الأقباط ساعدوا المسلمين فى دخول مصر وأسلم معظمهم بعد أكثر من قرنين !! – بقلم : مجدى حسين

الصورة لحصن بابليون

نبوءات رسول الله (ﷺ) حول الشام و فلسطين معجزة ونحن نتوقف عند الفتح الأول للشام الذى كيف كان رسول الله (ﷺ)وهو فى أضعف أحواله العسكرية و المادية يتحدث عن فتح الشام بمنتهى اليقين وكأنه يتحدث عن حدث وقع فى الماضى ولا خلاف عليه !!

و فى الآية الكريمة ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق .الأرض ومغاربها التى باركنا فيها ) الأعراف – 137

قال الحسن البصرى وقتاده المقصود بها الشام ، وقال الشوكانى أرض مصر و الشام و الطبرى استبعد مصر و هذا رأى جمهور المفسرين .

والآية الكريمة الأخرى تؤكد أن الأرض المباركة هى فلسطين و الشام ( نؤكد مرة أخرى أن فلسطين كانت تاريخياً جزءاً من الشام ) .. ( ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين ) الأنبياء – 81 .

والثابت أن سيدنا سليمان كان حكمه فى فلسطين ( الشام ).

ونعود إلى الأحاديث ، وإلى حديث من مسند أحمد .. وهو حديث مشهور .. ( لاتزال طائفة من أُمتى على الحق ظاهرين ، لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول الله : وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) .

أليس جهاد الفلسطينيين الحالى مصداقاً لهذا الحديث ، رغم تخلى معظم حكام المسلمين عنهم ؟

بارك أعلام الصحابة أرض الشام بالنزول إليها فى الفتوح ثم الإقامة بها ولا يمكن احصاؤهم جميعا ومنهم : خالد بن الوليد _ عبيدة بن الجراح _ أبو ذر الغفارى _ و أبو الدرداء _ وابن عمر و صفية عمة رسول الله (ﷺ) و عمرو بن العاص و عبد الرحمن بن عوف . و عين عمر بن الخطاب الصحابى الجليل الذى شهد بيعة العقبة ، عبادة بن الصامت كأول قاضى فى فلسطين .

كانت فتوحات فارس بالتوازى مع الشام تتقدم حتى أن عمر بن الخطاب من خشيته من كثرة الأموال ( الغنائم ) قرر فى 17 هجرية وقف الفتوحات . وأرى أن هذا قرار مركب له عدة دوافع ، فهو يخشى من طول الخطوط التى يعمل عليها الجيش المسلم بعيداً عن قاعدته فى المدينة ، وهو يقوم بوقفة تعبوية لاستيعاب مكاسب هذه الفتوحات وتوطيد الحكم الإسلامى فيما وصل إليه ، ولكنه واصل الفتوحات فى فارس بعد ذلك فى مواجهة تآمرات حكام الفرس و محاولاتهم تجميع قواهم لاسترداد ملكهم ( دون جدوى ) . وكانت الغنائم تتدفق على بيت المال بعد المدائن ، خاصة فى معركة القادسية ثم جلولاء وفيها وصل نصيب الفارس 9 آلاف درهم و 9 من الدواب بإجمالى 80 مليون درهم . .

فتح مصر :

من الإنجازات التى انفرد بها عهد عمر بن الخطاب فتح مصر وما أدراك ما فتح مصر ، رغم أنه كان متردداً فيه . وكان عمرو بن العاص هو الذى يصر عليه ، فالفضل لعمرو بن العاص دون أن نقلل من فضل عمر لأنه فى النهاية هو الذى وافق وقرر كخليفة للمسلمين . وتناولنا فتح مصر من قبل أكثر من مرة وأكدنا أن فتح مصر كان عملاً استراتيچياً كبيراً فى واقع الأمر فهى حجر زاوية المنطقة وفتحها هو الذى أدى للوصول إلى أوروبا من جهة الغرب بعد 73 عاما فقط فى القرن السابع الميلادى بينما اقتضى الدخول إلى أوروبا من جهة الشرق لفتح القسطنطينية 8 قرون !!

حيث تم ذلك فى عام 1453 م أى فى القرن الخامس عشر وبعد معارك وخسائر عديدة و كثيرة من أيام معاوية حتى محمد الفاتح العثمانى . وأدى فتح مصر إلى نشر الإسلام سريعا فى شمال أفريقيا من ليبيا إلى المغرب وأيضا فى شمال السودان ، و ممالك أفريقيا الغربية . وذكرنا منذ قليل ماذا كان حال مصر فى عهد الرومان قبل الفتح الإسلامى ؟

وفتح مصر متفرد من زوايا عدة عن فتح الشام و العراق و فارس ، وإن كان امتدادا لفتح الشام كجناحين للامبراطورية البيزنظية فكان معجلاً لتراجعها حتى أن هرقل امبراطور الروم مات بعد فتح مصر وكأنه مات كمداً .

_ أما تفرد فتح مصر فكان من عدة زوايا :

1 _ كان عدد الجيش الإسلامى صغيراً إلى أبعد حد ( 4 آلاف مقاتل ) مقابل 100 ألف جندى رومانى معسكرين فى مصر ، وكأن عمرو بن العاص المتصل بأحوال مصر كان واثقاً من مساندة أهل مصر له لبغضهم الرومان . وحتى هؤلاء الأربعة آلاف كانوا مُجهدين من مشاركتهم فى فتح الشام ولما تأخروا فى فتح مصر أمام حصن بابليون فى منطقة مصر القديمة ( الفسطاط ) حالياً ولم تكن الفسطاط قد بُنيت بعد .

أرسل عمر بن الخطاب مدداً ب 3 آلاف مقاتل ليصبح المجموع 7 آلاف وهذا لا يزال قليلاً جداً ، ومع ذلك فقد سقط حصن بابليون من خلال التفاوض و تنازلات المقوقس الحاكم الرومانى ، الذى توجد رواية بأنه كان يميل لمذهب المصريين ولم يكن مخلصاً للروم ، وبالفعل فقد غضب هرقل عندما علم بهذا الاتفاق ولكن بعد فوات الأوان .

سقوط حصن بابليون كان بالتفاوض وليس بسبب استخدام الزبير بن العوام لسلم اقتحام الحصن وإن كان قد فعل ذلك بالفعل ولكن يبدو أن العملين حدثا فى نفس الوقت : محاولة الاقتحام والتى لم تجد مقاومة والتفاوض الذى كان يجريه عمرو بن العاص ، حتى لقد كان هذا سبباً للخلاف هل فتحت مصر حرباً أم صلحاً ؟

المهم أن إرادة المقاومة لم تكن متوفرة عند الروم العسكريين وإلا لما تجرأ المقوقس على عقد الاتفاق مع عمرو بن العاص . الاتفاق كان بدفع الجزية و رفض الخيارين الآخرين ( الحرب _ دخول الإسلام ) وكانت دينارين للقادرين البالغين من الرجال مع إعفاء الرهبان ورجال الدين والنساء والأطفال والمرضى والعاطلين والفقراء وهى القاعدة العامة التى طُبقت فى كل البلاد المفتوحة . و أكرر الأحاديث النبوية المعجزة التى تحدثت عن فتح مصر بصورة يقينية وكأنه حدث وقع فى الماضى ولا خلاف عليه بينما كان المسلمون فى أشد مواطن الضعف وقلة الموارد والعدد والعدة :

_ ( إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما ) البخارى

_ ( ستفتحون مصر ، أرض يسمى فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة و رحمة ) مسلم

_ ( إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض . فقال أبو بكر : ولم يارسول الله . قال : لأنهم و أزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة )

وهنا نجد الربط بين مصر و فلسطين والشام ، مسألة الرباط ( الجهاد ) إلى يوم القيامة وقد برهن 14 قرناً من تاريخ الإسلام على صحة ذلك ولا يزال . وهذا هو موضوع هذه الدراسة من أولها إلى آخرها !!
إبداع عمرو بن العاص فى مصر :

أهم ما يُذكر لعمرو بن العاص فى تاريخه هو فتحه لمصر وإدارته لها ، فهنا أبدع عمرو بن العاص وستكون عليه مآخذ عدة فيما بعد خلال صراع على / معاوية ، هو يحب السلطة ، ولكنه حب السلطة أساساً فى مصر ، ولذلك كان حاكماً رشيداً فعلاً لها ، لأن المرء ينجح فى العمل الذى يحبه . مرة أخرى نحن لا نؤرخ ولا نترجم لعمرو بن العاص ولكننا نشهد له أنه شرف الإسلام وأحسن تمثيله فى مصر وبشهادة أقباط مصر ، وبشهادة نجاحه على أرض الواقع بأقل الإمكانيات .

قبل أن يصل لحصن بابليون وقبل أن يأتيه المدد ، اى كان معه 4 آلاف مقاتل فقط ، انتصر على الروم فى موقعتين أساسيتين ، فى الفرما فى مواجهة الحامية البيزنظية ، ولكن ثانياً كانت المعركة الكبرى فى بلبيس والتى استمرت شهرا كاملا فى عام 19 هجرية ، حيث استعد الروم للمواجهة . فى هذة الموقعة انتصر عمرو انتصاراً مبيناً ، وتم أسر ابنة المقوقس ، وقد كان لحسن تصرفه أكبر الأثر فى كسب قلب المقوقس له . عادةً فى الحرب عندما تُأسر ابنة القائد فهى فرصة للمساومة بها والحصول على مكاسب كبيرة وفورية أو الاحتفاظ بها للمساومة فى المفاوضات الأخيرة.

ولكن عمرو بن العاص تصرف كرجل .. وكمسلم مستقيم ومحترم .. وأحسن استقبال ابنة المقوقس وبعد أن أكرمها سلمها لفوره إلى والدها ، الذى لم يتعود مثل هذا الكرم فتأثر بهذا الموقف . يبدو أن عمرو فتح مصر وما أدراك ما مصر وكأنه يقوم بعملية جراحية ماهرة ولم يدخل فى معارك دموية ، ولم يتعجل هذه المعارك أبداً حتى استبطأه الخليفة عمر بن الخطاب . بعد دخوله العريش وفى الطريق عبر سيناء حتى بلبيس كانت له اتصالاته بالمصريين ، وتقول روايات أن بعض المصريين انضموا إلى الجيش الإسلامى خلال الطريق من العريش لبلبيس وكانوا مشجعين له ،وكان ذلك بناء على توجيه من الأنبا بنيامين، وعلى اٌل قام المصريون بتقديم المؤن والإرشاد إلى مسالك البلاد . وكان عمرو يعرف شخصياً بعض المصريين ، لأنه زار مصر من قبل عدة مرات وأقام بعض الصلات والصداقات مع القبط ، وكان يدرك عمق معاناة القبط من الروم ومدى بغضهم لهم ، وقد راهن على هذه الحقيقة ، واستثمرها جيداً . ولذلك كان المصريون أدلة له ومرافقين وناصحين وقوة استطلاع أساسية ، وهذه من أهم عناصر قوة أى جيش مهاجم ، هذا التعاون كان مثمراً و مهماً جداً ، وهو ما حول فتح مصر إلى أشبه ما تكون بعملية جراحية محسوبة ، لا عملية دموية ، وقد كان ذلك أمراً رشيداً للغاية فما كان من الممكن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها فى ظل عدم تناسب الأعداد حيث كان عدد جنود الروم يساوى 25 مثلاً للمسلمين تى بنسبة 25 : 1 مما يتجاوز المعادلة القرآنية 10 : 1 .

وكانت هناك بعد ذلك معركة ثالثة وشديدة فى قرية أم دنين ، وهى فى مكان ش عماد الدين حتى ميدان رمسيس وغمرة فى القاهرة الحالية ، وانتصر فيها عمرو بن العاص .

ثم كان حصار بابليون الذى استمر 7 شهور ، وهو لم يستخدم المجانيق ، ولم تكن معه أصلاً ، وقد راهن على يأس و فتور القوات البيزنطية ، وعلى عدم حماس المقوقس فى موالاته وعمله كحاكم يمثل بيزنطة ، خاصة وأن المدد الإسلامى متوقع بل لقد وصل 3 آلاف إضافية أثناء حصار بابليون . وهكذا تم التفاوض و الاستسلام . لكن ظلت المعركة الأساسية فى فتح الإسكندرية وهى العاصمة الرسمية ، وحيث تتلقى الأوامر مباشرة من هرقل ، وهى ترفض التسليم وهى محصنة جيداً ولذلك فإن فتح الإسكندرية تأخر عامين حتى 21 هجرية . ومع ذلك فكان عمرو يتصرف بثقة وتؤدة واستفاد من الوقت فى التوغل فى الصعيد حتى الفيوم . وفى طريقه إلى الإسكندرية خاض معركة فى المنوفية وسيطر على مدينة منوف ( أو بالقرب منها ) وخاض معركة أخرى قبيل الإسكندرية قبل أن يحاصرها . كان عمرو بن العاص يتحرك فى بيئة صديقة إلا الحاميات الرومانية التى تجمع معظمها فى الإسكندرية ، وعندما دخل الإسكندرية استدعى البابا بنيامين مطمئناً لأنه كان على اتصال بمعاونيه منذ دخوله مصر .

فاتخذ عمرو بن العاص قراراً يبدو طريفاً ولا مثيل له فى الغزوات إذ طلب من المصريين أن يستضيفوا المقاتلين المسلمين فى بيوتهم لمدة ثلاثة أيام أثناء مرورهم دون أن يتكلفوا شيئاً ، ويمكنهم البقاء معهم فى البيت إذا سمح المكان أو إذا أرادوا أن يتركوا لهم البيت 3 أيام مع ضمان الحفاظ على ممتلكاتهم ، و اللطيف أن هذا حدث بالفعل بدون مشكلات واتسمت العلاقات بالمودة وكل ذلك دون أن يدخل المصريون الإسلام .وحدث مثل هذا فى العراق ولكن الإستضافة كانت ليوم واحد !

وعندما تسلم المسلمون حصن بابليون كان لايزال به جمع من العاملين المصريين وخطب فيهم قائد اسلامى ودعاهم لدخول الإسلام فلم يوافقوا على ذلك سوى أربعة أشخاص من 101 نصرانى كانوا موجودين . ولم تحدث أى مشكلة فالمسلمون جادون فى عدم إكراه أحد على دخول الاسلام .

كذلك قام عمرو بن العاص بما لم يقم به أحد من الغزاة من قبل أو من بعد إذ قسم مصر إلى أقاليم ووضع على رأس كل منها حاكماً قبطياً فشعر الناس براحة لم يعرفوها منذ مئات السنين . وأكد على حرية العبادة و ألغى كثيراً من المكوس التعسفية فتحسنت أحوال الفقراء . وظلت اللغة القبطية هى لغة الدواوين وهو ما يقتضى وجود موظفين أقباط ، وظل هذا الوضع قائماً حتى عهد الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك الذى أصدر قراراً بإحلال العربية محل القبطية فى الدواوين .

وعندما تم توسيع مسجد عمرو بن العاص فى الفسطاط تم ضم بيت قبطية مقابل مبلغ مالى ، ولكنها رفضت وعندما وصلت الشكاية إلى عمر بن الخطاب أنصفها ، وأمر بارجاع البيت لها . وهكذا أصبح المصريون مواطنين فى بلادهم بعد أن كانت المواطنة حكراً على الرومان . وكان المقوقس قد أحصى 70 ألف راهب قبطى ضده وهذا يعطى صورة عن مدى عزلة الرومان . فى المقابل كان إجمالى الجزية 12 مليون دينار ، وهذا يعنى أنها جمعت من 6 ملايين رجل أى كل من بلغ الحلم .

قسوة عمر بن الخطاب مع عمرو :

تنقل كتب التاريخ نصوص رسائل عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص ، وهى تشى بقسوة زائدة ، أى لا تكتفى بالحزم وكان يشتكى من نقص الخراج ( خراج الأرض الزراعية ) وطالبه بنفس الخراج الذى كان يؤخذ من مصر قبل ذلك . وفى إحدى الرسائل وصل الأمر إلى التشكيك فى ذمته المالية . وقد رد عمرو بن العاص عليه برسالة تبدو

منطقية فقال له إن العهود السابقة على الإسلام كانت لا تبنى جسوراً ولا تشق قنوات ولا تعمر أراضى ( كما فعلنا منذ كان حكم الإسلام ) . ومن علامات ( الديموقراطية ) إن شئت أن تستخدم هذا التعبير أن يرد حاكم إقليم على رئيس الدولة الخليفة بمنتهى القوة ( وهو عمر بن الخطاب !! ) وستجد فى حوارات الصحابة مع بعضهم البعض هذه العزة والكرامة دائماً دون وجل أو خوف من أى عواقب . فكتب له ( وأكثرت فى كتابك وأنبت وعرضت وثربت وعلمت أن ذلك عن شىء تخفيه ولا تصدق قولى وعملى فجئت لعمرى بالمفظعات المقذعات . وقد عملنا لرسول الله ولمن بعده ، فكنا بحمد الله مؤدين لأماناتنا ، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا نرى غير ذلك قبيحا ، والعمل به سيئا فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قولنا . معاذ الله من تلك الطعم ومن شر الشيم والإجتراء على كل مأثم فاقبض عملك فإن الله قد نزهنى عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذى لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا . والله يا ابن الخطاب لأنا حين يراد ذلك من أشد لنفسى غضبا ولها إنزاها وإكراما ) وواصل عمر بن الخطاب اتهام عمرو بن العاص بالأكل من الحرام ، ولا ندرى هل كان لديه معلومات محددة أم استنتاج ، ولكنه أنهى أحد رسائله بأنه بعث محمد بن مسلمة الأنصارى ( ليقاسمك مالك فأحضره مالك والسلام ) . المهم أن عمر بن الخطاب لم يعزل عمرو بن العاص عن حكم مصر بعد هذه الرسالة القاسية والتى يخاطبه فيها ب ( يا ابن الخطاب ) . وهذة علامة أروع على نزاهة الحكم الإسلامى التى تفوق المعايير الديموقراطية المنافقة . كما ذكرت أرى أن عمر بن الخطاب كان قاسياً مع عمرو بن العاص ، كما كان قاسياً على خالد بن الوليد ونحن لن نحصى أخطاء لسيدنا عمر بن الخطاب لأن مساره العام كان عظيماً وناجحاً ومظفراً فى الداخل و الخارج .

ولكننا ندعو إلى عدم تقديس الصحابة برفعهم إلى مرتبة الأنبياء عملياً بدون الإعلان عن ذلك ، فهم بشر وكانت لها بعض التحيزات الشخصية ضد بعض الأشخاص وبعض الأخطاء فى القرارات السياسية حتى الخلفاء الراشدين فهم ليسوا أنبياء . . لا وجه للمقارنة بيننا وبين هذه القمم البشرية . ولكننا نأخذ دروساُ لتصويب مسيرة الإسلام . وبهذا المعنى يمكن أن نناقش قرار عزل خالد بن الوليد ( سيف الله المسلول ) وبعض القرارات الأخرى والتى لم تؤثر رغم أهميتها على المسار العام . نحن نقرأ التاريخ كى نتعلم ولا نكرر الأخطاء .

فى تقديرى أن فترة حكمة عمرو بن العاص لمصر هى فترة تألقه ، ولا نملك معلومات عن حكمه لعمان فى الأيام الأخيرة لرسول الله (ﷺ) ، ولكن يكفى أن رسول الله (ﷺ) قد عينه وأرسله ليعلمهم الدين ، وليحكمهم وظل هناك حتى استدعاه الخليفة الصديق فى مهام حروب الردة . وقد عزله عن إمارة مصر سيدنا عثمان بن عفان لدى خلافته وعين أخاه فى الرضاعة أبى السرح ، ولكن عندما هجم الرومان على الإسكندرية و احتلوها عاد عثمان بن عفان فأرسل عمرو لمواجهتم وعندما نجح فى المهمة استدعاه من جديد وأعاد تثبيت أبى السرح . وهذا الموقف يعكس إدراك أن عمرو بن العاص هو خبير فى شؤون مصر . وعندما تولى معاوية بل حتى فى فترة صراعه مع الخليفة على بن أبى طالب ، اشترط عمرو أن يتولى حكم مصر مرة أخرى كشرط للوقوف معه ، وهذا يوضح مدى شدة تعلق عمرو بن العاص بمصر ؛ وكان هذا من أهم أسباب نجاحه فى حكمها .

_ دخول الأقباط فى الاسلام :

طالما نحن فى مصر لنكمل هذه المسألة المفصلية . قال الأستاذ راغب السرجانى فى فيديو وهو يتحدث عن فتح مصر قال بالحرف الواحد : ( بعد الفتح الإسلامى لمصر .. ما هى إلا سنوات قليلة جداً حتى دخل معظم المصريين الإسلام ، دخلوا فى دين الله أفواجاً ) ورغم أن السرجانى قدم عملاً جيداً ومفيداً فى سلاسله حول الحملة الصليبية و التتار و الأندلس وغيرها ، إلا أنه فيما يتعلق فمصر يتورط فى الإفتاء بغير علم وهذا أمر غريب على باحث فى التاريخ ؛ ومن الواضح أنه لم يبذل أى جهد منظم فى تاريخ مصر ومع ذلك يتحدث فيه . أشرنا من قبل إلى موقفه الظالم من عهد محمد على بناء على معلومات مغلوطة ، وهذه هى المرة الثانية فى حدود علمى .

الدخول فى الاسلام تفاوت فى سرعة معدلاته من بلد لآخر ، فلا شك أن الإسلام دخل فى قلوب أهل الشام بسرعة كبيرة فقد كان بالشام عدد كبير من العرب المهاجرين منذ قرون ، فيمكن على الأقل رصد الهجرات العربية منذ العام 3600 ق . م للعراق حين قامت قبيلة كلدة ( وهذا اسم شيخها ) بتأسيس دولة الكلدان وهم يتكلمون اللغة الكلدية المتفرعة من اللغة العربية . وفى قرابة 2600 ق . م يمكن رصد الهجرة الآمورية الكنعانية لسواحل البحر المتوسط وقلب سوريا وكانوا يتكلمون الكنعانية ( الشعبة التى اتجهت للساحل ) واللغة الآرامية ( الشعبة التى دخلت إلى قلب سوريا ).

وفى العام 1600 ق . م ( و التقديرات أن كل ألف عام تحدث موجة كبيرة وكأن ذلك مرتبط بدورات الجفاف الشديد ) حدثت هجرة كبرى إلى العراق حيث أسس العرب الدولة الكلدية الخامسة ومن ملوكها حمورابى الشهير . [ حديث عن القرآن _ د. عبد الصبور شاهين _ دار أخبار اليوم _ كتاب اليوم _ ديسمبر 2000 ]

ولاشك أن مصر تعرضت بدورها لهجرات عربية ( أو لنقل سامية من جزيرة العرب حيث لم يكن اسم العرب مستخدماً بعد ، واسُتخدم اسم العرب مع تبلور اللغة العربية المنبعثة من اللغات السامية ) وذلك عن طريق سيناء أو عبر البحر الأحمر إما مباشرة إما عبر الصومال والحبشة ، ولكن لا شك أن الهجرات العربية للهلال الخصيب كانت أكثف وأكبر لأنه هو الأقرب بل والامتداد الطبيعى للجزيرة العربية ، ومنتهى طرق التجارة القديمة الواردة من آسيا وعبر اليمن براً .

فى الفترة السابقة للإسلام مباشرة تزايدت الهجرة إلى الشام حتى تأسست دولة الغساسنة جنوب الشام ومملكة الحيرة فى العراق ، وكانت الأولى متحالفة مع الروم وحامية لحدودها الجنوبية وحدودها الشرقية مع فارس . والثانية ( الحيرة ) حامية لحدود فارس . والدويلتان عربيتان .ودخل الغساسنة فى الدين المسيحى وأصبحوا متنصرة العرب، و حتى فى العراق انتشر الدين المسيحى لأن المجوس لم يهتموا بالتبشير لدينهم وما كان يهم الفرس هو الولاء السياسى .

وكانت هذة القرابة العرقية والقبلية عاملاً مساعداً على التقارب النفسى مع العرب المسلمين مما ساعد على دخول الإسلام ، كذلك فإن القوتين الاستعماريتين لم تتسما بأى إخلاص فى العقيدة ، وكان التقديس الأساسى للقوة و السيطرة و الهيمنة ومظاهر المُلك المترف ، وكان ارتباط العرب بهما ( الفرس و الروم ) على أساس المصالح المادية ، فلما انهارت هذه المصالح المادية بانهيار الدولتين ، لم يكن هنا أى وازع من فكر أو عقيدة راسخة يمنع الاندفاع نحو الإسلام . وقد كان هذا ظاهراً فى أحاديث جبيلة بن الأيهم ملك الغساسنة وهو يتحاور مع قادة العرب المسلمين ، فهو لم يشر إلى اقتناعه بالدين المسيحى ، بل كان يشير دائماً إلى خوفه من عصيان الرومان حتى لا يتعرض لعقاب شديد منهم ، إذا انتصروا . أما السبب الثانى لسرعة معدلات دخول الإسلام فى الشام هو ما أشرنا إليه من قبل من رقى و سماحة وإنسانية تعامل القوة الإسلامية الناجحة سواء مع العرب أو العجم من جمهور الناس . وهى ممارسة لا مثيل لها فى تاريخهم الذى يعرفوه عن تصرفات أى قوة غازية منتصرة .

فى مصر لم يكن الأمر كذلك فلم تكن هناك تجمعات قبلية عربية ، ولكن التجمعات السابقة اندمجت فى السكان وهى لم تكن كثيفة ، وكانت هناك عقيدة مسيحية صلبة ، بسبب صمودها أمام الرومان عبر القرون سواء فى مرحلة وثنية الروم أو مسيحيتهم التى استمرت معادية فى المذهب إلى حد الموت ، وكان هناك سبب ثالث فى عدم الإقبال على الإسلام ، فقد كان المصريون يدركون تماماً أنهم يساعدون الفاتحين وبالتالى فهم شركاء فى النصر على الروم وأن العرب ليسوا متفضلين عليهم تماماً . وإن كان هذا لا يقلل من شعورهم بالارتياح والقبول والتقدير لحكم الإسلام ولحكم عمرو بن العاص . و الخلاصة وكما ذكرنا فإن المسلمين لم يصبحوا أغلبية فى مصر إلا فى عام 280 هجرية فى عهد أحمد بن طولون ( الدولة الطولانية ) فإذا كان الفتح الإسلامى لمصر قد أكتمل فى 21 هجرية يكون الإسلام قد أصبح دين الأغلبية بعد أكثر من قرنين ونصف القرن ، وهذا لا يسيئ إلى الإسلام فى شيئ ، بالعكس فهو شهادة فخار ، وأن المسلمين لم يُجبروا أحداً على دخول الإسلام بشكل مباشر أو غير مباشر ، كما تفعل بعثات التبشير فى أفريقيا وتربط التبشير بالتعليم فى المدارس أو العلاج فى المستشفيات ، والمثير للانتباه أن هذه الفضيلة ظلت قائمة و مستمرة فى حياة المسلمين ولم تقتصر على مرحلة الخلافة الراشدة ، فحتى فى عصور تدهورت فيها أحوال المسلمين ، لم يُعرف أبداً أن قوة اسلامية غازية أو مسيطرة على دولة أجبرت مواطناً واحداً على دخول الإسلام .

الحلقة 104 من دراسة المستطيل القرآنى – الجزء 2

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: