالغمر, ومما يتسبب أيضا فى تمليح التربة نتيجة تغدقها بالمياه مما يحدث بها تفتت لطبقة الجبس (الكالسيوم والكبريت) ويحدث نتيجة لذلك انهيار بناء التربة, بحيث تصبح أراضى متصحرة غير صالحة للزراعة معرضة لزحف الرمال بدون عائق, مما ينتج وصول الكثبان الرملية إلى أراضى الدلتا والوادى القريبة علاوة على حدوث عمليات تحميل المرعى فوق طاقته الرعوية, بالإضافة إلى تحويل الأراضى الرعوية إلى أراضى تستخدم فى الزراعة المطرية الموسمية.

ب‌– الانجراف المائى نتيجة تجمع المياه والأمطار من المناطق المرتفعة فى الصحراء الشرقية وشبه جزيرة سيناء ذات المساحات الكبيرة إلى الوديان المحدودة المساحة ذات الميول السريعة وفى اتجاه المناطق الساحلية المنخفضة, مسببة السيول, وتضيع معظم هذه المياه فى البحر الأحمر أو فى قاع الوديان بعد تجريفها للتربة أثناء تحركها حاملة معها المواد العضوية والعناصر الغذائية, ويساعد على هذه العملية قلة وجود الغطاء النباتى وتعرضه للرعى الجائر فى تلك المناطق, وبالتالى يجب العمل على الاستفادة من هذه المياه فى الزراعة مع العمل على إعادة تأهيل الغطاء النباتى.

ج تقع معظم المساحات الزراعية فى مصر على امتداد وادى ودلتا النيل, وتتميز هذه الأراضى بأنها تربة رسوبية خصبة تكونت من آلاف السنين نتيجة طمى النيل القادم إليها مع مياه نهر النيل, هذه الأراضى تعتمد فى عمليات الرى على مياه نهر النيل, وهذه الأراضى قلوية بطبيعتها نتيجة لارتفاع نسبة الأملاح بها مع الظروف الجوية الحارة.

ولكن تتعرض هذه الأراضى لعمليات تجريف وتعرية متعددة نتيجة عمليات الرى السطحى والرى بالمياه المخلوطة بمياه الصرف الزراعى العالية الملوحة, الذى يسبب عملية إغراق الأراضى بالمياه وحدوث ظاهرة التطبيل (ارتفاع منسوب الماء الأرضى) وتعرض الأرض للتملح, ويزيد على ذلك الاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية والمبيدات, وقلة تعويض التربة ما فقد منها من المادة العضوية عن طريق الأسمدة العضوية خاصة مع انقطاع طمى النيل بعد بناء السد العالى, ومع غياب أيضا الدورات الزراعية والتركيب المحصولى المناسب, علاوة على تعرضها إلى عمليات التجريف مما يلزم الاتجاه إلى أساليب الرى الحديثة والاقتصادية مع زراعة المحاصيل قليلة الاحتياج للمياه, والمحافظة على التنوع البيولوجى الزراعى التى تتميز به المنطقة, والحد من عمليات الزحف العمرانى والبناء على حساب المناطق الزراعية.

د– فى المناطق الساحلية الشمالية حيث الصفات الطبيعية لهذه المناطق مع الصفات المناخية تؤدى إلى حركة نشطة للمياه السطحية حيث تتحرك من المرتفعات إلى الوديان والمناطق المنخفضة, مما يؤدى إلى حدوث الانجراف المائى للتربة من المرتفعات والسفوح إلى المنخفضات, وغالبا تفقد هذه المياه فى مياه البحر الأبيض المتوسط, ويؤدى الانجراف المائى إلى الترسيب والإطماء السريع للمواد المنجرفة فى المنخفضات أو خزانات السدود, وتتميز معظم أنواع التربة هناك بأنها أراضى رطبة وملحية وتربة رملية متوسطة القوام, وتعتبر هذه المنطقة من المراعى الطبيعية الهامة فى مصر, وتقدر مساحتها بنحو 6.5 مليون فدان, منها نحو 3.75 مليون فدان فى الساحل الشمالى الغربى, ونحو 2.85 مليون فدان فى الساحل الشمالى لسيناء, وأهم عوامل التدهور فى هذه الأراضى هو عمليات الرعى الجائر وتآكل الغطاء النباتى بدرجات متفاوتة نتيجة لزيادة الحمولة الرعوية وزيادة عدد رؤوس الحيوانات عن قوة التحمل, وأيضا تحويل مساحات كبيرة من الأراضى الرعوية الطبيعية إلى زراعات مطرية وبعلية والتى تعتبر من عوامل تدهور التربة بهذه المنطقة نظرا لفقد الغطاء النباتى الطبيعى لها, ونظرا للقيام بعملية الحرث وإعداد الأرض للزراعة مع كونها أراضى هشة الصفات, مما يزيد من تعرض التربة للانجراف وانخفاض إنتاجيتها وضياع العائد الاقتصادى المرجو منها, ونتيجة لذلك يؤدى أيضا إلى هجرة البدو والسكان إلى المدن الكبيرة للحصول على فرص الرزق الأخرى, مما يشكل عبئا اقتصاديا أيضا بعكس إذا ما استخدمت هذه الأراضى فى تنمية المراعى الطبيعية وأحسنت إدارتها.

2- تجريف التربة فى مناطق الدلتا والوادى: بهدف استخدام الطبقة السطحية فى صناعة الطوب الأحمر علاوة على تعرضها إلى عمليات البناء وعمليات الزحف العمرانى (خسرت الزراعة المصرية فى غضون الخمسين سنة الأخيرة أكثر من المليون فدان من أجود الأراضى) (محمد عبد الفتاح القصاص 2000), وتشير بعض الإحصائيات المتشائمة إلى معدل تناقص فى مساحة الأرض الخصبة يصل إلى ألف متر مربع فى الساعة الواحدة, ويقدر متوسط ما يفقد من الأراضى الزراعية لاستخدامات أخرى مثل تشييد الطرق وأعمال البنية الأساسية والمساكن وغيرها منذ عام 1990 بحوالى 25 ألف فدان سنويا.

3- تلوث مياه نهر النيل ومجاريه: يرجع تلوث النيل ومجاريه إلى عدة أسباب منها:

أ‌– رمى مخلفات الأسطول التجارى النهرى الذى تزيد عدد وحداته عن 3000 وحدة (بواخر سياحية مراكب نقل بضاعة لنشات تنزه).

ب‌– رمى مخلفات 400 فندق على شاطىء النيل.

ج–  ضخ مياه الصرف الزراعى الملوثة ببقايا المبيدات والأسمدة إلى مجرى النهر أو فروعه.

د–  إلقاء مخلفات صناعية تقدر بحوالى 500 مليون متر مكعب سنويا فى  المجارى المائية (الترع والمصارف) حيث يقدر عدد المصانع التابعة لوزارة الصناعة المشاركة فى هذه الجريمة 1182 مصنع و1100 مصنع تابع لوزارة الحكم المحلى و212 مصنع تابعة لوزارات مختلفة, هذا بالإضافة إلى 1200 منشأة صناعية تتبع القطاع الخاص (التلوث المائى د. طلعت الأعوج 1999), وتبين الدراسات أن 47% من هذه المخلفات تلقى فى منطقة القاهرة الكبرى (أى تحت سمع وبصر صناع القرار والأجهزة التنفيذية الحاكمة.. من يعطى التراخيص لإنشاء هذه المصانع وأين أجهزة الرقابة والمتابعة البيئية؟), ونتيجة للكمية الكبيرة من المخلفات تعجز محطات معالجة مياه الشرب عن تنقية هذه المياه وتخليصها من الملوثات, خاصة المواد الهيدروكربونية والكيماويات الأخرى التى تتفاعل مع الكلور المستخدم فى تعقيم المياه وتكون مواد هيدروكربونية مكلورة تسبب أمراض سرطانية للسكان الذين يستخدمون هذه المياه فى الشرب.

4- تغير المناخ: يعتبر مناخ الأرض مناخ متقلب طبيعيا, حيث تتأرجح درجة حرارة الأرض بين الارتفاع والانخفاض على مر الزمن منذ آلاف السنين, ولكن ضمن نطاق يبقيها ملائمة للحياة وذلك نتيجة لما يسمى “ظاهرة الدفيئة, والتى تحدث نتيجة تجمع للمكونات الغازية الموجودة فى الغلاف الجوى سواء كانت طبيعية أو بشرية المنشأ مثل غاز ثانى أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء وأكسيد النيتروز والأوزون, والتى تسمى غازات الدفيئة (Greenhouse Gases) على شكل غلاف يحيط بالأرض يختلف تركيزه من منطقة لأخرى, ومن ميزاته أنه يسمح بمرور أشعة الشمس حيث تمتص الأرض جزء منها وتعكس الباقى مرة أخرى, حيث يمتص فى هذا الغلاف الغازى, مما يؤدى إلى اكتسابه طاقة تنعكس إلى الأرض على شكل حرارة, شأنها فى ذلك شأن البيوت الزجاجية التى تحمى المزروعات المستنبتة داخلها من الأجواء الباردة المحيطة بها حيث يسمح زجاج تلك البيوت بنفاذ أشعة الشمس من الخارج إلى الداخل فتسخن النباتات والتربة داخل هذه البيوت, ومن ثم تنبعث منها إشعاعات حرارية تحاول النفاذ إلى خارج البيت الزجاجى فلا يسمح لها ويؤدى توالى الاحتباس الحرارى فى البيوت الزجاجية إلى رفع درجة الحرارة داخلها, كذلك الغلاف الجوى للأرض فإن غازات الدفيئة تكون غلالة (سحابة) دقيقة تحيط بالأرض من كل ناحية, وتؤدى نفس العمل الذى تقوم به الألواح الزجاجية أو الأغلفة البلاستيكية التى تحيط بالبيوت الزجاجية الزراعية, مما يتسبب فى رفع درجة الحرارة على سطح الأرض خاصة فى أجزاء الغلاف الجوى الملاصقة للأرض.

ولقد أثبتت الدراسات حدوث ارتفاع فى تركيز غازات الدفيئة فى الجو خاصة ثانى أكسيد الكربون, وأيضا غازات أخرى, وتلك الغازات ناتجة عن تزايد الأنشطة البشرية, وقد أدى ذلك إلى زيادة كمية الأشعة الممتصة وكمية الطاقة المنعكسة إلى الأرض فى شكل حرارة, مما أدى إلى ارتفاع متوسط حرارة الأرض فوق المعدل الطبيعى, وهو ما أدى إلى بروز ظاهرة التغير المناخى التى لها تأثيرات سلبية تهدد مناخ الأرض والطبيعة, من أبرزها ارتفاع مستوى سطح البحار نتيجة ذوبان الجليد فى القطب الجنوبى, وبما يهدد الكثير من المدن الساحلية, بالإضافة إلى أن تغير المناخ يمكن أن يؤدى إلى حدوث تغير فى توزيع الأمطار على سطح الأرض مما يسبب الفيضانات والسيول فى بعض أجزاؤها والتصحر فى أجزاء أخرى, ومن أمثلة تلك الأنشطة البشرية ازدياد كميات الغازات نتيجة للعمليات الصناعية, بالإضافة إلى إزالة الغطاء النباتى الطبيعى فى الغابات والمراعى وإتلاف الأراضى الزراعية, كذلك بسبب المعدلات العالية لاستخدامات الوقود الحفرى (البترول والفحم).

رصدت دراسة قام بها د. خالد عودة وآخرون بجامعة أسيوط حقيقة ارتفاع مستوى سطح البحر العالمى بشكل خطير خلال السنوات المقبلة، وأشارت إلى التقارير الدولية التى تنذر بزيادة هذا المنسوب بشكل يقينى إلى متر واحد فى نهاية القرن الحالى، وانتهت الدراسة إلى أن دلتا النيل فى المرمى المباشر لهذه الزيادة، التى إن حدثت ستغرق ثلث الدلتا، ما لم تتحرك الحكومة سريعا لتلافى الآثار المدمرة، التى تصل إلى تهجير ١٠% من السكان وتدمير ١٢% من المساحات المزروعة فى مصر, وأسباب ذلك تعود إلى انعدام حمولة النهر من الطمى اللازم لتجديد شباب النيل، أو هجرة الكثبان الشاطئية الحالية للغرب بفعل الرياح، أو عمليات النحر البحرى, وإلى عمليات التجريف البشرية للكثبان والتلال الرملية الموجودة على شواطىء الدلتا بغرض إنشاء أو توسيع شواطىء وأحواض داخلية صناعية، أو إنشاء وتوسيع موانىء، أو استهلاك الرمال فى أغراض البناء, كما تستمر عمليات التجفيف للبحيرات الشمالية بالدلتا، على الرغم من أنها تمثل النطاق الرطب المتعادل الذى يفصل البحر عن السهول الزراعية الجافة. وعمليات التجفيف المستمرة لهذه البحيرات التى تقوم بها الحكومة من جهة بغرض التنمية العمرانية ومد الطرق وخطوط الكهرباء ومشروعات البترول والغاز الطبيعى، أو الأفراد من جهة أخرى بغرض إنشاء المزارع السمكية قد تسبب فى تغيير طبيعة هذه البحيرات وتقلص مساحاتها بنسب تتراوح بين ٥٠% و٨٣% من مساحاتها الأصلية, ولقد ترتب على تجريف وتجفيف البحيرات تغيير خريطة الساحل الشمالى للدلتا المصرية وتراجعت حدود الشواطىء ومساحات الأراضى الرطبة التى تفصل الدلتا عن البحر.

5- التنوع البيولوجى (الحيوى): وهو التباين بين أنواع الكائنات الحية (نباتات حيوانات كائنات دقيقة) من خلال وجودها فى الأنظمة البيئية التى تعيش فيها, ويتضمن هذا الاختلاف فيما بين الأنواع أو بين الأنواع وبين الأنظمة البيئية, وهذا التباين يضمن التوازن فى هذه الأنظمة البيئية حيث تعتمد الأنواع على بعضها فى غذائها, كما تساعد بعضها البعض فى العمليات المؤدية لحدوث التلقيح (بعض الحشرات تقوم بعملية التلقيح فى النباتات لتتمكن من إنتاج الثمار), وكذلك فإنها تمد الوسط الذى تعيش فيه من خلال عمليات التمثيل الغذائى لها ببعض العناصر أو المكونات التى تساعد على حدوث الاتزان البيئى, وللتنوع الحيوى العديد من الفوائد الاقتصادية والطبية منها: يمد الإنسان بكثير من منتجات الغذاء, والألياف للملابس, والأخشاب ومواد البناء, والمواد الملونة (الأصباغ), والمواد الصناعية, وخامات الأدوية للأمراض المختلفة, التنوع فى مجال المحاصيل الزراعية يساعد على مقاومة الآفات, ومن أهم فوائده احتوائه على الأصول الوراثية لجميع الأنواع النباتية والحيوانية المستأنسة والمستخدمة فى الأغذية والزراعة والدواء وغيرها (مثل القمح البرى والشعير البرى الذى يوجد فى غرب مطروح والأرز البرى.. إلخ) حيث يلجأ إليها العالم لمقاومة الجفاف والملوحة والأمراض, ومن هنا تصبح المحافظة عليه هاما ليس من الناحية التراثية القومية فحسب, ولكن كجزء من التراث العالمى, ويتعرض التنوع البيولوجى للتناقص والانقراض فى الأجناس والأنواع والأصناف البرية بصفة منتظمة فى معظم أنحاء العالم ومنها مصر (العدد الكلى للأنواع النباتية البرية فى مصر 2672 نوعا منها حوالى 567 نوعا نباتيا مهدد بالانقراض), ومن أشهر الأنواع المنقرضة نبات البردى الذى كان يستخدم كورق للكتابة عند قدماء المصريين, والقطن البرى الذى كان يوجد فى واحة سيوة, وطائر الأيبس المقدس عند قدماء المصريين, وهناك أنواع مهددة بالانقراض منها الغزال والتبتل والكبش الأروى, ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها تدمير الموائل الطبيعية للنباتات والحيوانات فى عمليات التنمية والتعمير, والتلوث بالمبيدات الحشرية, والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية, والجمع الجائر للنباتات الطبية, والصيد الجائر للحيوانات والطيور البرية, والرعى الجائر, واستنزاف مصايد الأسماك, التوسع فى التنمية السياحية على حساب البيئات البحرية, كما أن تجفيف أجزاء من البحيرات الشمالية وتناقص مساحاتها أدى إلى تقلص أعداد الطيور التى تتخذ من تلك البحيرات موئلا دائما أو موسميا, كما تعتبر هذه البحيرات مصدر كبير لتنوع الثروة السمكية فى مصر, بالإضافة إلى أنها مسار للطيور المهاجرة وتقلصها يؤدى إلى التأثير السلبى على التنوع الحيوى فى مصر والعالم.

6- إلقاء مياه الصرف الصحى فى بعض البحيرات مثل بحيرة مريوط وبحيرة المنزلة (يلقى فيها أكثر من مليون متر مكعب) مما يتسبب فى تلوث هذه البحيرات بالبكتريا والفطريات, وانخفاض إنتاجيتها من الأسماك وانقراض بعض أنواع الأسماك منها, بالإضافة تناقص وانقراض بعض الأنواع النباتية والحيوانية ذات القيمة البيئة العالية, وازدياد كميات الذباب والبعوض.

7- التوسع العمرانى والحضرى على السواحل: حيث تم تدمير معظم الأراضى على الشريط الساحلى الغربى, والتى كانت مزروعة بالتين والزيتون على مياه الأمطار منذ آلاف السنين, كما حولت التلال الصخرية الطولية الممتدة على هذا الشريط إلى طوب أبيض للبناء, وبذلك فقدت أهميتها للمزارع, حيث كان لها دور هام فى تجميع مياه السريان السطحى الناجم عن الأمطار إلى المنخفضات المنزرعة, كما ساهم التوسع فى القرى السياحية على ساحل البحر الأحمر إلى فقد لبيئة المنجروف الهامة كموطن لبعض الأسماك والقشريات والشعاب المرجانية, وأدى كل ذلك إلى إزالة الغطاء النباتى الكثيف الموجود بتلك السواحل, وبالتالى القضاء على العديد من الكائنات الحية التى تعتمد عليه, وتقليص التنوع البيولوجى الخاص بهذه المناطق والتأثير السلبى على السياحة البيئية.

8- عدم وجود خريطة وطنية لاستعمالات الأراضى (زراعة تعدين مراعى سياحة طاقة.. إلخ) تترجم أولويات الاستخدام خلال الخمسين سنة القادمة اعتمادا على الموارد الأرضية المتاحة, مما يتسبب فى التصارع بين الجهات الحكومية حول تلك الأراضى, المثال الأوضح لذلك ما حدث فى منطقة سيدى كرير حيث تقرر عام 1966 إقامة محطة نووية بها بعد دراسات عديدة وباهظة التكاليف, ثم تأجل المشروع لظروف حرب 1967, فلما عادت مصر إلى بحث إقامة المحطة فى أواخر السبعينيات كان العمران قد زحف إلى الموقع المختار واستؤنفت الدراسات مرة أخرى لاختيار موقع بديل فى الضبعة عام 1980 ثم تأجل المشروع مرة أخرى ولم ينفذ حتى الآن.

9- التساهل فى تطبيق إجراءات تقييم الأثر البيئى للمشروعات الصناعية والزراعية والسياحية والتعدينية مما أدى إلى تأثيرات سلبية على البيئة والموارد الطبيعية, ومثال ذلك مشروع توشكى, فلكى يؤتى المشروع بثماره لابد من ضخ 10 بالمائة من مياه النيل إلى الصحراء حيث تصل الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة فى هذه المنطقة، وهو إجراء له تبعات سلبية على أكثر من صعيد. فبداية ستتأثر تركيبة النهر من عملية الضخ، حيث ستزيد نسبة ملوحة الماء تدريجيا، وهو ما تم ملاحظته بالفعل فى منطقة دلتا النيل. على صعيد آخر تؤدى عملية الضخ إلى الإخلال بنسب توزيع مياه النهر بين الدول التى يمر بها, فالدول الإفريقية الواقعة فى حوض نهر النيل مثل السودان وأثيوبيا معرضة لزيادة عدد سكانها وبالتالى تغيير الحصة الحالية لها من مياه النهر (نرى حاليا الصراع من أجل حصص المياه بين دول المنبع ودولتى المصب), لذلك يخشى عديد من الخبراء من أن تكون المياه هى السبب القادم لاندلاع الحروب والأزمات. وكثير من الخبراء يفضلون استثمار إمكانيات المشروع الهائلة فى تنمية منطقة الوادى والدلتا عوضا عن إهدار المياه فى الصحراء, ولعل عدم مشاركة ألمانيا فى هذا المشروع وهى المعروف عنها مشاركتها فى العديد من المشروعات التنموية الزراعية فى مصر غير أنها فضلت البقاء بعيدا عن مشروع توشكى أبلغ دليل على ذلك, ويعضد تلك المحاذير من جدوى المشروع, حيث فسر ذلك السيد باول فيبر خبير الرى فى المؤسسة الألمانية للتعاون التقنى فرع القاهرة قائلا: (لقد تعمدت ألمانيا عدم المشاركة فى مشروع توشكى، وذلك بسبب الشكوك التى تحوم حول فرص نجاح المشروع فى استقطاب قوى عاملة كافية، تعمل فى ظل ظروف مناخية شديدة القسوة).

10- غياب التخطيط العمرانى للمدن الجديدة السكانية والصناعية, حيث أدى السماح بتراخيص البناء فى مناطق قريبة وممتدة من المصانع وعدم تحديد كردونات للمدن إلى تفاقم مشاكل التلوث فى المناطق الصناعية ذات الكثافة العالية (حلوان, والعاشر, ومايو), كما لا توجد خريطة صناعية بمصر تحدد الأماكن المناسبة لكل صناعة تجنبا لأخطارها المحتملة, حيث أن التمركز الكثيف للمصانع يؤدى إلى زيادة مشكلة التلوث.

11- عدم التزام التخطيط الإنشائى للمصانع بتنفيذ الاشتراطات الهندسية الوقائية للأخطار المحتملة لكل صناعة, وعدم وجود حزمة أمان حول كل صناعة للسيطرة على أى أخطار محتملة.

12- تلوث المدن الناتج عن تراكم القمامة فى الشوارع والناشىء عن عوادم الاحتراق من الأعداد الهائلة من السيارات (يسير فى شوارع القاهرة أكثر من مليون ونصف من السيارات تزيد أعدادها سنويا بمعدل 34%).. حيث قلصت الدولة من تمويل مركبات النقل الجماعى السطحى أو تغاضت عنها كليا, رغم أنها أحد الحلول التى تساهم فى حل مشكلة التلوث بالإضافة لحل مشكلة المرور, كما تساهم مشكلة السحابة السوداء التى تطل سنويا على مدينة القاهرة ومدن الدلتا منذ عدة أعوام, والناتجة عن حرق مخلفات زراعة الأرز فى زيادة التلوث والأمراض التنفسية, وهى أكبر دليل على عدم إتخاذ إجراءات مناسبة وصارمة حيال تقليص هذه الظاهرة والقضاء عليها, كما تعانى المدن المصرية من ضعف شبكات الصرف الصحى وعدم استكمالها فى كثير من المدن, وتخلف أساليب تنقية مياه الشرب.

13- نقص التوعية البيئية الناتج عن عدم إعطاء مواضيع البيئة أهمية أو أولوية فى إطار خطط التنمية, واعتبارها من الترف الذى يمكن الاستغناء عنه أو التقليل من أهميته, وانحصر الاهتمام البيئى فى تظاهرات إعلامية موسمية ولم تترجم إلى أفعال على أرض الواقع, مما زاد من إحساس المواطنين بالتقليل من شأن تلك القضايا, ويظهر ذلك جليا فى مفهوم ملكية الأرض عند المصريين وعند الحكومة المصرية.. هل المالك حر حرية مطلقة, أم حرية تضبطها مصلحة الجماعة؟ هل مالك الأرض حر أن يزرعها أو يتركها بور أو يجرف تربتها أو يبنى عليها, فرغم صدور قوانين تنظم ذلك إلا أنها لا يتحقق لها الحد الأدنى من التطبيق لعدم الاقتناع بها ولعدم وجود التأييد والحشد الجماهيرى لها.

البيئة والاقتصاد:

قد يرى بعض علماء الاقتصاد والكثير من العوام أن هناك تعارضا بين التنمية الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة.. فهم يرحبون بتلوث البيئة وإهدار الموارد الطبيعية طالما كان مصحوبا بالنمو الصناعى والاقتصادى, حيث يرى هؤلاء الاقتصاديون أن الإنفاق على حماية البيئة سيكون له آثار جانبية على معدلات النمو الاقتصادى استنادا إلى أن الإنفاق على البيئة رغم أنه قد يزيد من حجم الاستثمارات إلا أنه على الجانب الآخر سوف لا يؤدى إلى زيادة مماثلة فى الناتج القومى الإجمالى, مما يعنى انخفاض إنتاجية رأس المال, ويؤدى إلى تباطؤ معدلات النمو وارتفاع نسبة البطالة وتكلفة الإنتاج للسلع والخدمات.

وللرد على ذلك نشير بداية إلى ما ذكره أبو علم البيئة فى مصر الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص من الارتباط اللغوى بين علم البيئة (الأيكولوجيا Ecology) وعلم الاقتصاد (الإيكونوميا Economy) حيث يتبعان أصل واحد هو (الأويكوس) والأويكوس هو المنزل أو المستقر, والأيكولوجيا هى علم دراسة المنزل والعلاقات المتبادلة بين السكن والحيز السكنى, أما الإيكونوميا فهى إدارة شئون المنزل, وقد نشأ الانفصال بينهما نتيجة أن الأيكولوجيا نشأت وتطورت فى معاهد العلوم الطبيعية بينما نشأت الإيكونوميا فى إطار معاهد التجارة, وظل هذا الانفصال موجودا حتى منتصف القرن العشرين, حيث كانت تسود قضايا البيئة التى تتصل باستنزاف الموارد الطبيعية من الزراعة والمراعى والغابات ومصايد الأسماك والخامات وما يتبعها من صور متعددة لتلوث البيئة, مما أوجد التضاد بين التنمية والاعتبارات البيئية التى تضمن الحفاظ على تلك الموارد, وشاع أن هذه الاعتبارات تزيد من التكلفة المالية وأنتج الهوة بين الاعتبارات البيئية والاعتبارات المالية, ثم شهد النصف الثانى من القرن العشرين تطور فى علم البيئة, أدى إلى دراسة الآثار المتبادلة بين البيئة والمجتمعات البشرية فى إطار المحيط الحيوى كله على الكرة الأرضية, وما تحكمه من عوامل سياسية واقتصادية وثقافية, كما شهد علم الاقتصاد توسعا جمع بين عناصر المحاسبة المالية وأدواتها وبين عناصر السياسة والعناصر الاجتماعية ورسم خطط تنمية مستقبلية بما أدى إلى التقارب بين علوم البيئة وعلوم الاقتصاد حتى توصل العالم إلى فكرة التنمية المستدامة (التى أشرنا إلى تعريفها فى مقدمة هذا المبحث) بما يحقق التوافق بين الاقتصاد والبيئة, وذلك فى قمة الأرض فى ريودى جانيرو (1992).

ومن الأمثلة على التنمية المستدامة للموارد الطبيعية المتجددة استنزاف موارد التربة من المواد الغذائية بما يزيد على قدرتها عن التعويض أو تقصى فترة الأرض التى تكون فيه بور, بما يمكنها من استعادة عافيتها فإنها تضر بالنظام البيئى الذى يقوم عليه الإنتاج الزراعى, أو الاستغلال الجائر لموارد المياه فى الزراعات المروية سواء عن طريق أساليب الزراعة بالغمر أو المحاصيل التى تستنزف المياه, أو تكثيف الصيد كما يحدث فى بحيرة ناصر بما يقلل من قدرة المصايد على تعويض ما فقدته من أسماك حيث لا تدخل عناصر استهلاك القاعدة الإنتاجية فى البر والبحر فى محاسبة مدخلات الإنتاج, والأمثلة تكون أوضح فى استنزاف الموارد غير المتجددة كالبترول والغاز الطبيعى, حيث لا يتم حساب قيمة استهلاك نظام الإنتاج, أى تكلفته على العمر الإفتراضى.

ويسود نهج أن تقدم البيئة خدماتها من ثروات وموارد طبيعية وتستخدم كمستودع للنفايات بدون مقابل أى بدون محاسبة بحيث أوجدت خللا فى المحاسبة الاقتصادية, فالذى يحدث هو أن حسابات التكلفة والعائد تتم بشكل جزئى, أى على مستوى الوحدة الإنتاجية بصرف النظر عن التكاليف والعوائد القومية, فالتكاليف القومية لحماية البيئة تؤدى إلى تلافى تكاليف أكثر فداحة وخطورة تتمثل فى فقدان المورد أو انخفاض إنتاجيته, أو ظهور ملوثات غازية أو سائلة أو صلبة أو ارتفاع تكلفة استخدامه (على سبيل المثال مكافحة تلوث مياه النيل لاستخدامها فى الشرب).

ومن الأمثلة الواضحة فى مصر على ذلك, والتى تؤثر على مستقبل مشروعات التنمية الزراعية استخدام مياه الصرف الزراعى الذى يضخ فى بحيرة المنزلة ومنها تخرج ترعة السلام التى سيتم من خلالها رى مزارع غرب وشرق قناة السويس, حيث تم السماح بأن تصب مياه الصرف الصحى والصناعى الملوثة فى المصارف الزراعية, مما سيتسبب فى مشاكل بيئية وصحية على المدى البعيد والقريب, وسيدفع الاقتصاد المصرى أعباء وتكلفة إصلاح وعلاج هذه المشاكل.

ومن الأمثلة الأخرى طمر الشعاب المرجانية على سواحل البحر الأحمر من أجل إقامة منتجعات سياحية, رغم أن هذه الشعاب هى أحد عناصر الجذب السياحى. ولهذا أوصت المؤتمرات الدولية البيئية بنظام ما يعرف بالمحاسبة البيئية وما يستتبعه من استخدام أدلة لحسابات الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة فى كل دولة, والآثار البيئية المترتبة على استخدامها فى الأنشطة والأغراض المختلفة, وإعطاء مؤشرات كمية وعينية عن الزيادة أو النقص فى حجم الاحتياطات المتاحة من هذه الموارد (رصيد الموارد الطبيعية المستخدمة) والتغيرات التى تطرأ عليها نتيجة للاستخدام (رصيد الموارد الطبيعية المغطاة).

وللتأكيد على أن تكاليف تطبيق برامج الحماية البيئية فى الدول النامية لا يؤثر على الناتج القومى الإجمالى أو انخفاض معدلات النمو ما أوردته الدكتورة منى قاسم فى كتابها (التلوث البيئى والتنمية الاقتصادية 1999) أن مؤشرات البنك الدولى الحديثة فى الدول النامية تشير إلى أن تقدير التكلفة الإضافية للتحكم فى الملوثات والمحافظة على البيئة تقدر بنسبة تتراوح فى المتوسط بين (صفر و3% من جملة الكلفة الإجمالية للمشاريع, ويمثل الحد الأدنى تلك الحالات التى تدمج فيها اعتبارات حماية البيئة فى المراحل الأولى لإعداد وتنفيذ المشاريع, بينما يأتى الحد الأعلى عندما يتم إدماج الاعتبارات البيئية فى وقت لاحق لعملية إنشاء وتنفيذ المشروع.    

نحو بيئة مصرية نظيفة ومتوازنة:

نشير فى البداية إلى أن هناك جهود قد بذلت فى إطار الاهتمام بالقضايا البيئية فى مصر, لا سيما فى الثمانينيات من القرن الماضى, مدفوعة باهتمام العالم ذلك الحين بقضايا البيئة فى الدول النامية, وما يتسبب عنها من مشاكل لا تخص هذه الدول فقط, وإنما تضررت منها الدول المتقدمة فى الغرب, مثل مشاكل الهجرة البيئية للسكان من الدول النامية خاصة أفريقيا إلى أوروبا وأمريكا نتيجة لظروف الجفاف والتصحر, وكذلك انقراض العديد من الأنواع النباتية والحيوانية فى العالم نتيجة للاستنزاف, وخاصة فى الدول النامية, حيث تشكل هذه الأنواع أصولا وراثية لغذاء ودواء ومنتجات أخرى يستخدمها الإنسان, وأخيرا تغير المناخ الذى يرجع جزء من أسبابه إلى تقلص مناطق الغابات والغطاء النباتى الطبيعى فى دول العالم الثالث, وهذه القضايا البيئية العالمية دفعت الدول المتقدمة إلى تبنى اتفاقيات دولية للحد من تلك المخاطر من أبرزها اتفاقية مكافحة التصحر (1994) واتفاقية التنوع البيولوجى (1992) والاتفاقية الإطارية للتغير المناخى (1992), وهى اتفاقيات تلزم الموقعين عليها بالتزامات, كما تستفيد منها الدول النامية فى جذب المعونات والمشاريع التى تقررها تلك الاتفاقيات لمعالجة القضايا البيئية فى تلك الدول, وقد انهالت على الدول النامية ومنها مصر فى فترة الثمانينيات والتسعينيات عدة مشروعات فى إطار تنفيذ هذه الاتفاقيات مقدمة من الصناديق المالية الدولية, تم الاستفادة منها إلى حد ما فى بعض قضايا البيئة حيث أنشىء جهاز لحماية البيئة, تم تحويله فيما بعد إلى وزارة دولة لشئون البيئة وإدارة للمحميات الطبيعية, كما تم سن عدة تشريعات للمحافظة على البيئة, إلا أن هذه الجهود بدأت فى التراجع, خاصة مع تقلص تلك المعونات فى العشر سنوات الأخيرة منذ بداية الألفية الثانية, قابلها زيادة فى المشاكل والقضايا البيئية وتنوعها ما أدى إلى تفاقمها (على سبيل المثال: مشاكل تلوث المياه زيادة معدلات تلوث الهواء تلوث التربة والمزروعات بالمبيدات المسرطنة تجريف التربة وغيرها) مع عدم الإدراك الكافى من الحكومات المتعاقبة لمدى خطورة تلك القضايا على مستقبل التنمية فى مصر وعلى صحة السكان, وللحد من مخاطر القضايا البيئية الرئيسية فى مصر نضع بعض التصورات التالية والتى تحتاج إلى إرادة فى تنفيذها مصحوبة باقتناع بأهميتها من النواحى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمصريين فى حاضرهم ومستقبلهم.

1- لمكافحة التصحر: إنشاء مراصد للتصحر لتزويد أصحاب القرار بالمعلومات المناخية كدرجة الحرارة والبخر والنتح وسرعة الرياح, وأيضا الحصول على معلومات كافية عن الغطاء النباتى وحالة التربة وخواصها, والمحاصيل التى تزرع بها إذا كانت أرض زراعية, وكميات الأسمدة الكيماوية والمبيدات, وعدد الحيوانات وحمولتها على المرعى, وأعمال التنمية والبنية الأساسية والتوسع العمرانى, ومدى التعدى على الأراضى الزراعية مع مدى جودة الأراضى الزراعية ومعدل إنتاجيتها نتيجة القيام بأساليب الزراعة الغير محافظة على التربة وهجرة السكان للمدن, ومعرفة نسبة السكان إلى نسبة الموارد المتاحة, علاوة على معرفة الحرف والصناعات التى يعتمد عليها السكان المحليين, ومدى تأثيرها على مستوى الاحتفاظ بالموارد المتاحة, ورفع وعى السكان المحليين والبدو فى المناطق الصحراوية عن مدى تأثير عملية الاحتطاب والرعى الجائر غير المحسوب وتحميل المرعى فوق طاقته الاستيعابية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قطع سدرة فى فلاة يستظل بها ابن السبيلِ والبهائم عبثا وظلما بغيرِ حق يكون له فيها صوب الله رأسه فى النارِ), (وما يلزم العمل من تنظيم عملية الرعى – إعادة زراعة النباتات والشجيرات الرعوية الملائمة وإكثارها واستنباط أنواع محلية سريعة النمو مما يقلل من الخلل الحادث بين نسبة النباتات الرعوية والحيوانات – الالتزام بمنع تحويل مواقع الغطاء النباتى الطبيعى والمراعى إلى أراضى زراعية مع وقف النزوح العمرانى إلى تلك المواقع – العمل على التوسع فى إنشاء المحميات الطبيعية – سن القوانين والتشريعات التى تحفظ هذه الموارد الغالية  التوسع فى إنشاء مصدات الرياح, والتى لها دور رئيسى فى التقليل من تأثير التصحر, خاصة فى الأراضى الزراعية والقريبة من التجمعات السكانية – نشر عمليات الرى الحديث وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعى بعد معالجتها فى زراعة الأشجار – الاهتمام بزراعة المحاصيل المناسبة وأتباع دورات زراعية, مع عدم السماح بنقل أى مواد أو أسمدة من الوادى القديم لما تسببه من أمراض ونشر للآفات  استحداث طرق لتثبيت الكثبان الرملية وإعاقتها من الوصول للوادى والدلتا.

2- لمواجهة مخاطر التغير المناخى: منع تجريف الكثبان والتلال الرملية على سواحل البحر المتوسط وتثبيتها عن طريق استزراع بعض النباتات الملائمة للبيئة المصرية, وفى حالة نجاح الاستزراع يمكن استخدامها كمنتزهات, ويمكن الاستفادة فى ذلك من التجربة الناجحة للأحراش المزروعة بالأكاسيا على التلال الرملية لمدينة رفح وقف التعدى على حرم البحيرات الشمالية ووضعها ضمن خطة المحميات الطبيعية – دراسة المقترح الذى قدمه الدكتور خالد عودة فى دراسته عن مخاطر هذه الظاهرة على مصر, حيث يقترح لمواجهة مخاطر الارتفاع فى منسوب سطح البحر الأبيض المتوسط على الساحل المصرى الشمالى، استغلال طوبوغرافيا الجزء الشمالى من الصحراء الغربية لتصريف مياه البحر الزائدة, وفى نفس الوقت تستخدم هذه المياه فى إحياء مشروع بحيرة منخفض القطارة واستيعاب المياه الزائدة المواجهة للساحل المصرى، ومن ثم الحد من ارتفاع منسوب سطح البحر وإنقاذ الدلتا من مخاطر زيادة هذا المنسوب، وفى نفس الوقت يمكن الاستفادة من هذه المياه فى توليد طاقة كهربائية جبارة تضاف للشبكة القومية للكهرباء.

3- وضع إطار صارم لحماية النيل من التعديات, سواء عن طريق تلويثه, أو على شواطئه, وقد يكون جعله محمية طبيعية هو الإطار الملائم فى ذلك مع إزالة كل التعديات الحالية عليه.

4- التوسع فى استخدام أنواع الطاقة الجديدة كالبيوجاز من المخلفات الزراعية والمنزلية خاصة فى الريف وكأداة للتخلص من تلك المخلفات, كما يمكن الاستفادة من هذه التقنية فى إنتاج الأسمدة العضوية.

5- الحد من فقدان الأراضى الزراعية لأى استخدامات غير زراعية, وذلك بالحزم فى تنفيذ القوانين وتوفير الخدمات الأساسية فى المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة لتشجيع الانتقال إليها والإقامة فيها.

6-تطبيق وتفعيل التشريعات البيئية التى تلزم المتسببين فى أضرار بيئية بتسديد نفقات الإصحاح البيئى, وكذلك التشريعات التى تمنع الصيد والرعى الجائر واستنزاف الثروة السمكية.

7- تعظيم كفاءة استخدام الموارد الغير متجددة تقلل من الاستهلاك, وذلك عن طريق استخدام تقنيات حديثة فى الرى فى المزارع وإيجاد بدائل نظيفة للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وإنتاج الوقود الحيوى من المخلفات الزراعية.

8- حظر دخول المبيدات الضارة بالبيئة والزراعة وصحة الإنسان.

9- التوسع فى مشاريع التشجير داخل المدن وعلى الطرق باستخدام مياه الصرف الزراعى ومياه الصرف الصحى المعالجة فى مرحلتها الأولى ترشيدا للمياه وتشجيع المواطنين على ذلك, يقول النبِى صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إِنسان أو دابة إِلا كان له به صدقة), وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة ووجد أحدكم فى طريقه فسيلة فليزرعها), وقوله: (من قطع شجرة فليغرس مكانها).

10- التوسع فى إنشاء المحميات الطبيعية وبرامج الصون للتنوع الحيوى وبنوك الأصول الوراثية وتطبيق عناصر الإستراتيجية الوطنية لصون التنوع البيولوجى فى مصر.

11- التوسع فى بناء المدن لتكون مرتكزة حول الإنسان وليس لصالح السيارات, فمن التجارب الناجحة فى البلدان النامية ما قام به عمدة مدينة بوجوتا عاصمة كولومبيا عندما وجد أن 30% من السكان يملكون سيارات فما كان منه إلا أن طور الحدائق وممرات المشاة وأنشأ ما يقارب من 1200 منتزه, وزرع حوالى 100 ألف شجرة, وشيد المئات من ممرات السير للدراجات, وقد أدى ذلك إلى تقليص اختناق المرور بنسبة 40% وجعل المدينة من أكثر المدن أمانا فى العالم رغم وجودها فى دولة تتمتع بنسبة كبيرة فى الجريمة.

12- إنشاء صناديق وطنية لتقديم العون المالى والفنى للمشروعات الوطنية التى تستهدف حماية البيئة, تشجيع الاستثمار فى هذا المجال.

13- التشجيع على الالتزام بالمعايير البيئية السليمة فى المشاريع الصناعية والزراعية والسياحية وغيرها عن طريق إعطاء محفزات فى صورة إعفاءات ضريبية أو دعم فى تكاليف تلك المشروعات.

14- بناء القدرات العلمية والتقنية لإدارة عناصر البيئة ومنها: التوسع فى الدراسات والبحوث التى تخدم برامج الإصحاح البيئى وصون الموارد الطبيعية التوسع فى أعمال الرصد المستمر للموارد الطبيعية التوسع فى مناهج التربية البيئية فى المدارس والجامعات والأنشطة المدرسية والجمعيات البيئية التوسع فى نشر الثقافة البيئية عن طريق وسائل الإعلام ودور العبادة تأهيل وتدريب المختصين فى مجالات البيئة.

(20) الرياضة

إذا ذكرت كلمة الرياضة فى مصر فإن الذهن ينصرف فورا لكرة القدم, ثم للناديين الأهلى والزمالك، فقد اختزلت الرياضة فى كرة القدم، بل مجرد تشجيعها بشكل تفصيلى ويومى، حتى أضحى تشجيع كرة القدم هو الهواية الأولى للشعب المصرى. ولا اعتراض على كرة القدم فى حد ذاتها كلعبة شعبية, ولكن الاعتراض على إهمال كافة أنواع الرياضيات الأخرى، بل والأهم من ذلك إهمال تحويل أبناء الشعب جميعا إلى رياضيين أصحاء وفقا للشعار المعروف (الرياضة للجميع).

فالرياضة فرض دينى لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتحلى بالقوة، والقوة تبدأ بصحة وسلامة بنيان الجسد، والرياضة أحد الوسائل الأساسية للحفاظ على الصحة، والتى تنعكس بعد ذلك على صفاء الذهن والتفكير. وهى حق للجميع, وإن كان التركيز بطبيعة الحال على الأطفال والفتية والشباب.

والدولة وكبار المسئولين والإعلام الرسمى وراء هذا الهوس فى التشجيع الكروى (كرة القدم) ليس بهدف الاهتمام بالرياضة, ولكن لشغل الناس بعيدا عن الهموم العامة. ومحاولة تحقيق إنجاز فى كرة القدم يعوض غياب الإنجازات فى السياسة والعلم والاقتصاد! وحتى هذا لم يتحقق حتى الآن إلا على المستوى الأفريقى. ولكن كرة القدم تعيش بين الناس لسبب آخر، فلأن الرياضة تحتاج إلى تجهيزات وتكاليف مادية ومكان ملائم (السباحة التنس ألعاب القوى.. إلخ), وهو ما لا يجده الشباب، فإنهم يلعبون كرة القدم لأنها لا تحتاج إلا إلى كرة وأرض فضاء فى الشارع أو الحارة أو قطعة أرض خالية فى القرية.

والوقع أن الدولة ملزمة بإنشاء نوادى حقيقية (لا مراكز الشباب البائسة الحالية) فى كل قرية وكل حى، وأن تشتمل قدر الإمكان على أكبر عدد ممكن من اللعبات المتنوعة. وجموع الناس مستعدة للمشاركة التطوعية فى بعض التمويل شريطة توفير قطعة أرض، ولكن الحكومة انشغلت أكثر بالسيطرة السياسية على مراكز الشباب, بحيث تكون تحت قبضة الحزب الحاكم، وألغت الانتخابات فى هذه المراكز مما تسبب فى انفضاض الشباب عنها.

كذلك فإن انتشار المدارس بدون ملاعب، مفهوم خاطىء للتربية والتعليم“, فلا توجد مدرسة حقيقية بدون ملاعب وبحصص رياضية حقيقية، والمسألة ليست بكم المدارس التى تبنى بدون تعليم حقيقى وتربية حقيقية, بما فى ذلك التربية البدنية. لقد أصبحنا نخرج أجيالا ضعيفة العقول والأجسام معا. وأصبحت الرياضة بذلك محصورة فى أبناء الأغنياء وقسم من أبناء الطبقة الوسطى، بالإضافة لقلة محدودة من الرياضيين المحترفين. والتعلل بالإمكانيات مرفوض سواء فى هذا المجال أو غيره، بل إننا نرى كيف تجرى الأموال أنهارا وبالملايين فى مجال كرة القدم على سبيل المثال.

ولابد من إحياء البطولات بين القرى والمدن داخل كل محافظة، وبين المدارس والجامعات المختلفة، لإعطاء جدية لممارسة الرياضة، واستخدامها كوسيلة للتربية وتعليم الأخلاق الحميدة من غرس قيم المنافسة الشريفة، والتعاون وتعلم النظام والانضباط.

أما الاقتصار على الأندية الرياضية الحالية فهو أمر لا يكفى فهى محدودة العدد جدا, وتكاد تتركز فى القاهرة والمدن الكبرى والاشتراك فيها يصل إلى مبالغ خيالية، فى حين أن الرياضة حق للجميع.

واتساع القاعدة الرياضية فى مختلف اللعبات من الحى والمدرسة والقرية، هو الذى يمكن أن يساعدنا فى انتخاب المجموعات والفرق التى تمثلنا فى البطولات الدولية والأولمبية. وقد تحولت الأولمبياد إلى أحد معايير التقدم الحضارى بين الأمم, وتأخذ الدول بجدية هذه المنافسة الحضارية، وتعتمد على الوسائل العلمية فى التدريب، لتحطيم الأرقام القياسية وحصد أكبر عدد من الميداليات والبطولات. وتحطيم الأرقام القياسية فى الرياضة من آيات التحدى الإنسانى لقوانين الطبيعة، واستمرارها حتى الآن من مظاهر الطاقة الإنسانية التى لا تنفد, وهذا التفاخر بين الأمم فى هذه المنافسات الشريفة مما يعمق الانتماء الوطنى، وهو رمز لتطور الأمم, لذلك فإن أغلب النتائج الرياضية تعكس التقدم الحضارى العام للأطراف المتنافسة، وهو رمز للتنافس السلمى بعيدا عن الحروب. وسجلنا فى البطولات الدولية كما هو معروف بالغ الرداءة, ونحن فى الأولمبياد إما نخرج بصفر كبير أو نكون فى ذيل القائمة بعدد هزيل من الميداليات، وفى هذا قياس حقيقى لحالتنا الحضارية العامة. وإن كنا نسعى لنثبت وجودنا فى هذا التنافس الحضارى بين الأمم، ولكن يظل الهدف الأساسى هو بناء أمة صحيحة وقوية بدنيا.

ونعود لمسألة كرة القدم من جديد.. لنشير إلى ظاهرة بالغة الخطورة، باعتبار أن كرة القدم هى النشاط الأبرز فى المجال الرياضى الذى يشغل الجماهير، وهو حالة الانحطاط فى القيم الأخلاقية المحيطة بها، فإذا كان الهدف من الرياضة إزكاء قيم أخلاقية راقية بعد بناء الأجسام، فإن المناخ المحيط بكرة القدم لا يشيع إلا أسوأ القيم والأخلاقيات، من تشجيع غير رياضى تستخدم فيه الألفاظ البذيئة والعنف ضد جماهير النادى الآخر, وتحطيم السيارات والممتلكات العامة والخاصة. وانتقال هذا المستوى الهابط إلى بعض الإعلاميين الرياضيين. كذلك يتم نقل أسلوب الاحتراف من أوروبا والغرب عموما بأسلوب مشوه فلا ننقل إلا المساوىء، فننشغل بالحروب اليومية حول بيع اللاعبين بالملايين، وانتقال اللاعب من نادى لآخر وفقا لقاعدة من يدفع أكثر، وقد أصبح الإعلام طافحا بهذه القصص الرديئة. ولم ننقل من أوروبا الحزم والانضباط، واستخدام الوسائل العلمية فى التدريب. ويجب الجمع بين نظم الاحتراف، والحفاظ على القيم الرياضية الجميلة، وفكرة الارتباط بنادى محدد وأن يكون الولاء له، وعدم المغالاة فى الأموال التى يحصل عليها اللاعبون، وعدم السماح باستخدامهم فى الإعلانات للحصول على مزيد من الأموال, وهكذا سادت فى أجواء كرة القدم أجواء البيزنسوتراجعت كل المعانى الطيبة المرتبطة بالمنافسات الرياضية الشريفة، وساءت العلاقات بين اللاعبين والمدربين, وأصبحت المسألة علاقات مالية. وكل هذا الغثاء لم يفدنا فى الوصول لكأس العالم. فلا نحن بنينا قاعدة رياضية واسعة للشعب، ولا نحن حققنا مكسبا أدبيا على مستوى العالم.

كما دخل الهوس فى تشجيع كرة القدم من أسوأ أبوابه، حيث قاد الإعلام الحكومى حملة ضد الجزائر أدت إلى أزمة بين البلدين بسبب مباراة كرة قدم، وتحولت الحملة إلى هجوم على الشعب الجزائرى الشقيق بأسره، وليس على مجموعة من المشجعين الجزائريين، ووصل الأمر إلى حالة من الشحن الطائفى والعنصرى ضد الشعب الجزائرى, ثم تحولت الحملة إلى شحن عنصرى ضد العرب جميعا!! وقاد هذه الحملة العجيبة أحد أبناء حاكم البلاد بنفسه من خلال التلفزيون الحكومى، والسبب الرئيسى لذلك أن النظام كان يراهن على مشاركة مصر فى كأس العالم لاعتبار ذلك من منجزاته، وقد أدى هذا العبث إلى تحول كرة القدم إلى باب للخصم من قيم المجتمع، ومن مكانة مصر بين العرب.

*****

من المهم أن نوضح نقطتين فى مسألة مغزى البطولات الدولية والأولمبياد:

1- كما أوضحنا أن التنافس فى الأولمبياد، رمز للتنافس الحضارى بين الأمم، لذلك ستجد ترتيب الدول فى الأولمبياد قريب جدا للتماثل مع ترتيبها فى التنمية البشرية والاقتصادية، فلم يكن من قبيل الصدف أن الصين احتلت المركز الثالث فى دورة سيدنى عام 2000, ثم قفزت إلى المركز الثانى فى دورة أثينا عام 2004, ثم احتلت المركز الأول فى دورة بكين 2008, وأزاحت الولايات المتحدة إلى المركز الثانى, وجاءت روسيا فى المركز الثالث. وهذا يتوازى مع صعود الصين للمركز الثانى فى الاقتصاد العالمى، وهى على وشك إزاحة الولايات المتحدة من القمة الاقتصادية العالمية خلال سنوات قليلة تقدرها الدراسات بعام 2025.

والتفوق الرياضى يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:

أ. توسيع القاعدة الرياضية الشعبية فى شتى الألعاب على المستوى الوطنى.

ب. الإنفاق المالى على هذا التوسيع.

ج. الجدية الشديدة فى التدريب, وانتهاج الوسائل العلمية فيه مع النخبة الرياضية المنتخبة من هذه القاعدة العريضة.

والتفوق فى المجال الرياضى لا يحقق مكاسب مادية للأمة المتفوقة، كما تفعل الجيوش باحتلال الأراضى أو كما تفعله الشركات الاقتصادية باحتلال الأسواق، ولكنه يفعل أكثر من ذلك، وهو احتلال القلوب، واكتساب احترام الشعوب الأخرى، وتعزيز مكانة الأمة المتفوقة من الناحية المعنوية. كما أن هذه الانتصارات تعزز روح الوطنية والاعتزاز بالوطن وأبنائه (ماذا يكون شعورنا عندما تخرج مصر بلا ميدالية واحدة. وإذا أخذت تحتل المركز الأخير بين الحاصلين على ميداليات؟!).

2- كما ذكرنا فإن تحطيم الأرقام القياسية منذ بدايات القرن العشرين مسألة لها مغزى إنسانى كبير، فهى تعكس إرادة الإنسان فى التغلب على قوانين الطبيعة (كقانون الجاذبية)، فإذا فكر الإنسان بشكل مجرد فقد يقول إن تحطيم الأرقام القياسية لابد أنه سيتوقف لأن هناك حدودا لقدرة الإنسان، لذا فإنها من الأمور المعجزة فى خلق الله الذى أودع طاقة لا نهائية فى الإنسان أن يظل تحطيم الأرقام القياسية متواصلا وبكثافة شديدة (تحدث عن هذه الظاهرة أحمد حسين فى كتابه المهم: الطاقة الإنسانية). بل إن عام 2009 شهد فى رياضة السباحة وحدها تحطيم 142 رقما عالميا!! (الناقد الرياضى حسن المستكاوى), وتتواصل ظاهرة استمرار تحطيم الأرقام القياسية فى ألعاب القوى ورفع الأثقال.

وهذه الظاهرة الإنسانية (ظاهرة الإرادة والتحدى) فى المجال الرياضى هى نفسها التى تعمل كقانون فى شتى مجالات الحياة، وقيمة البطولات والميداليات والأرقام القياسية أنها تشحذ الهمم وتوجه الأبصار نحو هذه القيمة الأساسية فى حياة خليفة الله على الأرض: قيمة الإرادة والتحدى والتفوق على النفس، وأن التقدم مفتوح بإرادة الله وإذنه بدون سقف محدد. وهى نفس القيمة التى دفعت الإنسان لارتياد الفضاء حتى أصبحت جحافل الأقمار الصناعية تحيط بالأرض إحاطة السوار بالمعصم فترصد كل شبر على الأرض على مدار الساعة, وهى نفس القيمة التى دفعت الإنسان للوصول إلى القمر والتخطيط لزيارة المريخ: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن: 33), والعجيب أن الإنسان لا يزال يكتشف فى قدرات جسده (على تناهى صغره بالنسبة للكون) ونفسه، كما لا يزال وسيظل يكتشف فى أعماق الكون: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53).

(21) بناء جيش وطنى قوى

القوة العسكرية لأى أمة هى الدرع الذى لا غنى عنه للدفاع عن نهضتها وخيارها المستقل وحدودها، وهذه قاعدة عامة حتى فى البلاد المشتهرة بالحياد كسويسرا والسويد، ففى هذين البلدين جيش قوى وصناعة حربية متطورة. وحتى فى البلدان الأسيوية واللاتينية الناهضة اقتصاديا فإنها تهتم بتطوير قدراتها العسكرية وتصنيعها الحربى وتزيد إنفاقها فى هذا المجال بشكل مطرد، ولكل أمة مخاطرها الخاصة التى تهددها.

وهذه القاعدة العامة تأخذ أهمية خاصة فى مصر للأسباب التى ذكرناها آنفا عن وجودها فى عين العاصفة عبر التاريخ فكانت محط أنظار، بل ومحط قوات أى إمبراطورية عظمى فى العالم، بدءا من الإسكندر الأكبر حتى الإمبراطورية الأمريكية. وحاليا فإن وجود الكيان الصهيونى (المتحالف مع الولايات المتحدة) على حدودها والمعروف بمخططاته التوسعية، وحروبه المتعددة على مصر، وامتلاكه للأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل فى إطار جيش يستخدم أحدث وسائل التكنولوجية الحديثة، هذا الكيان هو الخطر الأول على الأمن المصرى والعربى (وزير الخارجية الحالى ليبرمان هو الذى هدد بضرب السد العالى بالقنابل النووية رغم التزام حكام مصر بمعاهدة السلام!). وبالتالى فإن بناء قوات مسلحة قوية ومجاهدة مسألة لا غنى عنها. بل إن قواتنا المسلحة عندما تستعيد مصر دورها الطبيعى مطالبة بمعاونة البلاد العربية ضد أى عدوان خارجى، لا مجرد الحفاظ على الحدود المصرية كما يقال الآن، لأن أمن مصر واستقلالها لن يتأمن عندما تكون البلاد العربية خاضعة للتهديد الصهيونى الأمريكى، وهذا يتوافق مع فريضة الجهاد التى أمرنا بها الله. وليس معنى ذلك مشاركة القوات المسلحة بالضرورة فى صد أى عدوان على الأمة العربية والإسلامية بشكل مباشر، فهذا يتوقف على الإمكانيات والظروف السياسية، وقد يأخذ ذلك شكل المد بالسلاح والخبراء,وأحيانا بعض المتطوعين. وكلما كان الصراع قريبا من حدودنا كلما زاد ذلك من احتمالات مشاركتنا المباشرة عملا بقول الله عز وجل: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة:23).

ويجب إعادة الاعتبار لالتزامنا بفريضة الجهاد,وأحكامها قاطعة وواضحة وملزمة فى القرآن والسنة، وفى إشارة إلى أبرز هذه القواعد الفقهية فنقول:

1- إعداد كل أسباب القوة للدفاع عن الوطن والأمة أمر إلهى لا خلاف حوله: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال:60).

والقوة هنا تأتى بمعناها الشامل.. بالتسليح على أعلى مستوى ممكن، والتدريب، على ألا يقتصر ذلك على القوات المسلحة، بل يمتد إلى إحياء نظام الفتوة، حيث يشمل التدريب طلبة المدارس والجامعات، وأن يكون هناك نظام مستمر للتدريب الدورى لفترة كل عام حتى سن معين. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إتقان الرمى، ودعا من تعلم فنون القتال أن يحافظ على مهاراته بالتدريب، فقال: (ألا إن القوة الرمى) وكررها 3 مرات.وأيضا (من عَلِمَ الرمى ثم تركه فليس منا أو قد عصى)مسلم. وكان رسول الله ينظم مسابقات الخيل ويشارك فيها (مسلم).

والتسليح لا يكون مضمونا وكافيا إلا بالتصنيع الحربى، فأمة تعتمد على استيراد السلاح لا يمكن أن تؤمن نفسها تماما ولا أن تضمن المدد، وقد عانينا كثيرا من مسألة معدلات تدفق التسليح من الاتحاد السوفيتى، لأن السلاح سلعة إستراتيجية ولا تصدر أو تباع أو حتى تعطى مجانا بدون شروط سياسية، ونحن نعانى الآن من اعتمادنا على التسليح من الولايات المتحدة (مليار دولار سنويا من المعونة) ليس لأنها دولة أجنبية فحسب، بل أيضا لأنها متحالفة مع عدونا الرئيسى (إسرائيل).

كما أشرنا من قبل فإن القصص القرآنى ليس حواديت، ولكن كثيرا من السنن مبثوثة فيه، وقد أورد القرآن من خلالها رسائل محددة وانتقى وقائع بعينها، فلو تصورنا أن هناك مؤرخا عاش مع سيدنا داود لكتب مجلدات عن عصره، ولكن القرآن الكريم انتقى لنا وقائع معينة ليرشدنا إلى الأوزان النسبية الأهم للأمور,فقال على سبيل المثال: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ .أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ),وكان داود حدادا يصنع من الزرد دروعا وأمره الله عز وجل أن يصنعها سابغات، أى وافيات تغطى الجسد أو الصدر على الأقل، وأمره أن يقدر فى السرد أى يتقن المقاييس والصنع، ويقول المفسرون أن المقصود بالسرد هو تحويل المعدن إلى نوع من الشبكة (وكأنها نسيج) لتغطيه وحماية الجسد فى القتال. واعتبر الله سبحانه وتعالى هذا التصنيع الحربى عبادة.

وتحدث القرآن عن الفائدة المزدوجة للحديد,فهو للقتال: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) وللاقتصاد والصناعة: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ),وربط القرآن بصورة فريدة بين الرسل والكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط أى العدالة والحديد، وأن هذه العوامل مجتمعة يحاسب الناس على أساسها,والآية ككل تقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِى عَزِيزٌ) (الحديد:25).

ولا توجد عقيدة دينية إلا الإسلام تربط بين الإيمان بالله ورسوله وكتبه بالعدالة، ثم بالتنمية الاقتصادية والتصنيع على وجه خاص، بوجهيه المدنى والعسكرى. ونادرا ما يهتم الدعاة بهذه الزوايا، ولو اهتموا بها لشنوا حربا على الحكام الذين لم يفعلوا سوى الاستيراد، وأهملوا التنمية الصناعية المدنية والحربية، فى حين لا يقوم الإسلام إلا بالقرآن والحديد!

وكان رسول الله ورغم اعتماده على الله وعلى روح الجهاد والاستشهاد فى جيشه,إلا أن ذلك لم يتعارض مع اهتمامه بالتسليح والتدريع، فكان يلبس لامته للحرب، ويرتدى درعين، وكانت كتيبة المهاجرين والأنصار تسمى الكتيبة الخضراء، أى السوداء، لكثرة ما عليها ومعها من حديد,وكانت ترتدى خوذات لا يظهر منها إلا العينان!وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة إلى جرش (فى الأردن حاليا)ليتعلما صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات، وهى أسلحة متطورة بالنسبة لذلك العصر، فالمنجنيق آلة لرمى الحصون بالحجارة الثقيلة، والعرادة نوع منه، والدبابة درع جماعية يضعها المهاجمون للحصون على ظهورهم لتقيهم أسلحة العدو ونيرانه وقذائفه. وقد استخدم رسول الله هذه الآلات فى حصار الطائف (فى الاقتصاد عبد السلام ياسين الطبعة الأولى 1995 الدار البيضاء ص 166, 167بتصرف).وهذه سابقة مهمة، توضح أن إرسال بعثات لتعلم فنون القتال والعسكرية فى بلاد غير إسلامية جائز، ولكن يظل التصنيع الحربى المحلى هو الأساس.

وكنا قد قطعنا شوطا لا بأس به فى هذا المجال فى العهد الناصرى, ثم انكمشت قاعدة التصنيع الحربى بعد ذلك، بل تم توجيه المصانع الحربية لإنتاج سلع مدنية.