لا نصر حاسما ولا هزيمة ساحقة في الانتخايات اللبنانية.. ولكن المشروع الامريكي تعثر – كمال خلف

كمال خلف

من اجل فهم واقع لبنان الراهن واستشراف مستقبله في ضوء ما يجري من احداث تفصيله لا بد من القاء نظرة سريعة نحو التاريخ، وخاصة كيف تأسس لبنان قبل مئة عام، قد يكون ذلك المدخل المناسب لفهم طبيعة الصراع السياسي القائم وجذور القوى المتصارعة، ومسألة الصراع على الهوية الذي اخذ اشكالا مختلفة في حقب متعددة، مع تغير اللاعبين المحليين والدوليين.

يقول المؤرخ اللبناني “فواز طرابلسي” في كتابة “تاريخ لبنان الحديث من الامارة الي اتفاق الطائف” “فرضت حدود لبنان عليه فرضا عكس إرادة أكثرية سكانه”.

هكذا تخلت فرنسا عن مطالبتها بفلسطين تلبية لرغبة بريطانيا بانشاء وطن لليهود، مقابل انشاء فرنسا وطن اثني آخر في لبنان، كان الجميع يتصور انه سيكون في حدود المتصرفية، لكن فرنسا وسعت الرقعة الجغرافية.

عام 1919 أي قبل عام من اعلان دولة لبنان الكبير جاءت اللجنة الدولية الى لبنان والتي عرفت بلجنة “كينغ – كراين” قبل انعقاد مؤتمر السلام الدولي بعد الحرب العالمية في “سان ريمون”. وقالت نتائجها ان 80 بالمئة من سكان لبنان من كل الطوائف صوتوا ضد الانفصال عن سورية، بينما صوت 14 بالمئة فقط من اللبنانيين بالموافقة على الانتداب الفرنسي للبلاد، وبعد عام وفي جبل عامل جنوب لبنان عقد مؤتمر وادي الحجير الشهير الذي ضم 600 وجيه وعالم مع زعماء المقاومة اللبنانية بقيادة ادهم خنجر وصادق حمزة واعلنوا استقلال جبل عامل ضمن الاتحاد مع سورية، ومثل ذلك كان راي  زعماء واعيان مدن بيروت وطرابلس وصيدا وصور وبعلبك في مؤتمرات متلاحقة من العام 1921 حتى العام 1936.

وحتى مجلس إدارة جبل لبنان الذي كان يضم “سعد الله حويك” شقيق البطرك “الياس حويك”، وأعضاء المجلس المنتخب “موارنة ودروز وعلويين وشيعة وروم”، اعتقلهم جميعا الفرنسيون وهم في طريقهم الي سورية ووجهت لهم تهمة العمل على دمج لبنان مع المملكة السورية، وتم نفيهم خارج البلاد. لم يكن البطرك “الياس حويك” الذي عمل مع الفرنسيين على تأسيس لبنان يمثل حتى اغلبية راي الموارنة الذين كان جزء كبير منهم مع الاتحاد  السوري ومع لبنان عربي ومنهم “جبران خليل جبران”.

خلاصة القول ان فئة قليلة مدعومة من الاستعمار الفرنسي استطاعت ان تفرض اراداتها على غالبية سكان البلاد، وبناء عليه نشأ صراع في الهوية واستمر لعقود وحتى اليوم، ومر بمراحل تاريخية انقسم فيها لبنان بين مشاريع ومحاور عربية وإقليمية ودولية، واسس لحروب داخلية أهلية مازالت البلاد تعيش شبح تكرارها الى اليوم.

الحرب الاهلية عام 58 وتلك التي تلتها عام 75 لم تكن سوى فروع لجذر التركيبة التاريخية القسرية للبلاد، تكتل “اليمين الانعزالي المسيحي” تحت شعار لبنان لنا وحدنا، معتمدا على دعم خارجي من فرنسا الاستعمارية ابتداء، ثم من أمريكا و إسرائيل خلال الحرب الاهلية عام 75 الذي وصل الى دفع لبنان الى توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 كثاني اتفاق سلام مع إسرائيل بعد كامب ديفيد، ثم أمريكا والسعودية ومن الخلف إسرائيل لاحقا الى اليوم، وبناء عليه وقف ذلك التيار ضد العروبة، وضد عبد الناصر، وضد المقاومة الفلسطينية، وضد سورية، وضد التيار القومي العربي، وضد اليسار العربي، وحتى ضد الانفتاح المسيحي ونزعة التعايش بين أبناء البلد الواحد، والان ضد المقاومة اللبنانية الممثلة بحزب الله.

لم يكن اتفاق الطائف عام 1989 سوى تسوية تلجم طموحات ذاك التيار الانعزالي، وتضمن توافق طائفي نظر الى الحرب الاهلية على انها صراع “مسلم مسيحي”، وهي لم تكن كذلك، على رغم من انها تجلت بهذه الصورة في بعض مشاهد الحرب، لم تكن الحركة الوطنية اللبنانية او منظمة التحرير قوى دينية إسلامية لا من ناحية ايديولوجيتها  او قادتها، او كوادرها.

ادار اتفاق الطائف عام 89 لعبة التوازنات بوجود حكم يضبط إيقاع اللعب هو سورية .  لكن السنوات التي تلت شهدت تراجعا للمد القومي، وانحسارا للفكر اليساري، انهار الاتحاد السوفيتي أبو الشيوعية، وغزت أمريكا العراق واطاحت بحكم البعث القومي عام 2003. وعلى اثر ذلك تصاعدت الضغوط الامريكية على سورية، أدت هذه الظروف الى عودة خطاب اليمين المسيحي اللبناني الى الحياة مجددا، أدى خروج الجيش السوري بعد حادثة اغتيال رفيق الحريري عام 2005، الى تصاعد خطاب اليمين مموها بخطاب قوى سياسية أخرى ناصبت العداء لسورية في هذه المرحلة تسيد هذا الخطاب في لبنان، وعاد لينتج سرديته حول الحرب الاهلية ومراحلها ورموزها ومسؤولية الأطراف عنها وفيها  ، معمما تلك السردية خارج اطار مجتمعه المغلق الى فضاء لبناني أوسع، تم القاء كامل المسؤولية على ما اسموه الاحتلال الفلسطيني الغريب، وتم تحريف دور سورية في الحرب وتقليصه بانه احتلال جاء لقتل المسيحيين . مقابل اندثار كامل للسردية المقابلة للقوى الوطنية اللبنانية ، واختفاء شبه كامل للاحداث المفصلية الحقيقة.

في عام 2006 جاء الاتفاق الشهير الذي عرف باتفاق “مار مخايل” بين حزب الله والتيار الأكبر على الساحة المسيحية التيار الوطني الحر. كان هذا الاتفاق وصفة علاج لطرد شبح الحرب الاهلية.

 نقل ميشيل عون معه الساحة المسيحية الى مرحلة من الانفتاح والتعايش، والأمان، مغلقا باب الحرب، ولاجما صوت التطرف والانعزال. دفع ميشيل عون ثمنا باهظا بسبب هذا الموقف الشجاع. ومن المرجح ان كل الضغوط الامريكية والإسرائيلية وحملة التشوية الداخلية خلال السنوات الماضية الى اليوم كان سببها هذا القرار.

 دعمت الولايات المتحدة خصوم عون وتحديدا حزب القوات اللبنانية، لاحقا تبنت السعودية هذا الحزب . وبات المسيحيون امام نموذجين، الأول يمثله عون بنهج التعايش والانفتاح والتسامح وحماية المسيحيين من الاخطار، والثاني يمثله جعجع بنهج الانعزال وزج المسيحيين في حروب ومواجهة مفتوحة مع المقاومة اللبنانية وبيئتها وسورية، خدمة للولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وضمن معركة العداء بين السعودية وحزب الله من ناحية أخرى.

ولم تكن الحرب في سورية عام 2011 سوى فرصة لذلك التيار لقلب المعادلة في لبنان ، وكان امامه فرصة للتخلص من حزب الله. وكان يراهن على ان القوى المتطرفة اذا ما نجحت في اسقاط الأسد في دمشق فانها ستكون الأداة لخوض المعركة مع حزب الله . لم يشعر باي خوف من تلك الجماعات المتشددة في سورية طالما ايقن ان الغرب يدعمها.

من هنا يمكن فهم معركة الانتخابات البرلمانية في لبنان ، بانها لم  تكن استحقاقا ضمن لعبة ديمقراطية بين أحزاب متنافسة وفق برامج تجد مخرجا لانقاذ البلاد التي تعاني من اسوء ازمة اقتصادية في تاريخها، انما كانت موعدا  ضربته الولايات المتحدة  باستخدام أطراف محلية قاعدتها الصلبة “اليمين المسيحي المتطرف” القديم الجديد، بعد اجراء عملية تجميل له بتغليفه بقضايا السيادة والاستقلال والمطالب الاجتماعية والإنقاذية ، ولصقه بالحركة الاجتماعية المطلبية كرافعة شعبية، وتنصيبه قائدا لعملية تغيير شعارها المعلن دفع لبنان نحو الأفضل، وهدفها الاصل تغيير وجه لبنان السياسي ودوره في المنطقة، ونزع مشروعية المقاومة في شق مؤسسات الدولة، لتصبح حركة منزوعة المشروعية في بلادها ، بالتوازي مع تجريمها دوليا.

ثلاث سنوات من العمل المحموم على ثلاث مستويات متوازية سياسية واقتصادية مالية معيشية وإعلامية منسقة ومكثفة رفعت سقف مخاطبة الجمهور بلغة تجريم المقاومة وتحميلها كل مشكلات البلاد وكل حادث يجري في البلاد ، وكل حدث مفتعل او عارض. لتشويه سمعة المقاومة  والتحريض عليها على مستوى لبنان بشكل عام، والبيئة الحاضنة  بشكل خاص للوصول للحظة الانتخابات التي ستقلب المشهد، وتضع حزب الله وخطه السياسي في اول دوائر الحصار على صعيد الدولة اللبنانية ومؤسسات القرار فيها.

هذه حقيقة الانتخابات وحيثيات اجرائها والاهداف المنشودة منها، وبالمناسبة لم يخف المسؤولون الأمريكيون بمطالعات في حقب مختلفة هذه الأهداف ، وتحدث اكثر من مسؤول امريكي سابق من أمثال جيفري فيلتمان ، وديفيد شينكر وهيل  عن جهود بذلتها الولايات المتحدة وعن أموال دفعتها بهدف تشويه صورة المقاومة في لبنان، وطبعا معروف لماذا تفعل  ذلك ولمصلحة من؟

وفي نظرة عامة للنتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية ووفق الجهود الجبارة التي بذلها خصوم حزب الله في الداخل والخارج يمكن الاستنتاج بوضوح ان المشروع واجه الفشل.

صحيح بانه ليس ثمة نصر حاسم او هزيمة كاملة لأي فريق بحسابات مقاعد البرلمان، اما ترجمة ذلك في المشاريع والمراهنات السياسية ، فان هناك تعثر للمشروع الأمريكي في لبنان، بعدم تحقيق الأهداف المنشودة من الانتخابات، وهذا لا يعني ان المشروع في بعده الاستراتيجي توقف، فجهود دعم وتنمية التيار الانعزالي في لبنان وتوسيع قاعدته  مستمرة.

ليس حزب الله سوى مقاومة وطنية لبنانية لها جذورها التاريخية ، يجري نعتها بايرانية لتبرير مواجهتها من بوابة الاستقلال والسيادة، والحقيقة تكمن في صراع قديم جديد حول لبنان ودوره وموقعه.

كاتب واعلامي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: