حكام السنة وافقوا على دخول الأوكسجين فقط للعراق

الحلقة 13

<< البرازاني زار اسرائيل لعقد اتفاق استراتيجي مع الأكراد

<< تشرشل صاحب أول قرار بضرب الأكراد بالكيماوي

<< 1982: خريطة اسرائيل للعراق وتركيا وسوريا كما هي الآن


ان ما حدث في نهاية حرب 1992 لتدمير العراق واحتلال الكويت والتي سميت كذبا حرب (تحرير الكويت) ان ما حدث في نهايتها كان نموذجا صريحا للسياسة الأمريكية في احداث الوقيعة بين العراق وايران، وبين الشيعة والسنة. فحين رأت أمريكا قوات بدر الشيعية العراقية تقوم بانتفاضة لاسقاط النظام أو على الأقل الاستيلاء على جنوب العراق، تركت القوات العراقية البرية والجوية تتحرك بحرية لضرب هذه الانتفاضة، في حين انها اتبعت سياسة عكسية في كردستان، حيث بدأت بفرض حظر جوي يمنع الطيران الحربي العسكري العادي أو العمودي من الطيران فوق المنطقة، وهو ما أعطى الأكراد فرصة لتحقيق حالة استقلالية لا تزال مستمرة حتى الآن، فمنذ عشرات السنين توجد علاقات عضوية استراتيجية بين قيادة أكراد العراق خاصة البرزاني الأب وبين أمريكا واسرائيل والغرب، وهي علاقات سياسية واستخبارية وعسكرية واقتصادية وأغلبية الشعب الكردي تسير خلف هذه القيادة لأنها تلوح لها بأمل الاستقلال وإقامة دولة كردية مستقلة وهو أمر لم يتحقق عبر مئات السنين، حيث كانت دويلة الأكراد موزعة بين السيادتين التركية العثمانية والايرانية الصفوية. وهنا يتعين الوقوف هنيهة عند مسألة الأكراد فهم “سُنة” إلا أن تاريخهم الخاص، وتعرضهم للتفتت والهيمنة من هذه الدول، خلق عندهم حالة من الكراهية لشعوب ونظم قسمت دويلتهم وسيطرت عليهم، وعيش الأكراد في الجبل الوعر ساعدهم على تكوين تاريخهم الخاص ونفسيتهم المستقلة تحت العبارة المأثورة (الجبل صديق الأكراد). ورواية تاريخ الأكراد مهمة لأن الأكراد ورقة أساسية لدى أمريكا واسرائيل لتفتيت المنطقة خاصة (سوريا- لبنان- تركيا- ايران). لذلك تبدو عملية التقاء المصالح القومية الكردية مع مصالح أمريكا واسرائيل.

ولكننا سنتحدث في سطور قليلة عن هذا التاريخ حتى لا نخرج عن موضوعنا رغم أن الأكراد في قلب هذا الموضوع (الفتنة الشيعية- السنية وفتنة التقسيم عموما لقلب العرب والمسلمين). وسنكتفي بالماضي القريب حيث كانت الدويلة الكردية على نفس هذه الأرض الحالية (جنوب شرقي تركيا- شمال غربي ايران- شمال العراق- شمال سوريا) وهي منطقة واحدة متصلة أرضياً وجغرافياً، وربما الأكراد حظهم نكد، وظروفهم هي التي صنعت مأساتهم، ثم أصبحوا هم جزءاً لا يتجزأ من مأساتنا نحن العرب والمسلمين: فقد كان موقعهم بالضبط في نقطة مفصلية بين الدولتين العثمانية والصفوية. وفي أغلب الأحيان كانت ديار بكر (منطقة الصراع الكبرى الآن بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني) تحت سيطرة الدولة العثمانية أي جنوب شرق تركيا الحالية. ولكنها كانت تنقلب أحيانا للتعاون مع الدولة الصفوية، وتنقلب على الاثنين لتحقيق الاستقلال، ولكن كانت نتيجة هذه الطموحات أن تعرض الأكراد للطحن من الجانبين: العثماني والصفوي خاصة وهم في منطقة حدودية.

وبقدر تعرض الأكراد لحملات دموية فقد كانوا دمويين بدورهم، وفي مقال خطير لأزار آغري بصحيفة الحياة اللندنية 16/4/2017 بعنوان (الجانب غير اللائق من التاريخ الكردي) ورد فيه ما يؤكد تعرض الأكراد للبطش المزدوج من العثمانية والفارسية مع تقلب الولاء لكليهما، إلا انه يتحدث عن مجازر قام بها الأكراد للمسيحيين والأيزيديين (الذين تعرضوا لمجازر أخيرا من داعش) وقام الأكراد أيضا بمجازر ضد الآشوريين والكلدان والأرمن والسريان رغم أنهم كانوا غير مسلحين بالاضافة لتدمير الكنائس وحرقها. ما يسمى اقليم كردستان لم يكن للكرد وحدهم بل كان يضم السريان والآشوريين ولكن عددهم في تناقص بسبب مذابح الكرد لهم في أرومية وسلماس ونوهدرا وأربيل وزاخو.

كما كان للعشائر الكردية الدور الأكبر في مذابح الأرمن التي يتهم فيها العثمانيون، ومذابح الأرمن التي يجري الحديث عنها والتي يجري الخلاف حول أعداد الضحايا بين 100 ألف (كما تقول تركيا) ومليون ونصف كما يقول الأرمن والغرب الآن. هذه المذابح جرت في جنوب شرقي تركيا: قارص موشى- ديار بكر- الآزغ- أورفة- نصيبين وقد كانت مواطن للأرمن والسريان.

إذن اتهامات التطهير العرقي ليست بعيدة عن الأكراد، وان كان الأكراد لم يتعرضوا للتطهير العرقي لأنهم مسلمون سنة. قد يتعرضون للقهر أو السيطرة ولكنهم متواجدون في اماكنهم بما لا يقل عن 30- 40 مليون في الدول الأربعة.

 لا أؤمن بفكرة معاداة الشعوب أو كراهية الشعوب، ولكن المشكلة تكون في القادة وحكام الدول. ومشكلة الأكراد في قادتهم واتباع معظم الأكراد لهم. فالبرزاني مثلاً يحكم الآن بالقوة، فقد انتهت مدة حكمه كرئيس لاقليم كردستان، ولكنه لا يريد اجراء انتخابات، ويطرح بدلاً من ذلك إجراء استفتاء استقلال كردستان، ليحافظ على شعبيته ويظل رئيساً.

ورغم أن حزب طالباني الآخر يسير في نفس الاتجاه إلا أن منطقة نفوذه على حدود ايران تجعله يراعي المواقف الايرانية. أما برزاني فإن والده مصطفى في الخمسينيات من القرن العشرين كانت له علاقات مباشرة مع اسرائيل، وسافر إلى اسرائيل والتقى مع قادتها وهناك صور فوتوغرافية لهذه اللقاءات. وقد أشرنا من قبل إلى إرسال أسلحة له عبر أراضي ايران في عهد الشاه.(هذه الصور نشرتها الشعب منذ سنوات).

أمريكا والغرب لا يعرفون المبادئ لا في تقرير المصير ولا في حقوق الانسان، والاستعماران الفرنسي/ الانجليزي عبر سايكس بيكو هما اللذان حددا حدود سوريا والعراق بما في ذلك تقسيم الأكراد بينهما. والاتحاد السوفيتي وبريطانيا هما اللذان قسما ايران ثم شاركتهما  أمريكا، فهم من وضع جزءا من الأكراد في إيران، وهم الذين قسموا التركمان بين إيران وأذربيجان، وهم الذين خلقوا مشكلة حدودية بين أذربيجان وأرمينيا (هي ناجورني كاراباخ)، والاتحاد السوفيتي هو الذي انتزع جورجيا من إيران، وانجلترا هي التي ساهمت في تحديد الحدود بين أفغانستان وإيران.. وفي وقت من الأوقات كان هناك جزء من الأكراد داخل حدود الاتحاد السوفيتي!!.

وعندما كانت انجلترا تحتل العراق، فقد كانت شديدة العداء ضد أكرادها. وفي حين ثبت الاعلام الغبي في العقول أن صدام حسين هو “بطل” استخدام الكيماوي ضد الأكراد، فإن هذا الاعلام لا يذكر أن تشرشل هو صاحب قرار قصف كردستان العراق بالغازات السامة. وهي فكرة طرأت بسبب وعورة جبال كردستان.

وهذا سبب استخدام إيطاليا موسوليني للغازات السامة لاحتلال أثيوبيا وأديس أبابا العاصمة. ولكن أحداً في الاعلام الغربي لا يذكر أحدا بذلك، حتى يظل الكيماوي مرتبط بالعرب.. (صدام- بشار) صدام بصورة مؤكدة، وبشار لم يتأكد بعد.. وهذا ليس دفاعاً عنهما ولكن تأكيداً بأن الغرب هو صاحب الريادة في استخدام الكيماوي، كما كان صاحب هو الريادة في استخدام القنابل النووية في هيروشيما ونجازاكي باليابان.

اذن الاستعمار البريطاني هو الذي استخدم أقصى درجات العنف ضد الأكراد، ورفض فكرة الاستقلال وتقرير المصير عندما كان هو الذي يحتل العراق. والغرب هو الذي خطط حدود تركيا، وهو الذي أخذ عرب لواء الاسكندرونة السوري وأعطاه لتركيا. وهو الذي كان يعرف أن جنوب شرق تركيا من الأكراد.

والآن عندما استقلت كل هذه الدول  أصبحت قضية استقلال الأكراد وحق تقرير المصير مسألة مقدسة وحضارية ومن حقوق الانسان. كما كانت الأهواز (البترولية) جزءاً طبيعياً وبديهياً من إيران طالما هي تحت الاحتلال البريطاني، وأصبحت الآن جزءاً عربيا محتلاً يجب أن يقرر مصيره لأن إيران أصبحت مستقلة.
خريطة تقسيم الشرق الأوسط التي رسمها برنارد لويس المفكر اليهودي الاستعماري الأكبر، والمعادي للاسلام حتى النخاع ومستشار الحكومة الأمريكية.. هذه الخريطة يقع الأكراد في قلبها، فدولة الأكراد ستدمر 4 دول مرة واحدة (وأكرر العراق- سوريا- تركيا- إيران). خريطته قسمت العراق كما هو الآن!!.

أيضا خريطة العراق أصبحت في الواقع كما رسمت تماما في خريطة اسرائيلية في مجلة (كيفونيم) وهي صحيفة المنظمة الصهيونية العالمية 1982، ورسمها ادويد إينون الخبير بوزارة الخارجية الاسرائيلية وهو كادر أمني. الخريطة تحققت على أرض الواقع-

(1) كردستان 
(2) شيعستان في الجنوب وبغداد.
(3) داعش في الوسط السني .

ويقول بدقة في دراسته ان (تفتيت العراق أهم من سوريا)!!


الأولويات مضبوطة كما حدث. وضرب دولة داعش لن ينهي مشكلة السنة في العراق كما يبدو حتى الآن.
الخريطتان الاسرائيلية لـ (إدويد إينون) واليهودي الانجليزي الأمريكي (برنارد لويس) تشملان تقسيم إيران وتركيا والأكراد عنصر أساسي في هذا التقسيم، ويضاف الأتراك في إيران ويسكنون في الشمال أيضا كالأكراد!.

لذلك فإن الغرب الذي سام الأكراد سوء العذاب أثناء الاحتلال، أصبح الأكراد في بؤبؤ عيونه الآن. لأن جيوش الاحتلال انسحبت ولابد من قصم ظهر هذه البلدان الأكبر والأقوى في المنطقة (سوريا- العراق- تركيا- إيران) ومصر لها مشروع آخر لانه لا يوجد بها أكراد ولا شيعة. في مصر يوجد مسيحيون ونوبة وبدو!! وإن كانت الأعداد ليست كافية لإحداث أزمة كبرى بسرعة. ولكنها تسير على الطريق.

منذ سقوط الشاه، ورفض الغرب لصدام والثورة الايرانية تزايد الاهتمام بورقة الأكراد. إذن قادة الأكراد في العراق أولا (ثم فيما بعد في سوريا وتركيا) يتلقون كل ما يحتاجون إليه من دعم اقتصادي- إعلامي- عسكري- سياسي. وقد ظهر هذا واضحا عام 1992 عندما تم تحديد خط عرض معين في شمال العراق لا يسمح بطيران العراق بالدخول إليه واستمر هذا الحظر حتى عام سقوط صدام حسين 2003.

ويعلم صدام حسين انه إذا استخدم قواته البرية لدخول كردستان فإن القصف الأمريكي سينفتح عليه بلا حدود. ولذلك فيما عدا مناورة معينة (سنأتي اليها) فإن كردستان ظلت مستقلة حتى الآن.

ومنذ ذلك الوقت حتى الآن فان القوة العسكرية الغربية تستخدم لحماية كردستان العراق. ثم كردستان سوريا. مع أقصى تعاون سري مع أكراد تركيا. وهناك عمليات في كردستان إيران ولكنها مرشحة للتزايد فيما بعد بعد تحرر الأكراد في الدول الثلاثة الأخرى.

وقد تعرضت الثورة الايرانية لانتفاضة مسلحة مضادة في البداية ولكن تمت السيطرة على أكراد إيران، ولكنها منطقة معرضة للاشتعال.

وأكراد ايران أيضا يتسم قادتهم بالعلمانية واليسارية كما هو حال باقي قادة الأكراد في البلدان الأخرى، مع الرغبة العارمة في الاستقلال وهذا أيضا من ضمن التاريخ الخاص للأكراد، فرغم أن الصعود الاسلامي هو الغالب على المنطقة إلا أن الأكراد في البلاد الأربعة وهم سنة جميعا  لكن لم يعرفوا صحوة اسلامية واضحة.

وإن كانت كردستان العراق بدأت تشهد ظهور حزب اسلامي اخواني (الاتحاد الاسلامي الكردستاني) وقد نجح في دخول البرلمان بأعداد قليلة، ولكنه يتعرض لقمع شديد حتى لا يتوسع.

المهم أن العراق فقد ثلثه الشمالي (كردستان) بما فيه من ثروات بترولية غنية في كركوك وما حولها ويتم تصديرها عبر تركيا بالشاحنات وعبر خط أنابيب.

الأكراد سنة وما أروع عند الأمريكان أن يكون السنة تحت قيادة علمانية وتحت سيطرة الغرب، الأكراد هم الحليف رقم 2 في المنطقة بعد اسرائيل.


حكام السنة يواصلون ضرب العراق


بعد وقف اطلاق النار، وبعد تمكن صدام من السيطرة على العراق (عدا كردستان) فان حكام السنة العرب ، أقصد الذين يحكمون مجتمعات سنية ، واصلوا السير وراء تعليمات وسياسات أمريكا التي تقول بسحل العراق. ورغم أن مشكلة الكويت قد حلت وعاد أمراؤها لحكمها وتم اصلاح كل شيئ. إلا أن أمريكا كانت تريد أن تسوي العراق بالأرض. وظل حكام العرب (السنة مع الأسف) يشاركون أمريكا في خنق العراق. وكان أول قرار دولي بحصار العراق مثير للسخرية والضحك إن جاز الضحك في هذا المجال، كان قراراً بمنع كل شيئ من دخول العراق عدا الأوكسجين، ليس لأن مجلس الأمن رأى عدم إنسانية منع الأوكسجين ولكن لأنه لم يكن هناك وسيلة علمية أو عملية لمنع الأوكسجين!! وكان حكام العرب كالمعيز يوافقون على كل شئ. ورفض العراق هذا القرار وظل يعتمد كما ذكرنا على التجارة مع إيران وسوريا وتركيا وربما التهريب من الأردن أيضا، وهي كلها بلاد محيطة بحدود العراق. كانت أمريكا تتحكم- بعد سقوط الاتحاد السوفيتي- في قرارات مجلس الأمن، وصدرت فيما بعد قرارات أقل ظلما  بتقديم النفط للأمم المتحدة والحصول على المواد الغذائية والاستهلاكية مقابل ذلك.

وهنا بدأ الحكام العرب  يشاركون في هذا المشروع من أجل المكاسب المالية (مثل مبارك).

 مبارك قال للشعب انه أسقط 15 مليار دولار من ديون مصر لأمريكا مقابل موقفنا المخزي من العراق. وهبطت مديونية مصر من 45 إلى 30 مليار دولار. وكان أول حاكم يفتخر ببيع الشرف مقابل المال. وفي خطاب جماهيري في ضواحي الخرطوم قال ابراهيم شكري زعيم حزب العمل المصري: يا مبارك لقد بعت شرف الأمة بحفنة دولارات. وتقبل شكري بعد عودته للقاهرة سيلا من الشتائم والكاريكاتير الحقير ولكنه كان شرفاً وأوسمة على صدره.

وكان مبارك يتحدث طويلا عن إرساله أكثر من أربعين رسالة لصدام حسين يدعوه فيها إلى الرضوخ لمطالب الأمريكان.

وحتى بعد انتهاء الحرب ظل مبارك يفتخر بهذه الخطابات حيث أصبحت الدعوة للخنوع رجولة، بل أصبح الجبن رجولة.

كانت المرحلة بين 1992- 2003 مرحلة التحطيم الكامل لأي قوة اقتصادية أو عسكرية للعراق وبدأ مسلسل ممل للتفتيش بدعوى البحث عن الصواريخ وقواعد الصواريخ ثم أسلحة الدمار الشامل. وظلت المرحلة- أمريكيا- هي القضاء على العراق، وقد أدى هذا إلى إعطاء إيران فرصة للتعافي واستعادة القوة. فرغم قوة أمريكا.. ظلت محتارة بين العراق وإيران. ولاتزال حتى الآن.            

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: