مصر الفتاة كفاح متواصل من أجل العروبة والإسلام. بقلم / مجدى أحمد حسين

“مقـــدمــــة”

نحتفل فى هذه الأيام ويحتفل معنا الشعب المصرى بذكرى مرور نصف قرن على تأسيس حركة مصر الفتاة التى لعبت دورا كبيرا فى صياغة المجتمع المصرى وأثرت فيه تأثيرا كبيرا على مدى السنوات الماضية، فمصر الفتاة لم تكن مجرد حزب يسعى إلى السلطة لتحقيق برنامجه رغم أنها لم تخف ذلك، بل كانت فى الأساس صاحبة رسالة ودعوة إصلاحية وثورية بعيدة المدى، كانت صاحبة رسالة بعث مجد مصر والعرب والمسلمين لو أردنا أن نوجز نضالها العريض والمستمر فى كلمة.

ومصر الفتاة هى التى حملت مشعل الثورة المصرية وحافظت على اتقاده من ثورة 1919 حتى ثورة 23 يوليو هكذا لخص أحمد حسين مؤسس وزعيم مصر الفتاة فى أيامه الأخيرة دور الحركة فى عبارة موجزة.

فقد كانت نشأة مصر الفتاة عام 1933، تعبيرا عن احتياج موضوعي جارف، ففى تلك الفترة كان وهج ثورة 1919، وإشعاعها المباشر على الحياة السياسية قد بدأ يخفت ويخبو، ودخلت البلاد فى النفق المظلم لمفاوضات الجلاء، وتوارت الروح الوطنية المتأججة.

فكان من المحتم التهيئة لموجة جديدة من الهجوم الوطنى قوامها الجيل الشاب، بعيدا عن المساومات السياسية والصراعات الحزبية الضيقة، موجة جديدة من الهجوم الوطنى على الاحتلال البريطانى والعبودية للأجنبي.

وشن حملة واسعة على النطاق وكفاح سافر من أجل بعث مجد مصر، والنهوض بها إلى مكانتها الطبيعية، استئنافا لدورها التاريخى كزعيمة للعالم العربى والإسلامى وكمركز حضارى متقدم يشع على العالمين.

وكانت ثورة 23 يوليو تجسيدا عمليا لبرنامج مصر الفتاة الداعى إلى العدالة الاجتماعية وإلى الاستقلال الوطنى والسياسى والاقتصادى وإلى بناء قاعدة صناعية قوية للبلاد. وإلى بعث مجد مصر ودورها القيادى فى العالمين العربى والإسلامى.. وإلى كافة الشعارات العريضة التى نادت بها ثورة يوليو.

ومهما ثار الجدل حول تطبيقات ثورة يوليو فإن ذلك لا يغير من هذه الحقيقة التاريخية والتى يؤكدها أن جمال عبد الناصر وعددا من أعضاء مجلس قيادة الثورة والضباط الأحرار كانوا على تماس بحركة مصر الفتاة بل وانضموا إلى عضويتها فى فترة من فترات حياتهم السياسية وتأثروا بمبادئها وما نادت به ولكن الاحتفال بهذه المناسبة الجليلة لا يقتصر على الذكريات الوطنية أو عظات التاريخ، فمصر الفتاة لم تعد فى ذمة التاريخ بقدر ما هى مشروع للمستقبل، ليس لأن حزب العمل الاشتراكى الامتداد الطبيعى لمصر الفتاة متواجد على الساحة السياسية الحزبية الراهنة، بل فى الأساس لأن رسالة مصر الفتاة ما زالت مطروحة للتحقيق على أيدى الشباب المصرى الذى يجب أن يحمل مشعلها المتقد بعد أن خبت الدنيا من حولنا. وبهذا المعنى فإن حزب العمل يكرس جهوده وكفاحه من أجل هذه الرسالة التى يدعو لها كافة أبناء الأمة على اختلاف مشاربها وأحزابها واتجاهاتها.

فما هو الهدف الكبير الذى ناضلت من أجله مصر الفتاة ولم يعد يستوجب النضال من أجله فى الثمانينات؟ ألسنا اليوم نكتشف ارتباطنا بالسودان؟ ألسنا اليوم نعانى من السيطرة الأجنبية على مقدراتنا بل وخبزنا اليومى؟ ألسنا اليوم نعانى من مظاهر الانحلال والتحلل الخلقى؟ ألسنا اليوم نعانى من الفساد والإفساد؟

لقد تغيرت كثيرا من الظروف والملابسات والأوضاع الاجتماعية ومع ذلك تبقى الأهداف الوطنية الأصيلة مطروحة للكفاح من أجل تحقيقها.. ويبقى أن نبعث مجد مصر.. قائدة للعالم العربى والإسلامى..

إن من يطالع هذا الجزء الأول من كتاب “كفاح مصر الفتاة” والجزء المقبل سيدرك إلى أى مدى ترتبط رسالة مصر الفتاة بالمستقبل بأكثر مما ترتبط بالماضي. وسيدرك جوهر الرسالة التى يكرس لها حزب العمل كل جهوده.. من أجل مستقبل مشرق للبلاد.

البــــــــذور

إذا كان التاريخ الرسمى لمصر الفتاة يبدأ فى أكتوبر 1933، إلا أن بذورها وإرهاصاتها كحركة تستهدف نهضة مصر كقائدة للعرب والمسلمين ترجع إلى ما قبل ذلك بسنوات.

ففى عام 1928 وقبل تخرج أحمد حسين من مدرسة الخديوية الثانوية بشهور شرع فى كتابة سلسلة من المقالات تحت عنوان “رسالتي” فى مجلة المدرسة وضع فيها بذرة مصر الفتاة الأولى وتحتوى هذه المقالات المبكرة على الخطوط العريضة للنضال الوطنى التى تعمقت مع بداية المسيرة السياسية لحركة مصر الفتاة. وفيما يلى مقتطف من إحدى هذه المقالات والتى كتبت فى أول ديسمبر عام 1928:

“نظرية واحدة تسود العالم من أقصاه إلى أقصاه، عبر عنها الفيلسوف الألمانى “نيتشه” بصراحة إذ قال “الأرض إرث القوى والمستقبل للشعب الظافر وللصالح وحده حق الحياة” فى هذا الصراع المخيف حول الموت والحياة.. فى هذا السباق الذى تشترك فيه كافة المخلوقات تتقدم مصر العتيدة كأمة قوية خالدة ما خلدت الأيام. فمن بين أمم الأرض طرا لا توجد واحدة تضارع الأمة المصرية. هاجمتها عاديات الدهور فما استطاعت أن تنال منها، وحاربتها الأقدار فارتدت عنها مخذولة واحتملت مصر التجربة بثبات وخرجت من الأعاصير ملؤها الحياة والفتوة تعلن الناس أنها معيدة مجدها القديم.

ما واجبنا نحن الطلبة؟.. تلك هى رسالتي وذلك هو ندائي، إلا أننا شباب حر، مهمتنا العمل للمستقبل القريب. تعالوا نبنى بناء جديدا.. تعالوا نشيد عظمتنا المستقبلة على أساس من الفولاذ مما تبنى عليه الأمم. الصناعة والتجارة مدنية القرن العشرين وروح الأمم الحديثة. إن اليوم الذى لا نلبس ولا نشرب ولا نأكل فيه من الخارج يجب أن يكون جد قريب وفى هذا يجب أن نعمل إن أردنا حقا مجد الوطن. الأخلاق هى التى تجعل من الإنجليزى محترما فى كل مكان. وهى التى تجعل الألمانى بمثلين من الرجال. فى المقال التالى ترون صورة لأخلاقنا. ترون الغرور والجهل والسفسطة. فى إصلاح هذه الأخلاق يجب أن نعمل إن أردنا حقا مجد الوطن. فلنحارب الخزعبلات والعقائد الفاسدة. فلنبشر بعظمة مصر ومجد مصر وتاريخ مصر، فلنزك “لنعضد” (بنك مصر) فى مشروعاته وشركاته ففى هذا رفاهية لأهل الوطن.. فلنناصر التجديد الاجتماعى والخلقى والأدبي والاقتصادى.. ولنبذر بذور الإصلاح فى كل مكان حللنا به.

قالوا قديما وما زالوا يقولون نحسب الأمة التى تريد الرفعة والسؤدد أن يقوم أفرادها بواجباتهم، كل فى دائرة عمله.. التاجر فى متجره والصانع فى مصنعه والموظف فى مكتبه والطالب فى معهده.. تلك هى رسالتي وذلك هو ندائي”

أول معسكر للشباب فى سفح الأهرام:

ومع الالتحاق بالجامعة فكر أحمد حسين مع رفيق كفاحه فتحى رضوان فى أسلوب لجمع الشباب وتوحيد أفكارهم ويدفع بجهادهم إلى ميدان جديد هو ميدان مصر الفتاة فدعيا إلى الاحتفال بـ 13 نوفمبر (ذكرى ثورة 1919) على أسلوب جديد، بالاجتماع فى سفح الأهرام وإقامة معسكر للمبيت فى ليلة الذكرى، على أن يقوم الشباب فى الصباح بتحية العلم والنزول إلى المدينة، وفى المرة الأولى لم يحضر سوى نفر قليل من الشباب ولكن بعد سبع سنوات اجتمع مندوبو شعب مصر الفتاة فى عامها الثالث (1936) فى سفح الهرم وتحقق الاحتفال كما تخيله أحمد حسين وفتحي رضوان فى 13 نوفمبر 1929.

الصرخة الأولى عام 1930:

وبدأت نواة مصر الفتاة تتشكل رويدا رويدا، وفى عام 1930 اتفقت المجموعة مع أحد المعارف للحصول على رخصة جديدة، واختار أحمد حسين لها اسم “البعث” فإذا هو اسم لجريدة أخرى فاختار فتحى رضوان اسم “الصرخة” فكانت الصرخة التى ستبقى إلى الأبد علما على مصر الفتاة وسجلا لوقائعها، وإذا كان الناس لم يسمعوا عن الصرخة مقترنة بمصر الفتاة إلا فى أكتوبر سنة 1933. فإن الصرخة فى الواقع قد صدرت أعدادها الأولى فى مارس سنة 1930.

وكانت تحمل فى صدرها وفى ثنايا سطورها هذه المبادئ التى أخذت شكلها النهائى وأعلنت رسميا بعد ذلك بأربع سنوات تقريبا.

مشروع القرش

والإعداد الكبير لمصر الفتاة

يمثل مشروع القرش الانعطاف الأساسى فى عملية الإعداد لتأسيس حركة مصر الفتاة، فقد تحول المشروع من فكرة إلى مشروع قومى ساهمت قوى الأمة بأسرها فى إنجاحه، فقد تمكن أحمد حسين الطالب من جمع رموز الأمة فى مجال السياسة والاقتصاد والأدب والفن والثقافة حول هذا المشروع. ويروى احمد حسين وقائع مشروع القرش وكيف تحول إلى حرب وطنية شعارها ((تعاون فى سبيل الاستقلال الاقتصادى)) فيقول :

كانت مصر فى هذه الأيام (1931) تعانى أزمة اقتصادية مخيفة ، فقد هبطت أسعار القطن وأصبح لا يجد مشتريا ، وفى وسط ذلك اختل الميزان التجارى ضد مصلحة مصر اختلالا لا عهد لها به من قبل ، وأصبحت الأزمة والشئون الاقتصادية هى ما يشغل بال كل مصري ، وزاد هذا التدهور السريع الارتباك فى مالية مصر واقتصادياتها! . وأصبح لامناص من مراجعة الموقف الاقتصادى برمته .. وقد تجلى خطر اعتماد مصر على الزراعة فقط وزراعة القطن بصفة خاصة .. كما تجلى خطر اعتماد مصر اعتمادا كليا على أوروبا فى كل ما تحتاجه من مصنوعات ، ومن هنا فقد أدركت أن أكثر ما تحتاجه مصر وسط الظروف المختلفة التى تحيط بها ! هو العمل على إيجاد الصناعات بها ، ونشر روح الصناعة الوطنية فى كل مكان .. ولما كانت الصناعة تحتاج إلى رؤوس أموال ، لم أشأ أن تجمع رؤوس الأموال من بضعة أفراد ، بل رأيت أن مما يحقق غايتنا بكمالها أن يساهم الشعب مجتمعا فى إنشاء هذه الصناعات القومية ليظل حريصا على تشجيعها فيما بعد ، ويسمح لنا أثناء جمع هذه الاكتتابات الصغيرة أن نلقن الشعب دروسا فى التعاون والاعتماد على النفس ، ونشر الدعوة للصناعات المصرية .. وأخيرا سوف يكون لنجاح مثل هذا المشروع ، وقيام مصنع من المصانع بأموال الشعب ، اكبر الأثر بإحساسه بقوته إذا ما تعاون وتضامن .. وهذه كلها هى المعانى التى صغتها فى شعار مشروع القرش وقتذاك (( تعاون وتضامن فى سبيل الاستقلال الاقتصادى )) . وكان اختيار وحدة الاكتتاب بعد ذلك مرا سهلا ، فقد جعلته قرشا حتى يسهل على كل فرد دفعه . ولست أريد الآن أن اذكر تاريخ الجهود التى بذلت فى سبيل تحقيق هذا المشروع ، ولكنى لا استطيع أن أنسى كيف قوبلت بالسخرية فى بادئ الأمر ، بدعوى أن المشروع ليس إلا حلما من الأحلام ، أو خيالا من الخيالات .. حتى أن المحرر (فى جريدة الأهرام) الذى حملت إليه فكرة المشروع مسطورة ، رمى الورقة فى وجهي قائلا لى : أن هذا (لعب عيال ) .. وبعد أيام قلائل قيل لى من محرر آخر : أن كرامة الجريدة لا تحتمل نشر هذه السخافات! ولقد كان هناك ألف عقبة وعقبة فى طريق المشروع ! .. اقلها قيام الحرب الحزبية فى مصر على أشدها وقتذاك وتربص كل جانب بالآخر .. وكانت هناك رقابة وزارة المعارف الشديدة التى لا تكاد تسمح لطالب بكتابة كلمة فى إحدى الجرائد . وكان المشروع يبدو بذلك مستحيلا .. وأحيانا مضحكا .فقد قال فيه بعض القانونيين كلاما طويلا عريضا ، عندما بدأنا نشاطنا وبدأ المشروع يطرق ألآذان .. فما كنت تسمع إلا اعتراضا ، وسخرية ، فى كل مكان ، فى الجامعة وسط صفوف الطلاب ، وفى الشارع ، وفى النادي .. ولكن الله سبحانه وتعالى وفقني توفيقا عجيبا إذ أهداني إلى سعادة على باشا إبراهيم ليكون رئيسا للجنة التى تدرس الموضوع وتبحثه ، وكان هذا الاختيار بدء تطور جديد فى حياة المشروع . فقد أسرعت الصحافة لنجدته ، وأصدرت دار الهلال عددا خاصا من إحدى مجلاتها خصصت إيراده للمشروع ، فجمعنا من هذا العدد ما يقارب الثلاثمائة جنيه مصري فكان ذلك نواة لرأس مال المشروع ، واستطعت بهذا المبلغ أن أمضى حتى النهاية فى إخراجه إلى حيز التنفيذ ، من حيث إعداد الطوابع اللازمة لجمع الاكتتابات ، وعمل الشارات والصناديق ، والدعاية اللازمة فى كل مكان . نجح المشروع واهتزت له مصر من أقصاها لأقصاها .. ورأيت بعيني رأسي صورا ومشاهد جعلت الدموع تفر من عيني.. رأيت شبابا ينتسبون إلى الوزراء ، والى المستشارين ، والى كبار الأعيان ، يسهرون الليل وسط الصقيع ! كى يستلموا أعداد الجرائد وطوابع المشروع ليقوموا بتوزيعها فى الصباح كباعة الجرائد ! .. رأيت شبابا يعملون واصلين الليل بالنهار لا يكلون و لا يملون .. يسافرون من الإسكندرية حتى أسوان ! . ليحملوا الطوابع والشارات وليتصلوا باللجان .. رأيت حولى عشرات الآنسات وألوف الشباب . تلمع عيونهم ويهتفون بمجد مصر ويستعذبون العمل فى سبيل استقلالها وتحريرها ! .. هذا هو نجاح مشروع القرش كما كنت أريد ، هذه هى المعنوية التى رغبت فى إثارتها .. هذا هو الكسب العظيم الذى أفادته مصر من جراء هذا المشروع .. وعندما أقمنا مهرجان المشروع فى حديقة الأزبكية ، واكتظت الحديقة بما يزيد على خمسين ألفا من خيار الناس جاءوا كلهم ليحتفلوا برسالة التحرر الاقتصادى ..ليعلنوا رغبتهم فى أن يستقلوا بصناعتهم ، وان لا يلبسوا إلا من صنع بلادهم ، وان لا يأكلوا إلا من ثمراتها .. ووقفت فى ركن من الحديقة وكان ق مضت على عدة أيام لم انم فيها وبضع عشرات الساعات لم أتذوق طعاما .. ووقفت فى ركن من الحديقة مختبئا عن الناس ! . وقلبى ينبض بشدة و الدموع تذرف من عيني !. وأنا أقول بصوت مرتفع .. هذه هى .. هذه هى روح مصر الفتاة التى انشدها .

كان النجاح المادي فى مشروع القرش اقل بكثير من نجاحه المعنوى ، فلم يزد المجموع عن سبعة عشر ألفا فى العام الأول ، وثلاثة عشر ألفا فى العام الثانى .. ولكنى مع ذلك شرعت فى العمل حتى أحقق ما وعدت الناس به . وكانت الصناعة الوحيدة التى استهوتني منذ أمد بعيد ، هى صناعة الطرابيش .. فالطربوش هو شعار مصر القومى ، ولقد كنت اشعر دائما بالمهانة إذ كان شعارنا الوطنى أجنبيا تنسجه لنا بلاد أخرى لا تلبس الطرابيش ، فتقوم بحياكته ، كما تقوم مصانعها الأخرى بعمل الزجاج الملون ، والعقود البراقة ، لتباع فى وسط أفريقيا واسيا ! . وكانت لمصر صناعة عريقة فى الطرابيش إبان محمد على وإسماعيل ! . بل وكانت لمصر صناعة الطرابيش فى مدينة قها ، فتدخل الأجانب وحطموا هذه الصناعات المصرية ! . فرغبت فى أن اثأر لمصنع قها ، وان البس كل مصرى طربوشا من صنع بلاده !. ولقد كان التفكير فى إنشاء مصنع للطرابيش بهذا المبلغ الصغير ، أى بسبعة عشر ألفا من الجنيهات ، يعتبر أمرا جنونيا ، ومع ذلك فقد قررت أن أمضى فى الموضوع حتى النهاية . كان أول عقبة صادفتها فى هذا السبيل ، هو تنحى سعادة طلعت باشا حرب عن العمل معنا لتحقيق المشروع ، فقد رأى انه من المستحيل إنشاء مصنع الطرابيش ، واستدعاني فى يوم من الأيام إلى مكتبه وسلمني ملف (دوسيها) يتضمن مجهودات البنك ومساعيه لإنشاء مصنع الطرابيش ، وأخبرنى كيف أن بنك مصر بكل حوله وطوله ، قد عدل عن تنفيذ الفكرة لصعوبتها ، خوفا من المنافسة الأجنبية القاتلة ! . فصناعة الطرابيش كانت فى القديم احتكار نمساويا ، ثم أصبحت احتكارا تشيكوسلوفاكيا بعد أن تحولت مصانع النمسا القديمة إلى سيادة تشيكوسلوفاكيا ، وهذه المصانع من القوة وضخامة رأس المال والاقتدار الفنى ، بحيث لا يمكن مقاومتها بحال من الأحوال . و لكن هذه الصعوبات لم تؤثر فى تصميمي ، لأننى لم أكن من رجال الصناعة أو المال لحسن الحظ ، ولكننى كنت صاحب فكرة معنوية وصاحب الفكرة لا يعبأ بالصعوبات .. فافترقنا أنا وطلعت باشا حرب مختلفين فى هذه النقطة ، ولكن الرجل تمنى لى النجاح والتوفيق فى مهمتي وأعطاني ( الدوسيه) الخاص بصناعة الطرابيش لانتفع به فى محاولتي .. وقد يدهش كل إنسان أن يتصدى طالب مثلى فى كلية الحقوق ، ويأخذ على عاتقه إنشاء مصنع للطرابيش وهو الذى لا يعلم من أمر الصناعة شيئا !.ولكنه الإيمان .. ولكنه العزم والتصميم .

وسرعان ما جاءت الحوادث والأقدار لنجدتي ، فقد تقدم إلىَّ مهندس ألماني يسمى (فور هانز) وأخبرنى انه اطلع فى الصحف الإفرنجية على تفكير جمعية القرش فى إنشاء مصنع للطرابيش ، وانه مستعد لان يقدم مشروعا وعطاء كاملين على إنشاء مصنع للطرابيش بالمبلغ الذى جمعناه من المال ! فناشدته على الفور أن يفعل . انصرف من عندى واعدا إياي أن يرجع إلىَّ بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع ، ولقد عاد بعد الموعد المضروب وهو يحمل فى جعبته مشروعا كاملا لإنشاء مصنع للطرابيش ، وراح يعرض علىَّ الرسوم ويعرض علىَّ صور الماكينات ، ويعرض علىَّ فوق ذلك كله تعهد الشركة أن تنتج لنا طرابيشاً كأحسن طرابيش فى السوق المصرية ! وان لا تأخذ ثلث المبلغ المستحق لها من ثمن الآلات إلا بعد أن تنجح فى إنتاج طرابيش كالعينة المتفق عليها ، وأنها على استعداد لان ترسل الخبراء الذين يتولون إنشاء المصنع وتعليم العمال المصريين إنتاج الطرابيش  .ولم تكن الشركة فى نهاية الأمر تطلب ثمنا لآلاتها وماكيناتها أكثر من بضعة عشر ألفا من الجنيهات . كان ذلك المشروع المقدم من هذه الشركة الألمانية المسماة (هارتمان) بمثابة نجدة إلهية لى ، فقد عزز وجهة نظرى فى إمكان إنشاء مصنع للطرابيش ! . وبعد أن كنت أدعو لهذا المشروع على غير أساس وهدى ، أصبح تحت يدى مشروع كامل استطيع أن أتحدى به كائنا من كان … ولكن الشركة التشيكوسلوفاكية راحت من ناحيتها تعمل لإحباط المشروع! فأوفدت مندوبين لها فى مصر لمقابلة رئيس الحكومة المصرية وكان فى ذلك الوقت هو إسماعيل صدقى باشا ! . وأقنعوه بأنه من العبث أن نفكر بهذا المال التافه فى ننافس شركتهم العتيدة ! . واقترحوا عليه أن يقنعنا بالعدول عن إنشاء مصنع للطرابيش فى مقابل أن يساعدونا فى إنشاء مصنع لعمل البطاطين! .. وان يقدموا الآلات اللازمة لهذا المصنع بالمجان ، ولقد كان هذا العرض مغريا جدا ، جعل رئيس الحكومة يستدعى مصطفى بك الصادق مدير مصلحة التجارة والصناعة وقتذاك ، ووكيل مشروع القرش ، ويطلب منه العدول عن إنشاء مصنع الطرابيش ، والاتفاق مع الشركة الأجنبية . ! وقد حمل مصطفى الصادق بك هذا الرأى إلى مجلس إدارة المشروع ، وكادوا يوافقون عليه لولا اعتراضي واحتجاجي الذى لم يفلح وقتها إلا فى تأجيل إصدار القرار النهائى ، لمدة أسبوع واحد … فأسرعت فى اليوم التالى إلى مقابلة صدقى باشا رئيس الوزراء ، لأقنعه بأن لا يقف فى وجه هذا المشروع الوطنى . بل ينبغى عليه أن يشجعه ويعاونه باعتباره حامى النهضة الصناعية فى مصر ! .فأصغى الرجل لأرائي وأفكاري ، وتأثر بحماستي للمشروع ، فأعطاني موافقته الكتابية على المضى فى إنشاء مصنع الطرابيش . ! ولقد كان هذا أعظم نجاح لى فى وجه أعضاء مجلس الإدارة الذين دهشوا كل الدهشة لتوفيقي فى الحصول على هذا التأييد من ناحية صدقى باشا .

وهكذا لم تستطع الشركة أن تنجح فى هذا المضمار ، فرأت أن توجه مجوداتها نحوى شخصيا ، فدعتني للمفاوضة معها وراح مندوبها يساومني ويغريني بالعدول عن إنشاء مصنع الطرابيش فى مقابل أن تقدم لنا الشركة مصنعا للبطاطين ! . وتتولى هى نفسها إنشاء مصنع للطرابيش فى مصر ، وتجعل منى مديرا لكلا المصنعين .. ولكنى احتقرت هذه المساومة وأعلنت أننى ماض فى تنفيذ المشروع بالرغم من انف الشركة وبالرغم من انف محاولاتها الشائنة ، ولقد مضيت بالفعل .. وليس يتسع المجال الآن لذكر كل التفاصيل وكل الصعوبات والعقبات التى اعترضت طريقي فى كل خطوة ! . والمهم انه جاء اليوم الذى وضع فيه حجر الأساس لإنشاء مصنع الطرابيش بشارع برج الظفر فى حفل رائع جلت فيه حماسة الشباب وروعة انتصاره ! .

وقد تم التعاقد مع شركة هرتمان الألمانية على توريد الآلات اللازمة . على أن مصاعبنا لم نتنه عند هذا الحد ، بل إنها بدأت بصورة عنيفة، فلم نكد نفرغ من التعاقد مع الشركة المذكورة حتى  فاجأتنا بعجزها على المضى فى تنفيذ المشروع ! . بحجة أنها كانت تعتمد على خبير تشيكوسلوفاكي . وقد سعت التشيكوسلوفاكية المنافسة إلى هذا الخبير وأغرته بالمال ، حتى حملته على التخلى عن العمل مع الشركة الألمانية !..وكان معنى ذلك انهيار آمالي وأحلامي فى إنشاء مصنع الطرابيش !. ولكنى لم ادع اليأس يتغلب علىَّ ، وسعيت إلى وزير ألمانيا المفوض فى مصر بصحبة على باشا إبراهيم رئيس المشروع واحتججنا لدى الوزير على موقف الشركة وأفهمناه أن ذلك التراجع من ناحية الشركة عن تنفيذ تعهداتها سيضر بسمعة ألمانيا فى مصر ! . بل وفى الشرق كله ، فاهتم الوزير اهتماما عظيما بالموضوع ، وكتب لوزارة لخارجية الألمانية طالبا منها التدخل ، وانتهى الأمر بأن عادت الشركة الألمانية لتنفيذ تعهدها وأعلنت من جديد استعدادها لتوريد الآلات اللازمة بعد ستة أشهر … ومضت الأشهر ووصلت الآلات أخيرا وارتفع بناء المصنع شامخا أنيقا جميلا ذا طراز فرعوني بديع ! وتم تركيب الآلات ، وجاءت اللحظة الخالدة التى قررنا فيها إدارتها لأول مرة ! . ولقد مضت على هذه الذكرى الآن سنوات وسنوات ومع ذلك فما زلت أتمثل هذه اللحظة الرهيبة التى شعرت فيها بقشعريرة الانتصار ! . مازلت اسمع أصوات الماكينات تدوي بين جدران المصنع والصوف يأخذ طريقه من آلة إلى أخرى ، لإخراج أول طربوش مصرى صنعته الإرادة المصرية والإيمان المصرى ! .ومازلت أحس بحرارة الدموع التى سالت على وجنتي فرحا وابتهاجا وإذن لم أكن عابثا ولا ماجنا … لم أكن خياليا ولا معتوها ! وإنما كنت مصريا مؤمنا ، عرف كيف يحول إيمانه إلى عمل فأنتصر ، وانتصرت مصر كلها ، وراحت تكلل رؤوسها بهذه التيجان المصرية الصميمة ، وأثبتت للدنيا أن العامل المصرى لا يقل اقتدارا عن أى عامل أوروبي ، وأثبتت للدنيا أن الإرادة المصرية تستطيع أن تتغلب على كل شىء متى صدق العزم وخلصت النوايا ! .

الشباب الذى أسس مشروع القرش :

سيد فتحى رضوان                     نعيمة الأيوبى

احمد عبد المطلب الشيمى              احمد حسين

عبد الرحمن الصدر                    عبد الحميد مشهدي

نور الدين طراف                       محمد نصر الدين

كمال الدين صلاح                     عبد الرحمن نصر

محيى الدين عبد الحليم                محمود حجاج

محمد صبيح عبد القادر               حسين أبو حسين

محمد على المغلاوى                  عبد المنعم خليل

احمد بدوى

جمعية مصر الفتاة

 ويستكمل احمد حسين روايته  عن اللحظات التى شهدت الولادة الرسمية لمصر الفتاة فيقول :

وكان من تأثير مشروع القرش أن استيقظت فى نفوس الشباب كل عناصر القوة والطموح والرغبة فى العمل .. وهؤلاء الذين عملوا معى طوال عامين فى مشروع القرش بدأوا يفهمون إيماني الكامل ورسالتي المقبلة ، فإذا بى لم أكد اخرج من الكلية متما تعليمي العالى ، حتى رأيتهم يتطلعون إلىَّ ويطالبونني بخطوتي الثانية ، وأعنى بها تأليف ما حدثتهم عنه وما وعدتهم به ، وهو جمعية مصر الفتاة . ولما أيقنت بالعزم نهم جمعتهم فى إحدى الليالي وسألتهم ، هل هم مستعدون حقا لبدء النزال ، فأقسموا جميعا على استعدادهم فأنذرتهم أن سوف تقابلهم عقبات وسوف تتزلزل الأرض تحت أقدامهم وسوف تهاجمنا الأحزاب وسوف تهاجمنا الحكومة وسوف يكون أمامنا كفاح طويل .. ولست أدرى هل كانوا يصدقونني ساعتئذ أم أنه قد خيل لهم أننى اختبر شجاعتهم فقد اتفقوا جميعا على الهزء بهذه المصاعب ، بعد أن تعلموا فى مشروع القرش كيف تكون الغلبة على المستحيل . وإذن فقد عدت إلى بيتى وجلست اكتب برنامج الإحياء ووسيلته ، جلست استجمع كل ما اشعر به فى نفسى من إيمان وعزم وأمسكت بالقلم وكتبت كل ما جرى به القلم على القرطاس ، فكان ذلك برنامج مصر الفتاة الأول . وعدت إلى إخواني زملائي فوقعوا على هذا البرنامج الذى وضعته لمصر الفتا فى الثانى عشر من أكتوبر سنة 1933 وكان الموقعون عليه لا يزيدون عن الاثنى عشر . ورأيت أن تكون الصرخة هى لسان حال هذه الحركة ، وهى التى جرى على صفحاتها فى الأعداد الأولى أول آمالي فى مصر الفتاة . رأيت أن تكون الصرخة وهى التى أسميناها بهذا الاسم منذ أربع سنوات معبرة عما فى نفوسنا من إيمان وما لنا من برنامج فبحثت عنها حتى وجدتها ، فى حوزة شخص غير صاحبها القديم . فكتبت معه عقدا بمقتضاه يضع الجريدة تحت تصرفنا مقابل إيجار معلوم … وفى 21 أكتوبر سنة 1933 وعلى صفحات العدد الثالث من الصرخة أعلنا برنامج جمعية مصر الفتاة ، وهكذا بدأ الفصل الأخير أو بالأحرى بدأ الفصل الأول من جهادى فى سبيل تحرير أمتى ووطنى وتحقيق المجد لبلادي . فلم يكن كل الذى مر سوى تمهيد لهذه الخطوة الأخيرة التى كانت تجول فى فكرى وقلبى منذ أمد بعيد .

واليك نص برنامج مصر الفتاة فى صورته الأولى وما صدر به من نداء :

نــــــــــداء

يا شعب مصر

أيها الشعب الذى صحب الزمن .. يا امجد شعب فى الوجود وأعظمه … لقد حانت ساعة اليقظة .. لقد حانت ساعة العمل … بل حانت ساعة الجهاد … وهذه هى مصر الفتاة تتقدم إليك لتجاهد عنك ولتذود عن حياضك ، ولترفع صوتك ولتطعم جائعك ، ولتعلم جاهل ولترد عليك كرامتك ، ولتعيد إليك سابق مجدك .

يا شباب مصر

لقد طال ما رقدنا وها نحن أولاء قد صحونا .. لقد طال ما أهملنا وها نحن أولاء قد حرصنا .. لقد طال صمتنا وها نحن أولاء قد تكلمنا وإذن فليكن صوتنا مدويا ولتكن صرختنا من الأعماق ، وليكن إيماننا جبارا يدك الجبال ، وليكن شعارنا مصر فوق الجميع .

إن الأجانب يغزوننا ويسدون علينا طريق الحياة … والاحتلال قطع أوصالنا وحرمنا السودان … والأمية والجهل يخيمان على سودانا ويملآن القلوب حيرة وظلاما … والأزمة فتاكة تهلك الحرث والنسل وتسلبنا القوت والماء ، ونحن فى كل ذلك نلهو ونتخاصم .. ونحارب بعضنا حتى لقد سقطنا صرعى ، ووقف العدو يشاهد كل هذا باسما ظافرا فخورا .. انه تغلب على النسر المصرى بأهون سبيل .

وواجب الشباب أن يصلح كل هذا .. وها نحن نفعل .. لسنا نريد أن نتكلم كثيرا ولكننا ندعو الشعب للإيمان  بحقه وقوته وندعوه لعشر سنوات من الإيمان والعمل لله والوطن .. نابذا الخلافات الحزبية … مهملا ما اعتاد الناس أن يمسوه سياسة .

ونحن نقدم اليوم عناصر هذا الإيمان ، وعناصر هذا العمل ، وبرنامجا معنويا زراعيا وتجاريا وصناعيا وعلميا واجتماعيا .. يتبسط حتى ليشمل أدق التفاصيل وما ذلك إلا ليكون السبيل واضحا وممهدا .. وهو ليس تفكير يوم وليلة ولكنه عمل خمس سنوات قضيناها فى التحضير والدرس والإيمان .. والآن وقد خرجنا إلى ميدان الجهاد ، فنحن نعلن رسالتنا .. نعلنها لك يا شعب مصر ، ويا شبابها . دعوة بريئة مخلصة لا تتصل بشخص من الأشخاص ، ولا ترمى إلا لسعادة مصر ومجدها .. إنها دعوة صادرة من القلوب فلتنفذ إلى القلوب ، وهى صادرة من الأرواح إلى الأرواح فلا  تسخروا منها إن لم تعاونوها ، ولا تحاربوها لأنها لم تمسكم بشر ، فهى عقيدة مخلصة مقدسة ، وستنتصر فى النهاية كما ينتصر كل إخلاص وإيمان ..ستنتصر بالرغم مما يوضع فى طريقها من عقبات .. بالرغم من القوات التى ستحاربها .. بالرغم من القوات الهدامة التى ستكرس نفسها للقضاء عليها

ستنتصر ، لأننا سنتحمل كل شىء من أجلك يا مصر .

ولأننا سنضحي فى سبيلك يا مصر .. ولأننا سنموت وكلمتنا الوحيدة

                         مصر فوق الجميع

أحمد حسين        

 المحامى

برنامج مصر الفتاة ومبادئها

إيمــــــــاننا

مصر التى علمت الإنسانية وأضاءت على العالمين ، مصر التى رفعت لواء الأديان جميعا وأعلت كلمة الإسلام ، مصر مركز العالم وزعيم الشرق بعد أن طهرتها الآلام وصقلتها المحن ، بعد أن حاربها الزمان فارتد وانهزم ، لن تموت أبدا بل ستبعث من جديد لتعيد سيرتها الأولى منارة العالم وتاجا للشرق وزعيمة للإسلام ، وهى من اجل ذلك فى حاجة إلى دم الشباب الملتهب ، فى حاجة إلى الإيمان والعمل ، فى حاجة إلى نفر من بنيها يقابلون الموت ويستعذبون الألم ويرحبون بالتضحية . وتلك صفات لن تتوفر فى أبناء الجيل القديم .

شـــــــعارنا

الله – الوطن – الملك

يجب أن نعبد الله ، وان نعلى كلمته .

يجب أن نقدس الوطن ، ونفنى فى سبيل مجده .

يجب أن نعظم الملك ، وان نلتف حول عرشه .

غايتنـــــــــا

أن تصبح مصر فوق الجميع ، إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان ، وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام .

جهــادنا العــــــــام

  1. يجب أن نشعل القومية العربية ، ونملأ نفوسنا إيمانا وثقة واعتزازا .. ويجب أن تصبح كلمة ((المصرية)) هى العليا وما عداها فلغو لا يعتد به ، ويجب أن يؤمن الجميع بأن إرادة الشعب من إرادة الله ، وان مصر يجب أن تصبح فوق الجميع .
  2. يجب أن نضع الأجانب فى مركزهم الطبيعي ضيوفا فى مصر وليسوا أصحابها ، وذلك يكون بإلغاء الامتيازات والمحاكم المختلطة بجرة قلم ، وتمصير الشركات الأجنبية ، وجعل اللغة العربية هى اللغة الرسمية فى الحياة التجارية ، ويوم الجمعة يوم عطلة عامة ، وعدم التصريح لأجنبي بمزاولة عمل فى مصر إلا بتصريح خاص .
  3. يجب أن نؤمن بأن الفلاح المصرى هو تاج مصر وسر قوتها ، وانه الحقيقة الوحيدة التى لم تتبدل فى العالم منذ ستة آلاف سنة ، وهو الذى أبقى مصر نابضة قوية حتى اليوم . فيجب أن نعلم الفلاح : بأن نقضى على الأمية والجهل ، ونرتقي بمعيشته ، فنضمن له اليسر والرخاء ، ونحفظ له صحته ، وندخل إلى بيته الجديد النور والهواء والماء النقي ! .

جهـــادنا الاقتصادي

فى الزراعة :

  1. يجب أن نرتقي بالزراعة التى تكون ثروة مصر الحقيقية ، فنجدد وسائلها وننوع محاصيلها ، ونزرع أراض جديدة ، ونشق الترع وننشئ المصارف ، ونعمل لمضاعفة الإنتاج اضعفا مضاعفة .
  2. يجب أن يعم نظام التعاون فى كل مدينة وفى كل قرية ، بل وفى كل ضيعة ، لإقراض الفلاحين وتوزيع البذور واستخدام الآلات وبيع الحاصلات وتنظيم المعاملات .

فى الصناعة :

  1. يجب أن تسترجع مصر مركزها القديم كدولة تمد الشرق القريب والبعيد بالمصنوعات والحاجيات المختلفة .. فيجب أن نشيد المصانع لنغزل كل قطننا ، وصوفنا ، وكتاننا ، ويجب أن نشيد المصانع للصناعات الكيمائية والزراعية والحديدية .. وتمهيدا لهذا الانقلاب يجب أن ينشأ بنك صناعى لتمويل المشاريع المختلفة ، وان تتولد الكهرباء من خزان أسوان .
  2. يجب أن توضع الحماية الجمركية اللازمة لحماية المصانع الوطنية ، وان تحتم الحكومة على موظفيها وعلى طلبة مدارسها أن تكون ملابسهم من المصانع المصرية . وان تفضل الحكومة دائما المصنوعات المحلية مهما كان ثمنها مرتفعا .
  3. يجب أن ينشط استغلال الثروات المدفونة فى باطن التربة المصرية العظيمة ، فنستخرج البترول والحديد والذهب والنحاس وغيرها من المعادن التى تحتاج إليها الصناعات المختلفة ، والتى توجد فى الصحارى المصرية العظيمة بوفرة .

فى التجارة :

  1. وفى التجارة يجب أن نحتكر تجارتنا الداخلية ، فلا نأكل إلا كل ما هو مصرى ، ولا نشترى إلا من مصرى ، كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا .

10- يجب أن نستولي على تجارتنا الخارجية ، ونتصل بدول الشرق القريب والبعيد لنحمل إليها ومنها المتاجر ، وان نقوم بدورنا الطبيعى فى تجارة العالم كوسطاء بين الشرق والغرب . ولكى نتبوأ هذا المركز يجب أن نعيد بناء أسطول مصر التجارى ، لينقل متاجرنا ، وليرفع العلم المصرى فى أنحاء البحار .

11- يجب أن تستعد موانينا لهذه الحركة العظيمة ، فنوسع ميناء الإسكندرية وننشئ ميناء دمياط ، ونجول بعض موانينا إلى موان حرة لا تتقاضى الحكومة عن البضاعة الموجودة بها ضرائب .

12- يجب أن يؤلف أسطولنا الجوى على نطاق واسع . وان تنشأ المطارات فى كل المدن المصرية ، وان تنشأ الخطوط التى تصل مصر بجميع البلدان العربية ، وبكل أفريقيا ، وبلاد أوروبا الهامة .

13- يجب أن نمهد الطرق من الإسكندرية حتى أسوان ، وان ننظم الملاحة فى النيل والترع ، وان نمد الخطوط الحديدية إلى كل مكان .

14- يجب أن ينشأ بنك مركزى للإصدار ، ليجارى هذا التقدم ويزكيه ، وان يصلح نظام الائتمان بحيث يكون وسيلة لخدمة التجارة ومدها برءوس الأموال .

جهـــادنا العـــلمي

15- ومصر ، التى سـتتزعم الشرق وتضيء على العالم ، يجب أن تستمد هذا النور من قرائح أبنائها ، فيجب أن يصبح التعليم الابتدائي مجانا . وان تقل نفقات التعليمين الثانوي والعالي لتكون فى متناول أفقر الطبقات ، ويجب أن تنشأ معاهد الدراسات المختلفة فى كل نواحى الحياة ، وان ترصد لها المخصصات ليعيش منها العلماء والباحثون .

16- يجب أن تفتح الجامعة أبوابها على مصراعيها لكل من يريد الانتساب إليها من مصر أو الشرق ، وان تشجع البحث العلمى ، وان ترسل البعثات إلى سوريا وفلسطين والعراق وإيران والهند ومراكش غيرها ، لتبحث وتنقب وتعلم وتنشر العقلية المصرية فى أرجاء العالمين .

17- يجب أن نهتم بالحفريات الخاصة بالآثار لنكشف مغاليق التاريخ المصرى فى عصوره المختلفة ولنخرج الكنوز التى لم تكتشف بعد .

18- أما فى الطب ، فيجب أن يعاود المصريون نبوغهم وإعجازهم الفنى ، لينقذوا الشعب فى مصر ، ولينقذوا الإنسانية من الأمراض التى تفتك بها .

19- أما الأزهر ، فله دور عظيم يجب أن ينهض به ، وان يستعيد مركزه القديم، ويجب أن تسرى رسالته فى أنحاء العالم ، وان يرتفع صوته عاليا بين الأمم الإسلامية . ويجب أن تفتح المدارس والمعاهد باسمه لتعليم اللغة العربية والإسلام فى كافة أنحاء الشرق والغرب ، وفى أمريكا أيضا ! .. ويجب أن يتطور ويستخدم الأساليب الجديدة فى إعلاء كلمة الحق والدين .

20- يجب أن تنشئ الحكومة المؤسسات لمساعدة المكتشفين والمخترعين .

21- يجب أن يكون فى كل قرية مكتبة وأجهزة للراديو لسماع التعاليم الدينية والخلقية والعمرانية .

جهــــــادنا الاجتـــــــماعــي

فى الدين والأخلاق:

22- يجب أن نعيد للأديان كامل احترامها وقداستها .

23- يجبان نرقى الأخلاق ، وان نحارب الدعارة والخمور والتخنث .

24- يجب أن نعلم الصدق ، وان نخلص فى العمل ونستمسك بالتعاون ، وان يحب بعضنا بعضا .

25- يجب أن نقدس الشرف والواجب ، وان نقلل من اللهو والمزاح .

26- يجب أن يصبح التجنيد إجباريا للجيش ، وان تنقص مدة الخدمة فيه ، وان يمتلئ الشباب بالروح العسكرى .

فى الأسرة :

27- يجب أن تنظم الأسرة على قواعد قوية من الحب ، والاحترام المتبادل بين الأبناء والآباء ، والجهاد المشترك ، والوفاء بين الزوج وزوجته .

28- يجب أن نعنى بالطفولة باعتبار أنها مصر المستقبل .. مصر العظيمة ..فيجب أن نعدهم ليكونوا علماء وغزاة ونوابغ وعمالا منتجين .

29- يجب أن نرقى المرأة ونعلمها العلم الكامل ، لكى تكون زوجة صالحة ، ولتكون أما تخلق الأبطال ، وليكون بيتها نعيم الحياة .

30- يجب أن نقضى على الأنظمة البالية التى تعرقل حركة الزواج ، فتلغى المهور الباهظة والحفلات الهوجاء .

فى الصحة :

31- يجب أن يكون للصحة العامة المقام الأول فى جهود مصر الفتاة .ويجب أن تكون سياسة الصحة هى سياسة الوقاية لا سياسة العلاج ، وإذن فيجب أن نصرف الجهد لحماية الطفولة .. والى حماية الأبصار والى حماية الأبدان من الأمراض المتوطنة .

32- يجب أن توضع قوانين صارمة لإحلال النظافة فى كل شىء ، ويجب أن يجند الشعب فى الملاعب الرياضية ، لنخلق جيلا كاملا قويا سليما .. وتمهيدا لذلك يجب أن ينشأ ملعب كبير بالقاهرة .

فى التأمين الاجتماعى :

33- يجب أن ينظم التأمين الاجتماعى بحيث يصبح لكل فرد فى الأمة الحق فى أن يكون له عمل يعيش منه ، وإذا كان عاجزا لا يستطيع العمل وجد الملاجئ ليأوي إليها .

34- يجب أن تعد المستشفيات بحيث تتسع لقبول أى مريض يلجأ إليها ، وان تنشأ فروع لك أنواع الأمراض .

35- يجب أن يصبح الشعب شعبا مدخرا ، وان يقلع عن الإسراف ، بتكوين رءوس الأموال  اللازمة لتكوين الإمبراطورية المصرية .

36 يجب أن يكون للشعب أعياده ليحتفل بها كما يليق بشعب كبير لتكون أعظم مشجع على المضى فى طريقه إلى الأمام .

الأغاني والفنون :

37- يجب أن تتبدل الأغاني لتكون مليئة بالقوة والحياة ، أن يحفظ ويجب أن نعيد إلى الفنون عظمتها الفرعونية والعربية ، حتى تقف فى خدمة البعث والإحياء ، لا أن تكون وسيلة للهو والفجور.

القاهرة :

38- ويجب أن تنظم القاهرة تنظيما يليق بعاصمة الشرق فتؤلف لها بلدية ، وتوضع المشاريع لتجديدها وتنظيم أبنيتها وإزالة الأحياء القديمة بآسرها .

ويجب أن تطبع فى تخطيطها بالطابعين العربى والفرعوني ، وان تبنى منشآتها العامة على هذا الطراز ، وان تنظم ميادينها وشوارعها وحدائقها كذلك ..

وســــــائلنا

أما وسائلنا للوصول إلى كل ذلك فليست حربا وقتالا ، وليست عدوانا أو صداما ، ولكنها تتلخص فى كلمتين :

الإيمـــــــان… والعمـــــل

صدى الإعلان عن مصر الفتاة 

كان للإعلان عن مصر الفتاة صدى كبير فى الواقع السياسي المصرى ،ردود الفعل بين الأطراف المختلفة .. فكان رد فعل الشباب ايجابيا ومؤيدا بينما جاءت المعارضة من قبل الوفد والحكومة .

مصر الفتاة والشباب :

خرجت مصر الفتاة إلى الوجود فى صورتها الأخيرة ، بهذا النداء ، وهذا البرنامج الذى أذيع فى طول البلاد وعرضها . فهؤلاء الذين عملوا فى مشروع القرش والذين طافوا بالقطر المصرى ، فى أثناء دعوتهم لهذا المشروع ، قد انطلقوا فى ليلة واحدة، شرقا وغربا ، يوزعون مئات وألوفا من هذا النداء ، بحيث أحسست البلاد ن أقصاها لأدناها بهذه القذيفة الجديدة. ولقد كانت قذيفة من غير شك فلم يسبق لحزب من الأحزاب أو هيئة من الهيئات ، أن تقدمت للشعب المصرى بهذا البرنامج الكامل، الذى يتناول مختلف المشاكل المصرية ، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو سياسية .. لم يسبق لمصر أن عرض عليها مثل هذا المشروع لإعادة بناء كيان البلاد . فالوفد الذى يمثل أغلبية الرأى العام لم يكن له برنامج واضح محدود ، فيما خلا هذه العبارة العامة الغامضة ((السعى لتحقيق استقلال مصر ما وجد لذلك سبيلا)) . ومن قبل ذلك ، كان الحزب الوطنى يكافح فى سبيل إجلاء الانجليز، وكان زعيماه مصطفى وفريد يقدران خطورة المسائل الاجتماعية والاقتصادية فى كفاحهما ضد الانجليز ، ولذلك فقد عملا على نشر التعليم ، وتأسيس الجامعة، وتدعيم الحركة التعاونية فى البلاد ، ولكن جهدهما الرئيسي كان موجها للكفاح من أجل الجلاء ونشر الدعاية للقضية المصرية فى أنحاء العالمين ، فلم يكن للحزب الوطنى برنامج مفصل . ولقد وجدت فى مصر بعد إنشاء الوفد هذه الأحزاب الطفيلية التى انشقت على الوفد وخرجت عليه ، وهذه بدورها لم يكن لها برنامج ولا هدف محدود ، إلا محاربة الوفد والتعاون مع الانجليز ، ليكون ذلك سلما للوصول إلى الحكم . فلك تكن لها مهمة فى الداخل ، أو فى الخارج ، إلا تقلد مناصب الحكم. وظلت البلاد – حتى خرجت مصر الفتاة إلى الوجود ليس لها برنامج كامل شامل، يتناول نواحى الحياة المصرية بالدرس والتحليل ، ويضع العلاج لكل قضية من القضايا ، أو مسألة من المسائل ، فقد كانت أول دعوة مصرية رسمت لإحياء مصر وإنهاضها ، مشروعا كاملا ، ينته بمصر إلى تحقيق ما تصبو إليه من مجد وحرية… وحدث عن حماسة لشباب التى استقبلوا بها برنامج مصر الفتاة .. هؤلاء الشباب الذين تحمسوا لمشروع القرش بالأمس ، سرعان ما أدركوا أن مصر الفتاة ليست سوى الخطوة الطبيعية التى ينبغى أن تتلو مشروع القرش ، فأقبلوا على إدارة جريدة الصرخة ، التى كانت تغص بأرقى طبقات الشباب المثقفين من طلاب الجامعة وخريجيها من المحامين والأطباء والمهندسين ، ولا تزال جريدة الصرخة تحمل آثار هذا الرعيل الأول من الشبان الذين لبوا صرخة مصر الفتاة الأولى ونداءها وهرعوا من كل فج عميق يبايعونها ويأخذون على أنفسهم العهد والميثاق أن يمضوا حتى النهاية فى نصرتها .

مصر الفتاة والوفد :

ولكن ميلاد مصر الفتاة قد احدث انزعاجا فى دوائر الوفد العليا ، فقد نظرت إليها نظرة شك وريبة ، … فقد سبق للوفد أبدى عدم ارتياحه لمشروع القرش ، فى مراحله الأولى ، إذ توجس منه خيفة ، وساورته الشكوك والوساوس . كان الوفد يحارب فى تلك الأيام وزارة صدقى باشا ، وكان أقصى ما يتمناه أن يكرس الشبان كل نشاطهم ، وكل جهدهم ، لمحاربة صدقى باشا وإسقاط حكومته . ولما كان مشروع القرش مشروعا قوميا لا يمت إلى الحزبية بصلة ، ويعتمد على معاونة كل مصرى بدون تفريق بين الحكومة والشعب ، أو بين حزب وحزب ، لم ترق هذه الدعوة لدى الدوائر الوفدية ، ورأوا فيها محاولة لإضعاف كفاح الوفد ، وصرف الشبان عن الاشتغال بالسياسة الحزبية ، والتفرغ للمسائل الاقتصادية والاجتماعية ، وهو ما كن الوفد ينفر منه اشد النفور فى ذلك الوقت ، باعتباره صارفا لجهود الأمة، ومهدئا من حدة كفاحها . ويقول احمد حسين : إننى لم أكن أشاطر الوفد هذه النظرة ، فأنا منذ الساعة الأولى التى عرفت فيها نفسى أؤمن اشد الإيمان بضرورة الكفاح الاقتصادى والاجتماعي والعمراني ، إلى جوار الكفاح السياسى . بل أن غاية الكفاح السياسى هو أن يتاح للأمة أن تنهض وترقى بدون عائق يعترض مشيئتها . فكل عمل فى سبيل الاستقلال الاقتصادى هو عمل فى سبيل الحرية ، وكل عمل من اجل الحرية هو وسيلة للوصول إلى الاستقلال الاقتصادى والاجتماعي والروحى . ولذلك فلم ألقى بالا لاعتراض الجرائد الوفدية ضد مشروع القرش فى بادئ الأمر ، ومضيت فى طريقي لا ألوى على شىء ، إلى أن تبنت الأمة كلها المشروع كما رأينا ، وأصبح مشروعا قوميا ، يتحمس له كل مصرى . فلم يسع الوفد إلا أن يجارى التيار فى ذلك الوقت ، وخف النحاس باشا إلى تأييد المشروع ، وإنى لأذكر الآن هذه الليلة التى ذهبت فيها إلى دار مصطفى باشا النحاس بمصر الجديدة ، لأتلقى منه اكتتابه فى مشروع القرش ، وكان الوفد هذه الليلة مجتمعا ، فتبرع النحاس باشا بخمسة عشر جنيها ، وتبرع كل عضو من أعضاء والوفد بجنيه ، ثم رئي أن يضاعف النحاس باشا اكتتابه ، فزاد المبلغ إلى ثلاثين . وفى ذلك الوقت دخلت متطوعتان من متطوعات مشروع القرش تعرضان طوابع القرش فاشترى النحاس باشا من كل واحدة منهما بخمسة جنيهات أخرى ، ثم عاد أعضاء الوفد فضاعفوا من قيمة اكتتابهم ، وخرجنا هذه الليلة بما يقرب من السبعين جنيها اكتتابا فى المشروع ، وقد كان إعلان ذلك نجاحا كبيرا إذ استطاع ، فى نهاية الأمر ، أن ينال ثقة الدوائر الوفدية التى كانت لا ترضى عنه أولا .

على أننى لم كد اجهر بدعوة مصر الفتاة ، حتى انجر سخط الوفد ورأى فى ذلك ما يعزز من شكوكه القديمة وأوهامه ، من أن مشروع القرش لم يكن إلا خطة مدبرة لتحويل الشبان عن الجهاد تحت راية الوفد . وبدأت الصحف الوفدية تناوش المشروع وتتهمه بأنه أداة سياسية .

مصر الفتاة والحكومة :

كانت الوزارة التى تتربع فى كراسي الحكم هى وزارة عبد الفتاح يحيى باشا ، وهى وزارة تألفت على أساس دستور إسماعيل صدقى باشا ، وكانت تحكم البلاد بقوانينه الاستثنائية ، معتمدة على برلمانه ونوابه . ولكنها فى نفس الوقت كانت إحدى وزارات القصر ، التى تستمد نفوذها من القصر ولذلك فقد مرت الأيام الأولى على مصر الفتاة دون أن تتعرض لها الحكومة بخير أو شر . بل لعل الهجوم الذى أسرع الوفد بشنه على مصر الفتاة قد كان من الحوافز التى دفعت الحكومة إلى الإغضاء عن نشاط مصر الفتاة . وقد كان هذا الإغضاء بالذات احمد العناصر التى بنى عليها الوفديون اتهامهم لحركة مصر الفتاة ، وأنها حركة تتصل بالقصر ، وإلا لما سكتت عنها الحكومة وأغضت عن نشاطها وحماستها المتطرفة ، فى وقت سيطر فيه الخمود والركود على الرأى العام تحت ضغط الحكومة واضطهادها . لكن الحكومة لم تتأخر طويلا ، فقد أسرعت ، بكل حولها وطولها ، لتبطش بمصر الفتاة البطشة الكبرى . ذلك أن المسيطر على وزارة الداخلية ، فى ذلك الوقت ، كان هو الانجليزي المشهور السير كين بويد ، مدير قسم الإدارة الأوروبية . وكان جنابه هو الحاكم بأمره فى وزارة الداخلية ، والذى لا يخالف له وزير أو رئيس أمرا من الأمور . ولقد سكت على مضض فى الأيام الأولى لمصر الفتاة إلى أن جاءته الفرصة بعد شهر واحد من تأليفها ، عندما أصدرت عددا خاصا من الصرخة بمناسبة 13 نوفمبر ، يحض على استئناف الجهاد والنضال من اجل حرية مصر واستقلالها . كان العدد المذكور يتضمن مقالات نارية وصورا رمزية ، كان نشرها فى ذلك الوقت يشبه أن يكون قنبلة منفجرة فى سماء الحياة الوطنية والذى تضمن مقالا لأحمد حسين عنوانه ((يا شباب عام 1933 كن كشباب عام 1919)) فيما يلى نصه:

كن كهذا الشباب الذى قدم نفسه وقودا للجهاد والوطن ، كن كهذا الشباب الذى                              أشعل الثورة فى وقت لم يتوقع الناس فيه الثورة .

ثورة جائحة ضد الانجليز ، والأجانب ، لا تعرف هوادة ولا لينا ، لا تعرف تعقلا .. إلا خلاص الوطن من ربقة الاستعباد .

 يا شباب عام 1933 ، يا من امتلأت بك السينمات وامتلأت بك دور اللهو ، وامتلأت بك المواخير والملاهي .

يا شباب عام 1933 ، يا من تهزأ بكل شىء ، وتسخر من كل شىء ، وتجهل معنى الاستقلال والتضحية .

يا شباب عام 1933 ، يا من لا تعرف من أمور الكفاح إلا أن تتناقش وان تكون سليط اللسان ، تهاجم زيدا أو عمرا من الناس .

يا شباب عام 1933 ، يا من تعرف من شئون الممثلات الداخلية أكثر مما تعرف من شئون أمتك ووطنك .

يا شباب عام 1933  ، يا من لا تتغنى إلا بأغاني الهوى والضعف والخمول .

 يا شباب عام 1933 ، هل استيقظت من سباتك وعرفت أن الساعة ساعة جد وان الضحك يجب أن لا يعرف السبيل إلى القلوب . كيف تضحك !؟ ولماذا تضحك؟ وهذه جيوش الانجليز تسد علينا السهل والجبل !

كيف تضحك ، ولماذا تضحك والموظفون الانجليز يحكمون البلد ؟ ..

كيف تضحك ، ولماذا تضحك ، والمحاكم المختلطة تصلينا العذاب ؟

كيف تضحك ، ولماذا تضحك ، والأجانب يسدون علينا الطريق ويحتقروننا فى عقر دارنا ، ويسلبون منا القوت ؟

كيف تضحك ، ولماذا تضحك ، وقد تدهورت الأخلاق وتفرقنا شيعا وأحزابا؟

كيف تضحك ، ولماذا تضحك ، وقد جهلنا أمور ديننا ونسينا إخواننا فى الشرق العربى فلا نمد يدا إليهم ولا نعرف من أمورهم شيئا ؟

كيف تضحك ، ولماذا تضحك وقد وقف الإصلاح فى كل ميدان وطفت الأزمة وعم الجوع والخراب ؟

ترى ما الذى يضحكنا إلا أن نكون عبيدا ألفوا الذلة والخضوع ؟

فى عام 1919 كانت هناك أحكام عرفية ، وكان هناك إعدام ، وكان هناك رصاص مسموم ، لكن صوت الشباب دوى لاجيا فهز الظلم وأخاف الانجليز .

ما بالنا لا نصرخ اليوم ، ولا إعدام ولا رصاص ولا سموم .

ما بالنا لا نصرخ سلميا ، لا ثورة فيه ولا عداء حتى نوقظ القوم من غفلتهم ، ونلفت نظر القوات التى بدأت تطغى على حياتنا القومية ..

ما بالنا لا نصرخ ضد هذه المحاكم التى تريد أن تجردنا من قوتنا لكى ندفع للدائنين ذهبا .

 ما بالنا لا نصرخ ضد الامتيازات التى تحتقرنا فى كل صباح ومساء .

ما بالنا لا نصرخ ضد الانجليز الذين يريدون سلب السودان ، ويبنون خزان جبل الأولياء ونحن أحوج ما نكون إلى القوت .

ما بالنا لا نصرخ كى ينطلق الإصلاح فى كل ركن وفى كل ميدان .

ما بالنا لا نصرخ لكى نهذب الأخلاق ، ونعيد معانى الشرف والرجولة والأنفة .

ما بالنا لا نصرخ لكى يكون لباسنا مصريا ومأكلنا مصريا ومعاشنا مصريا .

يا شباب عام 1933 ، ها نحن نهتف بك ، وها هى صرختنا تدعوك إلى كل ذلك فان كنت معنا فتعال نجاهد ، وان لم تكن معنا فحسبنا أننا سنفديك كى لا يسجل التاريخ عليك انك لم تكن تتألم .

نحن والإعلانات الأجنبية

فى مصر صانع مصرى

فى مصر تاجر مصرى

ولمصر كرامة وعزة

والأمة تسعى لاستقلالها الاقتصادى

فمن غير المنطقى أن تشجع الجرائد المصرية

البضائع الأجنبية ذات النظير فى مصر

ومن الإجرام فى حق الوطن أن يقتل التاجر المصرى لحساب التاجر الأجنبى

هو ذا عهد وميثاق أن لا نرتكب هذه الجريمة

ولو دفع لنا 1000 جنيه ثمنا لإعلان

أما التاجر المصرى فصفحاتنا وأقلامنا فى خدمته

(( الصرخة))

أيهــــــــا الشباب

كيف يمكن لمصر أن تنال استقلالها

وكيف يمكن لمصر أن تدرك مجدها

وأنت لا تعرف أن عدونا اللدود هو الانجليز

وأنت تلهو

وأنت تشرب الخمور وتدخل السينمات الأجنبية

قليلا من اللهو

وإضرابا عن الخمور

ومقاطعة للسينمات الأجنبية

يرد على مصر كرامتها ويخلق منك جيلا قويا جبارا

يدك العدو وينال النصر

(( الصرخة))

معارك مصر الفتاة

من اجل الاستقلال والنهضة القومية

ومنذ اليوم الأول للإعلان عن جمعية مصر الفتاة ، وهى تخوض المعارك حول القضايا الكبرى للوطن : نضال من اجل إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة ، نضال ضد الاحتلال البريطانى ، من اجل بناء الجيش الوطنى ، وعملت على محاربة كافة ألوان الفساد والإفساد ، ومحاربة السيطرة الأجنبية المادية والمعنوية فى شتى المجالات ؟، وإذكاء الثقة الوطنية بالنفس ، وترسيخ القيم الدينية وإحيائها فى الصدور .

من اجل بناء جيش وطنى قوى

ولنترك الحديث لأحمد حسين فى كتاب إيماني الذى يؤرخ لسنوات مصر الفتاة الأولى :

مصر الفتا الآن فى أوج قوتها واندفاعها ، والصرخة تصدر فى انتظام كل أسبوع ، وهى تحمل على صفحاتها شواظا من نار ضد صنوف الموبقات ، ومظاهر الانحلال والضعف ، وضد الاحتلال البريطانى والانجليز ، فى عنف لم يسبق له مثيل ، ولقد بدأت ابعث برسائلي إلى كبار الشخصيات المصرية والانجليزية استعرض فيها الحياة المصرية ، وأناقش ما ارغب مناقشته من القضايا ، فثمة خطاب إلى رئيس وزراء انجلترا أهاجم فيه سياسة الاحتلال التى فرقت الأمة ، وفرقت صفوفها ، وسببت تدهور أخلاقها ، وأعلنه فيه بان مصر الفتاة ستحمل لواء الجهاد ضد الانجليز ، وسياسة انجلترا ، فى مصر ، إلى أن يجلو أخر جندى بريطاني عن مصر . و أنه لا السجون ، بل ولا المشانق ترهبنا أو تقعدنا عن المضى فى جهادنا ، فإما النصر وإما القبر . وثمة خطاب آخر إلى شيخ الإسلام الأحمدي الظواهري أهيب بفضيلته أن ينهض لمقاومة المنكرات المتفشية فى أنحاء المجتمع المصرى ، وأندد بسكوته وسكوت جماعة العلماء وموقفهم السلبى لما يجرى تحت أسماعهم وأبصارهم من المنكرات التى كلفوا شرعا بالإنكار عليها . وكان أهم ما يشغلنى فى هذه الأيام هو كيفية إعداد جيل من الشباب ، أكثر قدرة على الكفاح والجهاد والتحرر من موجة الانحلال والتخنث ، التى كانت تسيطر على صفوف الشبان فى ذلك الوقت.

وكنت أرى أن الجندية هى العلاج الوحيد لكل ما تشكو منه مصر من أدواء وعلل، ولقد عملت من ناحيتى على نشر الروح العسكرية بين صفوف أبناء مصر الفتاة، فشكلنا فرقة الأقمصة الخضراء، التى سيكون لها شأن أى شان فى تاريخ مصر بعد فترة من الزمن، ولكنها فى ذلك الوقت كانت لا تزال فى بدايتها، ولم نكن نستخدم إلا القميص الأخضر نلبسه على (البنطلون) الطويل العادى ، أما بعد ذلك فقد تطور لباس مصر الفتاة إلى زى عسكرى كامل، يخلب الألباب بجماله وأناقته وقوته فى نفس الوقت . على أننى لم أرد أن اقصر كفاحي لنشر الروح العسكرية على مجهودنا المحدود ، بل فكرت فى توسيع دائرة الدعاية للجندية، ونشرها بين صفوف الشبان عامة، فتوجهت صوب الجيش المصرى والى وزارة الحربية استمد منها العون. فكتبت فى 27يناير سنة 1934 خطابا إلى وزير الدفاع فى ذلك الوقت صليب بك سامى احمل فيه على نظام الجيش المصرى وسيطرة الانجليز على قيادته ، وسياسة الانجليز فى عزل هذا الجيش  عن الأمة وعن شبانها المتعلمين، وعن وقوفه ضعيفا عاجزا مجردا من كل سلاح حقيقى. وحملت فى هذا الخطاب على التجنيد الإجبارى الذى يجعل مدة التجنيد خمس سنوات كافية لخراب بيوت المجندين ، وحملت بالأكثر على سياسة الإعفاء والبدل النقدي، لان الجندية هى ضريبة الدم التي  ينبغى على كل مواطن أن يدفعها، ولا حياة ولا كرامة ولا حرية ولا استقلال لأمة ما لم تكن امة عسكرية مدججة بالسلاح، ولا أمل لمصر فى الحصول على حقوقها المغتصبة إلا بعد أن تتحول مصر إلى شعب عسكرى. ورفقت بخطابي  إلى وزير الحربية عريضة موقعا عليها من خمسين شابا من شبان مصر الفتاة المتعلمين المثقفين يعلنون فيها رغبتهم فى التطوع فى الجيش المصرى، إذا أنقصت مدة الخدمة العسكرية إلى سنة واحدة، وهو ما تدعو إليه مصر الفتاة وتبشر. ولقد كان لهذا الخطاب وهذه العريضة، المنشورين فى الصرخة، بعد إرسالهما إلى وزير الحربية وقع الصاعقة فى الدوائر الانجليزية والمصرية الخاضعة للسيادة الانجليزية، فإذا بهم يقومون ويقعدون، ويثورون ويحتجون ويعتبرون أن ما فعلناه جرم شنيع ينبغى أن ننال منه اشد الجزاء!. ولقد كان آية ما وصل إليه المجتمع المصرى فى ذلك الوقت من التدهور ، أن تعتبر دعوة الخير دعوة شريرة، وان يقابل تطوع شبان للانضمام إلى الجيش هذه المقابلة السيئة، ولقد جاء وقت فتحت فيه وزارة الدفاع المصرية باب التطوع فى الجيش المصرى على مصراعيه، وجاء وقت نددت فيه الحكومات المختلفة بقانون التجنيد وأعلنت رغبتها فى تعديله بما يتفق ومبادئ مصر الفتاة، بل جاء وقت أصبح التدريب العسكرى فيه قانونا ونظاما للجامعة والمدارس المختلفة، وجاء الوقت الذى أصبح طلاب الأزهر أنفسهم يتلقون تدريبا عسكريا يؤهلهم لان  يصبحوا ضباطا احتياطيين للجيش، ولقد عشت حتى رأيت شبان مصر الفتاة الذين اضطهدوا لرغبتهم فى التطوع للجيش، قد صاروا بعد ذلك ضباطا من صميم الجيش.. ومع ذلك فقد حوكمت فى يناير 1943 لأننى دعوت إلى نشر الروح العسكرية فى مصر، ولأني دعوت إلى إصلاح قانون التجنيد، وسيبقى ذلك هو شأن مصر الفتاة دائما أبدا، وهو أن تحاكم على مبادئ واقتراحات لا تلبث أن تصبح بعد قليل هى دعوة المجتمع المصرى بأكمله.

ولقد ساقونا إلى السجن للمرة الثانية، وكان رفيقي فى السجن هذه المرة هو الأستاذ احمد الشيمى رئيس تحرير الصرخة. وفى 6 مايو سنة 1934 مثلت أمام محكمة الجنايات وتوليت الدفاع عن نفسى بمرافعة لا أجد ما اعتز به من مرافعاتي التالية قدر اعتزازي بها.. لقد مرت على السنون الطويلة فى محاكمات ومرافعات، استغرق بعضها ثلاثة أيام أو أربعة، وبلغت فيها من العنف والشدة إلى حد ما كان يتصور الكثيرون إمكان أن يقال فى مرافعة أمام محكمة، ومع ذلك كله فستبقى مرافعتي فى قضية الجيش موضع اعتزازي ورضائي، لأنها كانت أولى مرافعاتي، ولأننى كشفت فيها الستار عن ضعف الجيش المصرى، وحذرت وأنذرت من ايطاليا وعدوان ايطاليا على مصر، قبل أن يقع هذا العدوان بتسع سنوات على الأقل. وتنبأت فى هذه المرافعة بالحرب الضروس التى وقعت- وكيف كنت أول النافخين فى البوق للإهابة بمصر والمصريين إلى التهيؤ والاستعداد للحرب، ولكن صرختي ذهبت فى واد، فى ذلك الوقت، بل دفعت ثمنها من حريتي ومالي، ولقد جاء اليوم الذى رأيت فيه بعيني رأسي الإنجليز وفرائصهم ترتعد، لخطر المحور الذى يوشك أن يدهمهم فى مصر، وهم يندبون جريمتهم الشنعاء فى إبقاء الجيش المصرى ضعيفا.

حكم المحكمة :

وبعد مرافعة تاريخية لأحمد حسين عن نفسه عرض فيها لمبادئ مصر الفتاة وتمسك بكل حرف ورد فى رسالته المفتوحة لوزير الحربية بما فى ذلك قوله أن جيش مصر ((جيش من المرضى والضعفاء.. جيش من الجهلاء.. الخ)) حكمت المحكمة بتغريم كل من الأستاذين احمد حسين واحمد الشيمى 25 جنيها غرامة لكل منهما، ورفض احمد حسين أن يدفع الغرامة وقبض عليه وأودع السجن ثم رئي بعد ذلك أن مصلحة الجمعية فى أن يغادر السجن فدفعت الغرامة وغادر السجن بعد حبس دام أسبوعين.

اضطهاد مصر الفتاة

لا نستطيع أن نصف الأحداث التى توالت بعد ذلك على جهاد مصر الفتاة طوال عام 1934، إلا إنها كفاح شاق متواصل، متسم بالإيمان والصدق، فالحركة فى اضطهاد دائم، دارها مراقبة ومحاصرة، وجريدتها مصادرة من حين لآخر، وكتابها يحقق معهم بالليل والنهار، وليس هناك ما يصور للقارئ حقيقة ما كانت تعانيه مصر الفتاة فى هذه الأيام أكثر من أن نثبت هذه اللوحة التى نشرتها جريدة الصرخة فى العدد الصادر بتاريخ 2يونيو سنة 1934 عن كفاحها فى ستة أشهر.

فى يوم 13 نوفمبر- ألقت النيابة القبض على الأساتذة احمد حسين، وفتحي رضوان. وحافظ محمود. وفتشت منازلهم وأودعتهم السجن فمكثوا به ثلاثة وعشرين يوما.

فى يوم 29 يناير- ألقت النيابة القبض على الأستاذين احمد حسين، واحمد الشيمى ، وأودعتهما سجن الاستئناف لمدة خمسة وعشرين يوما.

فى يوم 12 فبراير- ألقت النيابة القبض على الأستاذين حافظ محمود، ومحمود حجاج، وأودعتهما سجن الاستئناف على ذمة الحبس الاحتياطي فمكثوا به 14 يوما.

فى يوم 2مايو- صادر البوليس ملحقا الصرخة خاصا بالامتيازات.

فى يوم 5مايو- صادر البوليس عددي الصرخة رقم30،29 .

فى يوم 6مايو- صدر الحكم بالغرامة على الأستاذين احمد حسين، واحمد الشيمى ، بخمسة وعشرين جنيها لكل منهما، ونظرا لعدم توافر هذا المبلغ فقد أودعا السجن لينفذ عليهما.

فى يوم 10مايو- صادر البوليس الصرخة وهى لا تزال تحت الطبع واستدعى الأستاذ احمد الشيمى للتحقيق معه.

وهناك قضية منظورة أمام محكمة الجنايات وستعرض فى الأيام المقبلة.

هذا إلى محاضر تحقيق لا تزال مفتوحة، يزيد عددها على الأربعة، ولا تزال الصرخة تصدر بانتظام.

ذلك أن القائمين بها يؤمنون بالله.

محاربة الامتيازات الأجنبية

كان الشغل الشاغل لنشاط مصر الفتاة وأعضائها فى العام الأول من تأليفها هو محاربة الامتيازات الأجنبية التى كانت تنوء تحتها البلاد. ولم تجد الامتيازات الأجنبية من حاربها فى مصر كما حاربتها مصر الفتاة، وستحظى مصر الفتاة دائما إذا ما فتح سفر الجهاد القومى بالنصيب الأكبر، إن لم يكن النصيب الأوحد فى محاربة الامتيازات فى غير هوادة أو لين.

فالزعيم مصطفى كامل باعث الوطنية فى مصر، كان لا يتعرض للامتيازات الأجنبية، بل كان ينتفع بها فى محاربة الانجليز، وكانت خطته أن يأمل الأجانب فى مصر، ليشدوا أزر الوطنية المصرية، حتى لقد أثرت عنه الكلمة (أحرار فى بلدنا كرماء لضيوفنا) وقد ظلت هذه الروح مسيطرة على الوطنية المصرية، فلم تلق الامتيازات الأجنبية فى مصر كيدا حقيقيا. حتى ثورة سنة 1919 نفسها، لم تستطع أن تنال من الامتيازات الأجنبية، وان كانت المفاوضات بين مصر وانجلترا بدأت تشير إلى وجوب وضع حد لهذه الامتيازات الأجنبية. ويقول احمد حسين:

لقد جرت لى مناقشات حادة مع مصطفى باشا النحاس حول موضوع الامتيازات، وقد كان ذلك سببا من أهم أسباب اختلافنا فى الرأى، فقد كان يتمسك بوجوب الإبقاء على الامتيازات الأجنبية، إلى أن تحل القضية المصرية مع الانجليز، وكنت اعرضه فى ذلك اشد المعارضة. ولكنه لم يوافقني على وجهة نظرى، ومع ذلك فقد جاء الوقت الذى ترأس فيه النحاس باشا المؤتمر الذى عقد فى سنة 1937 لإلغاء الامتيازات الأجنبية، وتحديد اجل انتهاء المحاكم المختلطة! .. فإذا ذكرت الامتيازات الأجنبية، وذكر تاريخها فى مصر، فإن كفاح مصر الفتاة ضدها يجب أن يسجل بحروف من نور، وها هى أعداد الصرخة فى سنواتها الأولى، وليس لها قضية تحاربها اعنف مما حاربت هذه القضية.

وقد أخذ هذا الكفاح مظهره الرائع فى 2مايو سنة 1934، حيث دعت مصر الفتاة الأمة المصرية، إلى تنظيم مظاهرة فى ذلك اليوم لإعلان سخطها على الامتيازات، ولكن الحكومة حالت دون قيام الظاهرة، بما اتخذته من إجراءات عنيفة، وصادرت عددا ممتازا أصدرته مصر الفتاة فى ذلك اليوم خاصا بالامتيازات. وسيبقى هذا العدد إلى الأبد درة فى جبين مصر الفتاة، وهو يضم أقوال كل عظماء مصر الذين حصلت منهم مصر الفتاة على تصريحاتهم ضد الامتيازات، بل أن فيه تصريحا من وزير اليونان المفوض أعطاه لمندوب الصرخة يعلن فيه استعداد حكومته للتنازل عن الامتيازات متى وافقت الدول الأخرى على ذلك. وقد استخدمت مصر الفتاة سلاح المقاطعة ضد الأجانب للضغط عليهم، وحملهم على التنازل عن الامتيازات الأجنبية إذا رغبوا فى صداقة المصريين، وحدث أن وفد على مصر فى ذلك الوقت سيرك ألماني للألعاب البهلوانية، يسمى ((سيرك هاجنبك)) وهو سيرك عالمى، تطلع جميع المصريين لمشاهدة ألعابه، فدعت مصر الفتاة إلى وجوب مقاطعته كبضاعة أجنبية، وتطوع الشبان للوقوف أمام السيرك الحيلولة بين المصريين وبين الدخول، وعبثا كان البوليس يقبض عليهم، ويزج بهم فى السجن، فقد كان متطوعون آخرون يقومون بنفس العمل، فكان لذلك رجة كبيرة فى أنحاء البلاد.. وقد نجحت حركة المقاطعة نجاحا منقطع النظير، وبدأ كل أجنبى يحس وطأة المقاطعة المصرية، والكراهية المصرية، عقابا لهم على التمسك بهذه الامتيازات اللعينة.

نضال مصر الفتاة

من اجل وحدة وادى النيل

كرست مصر الفتاة جهودها لمواجهة السياسة البريطانية الرامية إلى إيجاد الفرقة بين أبناء شعب وادى النيل، وأقامت الجسور مع القوى الوطنية السودانية فى الكفاح المشترك ضد الاحتلال البريطانى، ومن ذلك حملتها من اجل إطلاق سراح المجاهد السودانى على عبد اللطيف فكتبت الصرخة فى 11/1/1934:

((من منا يعرف أن زعيم السودان الكبير الشاب على عبد اللطيف الذى أثار السودان وأقام الانجليز وأقعدهم لا يزال نزيل السجن، لا يعرفه احد ولا يسمع به إنسان، منذ عام 1923 وعلى عبد اللطيف مسجونا، ولكن الجرائد مشغولة بأخبار الممثلات وأخبار روزفلت وهتلر، أما على عبد اللطيف أما السودان فلا؟؟))  (وصادرت حكومة السودان هذا العدد).

وقد أقامت مصر الفتاة موقفا من السودان على أساس انه كان دائما جزءا لا يتجزأ من مصر، وان السودان مفتاح الحياة لمصر والمصريين بالإضافة إلى الروابط العديدة التى تربط القطرين الشقيقين سواء فى الدين أو اللغة أو الثقافة والعادات، وان السودان هو مخرج مصر الطبيعى إذا ما اكتظت بسكانها..

ورأت مصر الفتاة انه ليس من صالح السودان والسودانيين الانفصال عن مصر، فكما أن مصر لا تستطيع الحياة بدون السودان فكذلك السودان لا يستطيع الحياة بغير مصر ومعونة مصر، فالسودان فى حاجة إلى التطور والارتقاء ذلك أن مساحاته الضخمة بغير سكان، وأراضيه الزراعية لا تجد من يستغلها أو يحسن استغلالها، وليس هناك غير رؤوس الأموال المصرية والعامل المصرى من يقوى على سد هذا النقص وإفادة السودان وتحقيق رفاهيته.

الطريق إلى تحقيق برنامج مصر الفتاة

فى عام 1934 ألقى احمد حسين خطابا سياسيا ركز فيه على شرح برنامج مصر الفتاة وسبل ووسائل تحقيقه.. وجاء فى هذا الخطاب:

.. يتساءلون ما هى مصر الفتاة؟ وما هو برنامجها، وما هى سياستها؟ وماذا تستطيع أن تفعل.؟ أما ماذا تكون فقد حدثكم فى هذا طويلا أخى فتحى. وأما ما هى سياستنا فإنها تتلخص فى عبارات قليلة:

((أننا نريد أن نحصل على حريتنا كاملة، وان نحصل على استقلالنا. نريد أن لا نرى عسكريا انجليزيا واحدا على الأرض المصرية. ونريد أن نمحق الامتيازات وندك المحاكم المختلطة وان نساوى الأجانب بالوطنيين.. نريد أن نكون أسيادا لبلادنا متصرفين فى شئونها. وأخيرا أيها السادة نريد أن نبعث مجدنا الماضى، وان نعيد تأليف الدولة المصرية من مصر والسودان حليفة للدول العربية وزعيمة للإسلام)) هذا هو الذى نريده أيها السادة، وبالأحرى هذا ما يريده كل مصرى شرب من مياه النيل. بقى أن نتساءل وما هو طريقنا الذى يوصلنا إلى ذلك..؟

أما طريقنا إلى تحقيق برنامجنا .. فهل هو أن نسخر من الدين وان نلقيه خلف ظهورنا ونعتبره خرافة من الخرافات لا تتناسب مع المدنية والعصر الحديث؟ أم هو أن نحطم الأخلاق ونتجاهل الرجولة والشرف والنبل والشجاعة والوفاء؟. أطريقنا إلى الاستقلال والمجد أن يتخنث شبابنا ويندفع إلى السينمات الأجنبية ودور اللهو والقمار والزنا؟ أم طريقنا أن نخطب و أن نثرثر وان نلهو وان نقيم الحفلات؟.. وأخيرا أيها السادة هل طريقنا إلى الاستقلال والمجد أن نكون متسولين نستجدى كرم الانجليز وعطف الأجانب ونتوسل إليهم أن يردوا إلينا حقوقنا؟ ونبكى حتى ترق قلوبهم لنا؟ وفى كلمة  هل طريقنا إلى الاستقلال أن نكون ضعفاء متخاذلين.. متشائمين يائسين.. نفاوض الانجليز والأجانب ونحن أكثر ما نكون إحساسا بعجزنا وتضورنا؟ هل هذا هو طريقنا إلى الاستقلال والمجد أيها السادة . اللهم لا؟  فليس بمجد، ولا لائق بماضينا المجيد طريق من هذه الطرق.

فليس للاستقلال والحرية إلا طريق واحد.. طريق واحد رسمته الطبيعة يوم أن كان شعارها البقاء للأصلح. هذه النظرية التى سجلها القرآن الكريم بقوله(( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض)) طريقنا أن نسير مع الدين ونعمل بأوامره وهذا هو ما يفرق بيننا وبين غيرنا من الجماعات والهيئات.

تنازع البقاء

فالطبيعة تعلمنا أن البقاء للأصلح، وان الحياة للقوى، والفناء للضعيف. وهذا ما يسمونه((تنازع البقاء..) الطبيعة تعلمنا أن لا تفاهم بين السيد والمسود، ولا بين القوى والضعيف، لا تفاهم إلا بالصراع والقتال.. فالغالب الغالب هو الصالح الذى يبقى والمغلوب هو الضعيف الذى يفنى.. الحياة لا تعرف هوادة ولا لينا، فإما أن تكونوا أقوياء فتعيشون، وإما أن تكونوا ضعفاء فتموتون.. عبثا تفاهم الشعب الضعيف والشعب القوى، فانه يكون تفاهما كتفاهم الذئب والحمل، والذى ينتهى دائما بان يأكل الذئب الحمل. وهذه هى الحياة إن أردتم حريتكم، أو فكرتم فيها، إن أردتم مجدكم القديم وسلطانكم، فليس أمامكم إلا طريق واحد: أن تكونوا أقوياء. وأن تكونوا أقوياء ولا وأخيرا، وليست كلمتى أو هذا رأيى ولكنه كلام الله أيها السادة الذى يقول لكم(( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل))، أى كونوا أقوياء، وإلا حطمكم الأقوياء، هذا ما يقوله الله لكم.

أمثلة التاريخ

فإن أردتم أن تطالعوا صفحات التاريخ فطالعوها، وأروني شعبا واحدا استطاع أن يحصل على حريته واستقلاله بغير القوة. بل أروني أية فكرة وأى دين انتصر إلا عن طريق القوة، والقوة المادية. فالإسلام لم ينتصر إلا عندما شرع الرمح وجرد السيف، ودافع عن نفسه بالقوة المادية، فكان ذلك خير ممهد لانتشار مبادئه السامية العظيمة. وقبل ذلك لم تنشر المسيحية إلا عندما فرضها قيصر الرومان على رعيته.. وأعلنها دينا رسميا للدولة، يضطهد من يخالفها ويعترض طريقها. أما العصور الحديثة فقد بدأت الثورة الفرنسية التى ليست إلا مظهرا من مظاهر القوة، فانتصرت الحرية والإخاء والمساواة. وكانت ألمانيا تحلم بوحدة، وظل هذا الحلم أمنية بعيدة التحقيق، حتى كان بسمارك فأعلن لمواطنيه أن الوحدة الألمانية لن تتحقق إلا بالحديد والنار.. وقد كان وتحققت الوحدة الألمانية، وسط قعقعة السيوف، ودخان المدافع. وايطاليا حققت استقلالها ووحدتها بالحديد والنار، واليونان ودول البلقان وأوروبا الوسطى وتركيا الحديثة لم تحافظ على استقلالها إلا بالقوة.

بولندا

وكانت أخر دولة سلكت هذا الطريق بولندا، التى يحلو لى دائما أن أقص قصتها.. بولندا التى تقاسمتها دول ثلاث هى أعظم دول أوروبا، وهى الروسيا والنمسا وبروسيا، وكان ذلك منذ أكثر من مائة سنة، وجاهدت كل دولة من هذه الدول فى إفناء ما وقع تحت يدها من الغنيمة.. فلم يكن هناك صنف من صنوف ألاعنات لم يقع على البولنديين.. لم يكن هناك لون من ألوان الاضطهاد لم يجربه البولنديون.ومع ذلك كانت تقوم ثورات فى بولندا الروسية تقمعها بأفظع ما تتخيلون، كانت تنصب المدافع فى الشوارع، كما فعلت فرنسا بعد ذلك بمائة سنة فى عصر الحرية والنور فى دمشق، كانت روسيا تخرب الشوارع وتهدم الدور وتزج بالألوف فى الشجون وترفع ألوفا فوق أعواد المشانق، وتنفى إلى سيبيريا عشرات الألوف. فكانت الثورة تهدأ حينا.. ثم لا تلبث أن تشتعل أكثر ما تكون قوة وعنفوانا..فتعود ألوان القمع من جديد وتنفى الألوف إلى سيبيريا من جديد.. وهكذا مرت مائة سنة كاملة لم تكن تنتهى ثورة حتى تبدأ ثورة جديدة.. أو تجف دماء حتى تسيل دماء جديدة.. وكانت روسيا تحاول أن تمحو اللغة البولندية فتصبغ المدارس بالصبغة الروسية، فكان البولنديون يعتزلونها، وكانت كل أم وكل أب يلقن ابنه لغة بولندا!.. أما فى بولندا البروسية فقد كانت الحرب الوطنية البولندية لا تقل شدة عنها فى روسيا.. ومع ذلك فقد قاومها البولنديون أيضا.. وكذلك الحال فى النمسا.. وكانت الجمعيات تعقد لتؤلف بين الأجزاء الثلاثة، كانت الجمعيات العلمية تعمل سرا، لتحقيق الاستقلال والوحدة.. كانت المدارس إذا ما نالت قبسا من الحرية لقنت الأطفال أناشيد الحرية والاستقلال.. كان البولنديون يهاجرون من وجهد التعسف إلى أمريكا ليدافعوا عن قضيتهم، أنشأوا البنوك والمصانع والشركات التجارية حتى انتصروا فى نهاية الحرب العظمى، وظفروا باستقلالهم العتيد.. وكانت مادتهم الأولى فى الدستور شكرا لله وتحية للشهداء. من أسلافهم، الذين جاهدوا فى سبيل الحرية.. ولست استطيع أن اترك قصة بولندا قبل أن اذكر عبارة خالدة قالها نابليون عن هذه الأمة الحية.. فقد سألوه أين ترسم حدود بولندا؟ فأجابهم سترسم حدود بولندا حيث يسيل الدم البولوني.   

مصر وكيف حصلت على استقلالها…؟

ولماذا نذهب بعيدا أيها السادة لنتحدث عن بولندا وايطاليا وألمانيا.. لماذا نذهب بعيدا، وها نحن فى مصر، عندما أردنا الحصول على الاستقلال، لم يكن أمامها طريق إلا القوة، فحصلنا عليه بالقوة فعلا..فمنذ مائة سنة عندما أرادت مصر بزعامة محمد على أن تستقل لم تر مناصا من حرب تركيا.. فسارت الجيوش المصرية الغازية منتصرة، حتى هزت تركيا هزا، وعقدت مصر معاهدة كوتاهية التى أعلنت استقلال مصر، وضم سوريا وفلسطين وشبه جزيرة العرب إليها.. وكانت تمتد فى الجنوب حتى أقصى السودان.. وهكذا حصلت مصر على استقلالها فى ظلال جيوشها الظافرة، هذه الجيوش التى أخافت أوروبا بأسرها، والتى جعلت روسيا تبسط حمايتها على تركيا لكى تنقذ نفسها من الخطر المصرى، فاضطرت الدول أن تتدخل لتحول بين روسيا وبين أطماعها بحجة حمايتها. وذلك لا يكون إلا بأن تكره مصر على التراجع وسحب جيوشها، فتحالفت انجلترا وبروسيا والنمسا والورسيا أيضا للقضاء على الجيوش المصرية والأسطول المصرى؟، فتم لها الذى أرادت. ولولا ذلك لكانت مصر هى العلم الخفاق فى العالم. لكانت مصر هى زعيمة الإسلام والشرق، لكانت مصر بحيث تبدو بجوارها انجلترا واليابان قزما حقيرا. حصلنا على استقلالنا بالقوة، قوة الحديد والنار، وحطم استقلالنا الحديد والنار، مع أن الحق كان فى جانبنا. فإذا أردنا أن ننتصر من جديد فلا مناص من التسلح بالحديد والنار. وإذا كنا اليوم ننادى بالدستور، ونستظل بظل الدستور، وإذا كان فى مصر نسيم من الحرية، فذلك يرجع إلى ثورة مصر ضد انجلترا سنة 1919، هذه الثورة لم تكن إلا صرخة من صرخات الشعوب القوية التى تزلزل أقدام الظلم والاستعمار.. القوة هى كل شىء، هى قانون الحياة، فى كل عصر، وفى كل زمان.

حاجتنا إلى القوة المعنوية

فبرنامجنا أيها السادة هو أن نحصل على حريتنا، وأن ندعم دولتنا الخالدة بالقوة، والقوة المادية. فهل نحن فى حالة تسمح لنا باستعمال هذه القوة وإجادة الاستعمال؟ الجواب بالنفي. ولماذا.؟ لأنه لاستعمال القوة المادية، لابد من قوى معنوية، فقبل أن يضرب الإنسان يجب أن يريد أن يضرب، وأن يشعر من نفسه بالقدرة على الضرب وإلا فانه لن يضرب ولن يقوى على الضرب.

فنحن فى مصر عاجزين عن الحصول على حقنا بالقوة المادية، لان قوانا المعنوية محطمة. أو بالأحرى لأنه لا قوة معنوية لنا إطلاقا. فنحن لا نكاد نثق بأنفسنا، نحن لا نكاد نتخيل فى أنفسنا القدرة على عمل أى شىء، نحن لا نؤمن إلا بشيء واحد، وهو أننا ضعفاء عاجزون. وأننا لا نفلح فى أى شىء.

أى مصرى لا يقول لك أن هذا بلد قد ضربت عليه الذلة طوال أربعة آلاف سنة، أى مصرى لا يسب المصريين ولا ينعتهم بأحط النعوت، أى مصرى لا يقول لك أننا بغير الانجليز لا نساوى بصلة، أى مصرى لا يشعر فى أعماق نفسه بأنه مخلوق اصغر شأنا من الأجنبى على العموم، والانجليزي على الخصوص.

فنحن لا نثق بأنفسنا أيها السادة، نحن لا نؤمن بأنفسنا وهذا هو سر ضعفنا. ذلك أن الفارق بين الضعف والقوة، ليس إلا كالفارق بين الإحساس بالضعف والإحساس بالقوة. فيجب أن نشعر بقوتنا، يجب أن نمتلئ ثقة بأنفسنا، لأنها جديرة بهذه الثقة فعلا. فلا يوجد فى العالم شعب واحد يصارع الويلات والمحن كما صارعناها، لا يوجد فى العالم بلد من البلاد عاش طوال أربعة آلاف سنة حيا نابضا فتيا إلا مصر. لقد تغيرت خريطة العالم وتبدلت، فقد قامت دول ودالت دول، لقد بعثت إمبراطوريات، وحطمت إمبراطوريات أخرى، لقد تحول وجه العالم من الشرق إلى الغرب ومن الغرب، إلى الشرق، ولكن بلدا واحدا وشعبا واحدا هو الذى ظل طوال أربعة آلاف سنة هو هو. لم يتغير ولم يتبدل لأنه الكوكب المشرق المضيء على أرجاء العالمين، ولأنه المعلم للإنسانية وزعيمها وقائدها، ذلك الشعب هو الشعب المصرى، وذلك البلد مصر، ففى عروقنا وفى أعماق نفوسنا تستقر رواسب أربعة آلاف سنة من المجد والعظمة.

فى أرواحنا طموح وقوة واقتدار، فيجب أن نمتلئ ثقة بأنفسنا كى تقوى معنوياتنا، وهذا هو النوع الثانى من جهاد مصر الفتاة أما جهادنا الأول فهو:

جهــادنا الأول

أن نتقى الله ونؤمن به.. فالإيمان بالله شرط أساسى لخلق المعنوية والحياة، الإيمان بالله هو سر الحياة وقوتها، الإيمان بالله هو الذى يجعل الجبان شجاعا، والضعيف قويا.. الإيمان بالله هو الذى يجعلنا نأتي بالمستحيل.. ذلك أن أجدادنا الذين سبقونا فى هذا الإيمان دكوا الإمبراطوريات، وحطموا الجيوش، وأذابوا الحديد، لأنهم كانوا يؤمنون بالله.. وكانوا يعرفون أن الله اكبر. وفوق كل كبير. وكانوا يعرفون أن غاية الحياة إرضاء الله والاستشهاد فى سبيله.. فحكموا الدنيا وسادوا العالم.. نحن أيضا يجب أن نؤمن بالله ورسالته السماوية. يجب أن نعبد الله كل صباح ومساء، لان الذى لا خير فيه لربه لا يمكن أن يكون فيه خير لوطنه ونفسه..

فإذا أمنا بالله وامتلأنا ثقة بأنفسنا، فقد بقى علينا أن نطهر أرواحنا من الارجاس، فلا نقامر ولا نزني ولا نسكر ولا نكذب.. بقى علينا أن نتحلى بالأخلاق، وان نعرف الرجولة والشهامة والشجاعة والصدق والوفاء. فإذا ما حصلنا على ذلك كله، فقد كملت معنوياتنا وأصبحنا ولنا إرادة تفعل كل شىء.. إذا ما أمنا بالله، ووثقنا بأنفسنا، وتحلينا بالأخلاق، فقد قطعنا اكبر شوط للحصول على الاستقلال والحرية والمجد.. ولا يبقى علينا بعد ذلك إلا أن نخطو خطوتنا الأخيرة، لكى نحقق كل الذى نريده فى يوم وليلة.

لا تشتر إلا من مصرى

وهناك جهاد ثالث يتفرع من الجهاد السابق ويسير جنبا لجنب. وهو جهاد مادى معنوى، للحصول على القوة المادية أيضا.. وذلك هو السعى لإغناء مصر وتكديس الثروة بها عن طريق الاستقلال الاقتصادى. فمصر التى بلغت معنوياتها إلى الأوج، يجب أن تكون فى حوزتها مال كثير تستعين به على تحقيق استقلالها وحريتها فى الخطوة الأخيرة. يجب أن يكون لديها مال لنعيد لها بناء كيانها، لتستطيع فى زمن قصير أن تقفز إلى الأمام وتحتل مركزها الطبيعى زعيمة الإسلام وسيدة للشرق.. ولا سبيل لنا إلى توفير هذا المال إلا عن طريق واحد، وذلك بإتباع مبدأ مصر الفتاة الثانى ألا هو(( لا تشتر إلا من مصرى ولا تلبس إلا ما صنع فى مصر ولا تأكل إلا طعاما مصريا)).

وهذا المبدأ يحقق لنا استقلالنا الاقتصادى، هذا المبدأ يلغى الامتيازات لأنها تصبح ولا قيمة لها، هذا المبدأ يوفر لنا فى عشر سنوات كل المال الذى نريده لإنشاء دولتنا العظيمة..

لا تشتر إلا من مصرى.. أتعرفون ما معنى هذا .. معناه أن ألوفا من المصريين يعانون الفقر الآن يحصلون على الثروة. وان ألوفا من العاطلين يجدون موردا للرزق ، وان ألوفا من الأجانب يرحلون عن هذه البلاد. فلا تلبس إلا ما صنع فى مصر، ولا تأكل إلا طعاما مصريا.. أتعرفون ما معنى هذا؟ معناه أننا نقتصد من الأربعين مليونا التى تتسرب إلى الخارج فى كل عام نصفها، ليبقى داخل بلادنا. فى عشر سنوات توفر مصر مائتى مليون من الجنيهات.. وهذا المبلغ يجدد بناء مصر ويملؤها مصانع، ويجعلها سيدة فى الجو، وفى البحر، وفى كل مكان.. ومائتا مليون تنظم مصر تنظيما جديدا، وتعيدها إلى مجدها القديم.. ولست أسوق القول جزافا، فها هى ذى إحصائية تنبئكم بمقدار ثروة مصر التى تحتفظ بها لو أنها نفذت هذا المبدأ، فمنذ سنة 1921 حتى سنة 1932 قد استوردت مصر من الخارج بضائع أجنبية بمبلغ 568 مليون جنيه، وهو مبلغ مخيف، لاسيما إذا عرفتم أن الصادرات كانت اقل من هذا المبلغ بخمسة عشر مليونا، أى 532 مليونا. أتعرفون لماذا كان الميزان التجاري هكذا فى صالح أوروبا ؟ أتعرفون لماذا نبتاع بهذه الملايين؟ ذلك لأننا شعب لا يكاد يعرف كيف يعيش. شعب لا يعرف لنفسه حقها، ذلك لأننا كنا نستورد من الخارج، وما زلنا، جبنا وزبدا وسمنا!. أتسمعون أيها السادة؟ مصر البلد الزراعي، الذى لا يعيش إلا على الزراعة، يستورد من الخارج جبنا وسمنا، فهل هناك مهانة بعد هذه المهانة. وانحطاط كهذا الانحطاط. نحن الذين كان يجب أن نورد للعالم بأسره نستورد من الخارج. أفتعرفون لماذا؟. لان السيد المصرى لا يحلو له إلا أن يتمشدق بالجبنة الرومى والفلمنك والشستر. بل أن مصر تستورد قمحا، مصر التى كانت تمد العالم فى يوم من الأيام بالقمح، والتى كانت الشعوب تجيء إليها لتشترى القمح، انعكست الآية وأصبحت مصر تستورد قمحا. لا بل أن الهوس قد وصل إلى ما هو أفظع من ذلك. وصل بنا الهوس أيها لسادة إلى درجة أن نستورد من الخارج صلصة، نحن الذين توجد الطماطم فى بلادنا عشرات الأرطال بمليمات معدودات.ما ذلك كله إلا لتهاوننا فى حياتنا، فى كرامتنا، وفى ثرواتنا أيضا، بل ما ذلك إلا لعبوديتنا لأوروبا وكل ما هو أجنبي. أبطلوا ذلك كله، لا تأكلوا طعاما إلا مصريا، ولا تلبسوا إلا لباسا مصريا، فتحصلوا على استقلالكم وكرامتكم. أتسمعون ؟ إن الأجانب أسياد لهذا البلد لأنهم يملكون رؤوس الأموال، الأجانب أصحاب الامتيازات والمحاكم المختلطة لان المال فى يدهم، فجردوهم من هذا المال وهذه القوة، بأن يكون لباسكم مصريا، ومطعمكم مصريا، ولا تشتروا إلا من مصرى فبهذا تحتفظون بثروتكم التى سنحتاجها غدا، عندما نذهب إلى ميدان القتال لندافع عن حريتنا واستقلالنا.

هذا هو ما ندعوكم إليه أيها السادة، أن تؤمنوا بالله، وان تثقوا بأنفسكم، وان تطهروها من الأرجاس، وأن لا تشتروا إلا من مصرى، ولا تلبسوا إلا ما صنع فى مصر. وهذا هو ما ندعوكم إلى القيام بعمله كمصريين. هذا هو الطريق الذى نرسمه لكم.. فسيروا فى الطريق إذن على بركة الله مع مصر الفتاة أو ضدها.. هذا لا يهمنا ولكن الذى يهمنا أن تسيروا فى الطريق. فإن كان فى صفوفكم من يريد أن يقدم نفسه لينضم تحت لواء هذه الجماعة التى أخذت على عاتقها تنفيذ هذا البرنامج، فنحن نرحب به كائنا من كان، لكنا ننذره منذ الآن أن طريقنا ليس مليئا بالورد والريحان، بل أن ما فيه من شوك وعوسج ليطغى على كل شىء. إن آلاما كثيرة تنتظرنا، إن صنوفا من العذاب تصيبنا، فلن يرضى الانجليز عن وجودنا، وإذن ستضطهدنا الحكومات إرضاء للانجليز والأجانب من ناحية، وسيحاربنا الجهلاء بجهلهم نوايانا من ناحية أخرى. فطريقنا كله جهاد وكفاح!. ذلك أننا لن نصل فى يوم واحد إلى ما نريد، ولن نصل فى هدوء، ولكنا وطدنا أنفسنا على تحمل كل شىء. وطدنا أنفسنا على أن نكافح حتى نموت، فإذا انتصرنا فهذا الذى نريد، وإذا متنا قلنا لمن يجيئون بعدنا كونوا اسعد حظا منا..

انتصار روح مصر الفتاة

فى 13 نوفمبر سنة 1935

فى 13 نوفمبر سنة 1935 انفجرت عناصر السخط فى أوساط الشبان. فقابلها نسيم باشا بالرصاص والإرهاب، فلم يزد ذلك النار إلا اضطراما وتحول السخط إلى ثورة.. بدأت فى صفوف الشبان، وبدأت تنتقل منهم إلى بقية عناصر الأمة رويدا رويدا… وفى أيام قليلة تحول سكون مصر إلى حركة عنيفة، وتضرجت شوارع القاهرة بدماء عشرات من الطلاب وشباب الجامعة، وغصت المعتقلات بمئات وألوف من المقبوض عليهم. وفى عشية وضحاها، سرت فى مصر هزة قوية، أو قل روح عنيفة، تأبى الذل وتتمرد على خنق الحرية، وتطالب بالدستور ولا ترضى بأقل من الاستقلال.

ففوجئت الحكومة بهذه الحالة وفزع الانجليز من نتائجها ولم يستطيعوا تحليلا لعناصرها، وعجزوا عن تفسير ما خيل لهم انه مفاجأة غير منتظرة، وقد شاطر الحكومة والانجليز كثيرون من المصريين أنفسهم فى اعتبار أن ما حدث كان مفاجأة غير متوقعة، وانه مقطوع الأسباب عن مقدماته.. فهل كان هذا الحكم صحيحا؟! وهل لم يسبق هذه الحركة القوية مقدمات تؤدى إليها؟

يقول أحمد حسين فى إيماني:

((إن مصر الفتاة هى خالقة هذه الحركة، وقد مهدت لها بهذا الجهاد الطويل فى بحر ثلاثة أعوام، تعرضت فيها لشتى صنوف الاضطهاد والتعذيب، ولم تفتأ تردد فى أثنائها مبادئ الوطنية الصحيحة، وتحض على الجهاد فى غير ما خوف أو جزع. والواقع أن هذا هو الحكم الصحيح الصادق فى غير مغالاة أو إسراف. ذلك أن الإيمان الذى كان يملأ صدورنا، بل والذى ازداد أضعافا مضاعفة. هذا الإيمان الذى يحركنا، والذى يغذينا، والذى يدفعنا دائما إلى الأمام، هذا الإيمان الذى يهون لنا الشدائد، لا يمكن إلا أن يكون قوة مؤثرة تأثيرا ماديا فى البيئة المحيطة بنا.

((..وفى هذه السنوات الثلاث، لم يمض يوم واحد، لم نكن فيه نتحدث ونخطب ونعطى القدوة للشباب، فى هذه السنوات الثلاث ذرعنا القطر شمالا وجنوبا، وغربا وشرقا، ناشرين إيماننا وعقيدتنا، ومقدمين المثال بهذه الجرأة التى تسخر من الظلم وتهزأ بالاستبداد. ولم يكن ذلك كله بغير أثر، بل على العكس فقد ترك أثرا عميقا فى نفوس الشباب الذين أحاطوا بنا، اثر ذلك فى نفوس زهرة الشباب، وأعنى بهم طلاب الجامعة، وليس فى قادتهم إلا من هو صديق شخصى لى أو عضو فى مصر الفتاة. وإذن فقد تهيأت أذهانهم لروح الكفاح والتضحية، روح العمل من اجل مصر أولا وأخيرا، مهملين الأشخاص، ومقدسين العمل الصالح، ولقد كمنت هذه البذور فى قرارة نفوس الطلاب، وأخذت تنمو تزدهر يوما بعد يوم، حتى كانت الحرب الايطالية الحبشية، وقامت الحبشة تدافع عن استقلالها وعزتها، ووقف العالم بآسره إلى جانبها، يتحدث عن سيادتها وقداسة حريتها، وشرعت جرائد الدنيا تتحدث عن وطنية الأحباش وبسالة الأحباش،وتستعرض صورا من كفاح أبطالها، ورجالها ونسائها، بل وأطفالها.وأخذت رائحة البارود تملأ معاطس المصريين، والدم المهراق يوقظ حواسهم، ورؤية الكفاح تثير غريزة الكفاح، فلا عجب أن امتلأت نفوس الشباب المصري بالرغبة فى الكفاح، وكل عاطفة قوية إن لم تجد من ينظمها فى بداية أمرها، انحرفت عن طريقها الطبيعي وتبددت أدراج الرياح، ولربما تحولت إلى قوة مخربة كالنار إن لم تنظم أصبحت أداة خراب ودمار، وقد كاد ذلك أن يكون النتيجة المحققة لعواطف الشباب المصري فى تلك الأيام . فقد اندفع بعض الشباب وفى مقدمته الصحافة، تدعو للتطوع للدفاع عن استقلال الحبشة، وسرعان ما تألفت اللجان وانهالت ألوف الطلبات، وتقدم مئات الشبان، وقد امتلأت صدورهم بحماسة عجيبة،فكنت تراهم والدم الحار يملأ شرايينهم، واللهب المقدس يشع من أعينهم فأما السذج والبسطاء فقد خيل لهم أن المصريين يريدون الدفاع عن الحبشة، ويتحمسون للحبشة فراحت الصحافة تطبل وتزمر، وتهاجم الايطاليين وتناصر الحبشة، وتستحث الشباب لنصرة الحبشة. حتى امتلأت البلد بروح غريبة، روح الدفاع عن الحبشة واستقلال الحبشة، أما أنا فلم أر فى كل ذلك إلا رغبة الأمة فى الدفاع عن نفسها، وان هذه الروح القوية، التى تريد متنفسا لها، وجدت فى الحبشة فرصة لإظهار هذه الروح. ومنذ الدقيقة الأولى عرفت ماذا يجب على أن افعل، وماذا يجب على كل الشباب أن يفعل، فإذا كان للحبشة استقلال قد حطم، وإذا كانت للحبشة كرامة ينبغى أن تصان، فإن لمصر كرامة يجب أن تسترد، وإذا كان فى عروق الشباب المصري دم يجب أن يراق، فإن مصر به أولى، وإذا كان هناك ما يجب أن يقوم به المصريون، فهو انتهاز هذه الفرصة، للمطالبة بحقهم وإخراج الانجليز، وإسماع العالم صوت مصر، والكفاح فى سبيل الاستقلال. وإذن فقد عملت جاهدا على إعادة العواطف التى تملأ صدور الشباب إلى طريقها الطبيعي، فناديت قومي وناديت الشباب، وانبثت جنود مصر الفتاة، يدعون فى كل مكان، إن على هؤلاء الشجعان أن يبرزوا شجاعتهم فى مصر، والراغبون فى التضحية، أمامهم الميدان متسعا فى مصر. ولقد بدت هذه الدعوة ، فى وقت اندفعت فيه العواطف إلى مناصرة الحبشة وتأييدها،بدت دعوة غريبة شاذة، فأخذ الرأى العام يهجسر بأنها دعوة مدسوسة، و أن للايطاليين فيها دخلا.. حتى لقد أشارت إلى ذلك، مجلة ((اللطائف المصورة)) إشارة صريحة، على الرغم من خصومتي للطليان خصومة عنيفة؟، ذلك أن الإمبراطورية الرومانية، التى يريد أن يبعثها موسوليني، انما ترتكز فى مصر، وموسوليني يريد أن يجعل البحر الأبيض بحيرة رومانية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا كانت مصر رومانية كذلك. وإذن فايطاليا الجديدة ذات البرامج الاستعمارية، هى خطر على مصر أى خطر، يجب أن تتهيأ له مصر، وأن تستعد، وان تكون منه على حذر، على أن هذا لا يعنى مطلقا أن تنسى مصر أنها واقعة حالا فى براثن مستعمر آخر، و أن عليها أن تعمل لفك أغلالها الحالية، قبل أن تخشى أغلالا مستقبلية، قد تقيد بها، بالغة ما بلغت هذه السلاسل المقبلة من حيث الخطر والأهمية، وما هى الوسيلة لانتزاع استقلال مصر إلا بانتهاز الفرص، ما كانت تكسب قليلا أو كثيرا من معاداتها لايطاليا، وإظهار خصومتها العنيفة، فى وقت كان الاستقلال فيه أثرا بعد عين والانجليز يتحكمون فى كل شىء، ويضغطون على العرش، ويرفضون الدستور.

((ولقد أدركت الأمة كل هذه الحقائق بعد حين، فبدأت الأحزاب السياسية تنشط بعد تخاذل الوفد، وتأييده لسياسة نسيم باشا المدمرة، وخرج الأستاذ العقاد على سياسة الوفد والحكومة، وواصل كتابة هذه المقالات الصادقة، والتى ليست إلا تكرارا لما سبقته إليه مصر الفتاة، أو بمعنى أخر، ليست إلا وليدة روح مصر الفتاة، روح الكفاح والمقاومة والاستبسال والإيمان، وفى وسط هذا الجو عاودت مصر الفتاة نشاطها المادي والروحي، فعاودت الصرخة صدورها بقوة، وتقابلت مع الأستاذ العقاد فى منتصف الطريق وأفسح لى صدر جريدة روز اليوسف أسجل على صفحاتها روح مصر الفتاة ونشاطها. وإذن فقد بدأ تيار الحبشة يعود إلى مصبه الطبيعي، وأعنى به القضية المصرية، والدفاع عن استقلال مصر، وهذه القلوب الفتية بدأت تتطلع باحثة عما تفعله من اجل مصر، وأينعت تلك البذور التى غرسناها فى النفوس، لا، بل بدأت تثمر وتنضج، حتى بدأ شهر نوفمبر، بدأت الحوادث تتوالى بسرعة، فقد كانت حملة العقاد على سياسة الضعف فى أوجها، وعاد دولة محمد باشا محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين إلى سياسة التعاون بين الأحزاب والائتلاف وتوحيد الصفوف، وأقام اجتماعا فى 7نوفمبر شهده كل رجال الأحزاب ما عدا الوفد، ولأول مرة عقد اجتماع سياسي فى يوم وليلة وزاد حاضروه على بضعة عشر ألفا، جلهم الشباب، وشوهد رجال الأحزاب المختلفة يجلسون جنبا إلى جنب، يكرمهم الشباب ويهتف بأسمائهم فكان ذلك إيذانا بغليان الأفكار وإرادتها فى توحيد الصفوف، استعدادا للكفاح. حتى إذا ما اقترب يوم الأربعاء 13 نوفمبر، أعلنت مصر الفتاة عن اجتماع ضخم، اخطب فيه باسم الجيل الجديد، ويخطب معى سعادة محمد على باشا علوبة، والأستاذ العقاد، والأستاذ عبد الرحمن عزام، ولقد كان معينا لمكان الاجتماع مسرح برنتايا، فطبعنا من التذاكر ضعف ما يسع من التذاكر ألوفا وألوفا، وإذا بجموع الشباب تضغط على دار الجمعية ضغطا عظيما، تطالب بشهود الاجتماع، فإذا بنا ننقل الاجتماع إلى سراي آل لطف الله بالجزيرة، كيما تتسع لهذه الألوف، على الرغم من أن الوفد، كان قد دعا إلى اجتماعه السنوي المعتاد، وقد اضطر تمهيدا لإنجاحه أن يعلن تخليه رسميا، أى فى الظاهر، من تأييد وزارة نسيم باشا، فكان ذلك أول ثمرة لضغط الرأى العام، وهكذا بلغ الغليان الفكرى أشده. على أن الشبان كانوا هم كل شىء فى هذه الحركة، فهم الذين نشروا السخط ضد وزارة نسيم وسياسة الاستخذاء، وهم الذين دعوا لتوحيد الصفوف،،وإعلان سياسة الكفاح، فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء 13 نوفمبر، كانت القاهرة فى جو مكهرب ملبد بقوى غير منظورة، وفى آخر دقيقة منعت الحكومة اجتماع مصر الفتاة، بعد أن اتخذنا له كل المعدات، على الرغم من سماحها بعقد اجتماع الوفد، فسرت فى كل من وصل إليه الخبر، روح سخط جديدة واستنكار شديد،وخرجت جموع الطلاب من الجامعة تزحف نحو القاهرة، هاتفة متظاهرة، فاشتبك معها البوليس، وكانت معارك فى قصر النيل، وفى ساحة عابدين، أطلقت فيها النار، وأصيب عشرات من الجرحى، وأحاطت الحكومة مكان اجتماعنا بصفوف متراصة من البوليس، تحول بين الجموع وبين عقد الاجتماع وما إن هممت بالاقتراب من مكان الاجتماع وأخذت أتحادث مع بعض الضباط، حتى صدر أمر البوليس بالاعتداء علينا، فانهالت على عصى البوليس ولكماته، وأخذت إلى مركز البوليس، وهكذا لم ينقض هذا اليوم العصيب فى حياة مصر دون أن آخذ منه بنصيب، حقا إنه لنصيب تافه بضع كدمات وضربات عصى، ولكنه نصيب على كل حال يعزيني اليوم، وغدا، والى الأبد، أننى لم أكن  فى هذا اليوم العاصف قعيد بيتى، أو ممتطيا سيارة والجرحى تتساقط من حولى، بل كنت فيه المجاهد الصغير، الذى اخذ نصيبه من المعركة. ولم أتردد فى قبول اعتذار البوليس، ساعة أن قدمه لى، ولقد كان بودي أن يجرى تحقيق على يد النيابة، وأن يعلم الرأى العام ما وقع، ولكن الحوادث الدامية التى كانت تحدث من دقيقة إلى أخرى، جعلتنى أنسى هذا الحادث، أو أتناساه، لأشتغل بما هو أهم وأروع، وفى نفس اليوم حدث اصطدام بين البوليس والجموع المحتشدة لدى بيت الأمة، وقد أصيب فيه عشرات من الجرحى، واقتيد إلى السجن مئات الشباب، وهكذا انفجرت روح الشباب، وسرت هزة الكفاح فى أنحاء الوادى.

وكان اليوم التالى 14 نوفمبر، و بدء إعلان الثورة بمعناه الرسمي، فقد انحدرت جموع الطلاب من الجامعة ، قاصدة القاهرة، كما فعلت بالأمس فتصدي لها عند كوبرى عباس بعض أفراد البوليس الانجليزي، وفى دقائق قليلة أردوا بعض القتلى والمصابين من طلاب الجامعة، وسقط عبد المجيد مرسى، والجراحي، وإبراهيم شكرى، مات الأول سريعا وعاش الثانى أياما.. بعث فيها الحياة فى إخوانه وملأهم إيمانا وعزما، أما الثالث فقد بريء من جراحه، وظل يعمل كما عمل دائما تحت لواء مصر الفتاة، ليكون مثلا حيا على اثر مصر الفتاة فى هذه الحركة العتيدة..

كان فى نفوس الشباب سخط، .. وفى نفوس الشباب إرادة، وفى نفوس الشباب أمل، .. وبحث شباب الجامعة عن شعار يلخص حركته ويعمل بروحه، .. بحث شباب الجامعة عن لواء يلتفون حوله، ويسيرون فى ظله، بحث شباب الجامعة عن المبدأ الذى يكافحون من اجله، ويسقطون فى سبيله ويسجلونه بدمائهم، فأسعفهم قادتهم من شباب مصر الفتاة بهذا المبدأ وذاك اللواء. أسعفهم شباب مصر الفتاة بالمبدأ السامى الذى يلخص لهم كل شىء، سخطهم وعقيدتهم وإيمانهم وآمالهم.. أسعفهم شباب مصر الفتاة فهتفوا لهم “مصر فوق الجميع!”. فإذا بالجموع تردد من أعماق أرواحها،.. مصر فوق الجميع.. الله أكبر، هذه هى مصر الفتاة تنتصر، هذا هو إيمانها، وهذه روحها، هذا هو كفاح مصر الفتاة، مصر فوق الجميع، ذكرت فرجعت، وفى دقيقة كانت شعار الحركة فى مصر كلها، من الإسكندرية حتى أسوان، فأخفتت كل صوت، وقضت على كل روح سواها، حاولت أن ترفع رأسها..

وقاد الحركة فى عنفوانها طراف ومحيى الدين وحمادة ومكي وشكري وشافعي وسعد وغيرهم من زهرة مصر الفتاة وقوادها الذين تغذوا بلبانها وامتزجت بدمائهم.. هؤلاء الذين قادوا هذه الحركة، هم جنود مصر الفتاة، وعندما مات الجراحى، كانت آخر كلماته مصر فوق الجميع، فسطر بدمه رسالة مصر الفتاة. وعندما حاول نسيم باشا أن يفزع الحركة برصاصه وسجونه، أجابوه بكلمات مصر الفتاة، وما السجن، وما الموت، وما الحياة فى ظل الذل..

فتعاليم مصر الفتاة هى التى انتصرت، وروح مصر الفتاة هى التى سادت، وشباب مصر الفتاة هو الذى تزعم،. وجمعية مصر الفتاة هى التى لبت إرادة الشباب والأمة بعد ذلك، فنفذت ما رغبت الأمة فى تنفيذه، وسافرت إلى أوروبا أنا وزميلي فتحى رضوان للدعاية لقضية مصر فى إنجلترا وأوروبا، لإسماع صوت الضحايا، وصوت الشباب للدنيا بأسرها، وفى أيام قلائل كنت احزم أمتعتي، وفى أيام قلائل كنت مسافرا إلى أوروبا، وفى نفسي إيمان بالله، وفى جيوبي مائتان من الجنيهات، لا تكاد تكفى نفقات لسفر واحد من أغنيائنا يرغب فى النزهة، ولقد جمعت هذه الجنيهات من اكتتاب عام فتح على صفحات الجرائد، واقبل عليه الناس رويدا رويدا، وهكذا سيطرت روح مصر الفتاة على الموقف ابتداء من المقدمة وتدرجا مع الحوادث، فما كان انفجار 13 نوفمبر سنة 1935 بحادث مقطوع الصلة بجهود مصر الفتاة، ففى مثل هذا اليوم من عامين سابقين على هذا التاريخ، أى فى 13 نوفمبر سنة1933، قبض على لأول مرة وزج بى إلى السجن عقابا على صرختي الأولى، والتى كان عنوانها:(( يا شباب عام 1933، كن كشباب سنة 1919، كن كهذا الشباب الذى أشعل الثورة فى وقت لم يتوقع الناس فيه الثورة)) فإذا كان الشباب قد لبى هذه الدعوة بعد عامين، واتخذ شعارا لها ما أردت أن يكون له شعارا فماذا استطيع أن أقول وأن أسجل، إلا أن مصر الفتاة هى التى انتصرت فى 13 نوفمبر سنة 1935.

سفر وفد جمعية مصر الفتاة

إلى أوروبا

عقد وفد مصر الفتاة أول اجتماع فى لندن مع الطلاب المصريين، وحضر الاجتماع عدد كبير من أعضاء البعثات المصرية فى مختلف الجامعات الانجليزية بحيث اعتبر من انجح الاجتماعات المصرية التى شهدتها عاصمة الانجليز، والقي احمد حسين خطابا فى هذا الاجتماع الذى انتهى باتخاذ قرار بإرسال البرقية التالية لرئيس وزراء انجلترا ووزير خارجيتها وزعماء أحزابها.

(( الطلبة المصريون فى جامعات انجلترا الذين يرمزون إلى التعاون الودى بين الأمتين الانجليزية والمصرية والمجتمعون بحضور الأستاذين أحمد حسين وفتحي رضوان مندوبي مصر الفتاة يلتمسون من الحكومة الانجليزية أن تسرع بإجابة المطالب القومية بإبرام معاهدة التحالف بين البلدين وتعزيز الدفاع الوطنى والاعتراف بحقوق مصر الكاملة فى السودان وإنهاء الاحتلال وعدم الاعتراض على إلغاء الامتيازات والمحاكم المختلطة وبهذا تستطيع انجلترا أن تكون واثقة من إخلاص المصريين ومعونتهم الصادقة المثمرة)).

وقام أحمد حسين وفتحي رضوان ومصطفى الوكيل الذى انضم إليهما فى لندن بحملة واسعة النطاق لشرح القضية الوطنية المصرية تضمنت إرسال عشرات من الخطابات إلى الشخصيات السياسية البارزة، وإجراء مقابلات معهم ومع رؤساء تحرير الصحف..

وتلقى وفد مصر الفتاة دعوة لشهود مؤتمر العمال الاشتراكي فى جامعة كارديف والتحدث فيه عن القضية المصرية، وبعد كلمة ألقاها أحمد حسين اصدر مؤتمر الطلبة الاشتراكيين البريطانيين القرار التالى:

((أن هذا المؤتمر:

  1. يؤكد تأييده المطلق لكفاح الطلاب المصريين من أجل الدستور وحقهم فى الاستقلال والانضمام إلى عصبة الأمم.
  2. يبدي استنكاره الشديد للأساليب التى يتبعها بعض الانجليز فى مصر لقمع المظاهرات.
  3. يؤيد حزب العمال بكل قوة كفاح المصريين)).

وأدلى أحمد حسين بحديث لوكالة اليونايتدبرس نشرته مئات الصحف فى سائر أنحاء أوروبا. ونظم وفد اجتماعا عاما للإنجليز ألقى فيه أحمد حسين وفتحي رضوان خطابين مطولين حيث قدمهما للحاضرين الزعيم العمالي لانسبوري، وتم توزيع رسالة باللغة الانجليزية تتضمن المطالب الوطنية المصرية.

وفى جنيف قام الوفد بدعاية مماثلة للقضية الوطنية المصرية ثم تتويجها بتقديم مذكرة إلى السكرتير العام لعصبة الأمم، وتم توزيع نسخا منها على خمسمائة صحفى يعملون فى أروقة عصبة الأمم، فلم تمض أربع وعشرون ساعة حتى كانت الصحف فى جميع أنحاء العالم تتحدث عن مذكرة مصر التى قدمتها إلى عصبة الأمم.

مصر الفتاة

ووزارة على باشا ماهر

وكانت وزارة على باشا ماهر، وعلى باشا ماهر رجل من رجالات مصر النابهين وهو فذ بين رجال الجيل القديم، ولقد بادر بمناصرة مصر الفتاة منذ اليوم الأول الذى طلبت منه نصرته، خاصة وان مصر الفتاة كانت تحفظ للرجل مواقفه المشرفة فى ثورة 1919، وجهاده الموفق لجعل الدستور المصرى على احدث النظم العصرية، وتحفظ له أخيرا ثورته فى التعليم عندما كان وزيرا للمعارف فى سنة 1925، فقد قلب مناهج التعليم رأسا على عقب، وحولها من برامج الاحتلال إلى برامج الحرية والاستقلال، فأدخل إليها التربية الوطنية، واللغة الفرنسية لتنافس الانجليزية، وصحح مناهج التاريخ، ووضع للمدرسين القواعد التى يجب أن يعالجوا على أساسها التاريخ المصرى، وأخيرا جعل الرحلات فى جميع البلاد، بل وخارج القطر، جزء لا يتجزأ من مناهج التعليم. وأدخل السينما فى المدارس، إلى غير ذلك من الإصلاحات الرشيدة، ولقد استطاعت مصر الفتاة أن تتنفس الصعداء فى ظل وزارته لأول مرة فى تاريخها، فعقدت الاجتماعات فى حرية، وجابت البلاد فى حرية وسرعان ما اشتد نشاط مصر الفتاة فى كل مكان، فتألفت الشعب، وأقيمت الاجتماعات العامة، فى سرادقات تتسع للألوف من المستمعين. وبدأت روح مصر الفتاة تسرى فى كل مكان.

وكانت المفاوضات بين مصر وانجلترا تجرى فى هذه الأيام فى القاهرة، وكان حتما على مصر الفتاة أن تتربص نتيجة المفاوضات وما تسفر عنه، دون أن تسبق الحوادث، أو تسرف فى الهجوم أو الانتقاد، وانصرفت إلى تقوية صفوفها وإعادة تنظيمها، ونشر دعايتها.

مصر الفتاة والانتخابات

وكان مقررا، وقد عاد الدستور أن يجرى على باشا ماهر انتخابات عامة فى أنحاء البلاد لإعادة تأليف البرلمان المصري، بنوابه وشيوخه، ولقد أجرى على باشا ماهر الانتخابات فى جو من النزاهة والحرية لم يسبق له مثيل من قبل ومن بعد، وكانت فرصة سانحة لمصر الفتاة أن تظهر مدى ما وصلت إليه من تمثيل للرأي العام، وتعبير عن إرادته، لولا أن قانون الانتخابات يحتم أن يكون سن المرشح ثلاثين سنة ميلادية على الأقل، ولما لم يكن فى مصر الفتاة من بلغ هذه السن! بل لم يكن فيها من بلغ خمسة وعشرين سنة فقد كان ذلك سببا قاهرا حال بينها وبين خوض المعركة الانتخابية، وقد أصدرت مصر الفتاة بيانا نشرته الصحف بصدد الانتخابات، وهذا نصه:

راع الكثيرين ألا يجدوا فى المعركة الانتخابية صوت الشباب الذى حمل لواء الكفاح، والذى أعاد للأمة دستورها وهيبتها، وراع الرأى العام ألا يجد مرشحين لمصر الفتاة، مرشحين يعبرون عن الجيل الجديد وآمال مصر الحقيقية، فوجهت إلينا مئات الأسئلة عن سبب عدم اشتراكنا فى الانتخابات وخوض غمارها، اهو عجز منا؟ أو ضعف أو زهد فى الانتخابات؟ والحق أن الأمر ليس هذا ولا ذاك، ولكنه نتيجة حتمية لقانون الانتخابات. فواضعوه قد تعمدوا أن يقصوا الشباب عن معركة الانتخابات، فحددوا سن النائب بثلاثين عاما على الأقل، معارضين فى ذلك كل ما جرى عليه العرف فى البلاد الدستورية، وهو أن لكل ناخب الحق فى أن يفوز بعضوية مجلس النواب. ولما كانت مصر الفتاة، ليس فى قادتها وكلهم من الشباب من يملك هذا النصاب من السن، فنحن بهذا محرومون من خوض المعركة الانتخابية.

وكم أود من صميم أن تكون هذه الانتخابات وسيلة لإظهار روح الشباب والكفاح، كم كنت أو أن تدور هذه المعركة الانتخابية حول المبادئ والبرامج، لا حول الألقاب والأشخاص، كم كنت أود أن اعرض على الأمة برنامج الشباب السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذى من شأنه أن يبعث من مصر مصر جديدة، وان يحقق استقلالها وسيادتها وحريتها، ولكن تشاء الأقدار أن تضم هذه المعركة الانتخابية القادمة إلى سابقاتها من المعارك بكل ما فيها من خصائص وأشكال. على أن كفاحنا خارج البرلمان سيكون اشد منه تحت قبته، وهانحن أولاء ماضون فى طريقنا والله يرعانا ويهدينا سواء السبيل.

                                                            أحمد حسين

رئيس جمعية مصر الفتاة

مصر الفتاة ترحب بانتصار الحياة الدستورية

لم يدم حكم على باشا ماهر طويلا، فقد كانت وزارته فى صبغتها بمثابة وزارة انتقال، وقد دام حكمها مائة يوم، كانت كلها خيرا وبركة على مصر من غير شك، ووقعت فى هذه المائة يوم أحداث جسام لا تمر فى حياة الأمم أمثالها كثيرا، فكان على مصر أن تؤلف وفدا للتفاوض مع انجلترا فى قضية الاستقلال، وقد ألف على باشا ماهر هذا الوفد من جميع الأحزاب برئاسة مصطفى باشا النحاس، وكان على الوزارة أن تعيد الحياة النيابية، فأجرت الانتخابات فى حرية لم يسبق لها مثيل، ثم كان هذا الحادث الذى مات فيه الملك فؤاد، وتولى فاروق عرش البلاد.

ولما كان الملك فؤاد لم يبلغ سن الرشد بعد، فقد أقيم مجلس الوصاية المؤلف من صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي، وشريف باشا صبري، وعزيز باشا عزت، وقد كان الرأى العام يخشى كل الخشية أن يكون نسيم باشا واحد من هؤلاء الأوصياء، لما كان معروفا ومشهورا من انه واحد منهم بناء على طلب الانجليز بالذات، ولكن عندما فتحت وصية جلالة الملك تبين أن اسمه قد استبعد فى اللحظة الأخيرة، فتنفست الصعداء.

لم يكد على باشا ماهر يفرغ من توطيد أركان الدولة، حتى كان عليه بحكم الدستور ان يفسح الطريق لوزارة الأغلبية التى أسفرت عنها الانتخابات. ولم تكن هذه الوزارة سوى وزارة الوفد التى جاءت إلى الحكم بأغلبية كبيرة.

ورحبت مصر الفتاة بانتصار الحياة النيابية على صفحات جرائدها فيما يؤكدان مصر الفتاة لم تكن تتجنى على الوفد فى يوم من الأيام، وأنها على الرغم من الخصومة الشديدة التى وجهها الوفد لمصر الفتاة، فقد سعت دائما للتعاون معه فيما يعود على البلاد بالاستقلال والنفع وعلى الشعب بالحرية والرفاهية والفائدة، ولم تكن معارضة الوفد وغيره من الأحزاب إلا من اجل الحق والإنصاف والحرية.

رحـــلة فى الصـــعيد

ســيرا على الأقـــدام

كانت رحلة الصعيد سيرا على الأقدام فى مايو 1936 لنشر دعوة مصر الفتاة بين أبناء الشعب المصري وجماهير الفلاحين بشكل خاص إحدى المعارك المشهودة فى تلك الفترة، ويقول عنها أحمد حسين:

((فكرت فى القيام برحلة ابتدئ فيها من الشلال صوب القاهرة، مخترقا صعيد مصر كله سيرا على الأقدام، أى ما يقارب ألف كيلو متر. وكان هدفي من هذه الرحلة أن أجوس خلال الوطن المصري بلدة بلدة ، وقرية قرية، وشبرا وشبرا، ولا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق السير على الأقدام. فرأيت أن أقدم على هذا الأسلوب لما فيه من دعاية لصلابة عودنا وقوة مراسنا، ولما فيه من تعويد للشبان على الاستسهال كل صعب، والصبر على كل مشقة. فليس كالسير على الأقدام ما يغرس فى الإنسان عديدا من الفضائل، على رأسها فضيلة الصبر. ولقد تحمس للفكرة معى بضعة نفر من أعضاء مصر الفتاة، قرروا أن يزاملوني فى رحلتي، وان يشتركوا معي فى هذه الغزوة السلمية لصعيد مصر.

ونشرت فى مصر الفتاة ووزعت على جميع الصحف بيانا جاء فيه:

(( أسافر فى مساء الخميس 28 فى تمام الساعة الثامنة إلى الشلال مصطحبا معي عشرة من مجاهدي الجمعية القدماء. ومن الشلال سوف نقصد القاهرة سيرا على الأقدام متنقلين من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى قرية، متحدثين إلى الفلاحين جماعات وأفرادا. وليست هذه الرحلة إلا تنفيذا لعهد قطعته على نفسي أن أحيا كما يحيا الفلاحون، وأن آكل كما يأكلون وأن اشرب مما يشربون، وان أتحمل شظف العيش الذين يتحملون. فقد طالما أهملنا الفلاح وهو سر الحياة فى مصر، وسر مجدها. فلقد جعلنا من الفروق والحواجز بين رجل السياسة والفلاح سدودا وأى سدود. ومصر الفتاة التى لها سياسة جديدة وروح جديدة تقدم دليلا على صدق كفاحها، فتختار فصل الصيف للقيام بهذه الرحلة الشاقة، التى نسأل الله أن يوفقنا لإتمامها. واخترنا أن تكون رحلتنا مظهرا من مظاهر الكفاح الروحي والنفسي، فنصبر على الشدة ونسير على الأقدام، باحثين عن روح مصر الحقيقية بين ثنايا الريف، روح مصر الخالدة التى صارعت الزمن وبهرت الدنيا وأشرقت على العالمين)).

وحاولت السلطات منع الرحلة ولكن جنود مصر الفتاة لم يستجيبوا للتهديدات، فكانت محاولات إفشالها عن طريق المضايقات والتضييق والاضطهاد.

وفى ذلك البيان إشارات سريعة وموجزة لبعض ما لقيته بعثة مصر الفتاة من أحداث، فى تلك الفترة من تاريخها.

جمعية مصر الفتاة

تطلب حماية الدستور لبعثتها فى الصعيد

بيان إلى الأمة مصدر السلطات

1-أعلن رئيس جمعية مصر الفتاة، انه وعشرة من مجاهدي مصر الفتاة، سيقومون برحلة من الشلال إلى القاهرة سيرا على الأقدام، للاتصال المباشر بالفلاح فى كوخه وقريته، والتعرف على آلامه وآماله، وحدد للسفر من القاهرة مساء يوم 28 من مايو سنة 1936.

2-وقبل الميعاد المحدد، وفد على دار الجمعية ضابط مباحث قسم الموسكى، وطلب من رئيسها باسم الحكومة الإقلاع عن الرحلة، أو على الأقل عدم ارتداء القميص الأخضر فى أثنائها.

3-وكان حتما أن يقابل ذلك الطلب الغريب بالرفض، ثم كان اتصال رئيس الجمعية بكبار موظفي وزارة الداخلية، الذى تمسك بعده كل فريق برأيه.

4-ولكن البعثة سافرت فى الميعاد المحدد، وبقمصانها الخضراء، ولم يعترضها عندئذ معترض.

5-ويظهر أن الأمور بيتت على أن تبتدئ مشاق البعثة، والاعتداءات عليها، عند وصولها إلى بداية الرحلة. حيث يمكن ارتكاب كل شىء وحيث يعز الدليل ويسهل الإنكار.

6-فما أن وصلت البعثة إلى الشلال حتى تلقفها البوليس، وحاصر خيامها، ومنعها من الاتصال بالناس، ومنع الناس من الاتصال بها، وكان من أثر ذلك أن أعيد إلى أسوان خمسة من شباب أسوان، تسللوا إلى البعثة خفية من البوليس، وفى غسق الليل، وعن طريق النيل، وبعد سفرة دامت خمس ساعات، أعاد البوليس إلى أسوان هؤلاء الشبان الخمسة بعد اكتشاف أمرهم. وكان من اثر ذلك أيضا أن ضرب ضابط البوليس احد أعضاء شعبة مصر الفتاة بأسوان المجاهد سامي جورجي بالسوط على وجهه فأدماه، لأنه حاول الاتصال بالبعثة، ومدها بالمؤونة.

7-ثم طلب مدير أسوان من البعثة، أن تلبس أقمصة (كاكية) تفضل بها متبرعا، وجعل هذا شرطا لاستمرار البعثة فى رحلتها، قائلا أن تلك إرادة الحكومة.

وشاء خمسة من أعضاء البعثة، أن يتعرفوا مدى ما تريده الحكومة فتظاهروا بقبول رغبة المدير، وتطوعوا للتضحية الغالية فخلعوا شعارهم الأخضر المقدس رمز مصر وأملها، ولبسوا قميص الحكومة الكاكي ثم سافروا إلى أسوان. ولشد ما دهشوا عندما أحاط بهم البوليس بمجرد وصولهم، وشحنهم فى عربة من عرباته وأعادهم تحت الحفظ إلى الشلال، حيث أودعوا من جديد خيام البعثة.

8-ولما كان الحد من حريات أعضاء البعثة، واستعمال القسوة مع أفرادها، ومع الآهلين، لما كان فى هذا أو ذاك جرائم يعاقب عليها القانون العام، فقد ابرق بها المركز العام للجمعية فى مصر إلى النائب العام، كما ابرق بها رئيس البعثة إلى النائب بنيابة أسوان، وكلاهما يطلب من حماة القانون حماية القانون.

9-وفى نفس الوقت، كانت الحكومة قد بيتت إجراء أشد عنفا، وأبلغ فى الجرأة والاعتداء على الحريات العامة والاستهتار بها، إذ أبلغت سلطاتها بأسوان أنها أى الحكومة اعتزمت إعادة البعثة بالقوة إلى مصر فى قطار الخامسة والنصف مساء. وكان رد البعثة مطابقا لتقاليد جمعيتنا فى أن تلك إرادة الحكومة، ولكن إرادة البعثة هى أن تبقى وان تقوم برحلتها وأنه لا يوجد فوق الأرض قوة تستطيع منعها وإذا أرادت أى قوة ذلك المنع فدون ذلك إرادة الأعضاء، وتقاليد جمعيتهم، وهى الدفاع عن حرياتهم وحريات المصريين فى أشخاصهم، بكل ما أوتوا من يقين وكرامة ووطنية ثم ليكن ما يكون.

10-وأمام ذلك اليقين القوى، وتلك الكرامة الوطنية، تراجعت الحكومة عن عزمها فى ((شحن)) البعثة بالقوة إلى مصر، ثم رأت أن تهجم على إرادة أعضائها عن طريق آخر، هو طريق منع القوت والمؤونة، الأمر الذى اضطر رئيس البعثة إلى أن يوجهه إلى مدير أسوان خطابا يسجل فيه تلك((الوحشية)) كما اسماها، ويعلن فيه عزمه وصحبه، أن يقابلوا الحكومة فى نصف الطريق الذى تريد، بأن يخففوا عنها بعض العبء، فيضربوا باختيارهم عن الطعام.

11-وكان المركز العام للجمعية يوالى الصحف بتلك الأنباء حال ورودها عليه من سكرتيرية البعثة أو رئاستها، فكانت الصحف تتحاشى نشر تفاصيلها لغرابتها. حتى علمت الصحف بان بعض الوقائع ابلغ إلى النائب العام والى رئيس مجلس النواب فتيقنت أن الأمر جد لا هزل فيه، ولا مبالغة. وأنها أمام أمور واقعة، وان كانت شاذة فلا غرابتها، فتوسع بعضها فى النشر، وكتب البعض الآخر معلقا مستنكرا وكان من جراء ذلك أن تقدم نائب محترم هو سعادة هارون سليم أبو سحلي باشا نائب فرشوط ليستجوب الحكومة عنها.. فطلبت الحكومة أسبوعين للرد على الاستجواب، وينتهى الأجل الذى ضربته فى يوم الاثنين 22 يونيو، وإنا لجد شغوفون بأن نسمع ما تقول، وعسانا لا نسمع شيئا من تلك الردود التى كانت تذاع فى ((العهد البائد))، أو العهود البغيضة، عندما كان رجال الحكومة الحاضرة فى مثل موقفنا.

12-وكان لابد مما ليس منه بد، كان لابد للموقف من تغطية، وكان لابد وان تكون تلك التغطية بالسماح للبعثة فى متابعة رحلتها، فسمح لها، ولكن فى كنف البوليس وفى حراسته، إذ تتلقفها أفراده وجماعاته على طول الطريق، يمنعونها عن الناس، ويمنعون الناس عنها فصورا ينجح البوليس وتارة لا ينجح. حتى قطعت البعثة، وفى هذا الحر المضنى، نحو 50 كيلو مترا وصلت بعدها إلى دراو، حيث كانت تنتظر أن يكون حامل خيامها قد ضربها فى مكان مريح تستطيع البعثة أن تجدد فيه نشاطها، ولكنه ضربها بأمر البوليس داخل ((قشلاق)) قديم متهدم بعيد عن العمران وفى جوف الجبل.

13-واهتزت أسلاك البرق بالاحتجاج إلى مختلف المصادر الحكومية،ولكن بدون جدوى. فاضطرت البعثة دون أن تأخذ قسطها الكافى من الراحة، أن تتابع سيرها إلى كوم امبو، ثم إلى ادفو، حيث أشرفت عليها اليوم الجمعة 12 يونيو. وهناك علمت ان حامل خيامها وكان قد سبقها بطريق القطار قد اعترضه حكمدار البوليس نفسه بمحطة ادفو، ولم يسمح له بالنزول إلى البلدة. وقد كان فيها من أهلها من ينتظر مقدمه ليستضيفه ويستضيف البعثة. وتركه حكمدار البوليس هكذا محجوزا دون أن يمده بالطعام او ما يسد رمقه، وقد تصادف أن كان خالي الوفاض إذ لم يعمل حسابا لتلك المعاملة الشاذة، فاضطر الرسول أن يستنجد تلغرافيا بالمركز العام بمصر طالبا إمداده بنقود ليأكل.

ومنعت البعثة هى الأخرى من دخول ادفو، كما منعت من تأدية صلاة الجمعة بأحد مساجدها، فاللهم أغفر لآخى.. انه مأمور!

14-ومضى يوم السبت13 يونيو، ونصف الأحد، ولم ترد على المركز العام أخبار من البعثة، وقد تركناها خارج ادفو، بأمر البوليس، فقلقت عليها الخواطر وأرسل المركز يستفهم تلغرافيا من ادفو، فردت إليه برقيته، ومعها ما يفيد بأنها لم تسلم لان البعثة سافرت شمالا.

وبعد ذلك بقليل ورد من رئيسها البرقية الآتية:

((أصبحت حالة البوليس لا تطاق، قابلوا رئيس الوزارة، الحالة حرجة)).

((أحمد حسين))

ونحن نختم بهذه البرقية بياننا الأول إلى الأمة مصدر السلطات، وهى غنية بما فيها من كل تعليق ولا شك أننا سنسمع قريبا جدا، صوت الرأى العام مدويا بالاحتجاج على من اعتدوا على الحريات التى كفلها الدستور، وضمنتها قوانين الدولة.

15-وجمعية مصر الفتاة لا تشكو ولا تململ، فليست الشكوى أو التململ فى برنامجها وإنها- وهى الدستورية الصميمة، وهى التى كانت فى مقدمة مهنئي دولة رئيس حزب الأغلبية بعودة الدستور- تريد لمصر حياة دستورية سليمة.وليس من سلامة الحياة الدستورية فى شىء امتهان الحريات العامة، والاستهتار بها، ومعارضة مصرى ووضع العراقيل فى طريقه كلما أراد التنقل داخل بلاده، والدستور صريح فى أن حرية الانتقال مكفولة.

16-وجمعية مصر الفتاة، ومركزها العام ومجلس جهادها، وشعبها، وجنودها، وأنصارها، فى كافة أنحاء القطر المصرى، ترى من الوفاء عليها لرئيسها، ومن معه من المجاهدين أن لا تختم بيانها هذا قبل أن تعلن مشاركتها لهم فى كل ما يقولون ويفعلون ويتحملون فى سبيل الله والوطن والملك. والله اكبر والمجد لمصر)).

ذلك هو بيان مصر الفتاة الذى أذاعه المركز العام فى ذلك الوقت وهو لا يعطى سوى فكرة ضئيلة عن هذه الملحمة بين بعثة مصر الفتاة وحكومة الوفد.

ويعلق أحمد حسين على الرحلة قائلا:

((هل يتصور القارئ أننا اضطررنا فى بعض المراحل إلى أن نقطع خمسين كيلو مترا فى نهار واحد؟ بل هل يتصور القارئ أننا قطعنا فى شوط واحد المسافة بين إسنا والأقصر، وهى تربو على السبعين كيلو مترا. لآن البوليس كان يحول بيننا وبين أن نميل شرقا أو غربا، أو نرجع القهقرى، فلم يكن أمامنا إلا أن نسير نحو الأمام، ونحو الأمام دائما…

ولقد تورمت قدماى فى نهاية الأمر، وعطبتا وكان ذلك اشد ما يؤلمني فى هذه الفترة، ولكننى صممت بالرغم من ذلك كله أن أمضى فى رحلتى بالرغم من كل شىء… وحسبي الآن أن اذكر أسماء بعض هذه البلاد التى اجتزناها فى رحلتنا وهى: الشلال- أسوان- دروا- الجعافرة- دار السلام- جبل السلسلة- الكاجوج- سلوى الرديسية- ادفو- السباعية- الترعة- إسنا- العديسات- المطاعنة- الشعب- ارمنت- نجع الجسور- البياضية- الأقصر- خزام- السنهورية- قوص- الأشراف- قنا- المخادمة- دشنا- فاو.

… وكان لابد لهذا المجهود الذى بذلناه وهذا الضغط الذى احتملناه أن يؤتى ثماره فى الرأى العام… فكانت القنبلة وكان الانفجار المدوي الذى اهتزت له البلاد والذى تمثل فى اتهام مصر الفتاة بالخيانة العظمى!

اتهام مصر الفتاة بالخيانة العظمى

تعرضت رحلة مصر الفتاة فى الصعيد إلى بطش بوليسي شديد كما أوردنا فيما سبق، وهو الأمر الذى دفع نائب فرشوط هارون سليم أبو سحلي لى التقدم باستجواب للحكومة بهذا الصدد، فجاءت المفاجئة فى رد النحاس رئيس الحكومة فى ذلك الوقت حين قال:

((ثبت لدى وزارة الداخلية أن جمعية مصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية ضد مصلحة البلاد(ضجة) ولذلك قررت الوزارة حرصا على مصلحة الدولة أن تمنع تجوال أعضاء هذه الجمعية فى القرى بزى خاص. وقد بذلت لرئيس الجمعية النصيحة الودية بالعدول عن السفر إلى الصعيد فلم يستمع لهذه النصيحة، وسافر هو ومن معه إلى أسون ولم يتعرض لهم أحمد، ولكن اتخذت الإجراءات للحيلولة بينهم وبين التجوال فى القرى بزى خاص والاتصال بالأهالي وذلك للسبب الذى بيناه.

((وليس صحيحا ما ذكر فى الاستجواب من إصدار الأوامر بضرب الزائرين لخيام الجمعية. وقد ادعى احد الأشخاص فى أسوان أن البوليس ضربه عندما كان يريد الاتصال بأعضاء الجمعية فى خيامهم وحققت النيابة هذه الشكوى فثبت عدم صحتها وحفظها النائب العام إداريا.

(( أما عن القمصان الكاكى فإن مدير أسوان اخبر أعضاء الجمعية بعدم موافقته على تجوالهم بالقمصان الخضراء، فادعوا عدم وجود لباس آخر معهم فأعطاهم قمصانا من الكاكى فلبسوها.. ولكن لما اتصل بعملنا ذلك أصدرنا إليه أمرنا بمنعهم من التجول فى الزى الكاكى أيضا.

((هذا ولم تعرض الحكومة لجمعية مصر الفتاة فى المدن الكبرى، بل تركت أفرادها أحرارا يلبسون ما يشاءون فى حدود القانون.

((وسبق لهذه الجمعية أن طلبت عقد اجتماع عام بمدينة الفيوم فى شهر ابريل سنة 1936 وصرحت وزارة الداخلية بعقد هذا الاجتماع على غير رأى مدير المديرية، فتسبب عن هذا التصريح تجمهر كاد يؤدى إلى إخلال خطير بالأمن العام، واضطر البوليس إلى إطلاق النار، والمحافظة على أعضاء الجمعية، إلى أن رحلوا من المدينة فى فجر اليوم التالى عائدين إلى القاهرة.

((كما انه قد وصلت إلى وزارة الداخلية أخيرا تقارير من حضرتي مديري أسوان وقنا تفيد بعدم ارتياح الأهالى لوجود هذه الجماعة بين ظهرانيهم، وممن امضوا هذه التقارير حضرة نائب إسنا المحترم.

((و أن هذه الجماعة التى تنطوى أغراضها وعلاقاتها على ما يضر بمصلحة الدولة الكبرى لا يصح مقارنتها بجماعة الشبان الذين يلبسون القمصان الزرقاء والذين تقوم مبادئهم على احترام النظام والقانون والعمل لخير البلاد وينتمون إلى هيئة سياسية مسئولة)) (تصفيق). ألقى دولة النحاس باشا رده، ولم يكد يغادر المنبر بعد إلقائه حتى هبت العاصفة، ولم تلبث أن تحولت خارج البرلمان إلى عاصفة جائحة.

ذهل أعضاء مجلس النواب لهذه الإجابة، فحلق على رءوسهم الطير، ومرت لحظات قبل أن يستردوا أنفاسهم. ثم بدا رد الفعل، لما قال رئيس الوزراء، يتجلى.

طالب الأستاذ فكرى أباظة بوجوب جعل الجلسة سرية لمناقشة هذا الاتهام الخطير، ولكى يتمكن رئيس الحكومة من تقديم ما لديه من أدلة الاتهام، ولكن رئيس الحكومة رفض أن يجعل الجلسة سرية، وقرر أنه لن يقدم للبرلمان أى دليل، فالمسألة تتعلق بسلامة الدولة وأسرارها العليا، التى لا يمكن البوح بها، وعلى المجلس أن يثق بالحكومة بدون مناقشة، لان الحكومة لم تصرح بما صرحت به إلا بعد التثبت والتحقيق.

ولكن المجلس لم يرض بذلك، ولم يسكت عليه، فاندفع الأعضاء من هنا وهناك يناقشون رئيس الحكومة، ويحرجونه، ويطالبونه بالدليل، وكان ممن تكلموا فى هذا اليوم، فأحسنوا الكلام دفاعا عن مصر الفتاة، سعادة عبد المجيد إبراهيم صالح باشا، فقد راح يناقش إجابة رئيس الحكومة ويظهر ما انطوت عليه من تناقض، وضعف يدل على عدم صحة الاتهام، فكيف يثبت لدى وزارة الداخلية ما ثبت لها من اتصال هذه الجماعة بدولة أجنبية، ثم تسمح لهم بالتجول وبنشر الدعاية فى المدن دون الريف. فى الوقت الذى كان يجب أن تضرب على أيديهم ضربا يحول بينهم وبين أى عبث بمصالح البلاد فى المدن قبل الريف.

وكيف تسكت الحكومة عن تقديم أمثال هؤلاء الخونة إلى المحاكمة، ليدافعوا عن أنفسهم فتثبت براءتهم أو يحكم عليهم فينالوا جزاء ما كسبت أيديهم.

وبدأ رئيس الحكومة يرى جو المجلس النيابي مكفهرا، وبدأ يشعر بموقفه الضعيف، وان اتهامه لم يلق هوى فى نفوس النواب، بل على العكس قد احدث رد فعل جعل الجماعة لديهم محل عطف وتقدير.

فأسرع رئيس الحكومة إلى استخدام سلاحه الأخير، وهو أن يهيب بالنواب أن يثقوا به وان يكفوا عن كل مناقشة، ووضع شخصيته وكرامته فى الموضوع.

ولما كانت أغلبية المجلس الساحقة من الوفديين، فقد اقفل باب المناقشة وتقرر الانتقال إلى جدول الأعمال.

ولكن المناقشة التى أقفلت فى مجلس النواب، قد فتحت على مصا ريعها خارج البرلمان. ولم يتحمس لكلام رئيس الحكومة إلا هذا الفريق من الوفديين من لابسي الاقمصة الزرقاء.

أما الصحف الوفدية نفسها، أما نواب الوفد، أما عقلاء الوفد، أما كل صاحب رأى فى الوفد،  فقد أنكر ذلك الموقف كل الإنكار، وإذا كان ذلك هو موقف الوفديين استطعت أن تتصور ماذا كان موقف غير الوفديين من هذا الاتهام.

ولقد كانت خطورة الاتهام بحيث جعلت البلاد تهتز له من أقصاها إلى أدناها، وصدرت الصحف العربية والإفرنجية وليس لها موضوع رئيسى إلا هذا الاتهام، ولم يجد مراسلو الصحف الأجنبية فى مصر ما يبرقون به إلى أربعة أركان المعمورة إلا هذا الاتهام لمصر الفتاة، والمناقشات التى دارت حوله.

فى صفوف مصــر الفتــاة

أما رد الفعل فى صفوف أبناء مصر الفتاة فقد كان رائعا وجليلا، لقد انفجرت حماستهم، وثارت كرامتهم، وغلا الدم فى عروقهم، وأعلنوا عزمهم على الدفاع عن شرفهم وعرضهم بدمائهم..وعلى عكس ما كان يتصور النحاس باشا، من أن هذا الاتهام من شأنه أن يصرف شباب مصر الفتاة عنها، زاد تعلقا واستمساكا بها، بل وعصبية لها، واستعدادا للتضحية فى ظل رئيسها. ففى جميع أنحاء القطر من الإسكندرية حتى أسوان، هرع أعضاء مصر الفتاة إلى النيابة العمومية، يضعون أنفسهم تحت تصرف النيابة للتحقيق معهم، ويعلنون تضامنهم مع رئيسهم، ومجلس جهاد مصر الفتاة، الذى بادر بمجرد إلقاء هذا البيان بالإبراق إلى النائب العام، يضعون أنفسهم تحت تصرفه للتحقيق معهم فيما ادعاه عليهم رئيس مجلس الوزراء، فكان ذلك مظهرا رائعا لتضامن أبناء مصر الفتاة، وقوة إيمانهم وإخلاصهم، فاهتزت لبلاد كلها إعجابا بذلك التضامن العجيب.

ولقد أسرع المركز العام فى القاهرة بإقامة اجتماع فى مسرح برنتانيا ليرد على اتهام رئيس الحكومة، فكان تهافت الرأى العام على حضور هذا الاجتماع لا مثيل له من قبل. بحيث أعيد طبع التذاكر بضع مرات، واحتشد فى مسرح برنتانيا أضعاف أضعاف ما يتسع له حتى خشي عليه الانهيار.

وفى ذلك الحشد وقف سكرتير الجمعية العام ومساعده يخطبان مدافعين عن موقف مصر الفتاة، فاستقبلهما الجمهور بالتصفيق المتواصل بضع دقائق تكريما لهما، وإعلانا للثقة بمصر الفتاة. وكانت موجة من الحماسة لم يسبق للبلاد أن شهدتها فى اجتماع سياسي منذ سنوات وسنوات.

إلا أن ذوى الاقمصة الزرقاء اقتحموا الاجتماع مسلحين بالخناجر حيث دارت معركة رهيبة سقط فيها عديد من الجرحى بين الطرفين، الأمر الذى زاد من تعاطف الرأى العام مع مصر الفتاة.

وكانت رحلة الصعيد وصلت إلى مدينة نجع حمادي ويقول أحمد حسين(( عندما وصلتنا أنباء معركة مسرح برنتانيا، فرأيت أن أسرع بالعودة آلى القاهرة، بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد من الخطورة. كنت قد تعمدت أن أتجاهل تصريح رئيس الحكومة، وان لا اجعل له تأثيرا فى إتمام رحلتى، واكتفيت بان بعثت إلى النائب العام فى مصر برقية أضع فيها نفسى تحت تصرفه للتحقيق معى فى اتهام رئيس الحكومة، وأعطيته مهلة للشروع فى هذا التحقيق، بحيث إذ لم يفعل اعتبر اتهام رئيس الحكومة ضربا من ألوان العبث، ولا يبقى على إلا أن استأنف رحلتى التى بدأتها من الشلال، وقد انقضى الموعد المضروب للنائب العام. ولم يصلنى منه أى رد على برقيتي، فاستأنفت رحلتنا ووصلنا إلى نجع حمادي. وقد أتيح لى فى الأيام القليلة التى مرت بعد إلقاء تصريح الحكومة أن اشهد العطف الشديد الذى أحاطنا به الرأى العام، بما فى ذلك رجال البوليس أنفسهم الذى علا صوتهم باستنكارهم لاتهام رئيس الحكومة، وبدأوا يحسنون معاملتنا قدر استطاعتهم، ثم كانت أنباء معركة برنتانيا، وأنباء هذه الدماء الذى أريقت من أبناء مصر الفتاة، وأنباء هذه الموجة من الاضطهاد الخانق الذى بدأ حول مصر الفتاة فى القاهرة، وهنا لم يسعني إلا أن أقرر العودة لأكون إلى جوار إخواني فى هذه المحنة)).

الدفاع أمام الشيوخ والنواب:

ويستكمل أحمد حسين روايته قائلا:

((كان لابد من دفاع يقال ردا على اتهام رئيس الحكومة، بصورة منظمة، تبلغ أسماع الرأى العام المثقف، فرأينا أن خير طريقة لذلك هو أن ندعو لفيفا من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب، ومندوبي الصحافة المصرية والأجنبية، لكى ألقى فيهم خطابا أدافع فيه عن نفسى وعن حركة مصر الفتاة، فأقمنا لذلك حفلة شاي فى محل((على الدلة)). وأرسلنا بطاقات الدعوة إلى أكثر من مائة من المدعوين الذين اخترناهم من بين الشيوخ والنواب ورجال الصحافة.

ولكن الحكومة لم تسمح بهذا الاجتماع وصادرته، وحال البوليس بين الشيوخ والنواب وبين الدخول إلى مكان الاحتفال، فكان هذا التصرف الجديد من جانب الحكومة، احد التصرفات التى عززت جانب مصر الفتاة وأضعفت جانب الحكومة. فالنحاس باشا قد اتهم ولم يقدم دليلا، فإذا أضيف إلى ذلك محاولته أن يسد علينا الطريق للدفاع عن أنفسنا بأى أسلوب من الأساليب، فقد أصبح ذلك هو الدليل الذى لا ينقص، على أن ما قاله كان لونا من ألوان الحرب الحزبية التى أراد أن يكيد بها لرهط من الشبان الأطهار. ومع ذلك فقد استطعنا أن ننشر الخطبة فى مجلة الصرخة، و أن نطبعها على حدة، ونوزع منها آلاف النسخ. وقد كان ذلك آخر العهد بانتظام جريدة الصرخة، فهى لم تلبث عقب نشر هذا الخطاب أن أصبحت محلا للاضطهاد والمصادرة، عددا بعد عدد دون استثناء، إلى اضطررنا فى نهاية الأمر إلى الكف عن إصدارها جملة، لأن صدورها بات مستحيلا فى ظل المصادرة المتعاقبة)).

رفع دعوى على رئيس الحكومة:

إلا أن مصر الفتاة لم تكتف بالدفاع فانتقلت إلى الهجوم ورفع أحمد حسين دعوى مدنية على رئيس الحكومة تطالبه بتعويض مقداره عشرة آلاف من الجنيهات وكان لرفع هذه الدعوى رنة إعجاب فى جميع أنحاء البلاد فقد أظهرت مدى ما وصلت إليه مصر الفتاة من سيطرة على الموقف بحيث تحولت إلى مهاجمة رئيس الحكومة بعد أن كان هو المهاجم لها(يمكن الرجوع لنص الدعوى فى كتاب إيماني).

وقد ظلت هذه الدعوى تتداول فى الجلسات طوال أيام حكومة النحاس باشا إلى أن سقطت وجاءت وزارة محمد باشا محمود، وفى هذه الأثناء كان اتهام النحاس باشا لم يعد له أى اثر، بل لقد عدل عنه النحاس فيما بعد، وأدرك أن مصر الفتاة فوق كل شبهة وكل ريبة وان رجال القسم المخصوص فى وزارة الداخلية قد غشوه وخدعوه. وقد كان لعدول النحاس باشا عن موقفه من مصر الفتاة اكبر الأثر فى تحسين جو العلاقات بين مصر الفتاة والوفد لفترة من الزمان، حتى نشأت ظروف سياسية جديدة فى بداية الخمسينات. وفى هذا المناخ تنازل أحمد حسين عن الدعوى.

الاعتـــداء على أحمد حســـين فى دمنهــور

تعرض أحمد حسين لاعتداء غوغائي من قبل ذوى الاقمصة الزرقاء فى دمنهور كاد يودى بحياته، فقد ذهب إلى دمنهور للمرافعة فى قضية إغلاق مصر الفتاة فى دمنهور، وبينما هو فى دار المحكمة نظم ذوى الاقمصة الزرقاء مظاهرة تهتف بالموت لأحمد حسين وتطالب برأسه، وحاصرت المظاهرة المحكمة واقتحمت قاعة الجلسة بينما وقفت قوات الشرطة على الحياد! وخرج أحمد حسين بين جموع المتظاهرين ثابت الجنان بصورة جعلتهم لا يتصورون أن هذا هو الشخص الذى يهتفون بموته، حتى وصل إلى السيارة أمام مبنى المحكمة وانطلق بها وعندما تنبه المتظاهرون إلى شخصيته كان الوقت قد فات.

ومن العجيب أن قلاقل ذلك اليوم فى دمنهور قد أسفرت عن مصرع احمد ذوى الاقمصة الزرقاء، واتهم رئيس شعبة مصر الفتاة فى عبد الرحمن أبو الوفا بقتله واتهم معه بعض نفر من أعضاء مصر الفتاة.

كان لهذا الحادث تأثير عميق فى أنحاء البلاد فقد كفت على أثره اعتداءات ذوى الاقمصة الزرقاء ورأت الحكومة أن من واجبها أن تفرض على أتباعها شيئا من الهدوء والنظام غير أنها انتهزت فرصة هذا الحادث لكى تصدر أمرها بإغلاق دور مصر الفتاة فى جميع أنحاء مصر بما فى ذلك المركز العام. وقد حكم القضاء بعد ذلك ببراءة مصر الفتاة من دم هذا القتيل إذ قضى ببراءة عبد الرحمن أبو الوفا. ولم يكن بوسع محكمة الجنايات أن تقضى بغير ذلك بعد أن استعرضت حوادث دمنهور الغريبة وما سادها من فوضى وروح إجرامية، وصلت إلى حد اقتحام مجلس القضاء ومحاصرة دار الحكومة لقتل أحمد حسين تحت سمع الحكومة وبصرها.

مصر الفتاة تحارب معاهدة 1936

لم تكد نصوص معاهدة 1936 تعلن وتذاع حتى هبت مصر الفتاة لمحاربتها، وعمل كل ما من شأنه أن يحول دون تصديق البرلمان المصري عليها، وقد جاء توقيع المفاوضين المصريين على هذه المعاهدة بمثابة مهماز شحذ قوى مصر الفتاة من جديد، وبعث فيها كل نشاطها وكل حيويتها وكل عنادها وقدرتها على الكفاح والجهاد.

وألقى أحمد حسين خطابا فى دار جمعية الشبان المسلمين حوي موقف مصر الفتاة من المعاهدة وحلل فيه بعض نصوص المعاهدة واظهر مواضع الخطر فيها على حرية مصر واستقلالها ومستقبلها مما حققته الحوادث وأظهرته الأيام وجاء فى الخطاب:

أعلنت المعاهدة التى طال انتظار الأمة لها فماذا رأينا أيها السادة؟ رأينا عجبا وغما. ثم سمعنا ما أفزعنا وملأنا رعبا. رأينا معاهدة تفرض على مصر احتلالا، وتسلب مصر حقوقا مشروعة كانت لها دائما أبدا، ورأينا هؤلاء الذين نادوا دائما بالاستقلال التام لمصر والسودان يقبلون ما هو اقل من الاستقلال الذاتى لمص، الذى عرض علينا منذ عشرين عاما فرفضناه بإباء. ورأيناهم يرضون بأن يصبح السودان مستعمرة انجليزية. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما كان هناك محل للفزع الخوف. ولكننا فزعنا عندما رأينا بأن هذا الاحتلال يراد فرضه على مصر باسم الاستقلال والشرف. امتلأنا فزعا عندما رأينا أن كل من يشير إلى هذه المعاهدة بنقص يصبح خائنا، وان كل من يذكر الأمة بجهادها الصحيح يصبح مارقا، وان كل من يذكر السودان أو الجلاء يصبح زنديقا طريدا.

فمصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية، والحزب الوطنى لحساب دولة أجنبية، وكل معارض فى مصر هو معارض مأجور ولحساب دولة أجنبية.

هذا هو ما أفزعنا وملانا خوفا على هذه الأمة، وما يدبر لها ويحاك من خلف الستار. فان الرضا بالذل شر من الذل نفسه، والرضا بالعبودية أشنع من العبودية نفسها. ولا عيب فى أن يتغلب قوى على ضعيف فيستعبده، ولكن العيب كل العيب أن يرضى الضعيف بذلك وان يعتاده. فما بالكم إذا تعدى الرضا إلى التحبيذ، وإذا انقلب التحبيذ إلى تمجيد. فأقيمت مهرجانات وزينات ودقت طبول إيذانا بالعهد الجديد. والعهد الجديد فيه ما فيه من تحطيم لسيادتنا وإهدار لكرامتنا.

قبــول وقبــول

كنت أفهم أيها السادة من الناحية النظرية كما قال لى أحد النواب أن يقبل فريق من المصريين هذه المعاهدة، وهم كارهون مضطرون، يقبلونها وهم يبكون بمقدار ما تمس كرامتهم وبمقدار ما تهدم من سيادتهم.إننى افهم أن يقف بعض النواب فيقولون أننا نقبل هذه المعاهدة على ما فيها من عيوب وما فيها من عدوان وسنعمل على تعديلها مما يصون استقلال مصر وكرامتها ويحقق آمالها بعد عام واحد أو عامين. اجل كنت افهم هذا الوضع وأستسيغه إلى حد ما، ولكن الذى لا افهمه واراه مخيفا ومفزعا أن يحرص الناس على تمجدي المعاهدة وهى تفرض عليهم الذل والعار، وان تحشد الألوف للهتاف والتصفيق، وان تشحن قطارات السكة الحديد من كل صنف من الناس و أن تقام أقواس النصر وتكلل الهمات بالغار و أن تحارب المعارضة لأنها تنادى بمجد مصر، واستقلال ممصر وحريتها.

لا..لا أيها السادة هذه هى الجريمة بعينها وهذا هو ما أعلن من فوق هذا المنبر بقوة وعزم أننى سأحاربه، وسأحاربه بكل ما أوتيت من قوة ولن يقعدني وعد ولا وعيد ولن يؤخرني سجن أو تشريد.

المعاهدة ومشروعية الاحتلال

هذه المعاهدة المعروضة على مصر معاهدة باطلة لا تساوى الحبر والورق الذى كتبت عليه، على رأى بعض الأساتذة المحترمين الذين رأوا فيها استغلالا لا شك فيه.

هذه المعاهدة باطلة، وهى نكبة النكبات على مصر لذا حاول المحاولون أن يظهروها فى مظهر الاستقلال، وواجب كل مصرى بل واجب كل شاب بصفة خاصة أن يحول دون وقوع هذه الكارثة. فإذا قبلها البرلمان فقد أصبح واجبنا وواجب هذه الأمة أن لا نعترف بمشروعيتها و أن نعمل على تمزيقها بأسرع ما نستطيع لأنها ما بقيت قائمة فلن تقوى مصر على أن تخطو خطوة واحدة نحو الأمام. بل سوف ترون أن مصر ستتدهور إلى الحضيض فى ظل هذه المعاهدة لأنها جعلت مركز مصر أسوأ بمراحل مما كانت عليه.

فقد دخلت انجلترا مصر فى 1882. ودخلت بخدعة ودسيسة، فلم قيل لها أن دخولك إلى مصر هو اغتصاب وهو عمل غير مشروع قالت إنى لا احتل مصر وليس فى نيتي أن احتلها، ولكنى دخلت لحماية العرش ولتوطيد الأمن، وسأخرج منها حالما تنتهى هذه المهمة. فلما انتهت المهمة وأصبح العرش موطدا أكثر مما كان مقررا له لم يخرج الانجليز وظلوا يحتلون ارض مصر غصبا وعدوانا.

فلما ذكروا بوعودهم قالوا: بلى.. بلى.. نحن لا نريد أن نحتل مصر وسوف نجلوا عن ارض مصر، ولكننا فقط نريد أن نحمى أصحاب الجلاليب الزرقاء من عسف الباشاوات. فلما ثار فى وجهها الفلاحون بمناسبة حادثة دنشواي، وسخر الفلاحون من دعوتها حمايتهم وقيل لها اخرجي فإنهم لا يريدونك واصلت انجلترا عدوانها واغتصابها مدعية فى هذه المرة أنها إنما تحمى الأقليات. فلما ثارت مصر فى سنة 1919 وقد اتحدت كل عناصرها وقف جميع المصريين صفا واحد يناوئونها ويدافعون عن كرامة وطنهم،

قال انجلترا: إننا فى مصر لأنها لازمة لنا ويجب أن نبقى فيها إلى الأبد. وهكذا انكشف الستار عن نواياها وتجردت من كل ثيابها وظهر للعالم اغتصابها كريها فظيعا، بينما تجلت إرادة الأمة فى أن تعيش حرة سيدة، فأصبح لا مناص للانجليز من أن يعودوا لستر موقفهم وتبرير وجودهم فى مصر. وأى مبرر اجل من أن يظلوا محتلين مصر باسم الصداقة والتحالف. وإذن فلتدفع مصر إلى التحالف مع انجلترا دفعا. ولتجبر على قبول معاهدة تخول للانجليز حق احتلال مصر إلى الأبد، فيصبح بقاؤهم فى مصر شرعيا ويعود إخراجهم من مصر من رابع المستحيلات، فلن توجد قوة فى العالم بعد ذلك تستطيع إجلاءهم من مصر إلا بعد تحطم الإمبراطورية الانجليزية أولا.

وفى ظل التحالف والصداقة يستطيعون أن يجندوا مصر بسكانها وأموالها، لخدمة الإمبراطورية الانجليزية.

هذا هو المثل الأعلى للسياسة الانجليزية كما استقر بعد ثلاثين سنة من الاحتلال عندما رسمها لهم اللورد ملنر فى تقريره المشهور. وإذن فقد أصبحت بغية الانجليز أن يحصلوا من مصر على معاهدة تجعل احتلالهم مشروعا وتطلق أيديهم فى مصر إذا قامت الحرب إبان الأزمات الدولية، ولكن من أنى لهم هذا الرجل الذى يقبل مثل هذه المعاهدة؟ من أنى لهم بالرجل الذى يعتدى على بلاده هذا العدوان فيفرط فى حقوقها ويسلمها للانجليز.؟ إن رجال الحزب الوطنى وهم الذين خلقوا الوطنية فى مصر خلقا قد رفضوا دائما أن يتحدثوا مع الانجليز قبل الجلاء المطلق. وإذن فلا مناص من تحطيم هذا الحزب لأنه خطر على سياسة الانجليز المقبلة أى خطر، وبهذا أشار اللورد ملنر فى تقريره أيضا.

أما سعد زغلول ذلك الرجل الذى كان يعتبر بالنسبة للحزب الوطنى معتدلا فهو لا يرضى بدوره بأقل من الجلاء، وإذن فلينف وليشرد حتى تلين قناته، وليشجع الأحرار الدستوريون لأنهم فى ظن الانجليز أكثر اعتدالا ومرونة. ولكن الأحرار الدستوريون لم يكونوا اقل من غيرهم تمسكا بحقوق بلادهم فى الاستقلال التام الكامل فرفضوا أن يسلموا بما خيل للانجليز أنهم سيسلمون به، وقطع عدلي باشا المفاوضات وعاد إلى مصر رافع الرأس لأنه لم يرض بالتسليم للانجليز والتفريط فى حقوق البلاد فعل ذلك وهو الموصوف بالاعتدال وهو الذى ضرب بالطماطم والبيض عند عودته لما عزاه الناس إليه من التفريط والتهاون.

وهنا لم ير الانجليز مناصا من أن تجرب أسلوبا جديدا، فأعادت سعد زغلول من المنفى، ورفعته إلى الحكم، ودعته للمفاوضة ظنا منها أن الحكم سيلين قناته.. فلما أصبح رئيسا للوزارة دعته إلى لندرا(لندن) وعرضت عليه ما تريده من مصر، وهو اقل بمراحل مما حصلت عليه فى معاهدة آخر الزمن! فقد كان كل ما تصبو إليه انجلترا هو أن تخضع بعض الجنود البريطانية فى رق القنال، على أن تقدم لنا كل ما نطلبه من الضمانات والتعهدات حتى نأمن تدخل هذه القوة فى شئوننا، فرفض سعد زغلول-بإباء وشمم، وقال قولته المشهورة:((دعونا للانتحار فأبينا أن ننتحر)) ثم شرح مطالب الانجليز وموقفه منها فى خطابه الذى ألقاه عقب عودته والذى قال فيه:

((إنهم طالبونا أن تكون لهم قوة عسكرية على ارض مصر على شرط ألا تتدخل فى شئوننا، ولنا الحرية التامة فى أن نشترط ما نشاء من الشروط، ونطلب ما نريد من الضمانات لئلا تتمكن هذه القوة من التدخل فى شئوننا، فرفضنا رفضا باتا، لانا نعلم أن وجود عسكرى واحد على الأرض المصرية مخل بالاستقلال. رفضنا ذلك وما أظن أن رفضي هذا عمل من الأعمال الجليلة، لان الرجل لا يعتبر فاضلا ولا ذا عمل جليل بمجرد كونه امتنع عن خيانة وطنه)).

الفرق بين الأمس واليوم

هذا هو كلام سعد، بل هو كلام كل مصرى، بل هو كلام أى وطنى فى الدنيا بأسرها، فهل فيه خفاء وهل فيه غموض؟؟ وهل يعوزنا بعد ذلك أن نناقش و أن نحاجج كيما نقول بأعلى صوتنا أن معاهدة 1936 هى كارثة وطنية وجريمة لا تغتفر..

يقول سعد، بل يقول كل مصرى؟؟ أن بقاء جندى واحد يهدم الاستقلال، فماذا تقولون فى معاهدة آخر الزمن أن تجعل الجندى الواحد عشرة آلاف والتى تجعل من مصر مطارا للطائرات البريطانية، والتى تتطلب من مصر أن تبنى لها ثكنات أشبه بالقلاع وان تخط مدينة كاملة لتكون رمزا للعبودية والاستعمار.

ماذا تقولون فى معاهدة آخر الزمن التى تحتم علينا أن نفتح لها طرقا

ماذا تقولون فى معاهدة آخر الزمن التى تطلب منا أن نصرف على الاحتلال وان ندفع تكاليف، وان تخرب ماليتنا من اجل سواد عيونه؟

ماذا تقولون فى معاهدة آخر الزمن التى تحتم علينا أن نفتح لها طرقا أزمة دولية أن تحتل مصر من أقصاها إلى أقصاها؟ وان تستخدم مواصلاتها وأرضها وجوها؟ وان تستغل كل مواردها وان تفرض على الحكومة المصرية أن تعلن الأحكام العرفية؟ وتفرض الرقابة على الصحف والرسائل؟ أى أنه يكفى أن تقوم أزمة فى الشرق البعيد بين روسيا واليابان لنرى جحافل الانجليز تسد علينا نور الشمس؟ وتسلب منا القوت والهواء باسم الصداقة والتحالف.

وإذا كان سعد زغلول قد قال إبقاء قوة فى شرق القنال لأجل محدود انه انتحار، فماذا كان يمكن أن يسمى هذا البلاء الذى قبله المفاوضون المصريون اليوم. إذا كان الانجليز يجرؤون على عرض مثل هذه المقترحات عليه؟.

وإذا كان سعد زغلول، ومن خلفه الأمة، فقد رفضت- لانتحار فى سنة 1919 وفى سنة 1924، فما الذى جعله تقبله بعد ذلك؟

هل تدهورنا إلى الخلف فأصبحنا كالعبيد كلما امتد بنا الزمن رخصت قيمتنا!؟ أم هل عقمت أرحام النساء فلم تعد تنجب رجالا؟ أم هل أصيبت العقول بجنة ومرض؟؟

ما الذى حل بنا؟ وما الذى أصابنا فاقبلنا على الانتحار راضين مغتبطين.. مهللين مكبرين؟!

لا والله أيها السادة، لم نرجع إلى الوراء ولم ننهزم، ولم تتقهقر مصر، ولم تضعف، ولم تتبدل السماء غير السماء، والأرض غير الأرض، ولكن الذى تبدل هم هؤلاء الساسة الذين نكصوا على أعقابهم، فأنهكهم الاضطهاد فسلموا وسئموا طول الطريق…

لم تتبدل الأرض غير الأرض، ولكن الذى تبدل هم هؤلاء الذين كانوا شبانا فأصبحوا شيوخا، وعجزوا عن حمل الأمانة فاستسلموا، ومن خلفهم جيش لم يصبه الوهن أو الكلال.

نجــاح الانجليز

وهكذا نجح الانجليز أخيرا، وكللت مساعيهم بالفوز فان جاز لأحد أن يضع أكاليل الغار على هامته فهم الانجليز و إن جاز أن تقام أقواس النصر ففى لندرا وليس القاهرة. وان كان هناك بطل فى هذه الصفقة فهو السير مايلز لامبسون، الذى أعاد فتح مصر لانجلترا.. ولكنه فى هذه المرة فتح أبدى شرعى يتم وسط التصفيق والتهليل.

لقد كان الانجليز يطمعون فى رجل واحد ليوقع لهم المعاهدة باسم الأمة، فجمع لهم مايلز لامبسون أحزاب الأمة بأسرها ما عدا الحزب الوطنى فى صعيد واحد..جمع لهم صدقى بك مع محمد محمود مع عبد الفتاح يحي مع الشمسي وعفيفي، وعلى رأس هؤلاء بطل الوطنية ورمز الاستقلال النحاس باشا الزعيم الأمين!

هؤلاء جميعا، ومن خلفهم مجلسا نواب وشيوخ، يوقعون على صك العبودية والذل إلى الأبد، فأى نجاح كهذا النجاح؟ وأى فوز كهذا الفوز؟!  لقد فتح ميلز لامبسون كما قلت لكم مصر ثانية من غير تكاليف.. استغفر الله بل تكاليف تدفعها مصر.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟. كيف تدهورنا كل هذا التدهور؟.ابحثوا عن سر ذلك فى هذه السنوات الطويلة التى قضاها هؤلاء السادة بعيدا عن كراسي الحكم.

ثم ابحثوا عن سر ذلك؟. تجدونه السبيل الوحيد لاستدامة الحكم فى المستقبل كما خيل لهؤلاء السادة.

بعض نصوص المعاهدة

ليس فى نيتي أن استعرض معكم نصوص المعاهدة نصا نصا.. و أن نناقش ما فيها فإن هذا يكون امتهانا لوطنيتكم وكرامتكم، هذه الوطنية وتلك الكرامة التى ترى فى وجود جندى أجنبى واحد إهدار لاستقلال مصر. ليس فى نيتي أن أوقر أسماعكم بتفاصيل المخازي التى تملأ هذه المعاهدة ولكنى سأعرض عليكم مثلا من أمثلة الغفلة التى يراد وقوع الأمة فيها.. سأعرض عليكم مثلا من أمثلة التغرير بهذا الشعب المسكين. يقولون لكم أننا جئناكم بمعاهدة أفضل بمراحل من معاهدة 1930. ولست أريد أن استعرض الفروق العديدة بين هذه المعاهدة- معاهدة آخر الزمن- وبين معاهدة سنة 1930، لست أريد أن أطيل الحديث لأبين أن معاهدة 1930، لم يكن بها طرق ولا ثكنات، ولم يكن فيها احتلال الإسكندرية، ولم يكن فيها احتلال جوى كأشنع احتلال يمكن أن يتصوره العقل، فكل هذه تفاصيل تستطيعون الوقوف عليها بمجرد إلقاء نظرة على المعاهدتين ولكن تعالوا أضع أيديكم على نص صغير يختلف فى المعاهدتين، ومع ذلك يترتب عليه جعل الاحتلال أبديا. فلقد جاء فى مفاوضات سنة 1930 فى المادة الخاصة بإبقاء الجيوش الانجليزية فى مصر يأتى:

((بما أن قنال السويس الذى جزء لا يتجزأ من مصر هو فى نفس الوقت طريق عالمي للمواصلات كما هو أيضا طريق أساسى للمواصلات بين الأجزاء المختلفة للإمبراطورية البريطانية فإلى أن يحين الوقت الذى يتفق فيه الطرفان المتعاقدان على أن الجيش المصرى أصبح فى حالة يستطيع معها بموارده الخاصة أن يصد هجوما على القنال حتى يصل مدد الحليف فان جلالة ملك مصر يرخص لصاحب الجلالة البريطانية بإبقاء قوات بريطانية للدفاع عن القنال)).

فبقاء الجيوش البريطانية فى مصر معلق بقدرة الجيش المصري على صد هجوم مفاجئ على القنال بموارده الخاصة المدة اللازمة لوصول مدد الحليف.. وقد اخبرني أحد الذين اشتركوا فى هذه المفاوضات أن هذه المدة التى يجب على الجيش المصري فيها أن يدافع حتى يصل مدد الحليف قدرت بثمانية أيام، وهو الزمن اللازم لوصول الجنود البريطانية من انجلترا. وإذن فقد كان يكفى أن يصبح جيش مصر فى حالة تمكنه من المقاومة لمدة ثمانية أيام حتى يخرج الانجليز من مصر، أو بمعنى اصح يكفى أن يبلغ الجيش المصري عشرين ألفا من الجنود حتى يخرج الانجليز من مصر، لأنهم لا يضعون لحماية القنال أكثر من عشرة آلاف جندى.

اسمعوا الآن ما هو النص الجديد فى معاهدة آخر الزمن:

((بما أن قنال السويس الذى هو جزء لا يتجزأ من مصر هو فى نفس الوقت طريق عالمي للمواصلات كما أنه طريق أساسي للمواصلات بين الأجزاء المختلفة للإمبراطورية البريطانية. فإلى أن يحين الوقت الذى يتفق فيه الطرفان المتعاقدان على أن الجيش المصري أصبح فى حالة يستطيع معها أن يكفل بمفرده حرية الملاح على القنال وسلامتها التامة يرخص الخ…)).

أى أن الجيوش الانجليزية لا تخرج من مصر إلا بعد أن يصبح الجيش المصري قادرا على الدفاع عن مصر. والدفاع عن مصر من؟ ضد ايطاليا لأنها هى الخطر الملحوظ فى الوقت الحاضر، ولما كان موسوليني  قد صرح مرارا وتكرارا أنه يستطيع تجنيد ثمانية ملايين عسكرى فى ساعتين، ولما كان يستطيع أن يهاجم مصر بمليون عسكرى، فان مصر لا يمكنها أن تقف أمام هذه القوة بأقل من مثلها، أى بمليوني عسكرى ولما كان من المستحيل أن تتوفر لمصر هذه القوة فى زمن السلم، فقد أصبح من المستحيل بالتالى خروج الانجليز من مصر.

انظروا أيها السادة بشاعة هذا التغيير ، الذى حسبوا أن الأمة لن تفطن إليه… انظروا كيف تلاعبوا بالنصوص فحولوها من نصوص معقولة إلى حد ما، إلى نصوص جائرة تفرض على مصر عبودية أبدية.

مغزى وجود العساكر الانجليز

يقولون لنا: ولماذا تهولون فى تفسير بقاء العساكر الانجليز فى مصر، وهى لم تعد جنود احتلال، ولكنها جنود دولة حليفة؟ وقال الانجليز فى أى يوم من الأيام غير ذلك، فيا للسخرية ويا للعبث!

وإذن علام تبقى انجلترا هذه الجنود وتصرف عليهم هذه المبالغ الطائلة إن لم يكن لإذلال مصر واحتلالها؟! يقولون أن ذلك للدفاع عن قنال السويس، ويجدون من المصريين البلاهة أن نصدق ذلك، وأن يجوز علينا بعد خداع طال خمسين عاما. فإن قناة السويس إن كانت مهددة بهجوم مفاجئ فسيكون ذلك عن طريق ايطاليا أو ألمانيا أو دولة من هذه الدول العظمى، وقد رأينا كيف أن أى دولة من هذه الدول تستطيع أن تهاجم مصر بنصف مليون جندي على الأقل. فإذا كان الحال كذلك فهل يستطيع أى فرد فيكم أن يقول لى ماذا  تساوى عشرة آلاف جندى إنجليزى إزاء هذا الطوفان من الجنود المهاجمة تؤيدها بضعة مئات من الطائرات؟. ألا تشعرون معى أن هذه العشرة آلاف جندى ستكون ذبيحة أول هجوم جدى مفاجئ من هذه الدول القوية؟! إنما يحتاج الدفاع عن قنال السويس فى أيام السلم إلى مائة ألف جندى، أما إذا قامت الحرب فلا اقل من مليون عسكرى. سيقولون أن انجلترا سترسل هذا المليون إذا ما نشبت الحرب أو شعرت بقرب وقوعها. فنقول لهم وما قيمة العشرة آلاف إذن بجانب المليون ما دام لا مناص من إرسال هذا العدد الضخم من الجنود إبان الحرب، وما قيمة هذه العشرة آلاف جندي أيام السلم وهل توجد دولة واحدة فى الدنيا تضع جنودا على ارض حليفتها أيام السلم؟

الغرض الحقيقي من وضع الجنود

الحق أنهم لا يبقون هذه الجنود للدفاع عن قنال السويس، فهى لا تصلح لهذه الغاية ولكنهم يبقونها لغرض آخر تصلح له تماما أتعرفون ما هو؟ أجل إنكم تعرفونه هو احتلال مصر وإذلالها، وفرض إرادة الانجليز عليها، وإظهارها فى مظهر الدولة التابعة الذليلة.. وإشعار الدنيا بأسرها أنها مستعمرة انجليزية.

عشرة آلاف جندي لا تصلح إلا لشئ واحد، هو أن تكون عدة للسفير الانجليزي الممتاز يعتد بها أمام الحكومة المصرية إذا فكرت فى أن تتجاهل وصاياه وإرشاداته.

عشرة آلاف جندي تقيم على بعد ثلاث ساعات من العاصمة، وأربعمائة طيارة مجهزة أقوى تجهيز يمكنها أن تصل إلى أى جزء من أجزاء مصر فى اقل من ساعة، وهى قادرة على أن تقلب المدائن رأسا على عقب يوم أن تفكر مصر فى أن ترفع رأسها كدولة مستقلة أمام الانجليز.

كارثة الطرق

أن أعوزكم الدليل ذلك… فدونكم هذه الطرق التى تشق مصر من مشرقها إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها، هذه الطرق التى جعلت شرطا أساسيا للجلاء عن القاهرة والإسكندرية، ماذا تعنى وما هى أهميتها للدفاع عن مصر ضد المغير الأجنبي؟. بل هى على العكس كما يقرر العسكريون سلاح ضد مصر، وضد الدفاع عنها إذا ما سقطت ثغور مصر، ووطأت أقدام المغير أرضها.. إذ تنقلب هذه الطرق اكبر مسهل لغزو مصر.

وإذن فإن إنشاء الطرق ضد مصلحة الدفاع عن مصر من غير شك، وهى فى الواقع موجهة ضد مصر، فقد فكروا فيها لإخماد كل ثورة يمكن أن تشتعل فى أقصى الصعيد .. فهم يريدون أن يسيطروا على مصر بآسرها وهم فى قلاعهم على ضفاف القنال.

ولما كان سلاح الحروب الحديثة هو الطيران … فليكن الاحتلال أتم واظهر جويا، وإذن فلتنشئ لهم مصر المطارات فى كل بلد يريدونه ولتخصص لهم الحظائر وليطيروا أنى شاءوا ومتى أرادوا وكما يحلو لهم.

فائدة إنشاء الطرق فى إفلاس مصر!

على أن بناء الثكنات وإنشاء الطرق لا تقف فوائد عظيمة للمحتل عند هذا الحد. كلا، فان له فوائد مزدوجة .. بل فوائد لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى، كما يقولون.. إذ ينفع فى ناحية أخرى فى تدمير الثورة المصرية، وعرقلة النهوض وعدم إمكان أى إصلاح وإعداد.

سوف يبنون الثكنات بعشرة ملايين، وسوف يشقون الطرق بما يزيد على العشرة الملايين، وسوف ينشئون مطارات للسادة الانجليز تكلفنا بضعة ملايين أخرى.. وسنكلف ببناء ثكنات جديدة للجيش المصري فى السودان بعد أن احتلوا ثكناتنا القديمة، وسوف يكلفنا هذا بضعة ملايين أخرى، وهذا هو الخراب المالي قبل أن نستفيد أى فائدة من الاستقلال المزعوم.يريد الانجليز أن يعيدوا التاريخ من جديد، وان يمثلوا مأساة الدمار مرة أخرى.. وليس فيكم من يجهل أن انجلترا حاولت أن تغزو مصر بالقوة فى سنة 1807 فأرسلت حملة إلى مصر، بقيادة فريزر يؤيدها أسطول انجلترا سيد البحار، فما كان من مصر والمصريين ألا أن طردوهم وقذفوا بهم إلى البحر. وفى موقعة رشيد أبادوا الجيش الانجليزي عن بكرة أبيه، ففر الانجليز مذعورين وأسرعوا إلى سفنهم وبلادهم أذل ما يكون المهزومون..

وكان ذلك درسا قاسيا للانجليز لم ينسوه مدى العمر، تعلموا منه أن الشعب المصرى لا يؤخذ قسرا.. فشرعوا يحيكون الدسائس للحصول عن طريقها، على ما عجزوا عليه بالقوة فماذا فعلوا؟؟

لقد وقفوا بالمرصاد لمصر أيام محمد على. فلما وجدوا الإمبراطورية المصرية قد تكونت .. لما وجدوا مصر قد أصبح لها جيش يزيد عن ربع مليون مقاتل ووجدوا لها أسطولا يهز الأساطيل، عندما وجدوا مصر المنتصرة تنتقل من فتح إلى فتح ومن نصر إلى نصر، أثاروا أوروبا بآسرها علينا، وعقدوا حلفا لتحطيم مصر فتم لهم ما أرادوا، ونجحوا فى سلب مصر حقوقها فى معاهدة لندن سنة 1840، ثم اخذوا بعد يزينون لإسماعيل باشا وسائل الإسراف ويلوحون له بالقروض تلو القروض.. حتى إذا كبلوا مصر بالديون اخذوا يضغطون عليها فى وحشية لا تمكنها من تنظيم شئونها، وهكذا ساقوا مصر إلى هاوية الإفلاس والدسائس.

ويظهر لى أن انجلترا تريد بمعاهدة سنة 1936 أن تكرر هذه المأساة بأن تدفع مصر إلى صرف ثلاثين مليونا أو يزيد لتنفيذ المعاهدة، ونحن لا نكاد نعرف من أين تحضرها وليس من شك فى أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا رغبة فى إفلاس مصر.

وإلا فهل يستطيع هؤلاء الوطنيون العظام أن يقولوا لنا من أين سيجيئون المال؟ يقولون أنهم سيفرضون ضرائب جديدة.. وفضلا عن أن هذه الضرائب ستكون عبئا جديدا على المصريين فهى لا تزيد قيمتها كما قدروها عن ثلاثة ملايين من الجنيهات على أقصى تقدير.. فماذا تفيد هذه الثلاثة الملايين؟ وإذا صرفناها لإنشاء الثكنات والطرق فمن أين لنا المال اللازم لتكبير جيشنا وتزويده بالمعدات الجديدة، الأمر الذى يحتاج إلى عشرات الملايين.. وإذا فرضنا واستطعنا أن نأخذ نصف الميزانية لهذا الغرض فماذا سيكون مصير المشروعات العمرانية التى تحتاجها مصر، والتى ينبغى القيام بها فورا، كإصلاح القرية ونشر التعليم وتكوين أسطول جوى وأسطول بحري وتجارى.. وحربى؟! سيقولون أن هناك الاحتياطي تؤخذ منه هذه الأموال وكأنهم نسوا أن الاحتياطي لا يكاد يكفى لشئ من هذا كله ومع ذلك فقد أصبح الاحتياطي أساسا من أسس المالية فى مصر فأصبح المساس به يعرضها لهزة عنيفة قد لا تسلم منها أبدا.

وإذن فليس أمام الحكومة المصرية إلا ما يشيعونه من ضرورة عقد قرض، وان يمد مشروع قنال السويس لخمسين سنة جديدة فى مقابل مبلغ من المال. هذا المشروع الذى رفضته مصر منذ سنوات بإباء وشمم. إذ أن كلا من القروض ومد امتياز قنال السويس نكبة لا تعادلها نكبة.

وهكذا ترون أيها السادة أن مصر لا يوجد بها الأموال اللازمة لتنفيذ المعاهدة، وان وجدت بها فان هذا يكون معناه تعطيل باقى مرافق الدولة فلا ينالها الإصلاح فهل فكر هؤلاء الساسة الكبار، فهل فكر هؤلاء الذين عقدت لهم ألوية النصر فى هذه الكارثة المالية التى ستحل بمصر من جراء المعاهدة؟؟

لقد كانت هناك مشاريع حيوية لكل مصر مثل مشروع القرية المصرية ورفاهية الفلاح فوقف هذه المشروع، وغيره لعدم وجود المال اللازم وسيظل الفلاحون المصريون يشربون السم الناقع ويعيشون مع البهائم، سيظل الفلاحون المصريون يكدون ويشقون كيما تبقى ثكنات جيش الاحتلال تزدان بالمسارح والملاهي، وكل مظاهر الترف والنعيم.!

لقد كنا نفهم أيها السادة أن الانجليز تحتلنا بالقوة رغم أنوفنا، ولكننا لم نتصور مطلقا أن ستأتى الساعة التى نبني فيها لجيوش الاحتلال ثكنات وطرقا، ونحن نعرف أن ذلك يدفع بنا نحو الخراب.. لم نكن نتصور أن هناك مصريا واحدا سيقدم على ذلك فى يوم من الأيام أو يوافق عليه.

يقول البعض أن مصر إذا كانت قد خسرت فى النقطة العسكرية فقد كسبت فى نقط أخرى، ويخيل لهم أنهم ما داموا قد سموا الاحتلال بالنقطة العسكرية فقد جعلوه هينا بسيطا تافها، كما يبدو من التسمية.. وأعنى بها كلمة ((النقطة)).

ولكنها نقطة أيها السادة أشبه بهذه التى تقع على العين فتحيل نورها ظلاما أو هى نقطة كتلك التى تقع على الإنسان فتسرع به إلى القبر.

النقطة العسكرية هى كل القضية المصرية ولا يوجد بين مصر وانجلترا سوى هذه النقطة لأنها الاحتلال،الذى عملت له انجلترا دائما أبدا. فهذه المعاهدة تمكن انجلترا من أن تظل محتلة مصر احتلالا أبديا، وهى بعد ذلك ترعى مصالح انجلترا الاقتصادية، وماذا يريد الانجليز أكثر من ذلك؟ وما الذى نكون قد ظفرنا به.بعد ذلك؟ يقولون ظفرنا بالسودان، فلنر ماذا فعلوا بالسودان.

الســــــودان

أجل من حقنا أن نتساءل بعد ذلك كله، وماذا فعلت المعاهدة بالسودان؟ وماذا فعلت بقلب مصر النابض وينبوع حياتها؟ ماذا فعلت بالسودان الذى فتحناه بدمائنا وأموالنا؟ والذى يسكنه شعب هو من أفراد شعبنا يدين بديننا، ويتحدث بلغتنا؟ ويحس بإحساساتنا؟ ماذا فعلوا بالسودان الذى تدخل الانجليز فى إدارته معنا بمعاهدتي سنة 1899، فاعتبرنا ذلك إجراما ما بعده إجرام. ولم يوجد وزير واحد بعد إبرام هاتين المعاهدتين رضى أن يعترف بهما أو يرضى عنهما.

يقول النحاس باشا فى كتابه الأخضر عن مفاوضات سنة 1930 والذى أصدره فى هذه الأيام فى صفحة 33، للمستر هندرسون فى صدد الحديث عن السودان:

((إن كل ما نريده هو عدم الإشارة إلى معاهدتي سنة 1899 لأنهما ممقوتتان فى مصر كل المقت))

هذا هو موقف مصر من السودان، وهذا هو موقف النحاس باشا نفسه من السودان فهو لا يرضى عن الإشارة إلى معاهدتي سنة 1899، لأنهما ممقوتتان كل المقت فى مصر.

فماذا فعلت معاهدة آخر الزمن بالسودان؟ أتعرفون ماذا فعلت؟ لقد جعلت اتفاقيتي سنة 1899 مثلا أعلى وحلما من الأحلام، وفرضت علينا أن نحترم الأمر الواقع.. والأمر الواقع هو أن السودان من ممتلكات انجلترا يديه موظف انجليزي هو حاكم السودان.. على أن معاهدة آخر الزمن كى تسخر منا سمحت أن يكون سكرتير هذا الحاكم مصريا، وان يسمح لمفتش الرى بحضور مجلس الحاكم حينما يعرض على المجلس مسألة تخص الرى.. الله.. الله.. وهذا هو كل ما لنا فى السودان.

وقالوا لنا سيعود الجيش المصري إلى السودان، ولكن هل تعرفون سيعود على أى شكل؟ سيعود على اعتباره فرقة فى الجيش الانجليزي يخضع لحاكم السودان. وان كنت تعجبون لشئ فأعجبوا لهذه الأمة إلى ترسل أبناءها ليكونوا تحت إمرة رجل أجنبي يتصرف فيهم كما يريد وكما يحلو له.. وإعادة انجلترا الجيش المصري إلى السودان كيما يرابط على الحدود الحبشية فإذا بدأ الطليان فى الإغارة على السودان كان أبناء مصر هم أول من يتلقون الصدمة. وأول من يموتون دفاعا عن السودان ، إذا فكر الايطاليون فى الإغارة عليه.

هذا هو سر إرسال الجيش بهذه الطريقة العجيبة التى لم نسمع بها من قبل، واعني بها وضع الجيش المصرى تحت إمرة موظف انجليزي.. ولقد أرادوا بهذا أن يقطعوا كل صلة بين جيش مصر فى السودان وبين وزير الحربية.. وهكذا يستطيع حاكم السودان إذا لزم الأمر أن يأمر جيش مصر بالعدوان على السودان، أو المصريين أنفسهم، فإن فكروا فى الاحتجاج أو الامتناع كانوا عصاة متمردين يرمون بالرصاص.

فاضحكوا، اضحكوا أيها المصريون على ما منحتموه فى السودان بل اضحكوا أكثر، فان المهزلة لم تتم فصولا! فقد سمح لكم أن تهاجروا وان تتملكوا فى السودان مثل الانجليز سواء بسواء. الله اكبر! أيها المصريون.. يجب أن تطربوا لأنه سمح لكم بأن تتملكوا فى السودان مثل الانجليز.

أيها السادة.. إن الألم يحز فى نفسي حزا فلا استطيع مواصلة الكلام فى موضوع السودان، فان الخطب أجل من يوصف أو يتحدث عنه.

لقد أصبح المصريون خداما للانجليز فى السودان، وأصبح السودان بموجب هذه المعاهدة ملكا للانجليز، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

الامتيــازات

أما عن الامتيازات فيقولون سامحهم الله: أن مصر قد كسبت فيها كسبا كبيرا ولكن أرجو أن تسمحوا لى أن أقول لكم أن هؤلاء الذين يظنون هذا الظن لا يمكن إلا أن يكونوا ضعفاء الثقة بأنفسهم وببلادهم.. ومن هنا فهم يرون أن تعديل ما نحن فيه من ذلك كسب عظيم ما بعده كسب.. هؤلاء الذين يخيل لهم أن هذه المعاهدة قد فعلت شيئا فى مسالة الامتيازات هم هؤلاء الذين ينظرون إلى الأجانب نظرة الوضيع للرفيع، والصغير للعظيم.. وإلا فأى إنسان مكتمل الوطنية والإيمان بوطنه يرضى أن يكون الأجنبى فى بلاده ارفع منه درجات؟؟ أى مصرى يعرف قدر نفسه يرضى أن يكون للأجانب محاكم مختلطة إلى اجل غير مسمى؟؟ وكيف نرضى أن نساوم الدول أو نرجوها أن تتنازل عن بعض امتيازاتها فتحولها إلى المحاكم المختلطة؟ هذه المحاكم التى رأيتم كيف أنها تمتهن لغتنا وتمتهن كرامتنا، فضلا عن أنها محاكم أجنبية تعمل لصالح الأجنبي، ومن الذى يرضى بهذا الحل فى الامتيازات إلا المستضعفين والذين لا يعرفون لوطنهم ما ينبغى له من احترام وتقدير؟!

يقولون أن هذه المعاهدة هى معاهدة الشرف والاستقلال، فلما قلنا لهم وكيف توفقون بين الاستقلال وجيش الاحتلال، قالوا لنا: أن هذه جيوش دولة حليفة!

فلنسألهم هذه المرة وكيف توفقون بين الاستقلال، وبين وجود محاكم مختلطة، نسألهم ارونا دولة واحدة فى الدنيا بآسرها توجد فيها محاكم يجلس فيها قضاة أجانب ليحكموا على الوطنيين إلا فى مصر، بلد عجائب. كنا نتوقع أيها السادة إلغاء هذه المحاكم، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، منذ أمد بعيد فإذا بهذه المعاهدة توطد أركان المحاكم المختلطة إلى مدة من الزمن معقولة غير ممدودة، وأرجو أن تضحكوا معى من هذه التعبيرات التى لا يمكنكم أن تعثروا عليها فى أى معاهدة من معاهدات العالم. ولكنكم تجدونها فى معاهدة آخر الزمن لأنها معاهدة الشرف والاستقلال. مدة معقولة غير ممدود، وكم تساوى معقولة هذه من الزمن، من الذى يحدد هذه المعقولية. من الذى قال أن مصر ترضى أن تحيا فى ظل المحاكم المختلطة سنة واحدة، بل يوما واحدا، تصوروا أيها السادة أن الأجانب فى كل بلاد العالم يتمتعون بحقوق اقل مما يتمتع بها أصحاب البلد الأصليين.. أما فى مصر فان وثيقة شرفها واستقلالها تسجل عليها أن يبقى المصريون أذلة بالقياس إلى الأجانب..

إن الامتيازات يجب أن تلغى بجرة قلم، وحالا. والمحاكم المختلطة يجب أن تلغى بجرة قلم، وحالا. فإذا كانت معاهدة آخر الزمن تبقى على الامتيازات والمحاكم المختلطة فما ذلك إلا لأنها تريد أن تظل مصر ناقصة السيادة، وان يظل العالم ينظر إلى مصر نظرته إلى دولة غير متحضرة، تعيش فى ظل الانجليز والأجانب.

ملـــخص

وإذن فان هذه المعاهدة أيها السادة تسجل الاحتلال وتجعله مشروعا بعد أن كان غصبا، ونحن مضطرون نتيجة إلى هذا التحول أن ندفع تكاليف الاحتلال ونفقاته، ونثبت دعائمه بإنشاء الطرق والثكنات والمطارات. وهذه المعاهدة قد حولت السودان إلى مستعمرة انجليزية، وأضاعت علينا حقنا فى إلغاء الامتيازات بجرة قلم. وإذن فكل دفاع عن المعاهدة وكل ادعاء بأنها حققت لمصر استقلالها، وأنها معاهدة الشرف، هو ادعاء باطل لا أساس له.. وعلى هؤلاء الذين توجوا جهادهم بهذه المعاهدة المشوهة أن يعتزلوا السياسة، وان يقبعوا فى عقر دارهم. لقد طال ما نادوا فى هذه الأمة أنهم سيحصلون لها على استقلالها التام أو الموت الزؤام. لقد طال ما قالوا للأمة الاستقلال التام لمصر والسودان، ولم تتردد الأمة تبعا لذلك أن تمنحهم ثقتها التى لا حد لها وها هى جهودهم تتمخض عن هذه المعاهدة. وإذن فليفسحوا الطريق للشباب. وليفسحوا الطريق للجهود الجديدة، والكفاح الجديد.. أما إذا حاولوا أن يعترضوا طريقنا وان يخفتوا أصواتنا، وان يصادروا جهودنا ، فان جنايتهم على الأمة تكون جناية مضاعفة. وعندها فسنقاومهم بكل ما لدينا من وسائل، وسوف ننتصر عليهم من غير شك بإذن الله.

معاهدة باطلة

أما موقفنا الآن بالنسبة للمعاهدة فهو أنا لا نعترف بصحتها أو مشروعيتها، فهى معاهدة باطلة، سواء قبلها البرلمان أو لم يقبلها.. فإن قبول البرلمان لمثل هذه المعاهدة لا يقدم ولا يؤخر، ولا يمكن أن يؤثر على سيادة الأمة بأي حال من الأحوال، فإن مجلس النواب لا يجوز له أن يتنازل عن أي حق من حقوق مصر. ولا أن يبرم اتفاقات من شأنها المساس بسيادة مصر. فما بالكم وهذه المعاهدة تتنازل عن مصر بأسرها للانجليز؟ وتحطم سيادة مصر إلى الأبد؟؟ فإذا وافق البرلمان على هذه المعاهدة فهى موافقة من لا يملك هذا الحق، وهى موافقة لا تقيد إلا الأشخاص الوزراء والنواب، أما باقى الأمة فسوف تعرف كيف تحرر من هذه المعاهدة وتمزقها.

الطريق الصحيح للاستقلال

وإذن أيها السادة فعلينا أن نعد أنفسنا للطريق الصحيح للاستقلال، والطريق الصحيح للاستقلال هو أن يصبح الشعب قويا، وهذا هو ما نادت به مصر الفتاة منذ اللحظة الأولى. لقد نادينا دائما أبدا أن الحياة إرث القوى، وأن المستقبل للشعب الظافر، وأن لا حياة للضعيف فلا المعاهدات ولا القوانين بكافية لحماية الضعيف، ومن كان يعوزه الدليل فهذه هى الحبشة لا تزال ماثلة فى الأذهان، لم يغنها تأييد العالم بأسره أمام القوة، فعلى هؤلاء الذين يخيل لهم أن الاستقلال يمكن أن يكون نتيجة للمفاوضات وأن يتم عن طريق المعاهدات، على هذا النفر من المصريين أن يفسحوا الطريق لمن هم أكثر علما بحقائق الأشياء منهم، ومن هم أكثر استعدادا للكفاح منهم.

لا كرامة لنا إلا إذا كانت لنا عدة، وكانت لنا قوة، وهذه العدة نستطيع أن نخلقها رغم أنف الغاصب، إذا ما نظم الشباب صفوفه تنظيما عسكريا، وأخذ نفسه على الخشونة والتقشف والرجولة.

وهذا هو برنامج مصر الفتاة، فنحن الذين نعمل لنشر الروح العسكرية ولمحاربة الضعف والتخنث والخور.. نحن الذين نعمل لتنظيم الشباب فى جماعات شبه عسكرية، يربطها رباط المبدأ والعقيدة، وكيف تحتمل فى سبيل مثلها الأعلى كل تضحية وعناء..

نحن الذين نادينا وعملنا لجعل الشباب قوى الجسد عن طريق الرياضة والعسكرية.. وقوى الروح عن طريق التطهر والتدين.. نادينا بذلك وعملنا له فابتكرنا القميص الأخضر ليكون شعارا للمجد والجهاد..

سوف نشرع فى تنظيم صفوف الأقمصة الخضراء، بعد أن فشلت الأقمصة الزرقاء.. وسوف تقاومنا الحكومة، ولن نجد المال الذى يتوفر لدى الحكومة، ولن نجد البوليس وكل موظفى الدولة فى خدمتنا، ولكنا مع ذلك سنقوى وننتصر، لأن سيدنا هو الله، ومن كان الله سيده فالعبد لا يرهبه.

وسوف ترون غدا أيها السادة عندما تستيقظ الأمة وتنتصر مصر الفتاة، سوف ترون كيف نحصل على الاستقلال الصحيح لمصر والسودان، كيف نؤلف الحلف العربى ونتزعم الإسلام..

سترون كيف نرتقى بالأخلاق، ونعيد للدين قدسيته، لأن محور جهادنا هو الدين. أنا من المؤمنين بأن من ينصر الله ينصره، وأن ما نعيش فيه من ذل، إنما هو لتركنا الله والدين، فقد قال الله وهو أصدق القائلين: “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

سوف ترون أيها السادة عندما تنتصر مبادئ مصر الفتاة.. مبادئ الفضيلة والوطنية، كيف تنتشر العدالة الحقيقية والحرية والمساواة.

سترون أيها عندما تنتصر مبادئ الفضيلة والوطنية، كيف تنتشر العدالة الحقيقية والحرية والمساواة.

سترون كيف ينتشر الرضا فلا يصبح هناك عامل متعطل ولا فقير واحد.

سترون كيف يقضى على المحسوبية، والرشوة والوساطة، وكيف لا يلى المناصب إلا الأكفاء.

سترون كيف يصبح الفلاح عاملا منتجا، يعيش كما يعيش الناس. وفى كلمة أيها السادة عندما تنتصر مصر الفتاة سترون مصر جديدة تهز العالمين وتقود الدنيا إلى عصر جديد من النور والسلام تحت لواء الإسلام..

وإلى أن يتم ذلك فإنى أدعو طبقات الشعب جميعا أن يؤمنوا بوطنهم وأن يثقوا بأنفسهم، أدعوكم جميعا إلى تشجيع كل ما مصرى فقط ومقاطعة كل ما أجنبى.. أدعوكم إلى طعام بلادكم وملابس بلادكم، اعتزوا بمصريتكم واحتقروا كل ما هو أجنبى وطهروا أنفسكم من الأرجاس، وحاربوا الشهوات.

وبهذا، وبهذا فقط سوف نسرع غايتنا، وسوف نحقق رسالتنا .. وهذه هى مصر الفتاة أيها السادة لا عدة لها إلا الله سبحانه وتعالى، فهو رأسمالنا، وهو سلاحنا، وهو كل شيء بالنسبة لنا ومن أجل هذا فنحن لا نهاب ولا نخاف، يقولون أن طريقنا طويل وأنه مليء بالصعاب ولكن ما نسعى لبلوغه جدير بكل ثمن وجدير بكل تضحية، أننى أعلن هنا بأعلى صوت أن مصر الفتاة تنتقل من نصر إلى نصر ولن يهزمنا بطش حكومة، ولا تعسف المتعسفين، أن روحنا تسرى فى كل مكان، وسوف ننتصر بإذن الله، وعندها يفرح المخلصون..

والله أكبر…

مصر الفتاة وأقباط مصر

كانت مصر الفتاة تحتم على أعضائها أن يذهبوا إلى المسجد يوم الجمعة إذا كانوا مسلمين وأن يذهبوا إلى الكنيسة يوم الأحد إذا كانوا مسيحيين، ومع ذلك فقد حاولت القوى المناوئة لمصر الفتاة أن تشكك فى موقف مصر الفتاة من الأقباط لتصرفهم عنها لذلك كتب فخرى أسعد عضو مجلس الجهاد فى 17 يناير عام 1937 فى جريدة ” الضياء” نداء إلى أقباط مصر قال فيه:

“هلموا جميعا إلى أحضان مصر الفتاة.. إلى الأخوة الكاملة والمساواة المطلقة لا فرق بين مسلم ومسيحى.. ليتقدم كل بعمله ليثبت المجاهد مقدرته على العمل.. هنا تتفتح أمامه سبل التقدم فى مصر الفتاة ولن يكون نصيبه بأقل مما عداه.. وشلت السنة أولئك الذين يقولون بأن مجلس جهاد الحزب ومجلس إدارته لا يحوى أقباطا وأن هناك اجتماعات سرية محظور على المسيحى الدخول إليها.

بالأمس كان رئيس مصر الفتاة يردد فى فوج من المسيحيين إيمانه بدينه وتمسكه بتعاليمه التى تقول ” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ” والذى يقول” لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ”.

وهنا سيعرف كل مسيحى أن مركزه المضمون وحقوقه لن تصان إلا على أيدى مصر الفتاة ورجالاتها.. فإلى مصر الفتاة تقدموا جميعا.. واعملوا جميعا”.

ولم تكن مثل هذه النداءات بصرخة فى واد فقد انخرطت بالفعل فى صفوف مصر الفتاة أعداد متزايدة من الأقباط وفى كل المستويات، وبنسبة قد تزيد عن نسبتهم العددية فى المجتمع.

وقد أشار أحمد حسين مرارا فى خطبه إلى محاولة الوقيعة بين مصر الفتاة والأقباط فقال على سبيل المثال: الدين الإسلامى أيها السادة فى مقدمة الأديان التى لا تعرف التعصب بل هو يكره التعصب لأن الله سبحانه وتعالى يقول فى كتابه العزيز: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”.

ولم يؤمر المسلمون إلا بمقاومة عبدة الأصنام والمشركين أما أصحاب الذمة فالدين يوصى بهم ويحترم أديانهم.

“وأقباط مصر بصفة خاصة لهم عند المسلمين حرمة إذ أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوج منهم ورزق بإبراهيم من مارية القبطية. ونحن فى مصر الفتاة بصفة خاصة نكره التعصب الدينى وأن لى من زملائى الأقباط فى مصر الفتاة معونة ثمينة وهم أحب الناس إلى وأعتقد أنهم يبادلوننى هذا الحب”.

تأسيس حزب مصر الفتاة

فى 31 ديسمبر 1936

فى 31 ديسمبر 1936 دعا أحمد حسين جميع أعضاء مجلس الجهاد إلى اجتماع لاتخاذ قرار بتحويل جمعية مصر الفتاة.. إلى حزب مصر الفتاة وحضر الاجتماع:

أحمد حسين:                     الرئيس

فتحى رضوان:                  السكرتير العام

محمد صبيح:                     السكرتير المساعد

عبد الحميد المشهدى:           أركان حرب الجمعية

والمجاهدون:

محيى الدين عبد الحليم- إبراهيم شكرى- أحمد السيد- أنور حوطر- حمادة الناحل- مصطفى عدلى- محمد حسن الرشيدى- عبد الحميد حسين- إبراهيم طلعت- محمد عفيفى- زين نجاتى- محمد عز الدين- السيد سليم- محمد عباس- حسنى شعتوت- أنور رجب- زكى صالح- ربيع خير- جمال الدين الشرقاوى- حسن عبد الحميد سلومة- نور الدين طراف- كمال سعد- محمود مكى- محمد عثمان نجاتى- عبد الرحيم عنبر- فخرى أسعد.

كما حضر الاجتماع الدكتور المجاهد محمد حلمى الجيار زعيم شباب الدقهلية والحاج دندراوى حسن من أعيان قنا.

مصر الفتاة تجدد حملاتها على الامتيازات الأجنبية

شهد عام 1937 سفر وفد من حكومة الوفد إلى مؤتمر مونترو لبحث إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة بصورة تدريجية وجددت مصر الفتاة حملتها من أجل الإلغاء الفورى لهذه الامتيازات التى تكرس تبعية البلاد للأجنبى، وشنت حملة مكثفة على التنازلات والمساومات التى كانت تجرى فى مؤتمر مونترو من قبل الوفد المصرى.

وجدت الحملة تحت شعار: “أيها المصريون.. تذكروا أن حقكم كامل فى إلغاء الامتيازات مذ ألغيت فى تركيا بجرة قلم وأن حقكم فى إلغاء المحاكم المختلطة كامل كذلك بعد إنذار الدول بعام واحد فكل تفريط فى هذه الحقوق وإعطاء الأجانب ضمانات خاصة وتنظيم ما يسمونه بفترة الانتقال هو عدوان جديد على سيادتكم واستقلالكم”.

ورفضت مصر الفتاة النتائج التى تمخض عنها مؤتمر مونترو وبالأخص فيما يتعلق باستمرار المحاكم المختلطة اثني عشر سنة كفترة انتقالية.

وتصدرت مقالات أحمد حسين وفتحى رضوان هذه الحملة، وانضم إليها فى وقت لاحق على صفحات جريدة الثغر لسان مصر الفتاة الأستاذ الكبير محمود عباس العقاد.

محاولة اغتيال النحاس

واضطهاد مصر الفتاة

وكانت أول محنة وأكبر محنة تصادفها مصر الفتاة فى هذه الفترة عندما أطلق عز الدين عبد القادر الرصاص على رفعة النحاس باشا فى نوفمبر عام 1937، فقد كان هذا الحادث سبيلا لاضطهاد مصر بالفتاة بالجملة اضطهادا لا مثيل له من قبل فزج بكل من تسامع البوليس عن انتمائه إلى مصر الفتاة فى السجن من الإسكندرية حتى أسوان، فغصت السجون بأعضاء مصر الفتاة وسارت المظاهرات فى الشوارع تهتف بسقوط مصر الفتاة وبوجوب القضاء عليها وشنق “المجرمين” وكان أعضاء مصر الفتاة يقيمون فى “الزنازين” التى لم تكن تفتح عليهم إلا بضع دقائق فى كل نهار، ولم تلبث حكومة النحاس باشا أن أقيلت ولم تلبث السجون أن فتحت أمام أعضاء مصر الفتاة، ولم يلبث التحقيق النزيه أن أسفر عن البراءة الناصعة، وعادت مصر الفتاة إلى الحياة والحركة، أكثر نشاطا وأوفر عدة وعددا مما كانت فى أى وقت مضى.

على أن الاصطدام بين مصر الفتاة وبين الحكومة الجديدة، حكومة محمد باشا محمود لم يلبث أن تجدد بالرغم من الصداقة التى كانت تربطه بمصر الفتاة فقد أصدرت الحكومة قانونا يحظر ارتداء الأقمصة الملونة فترتب على ذلك حل الأقمصة الخضراء التى كان يتمثل فيها كل روعة مصر الفتاة وجهادها وإيمانها وتضحياتها، ورفض محمد باشا محمود أن يجرى تعديلا فى قانون الانتخابات بحيث يستطيع أعضاء مصر الفتاة التقدم للانتخابات (وذلك بتخفيض الحد الأدنى لسن المرشحين من ثلاثين إلى خمسة وعشرين عاما) وحرمت مصر الفتاة من المشاركة فى الانتخابات على الرغم من كونها العنصر الحى الفعال فى السياسة المصرية، غير أن الشىء الأساسى الذى باعد بين مصر الفتاة ومحمد محمود أنه لم ينفذ حرفا واحدا من البرنامج الإصلاحى الذى دعا له وهو فى المعارضة، وهو الأمر الذى يؤكد أن مصر الفتاة لم تكن فى خصومة شخصية مع الوفد، ولم تكن بالأحرى تعارض الوفد لحساب أحزاب الأقلية كما يدعى نفر من كتاب التاريخ الغرضين.

وفى إطار تصاعد الخلاف مع حكم محمد محمود كتب أحمد حسين فى 28/2/1938 “لا يوجد رد عملى على ما تدعيه أو تطالب به إيطاليا وهو أن نزيد فى جيشنا ونضاعف قوانا والحكومة التى تتهاون فى أمر الدفاع الوطنى لا تنتظر منها تأييدا” وكتب هذا المقال بمناسبة ما تردد عن المساومات بين انجلترا وإيطاليا حيث طالبت إيطاليا بنصيب من حماية قناة السويس، وطالبت أحمد حسين فى مقاله بإطلاق يد عزيز باشا المصرى الأب الروحى للضباط الأحرار فيما بعد، مفتش الجيش من عقالها ليعمل على بنائه وتدعيمه.

إعلان الحرب على البغاء والخمر

وفى عام 1938 جددت مصر الفتاة الحرب على البغاء والخمر ورفعت مطالبها فى عريضة إلى وزير الصحة كامل البندارى بك جاء فيها:

“خضرة صاحب المعالى وزير الصحة العمومية:

إرادة الشباب التى تتمثل فى صدور الملايين والتى يعبر عنها اليوم بحق (حزب مصر الفتاة) هى إرادة كلها أمل ورجاء إلى صاحب المعالى وزير الصحة أن يأمر بما يلى:

إلغاء البغاء الرسمى وهو العار الذى يلطخ جبين هذه الأمة. وتوقيع أقصى العقوبات على المتاجرين بالأعراض سرا وعلانية وعلى المستهترين بقوانين الأخلاق، والحد من رخص الحانات على طريق إلغائها”.

فى 11 أبريل 1938 تصدرت صحيفة مصر الفتاة مقالا بعنوان:

“فليسمع وزير الصحة وليسمع المدافعون عن البغاء”.

“البغاء الرسمى فضيحة الفضائح”.

“ويجعل كل حديث عن الدين والأخلاق مهزلة”.

“ومع ذلك يسمون إلغاءه مشكلة”.

حماية الصناعات الوطنية

وفى 5 مايو 1938 أعلنت مصر الفتاة تأييدها لقرار زيادة الرسوم الجمركية على المنسوجات القطنية المستوردة لحماية الصناعة الوطنية، وكتب المشهدى مقالا بهذا الصدد جاء فيه:

“إن واجبى كمصرى وكوطنى أن أعرف كيف أحمى صناعتى الوليدة بكل الوسائل المشروعة من المنافسات الأجنبية وهذا ما تقضى به غريزة البقاء على أنه لا يرضينا من الحكومة القائمة أن تقف موقف الزائد هذا المولود العظيم ينهض تارة فيسير ويترنح أخرى فيقع. بل لابد من أن تتدخل بأموالها ونفوذها لتوسيع دائرة الصناعات الوطنية”.

مصر الفتاة تطالب بتقوية الجيش

ومع نذر الحرب العالمية الثانية التى بدأت تتجمع، ركزت مصر الفتاة حملتها على تقوية الجيش لحماية مصر من الأطماع الخارجية وبالأخص من جانب إيطاليا.

وكتب أحمد حسين فى 16/5/1938 تحت عنوان: “بدلا من بناء الثكنات نحن نريد إجلاء البريطانيين عن مصر بأسرها” فقال:

“راعنى أن أرى الجرائد الوفدية تحمل على فكرة التوسع فى زيادة الجيش المصرى وتنعى على الحكومة تفكيرها فى مضاعفة عدد الجيش وإكمال معداته وترى جرائد الوفد أن ذلك ليس إلا تطبيقا لسياسة الانجليز الجديدة وأن الجيش المصرى إنما يسخر لغايات إنجليزية بحتة.

ترى هل لا يعرف الوفديون أن الاستقلال هو الجيش وأننا بغير الجيش لا نكون إلا شعبا حقيرا ذليلا. ترى هل لا يعرف الوفديون أن هذه المعاهدة التى سموها معاهدة الاستقلال والشرف لا تحوى إلا ميزة واحدة لمصر وهى أن تعمل على زيادة جيشها.

وعن مشروع بناء الثكنات العسكرية للقوات البريطانية فى القناة كتب أحمد حسين:

“من الأفضل أن نصرف هذا المبلغ (عشرون مليون جنية) فى تجهيز مصر بجيش قوى وإنشاء مصانع للذخيرة والأسلحة ونكون أسطولنا الجوى على خير وجه.. يجب أن نعمل منذ اليوم واضعين نصب أعيننا ضرورة إجلاء الانجليز عن مصر بأسرها فى ميعاد حده الأقصى ثمانى سنوات”.

إن من يطالع اليوم هذا المقال الذى تحدث عن أن النقطة الإيجابية الوحيدة فى معاهدة 1936 تتمثل فى توسيع صفوف الجيش المصرى، ومن ضرورة توسع الجيش المصرى، لا يسعه إلا أن يربط بين هذا الحس السياسى السليم، وبين ما نتج فى الواقع بعد ذلك، من توسع صفوف الجيش بين الطبقات الشعبية المصرية من نمو تيار وطنى داخله يتزعمه الضباط الأحرار الذين شاءت مقادير التاريخ أن يضطلعوا هم بطرد الانجليز وتحقيق الاستقلال السياسى.

مبادئ مصر الفتاة تسرى فى شمال أفريقيا

فى عام 1938أصدر حزب الإصلاح الوطنى المغربى بيانا تضمن عشرة مبادئ مستوحيا فى ذلك مبادئ مصر الفتاة.. وجاء فى البيان:

“أيها المواطن المصلح:

*تذكر أن دينك هو الإسلام فحافظ على شعائره، واعمل لكى تعيد إليه عزه وترفع علمه وتحقق جامعته.

*تذكر فى كل لحظة أن وطنك هو المغرب أجمع بحدوده الطبيعية فحافظ على وحدته وحاسب نفسك كل يوم على ما قدمت له.

* تذكر فى كل لحظة أن لغتك هى لغة القرآن. ولغة حضارة العرب وعلوم الإسلام فاجتهد فى إتقانها.

* وليكن رجحان صادراتك على وارداتك مبعثا لفخرك وسرورك وليكن سبيلك لذلك، تشجيع المنتوج المغربى بإقبالك عليه وتفضيله على سواه.

الشعب.. جائع جائع.. ومظلوم مظلوم

وعلى خلاف ما يتصوره البعض من أن البعد الاجتماعى لم يكن واردا فى فكر مصر الفتاة فى مستهل نضالها الوطنى.. فإن البعد الاجتماعى كان ماثلا بوضوح شديد فى أذهان زعماء مصر الفتاة الذين ما فتئوا يطالبون بالعدالة الاجتماعية وأنصاف الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين..

كتب أحمد حسين فى 19 مايو 1938 مقالا بعنوان: “الخبز.. الخبز.. الشعب جائع.. جائع.. ومظلوم مظلوم.. فاسمعى صوته أيتها الحكومة وإلا فإن العاصفة الجائحة سوف تقتلعك:.. فقال:  “أما أن الشعب جائع فهذا مالا شك فيه أما أن أربعة عشر مليونا من ستة عشر يأكلون خبز الذرة ويأتدمون بالمش ويقتاتون من فضلات الأرض فهذا ما لا شك فيه.. ولا توجد لذلك إلا نتيجة واحدة وهى أن ينفجر الشعب فى يوم من الأيام فى وجه حكامه ويصرخ. نريد الخبز.. نريد الخبز..

“لقد حدث شىء من هذا عندما صاح بعض العمال إبان مرور جلالة الملك (جعانين يافندينا) ولقد تكرر هذا فى مولد النبى، وسوف يتكرر ويتفاقم إذا ظلت الحكومة على هذا المنوال مشغولة فى أزماتها التافهة”.

“والأغنياء اليوم لا يعرفون شيئا عن الزكاة ويعتبرونها خرافة. أما اليوم فالأغنياء يقيمون فى العاصمة حول موائد القمار وبين أحضان الغانيات ولاهون فى أوروبا”.

“وماذا أقول وقد قلت الكثير فى قصة الوزراء ومرتباتهم وسياراتهم وخدمهم وحشمهم. ماذا أقول فى ذلك كله غير الذى قلته قبل الآن؟”.

“فإلى جوار المؤتمرات الحكومية التى صرف عليها هذا العام 100 ألف جنيه ينطلق الأطفال المتشردون عرايا يحومون حول شبرد والكونتنتال ليجمعوا أعقاب السجائر، وهذه هى مصر فمن قال أنها كانت كذلك بالأمس فهو جد مخطئ”.

“كل شىء إلا الخبز أيها الوزراء.. فحذار حذار سوف تسقطون من الحكم سريعا وسط سخط الناس وغضبهم إن لم تفعلوا شيئا لهذه الجموع الجائعة”.

وكتب مصطفى الوكيل نائب رئيس حزب مصر الفتاة فى إحدى مقالاته فقال:  “جور فاحش من الطبقات الحاكمة للطبقات المحكومة وغنى فاحش لأفراد قلائل وفقر مدقع لملايين لا يجدون القوت، قصور شامخة فاخرة وإلى جوارها أكواخ حقيرة..”

“فى مصر بلد الإسلام الذى سوى بين الناس جميعا يقتصر العلم على القادرين.. ويدخل المدارس أبناء الأغنياء أو الموظفين أما الفقراء فلا حظ لهم فى المعاهد والمدارس”.

” 200 ألف مصرى يملكون نصف الأفدنة المملوكة بينما يملك نصفها الأخر أكثر من خمسة عشر مليونا، ومئات قليلة من هؤلاء الملاك المائتى ألف لدى كل منهم الآلاف المؤلفة التى لا تنتفع مصر منها بشىء ولا يتكسب منها الفقراء بمليم”.

مصر الفتاة تقترح برنامجا لحكومة محمد محمود

وفى 30 مايو 1938 تقدمت مصر الفتاة بالبرنامج التالى لحكومة محمد باشا محمود وطالبتها بتنفيذه:

نشر الروح العسكرية- زيادة الجيش- إنشاء مصانع للذخيرة- إيقاظ معنوية البلاد- القوانين الخلفية كإلغاء البغاء وتحديد الخمور- تخفيض مرتبات الوزراء وكبار الموظفين- تشريعات العمال وتحسين حال الفقراء وصغار الموظفين.

حزب مصر الفتاة يعلن

فلسطين عربية.. ويجب أن تظل عربية

فى 12 يوليو 1937 أصدر حزب مصر الفتاة قرارا بمناسبة تقرير اللجنة الملكية البريطانية بشأن القضية الفلسطينية، أعلن فيه رفضه لتقسيم فلسطين، وإنشاء دولة يهودية على أرضها، واستشرف المخاطر الجسيمة لهذا المشروع الاستعمارى الذى نعانى من ويلاته حتى الآن. وجاء فى هذا البيان:

“أن فكرة إنشاء دولة يهودية فى فلسطين فكرة اكتشفتها السياسة البريطانية على ضوء مدافع الحرب العالمية لا رعاية لصالح اليهود وحدهم بل عناية منها لنفسها ومستقبلها فإن انجلترا التى تحس أن الروح القومية عند العرب هى شديدة القوة هى التى تريد أن توجد بين أجزاء البلاد العربية دولة من غير العرب تدين بوجودها ونشوئها للانجليز وسياستهم”.

“ومصر الفتاة لا تلقى بالها إلى قول القائلين بأن الجزء الذى استولت عليه دولة اليهود فى فلسطين بمقتضى تقرير اللجنة البريطانية هو شريط ضيق من الأرض فإن هذا الشريط هو أول الغيث ولن يلبث حتى ينهمر حينما تستتب قدم الإسرائيليين فيه فإن أموالهم ودوائر اليهود العالمية من ورائهم كفيلة بأن تبتلع البقية الباقية من فلسطين.

إن ما يحدث الآن فى فلسطين لا يقف أثره عند فلسطين فحسب بل هو موجه ضد مصر وضد البلاد العربية ووحدتها على العموم. ونحن لا نستطيع أن نقف مكتوفى الأيدى بينما تتألف دولة يهودية على حدود بلادنا وتهدد مستقبلنا”.

“إن فلسطين عربية ويجب أن تظل عربية لمصلحة السلام العالمى”.

أحمد حسين فى جولة أوروبية جديدة

فى انجلترا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا

وفى يونيو 1938 سافر أحمد حسين زعيم مصر الفتاة فى جولة أوروبية جديدة للدعاية إلى القضية الوطنية المصرية، ولدراسة النظم السياسية والاقتصادية الأوروبية المختلفة..

فى لندن:

أجرى أحمد حسين اتصالات من خلال وزارة الخارجية البريطانية حيث تمكن من الاجتماع مع المستر تلى مدير القسم المصرى بوزارة الخارجية والنائب السير مردوخ مكدونالد، والميجر اتلى زعيم المعارضة العمالى فى مجلس النواب، وجورج لانسبورى من أقطاب العمال، وبعض شخصيات المحافظين، ونشر أحاديث صحفية فى الصحف البريطانية وعلى رأسها الديلى تلجراف، ودعا فى كل هذه الاجتماعات والأحاديث إلى انسحاب القوات البريطانية من البلاد وإلى الكف عن بناء الثكنات العسكرية من دم وعرق الفلاح المصرى.. وعدم عرقلة سعى مصر لبناء جيش قوى وصناعة قوية.. وقام بنفس الدعاية مع الطلاب المصريين فى انجلترا الذين قرروا إنشاء شعبة لمصر الفتاة فى لندن..

وتوج أحمد حسين زيارته لبريطانيا بطبع وتوزيع رسالة على أعضاء البرلمان الإنجليزى ورجال السياسة والرأى طالب فيها بتعديل معاهدة 1936 بحيث يتم إلغاء بناء الثكنات البريطانية فى مصر على حساب الشعب المصرى. وتحقيق الجلاء التام للجنود البريطانيين من مصر، خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات، كما ندد بالعقبات التى تقيمها بريطانيا ضد تقدم مصر الحربى وأكد أن وجود حامية بريطانية فى مصر أمر عديم الفائدة والجدوى.

فى تشيكوسلوفاكيا وألمانيا وإيطاليا:

فى تشيكوسلوفاكيا استقبل أحمد حسين استقبالا رسميا واجتمع مع المسيو بنيس، ثم مع وزير الخارجية حيث تحدث معه فى إمكان اعتماد مصر على تشيكوسلوفاكيا فى إنشاء مصانع للذخيرة فى مصر وتجهيز الجيش المصرى بالأسلحة التى يحتاج إليها.

وأعدت له الحكومة برنامجا حافلا لدراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فى البلاد وهو الأمر الذى فصله أحمد حسين فى مقالات بجريدة مصر الفتاة.

وقد أعد له برنامج مماثل لدى زيارته لكل من ألمانيا وإيطاليا.

وفى ختام زيارته لألمانيا بعث أحمد حسين برسالة إلى هتلر زعيم ألمانيا أعرب فيها عن إعجابه بالنهضة الاقتصادية التى تشهدها فى ألمانيا وأضاف:

“تستطيع ألمانيا أن تكسب عطف الدول الشرقية وأن تغنم صداقتها الاقتصادية إذا رسمت برنامجها على أساس أنها فى كفاحها نحو التقدم والتطور لا تبغى البطش بأحد وأنها لا مطمع لها فى استعمار واستعباد بلد من البلدان أو الانتقاص من حق شعب من الشعوب”.

وقال فى رسالته لهتلر التى تعكس حدسه الذى أكدت الأحداث سلامته ودقته فى مرات عديدة:”والحق أن ما تحتاجه ألمانيا هو السلام والسلام الدائم فإن هذا الشعب العظيم لن يأخذ مكانته تحت الشمس إلا فى ظل السلام. فأرجوا أن تحرص على السلام يا سيدى المستشار لأنى أخشى إذا ما وقعت الحرب أن تعود ألمانيا لخسارة كل ما كسبته الآن وما سوف تكسبه سواء خرجت من الحرب منتصرة أو منهزمة لأن الحرب القادمة ستكون وبالا وخرابا على الطرفين”.

خاتمة

… وصلنا مع مسيرة كفاح مصر الفتاة إلى نهاية عام 1938.. ونكون بذلك قد وصلنا إلى مشارف الحرب العالمية الثانية التى تمثل علامة فارقة فى طريق الكفاح الوطنى فى مصر.. وفى جهاد مصر الفتاة.. حيث سنوفر جزءا ثانيا لعرض مسيرة كفاح مصر الفتاة من عام 1939 حتى 1952..

وغنى عن البيان أن مهمة هذا الكتاب بجزئيه اقتصرت على عرض مواقف وأفكار مصر الفتاة وتطور كفاحها مع تدفق الأحداث وتجدد التحديات التى تواجه الأمة.. فى عملية عرض شاملة.. تقدم مادة تثقيفية بالغة الأهمية بعث مجد مصر ودورها القيادى فى المنطقة، وعلى الجهاد من أجل بناء حضارة الشرق فى مواجهة الحضارة الغربية المفلسة، التى لم ينالنا منها سوى التبعية السياسية والعسكرية والفكرية، تلك التبعية التى مسخت شخصيتنا الحضارية دون أن تسمح لنا بالالتحاق حقا بالحضارة الغربية..

ولا خلاف الآن على أن أخص ما تحتاجه البلاد فى الوقت الراهن.. هو تعزيز الثقة بالنفس، والانتماء للوطن، وحضارته، وأديانه.. من أجل انجاز الاستقلال الوطنى الحقيقى الذى لا يمكن إلا أن يقوم على قاعدة اقتصادية مستقلة، وأننا فى أمس الاحتياج لذلك كيما يرتبط المصرى بأرضه ويعتز بمصريته، وبثمار وإنتاج بلاده.. وأن يرتبط العربى بعروبته..

وبعد إفلاس الحضارة الغربية بشقيها الرأسمالى والشيوعى.. وحيث يتزايد الإدراك بهذه الحقيقة فى بلدان العالم الثالث بل وأيضا فى البلدان الغربية نفسها.. تتضح أهمية دراسة تراث حركة مصر الفتاة ومختلف الحركات القومية والإسلامية الأصيلة فى رسم الإطار الحضارى المتميز لبلدان الشرق، وفى تحديد الكثير من الأهداف السياسية والوطنية فى الوقت الحاضر..

وهكذا فإن تراث مصر الفتاة بهذا المعنى ليس تاريخيا فحسب، ومع ذلك فإن مهمة الكتاب كما ذكرنا اقتصرت على العرض كمادة تثقيفية، وتاريخية للأجيال الشابة يمكن الاسترشاد بها إلى حد كبير فى التصدى للتحديات الراهنة فى العمل الوطنى. إلا أنها لا تدخل فى إطار التاريخ بالمعنى الأكاديمى، كما أن معالجة فكر مصر الفتاة وإسهاماتها النظرية، وما مثلته من صيغة جامعة بين التيار القومى العربى وبين التيار الإسلامى، بين الدائرة المصرية والدائرتين العربية والإسلامية، بين المسلم والقبطى فى إطار الجامعة السياسية المصرية، ما يحتاج لمعالجة فكرية مستقلة قادمة إن شاء الله..

هؤلاء كتبوا على صفحات جرائد مصر الفتاة

فى الفترة بين 1933- 1938

  1. عباس محمود العقاد.
  2. طه حسين.
  3. توفيق الحكيم.
  4. إبراهيم عبد القادر المزنى.
  5. سلامة موسى.
  6. عبد الرحمن الرافعى.
  7. هدى شعراوى.
  8. سيد قطب.
  9. محمد قطب.
  10. الفنان بيكار.
  11. الشاعر محمود حسن إسماعيل.
  12. مى زيادة.
  13. سهير القلماوى.
  14. أحمد الصاوى محمد.
  15. فكرى أباظة.
  16. عبد المجيد نافع المحامى.
  17. عبد الرحمن بدوى.
  18. مصطفى الحفناوى.
  19. مأمون الشناوى.
  20. أكرم الخالدى- المفكر القومى العربى.

ومن أعضاء الحزب:

  1. فتحى رضوان.
  2. محمد صبيح.
  3. حافظ محمود.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: