أحدث كتاب لمجدى حسين “روسيا من احتلال المغول حتى نهضة بوتين”

روسيا من احتلال المغول حتى نهضة بوتين

بقلم : مجدى أحمد حسين

المقدمة الأولى

هذه الدراسة كتبت فى عام 2019 قبل إندلاع أحداث الحرب العالمية الثالثة الراهنة ولم أدخل عليها سوى تعديلات طفيفة أثناء إعدادها للنشر الآن فى 10 مارس 2022 . وقد استهدفت منها توجيه النخبة المثقفة لدراسة تاريخ وأحوال الشرق والكف عن الانغماس فى تتبع كل شاردة وواردة من الغرب فحسب . حتى قيل من قبل إذا أمطرت السماء فى لندن فتحنا المظلات فى الشرق . واليوم يكفى أن يقبل الرئيس الأمريكى سكرتيرته حتى ننشغل بهذا الموضوع عن أخبارنا نحن وأمورنا المصيرية . كما استهدفت الاشارة إلى أن روسيا حليف قائم حاليا وليس محتملا ضد التغول الأمريكى على أمتنا . وسيدرك قارىء هذه الدراسة كيف أن معرفتنا بروسيا جد قليلة وأنا شخصيا استفدت من خلال جمعى لمادتها . وأنا أدعو لدراسات مستفيضة لكل الشرق الآسيوى ولإفريقيا وأمريكا اللاتينية كى نفهم عالمنا بشكل حقيقى ومتوازن .
وهذه الدراسة ربما استشرفت أحداث اليوم بكشف ابعاد المؤامرة الامبريالية الأمريكية على روسيا من أجل تقسيمها إلى 52 دويلة . وهناك معلومات أساسية عن مشكلة أوكرانيا ومسألة توسع الناتو شرقا ومحاولات أمريكا تخريب الاقتصاد الروسى . أزعم أن هذه الدراسة المكثفة ستساعد القارىء على فهم ألغاز الصراع المحتدم حاليا حول أوكرانيا والتى أرى أنها هى المرحلة الأولى من الحرب العالمية الثالثة وليس بالضرورة أن تكون نووية لنسميها عالمية . فالسلاح النووى موجود فى خلفيتها كقوة ردع على الأقل .
المؤلف

10 مارس 2022


المقدمة الثانية

روسيا بلد مهم بالنسبة لنا ، وهو يستيقظ من جديد بعد إغماءة سقوط الاتحاد السوفيتى وتبعثره ، وأصبح وجوده قويا فى منطقتنا : التى أسميها المستطيل القرآنى أو مركز العالم المتوسط أو قلب العروبة والاسلام . وروسيا لها وضع خاص من عدة زوايا لذلك يتعين دراستها بمعزل عن أوروبا . كذلك فإن روسيا محيرة ومحتارة بين أن تكون أوروبية أو آسيوية . تركزها الحضارى والسكانى والصناعى فى القسم الأوروبى ، غرب جبال الأورال ، والأورال يفصل بين روسيا الأوروبية وروسيا الآسيوية التى تقع شرق الأورال . ولكن المساحة الأوروبية هى الأصغر بما لايقاس بالمقارنة مع المساحة الآسيوية فهى تمتد لآلاف الكيلومترات حتى المحيط الهادى ولكنها أقل تقدما وأقل بكثير فى التركز السكانى . روسيا تحب أن تكون أوروبية فهى قارة الحضارة والتقدم ، ولطالما سارت روسيا بإعجاب وانبهار خلف التقدم الحضارى فى فرنسا وانجلترا وألمانيا التى سبقتها فى معارج التقدم الصناعى والتكنولوجى خلال القرن التاسع عشر ، حين كانت أوروبا الغربية قبلة الأثرياء الروس . ولكن أوروبا تلفظ روسيا وتتعالى عليها ، ولا ترحب بها حتى من قبل الشيوعية وأثناء الشيوعية بطبيعة الحال ، و حتى بعد الشيوعية ، وبعد أن أصبحت دولة رأسمالية تحاول أن تكون ديموقراطية ، وتعيد الكنيسة إلى وضعها الطبيعى .
أوروبا الغربية عنصرية بصورة غير معقولة ، وهى لا تتأفف من الأفارقة السود والمسلمين فحسب بل أيضا من مواطنى شرق أوروبا وروسيا السلافيين ورغم أن أغلب دول أوروبا الشرقية انضمت للاتحاد الأوروبى وحلف الناتو ، فمواطن شرق أوروبا غير مرحب به حين يذهب للعمل فى أوروبا الغربية .
وهذا الموقف الشعبى يتناغم مع المواقف الحكومية والمصلحية لأوروبا الغربية . بالنسبة للموقف الشعبى لا ننكر وجود أقلية غير عنصرية أو اقل عنصرية ، كما توجد أقلية الأقلية تتمتع بروح إنسانية حقيقية . ولكن سياسات الحكومات هى التى تحكم المسألة فى نهاية الأمر ، خاصة بما لها من نفوذ على الاعلام رغم إدعاءات الحرية الاعلامية والديموقراطية !
وقبل أن نتوغل فى وضع روسيا الخاص فى أوروبا ، ووضعها الخاص عالميا : قبل وأثناء وبعد الشيوعية لافرق ! , لابد أن يكون المدخل من عندنا ، من مركز العالم المتوسط ، وهذا أفضل عندى من مصطلح الشرق الأوسط . لأن بريطانيا عندما كانت سيدة العالم أطلقت هذا المصطلح : الشرق الأوسط باعتبار أن منطقتنا هى شرق أوسط بالمقارنة بالشرق الأقصى الآسيوى الأبعد عنها . وأحيانا كانوا يستخدمون مصطلح الشرق الأدنى باعتبار أن منطقتنا أدنى أى أقرب لبريطانيا وغرب أوروبا عموما . وعندما ورثت أمريكا السيادة على المنطقة والعالم ورثت هذا المصطلح وواصلت استخدامه فقد ظلت المنطقة تتوسط العالم حتى بالنسبة لأمريكا ، بالإضافة لميزة هذا المصطلح الذى ينزع الصفة العربية والاسلامية عن المنطقة ويحولها إلى مجرد بقعة جغرافية ! وكنت أضطر لاستخدامه أحيانا ، أى مصطلح الشرق الأوسط ، حتى لا أحير القارىء حول المقصود ولذلك أرجو أن يعتاد القارىء على استخدامى مصطلح المستطيل القرآنى ،وأعنى به أساسا الوطن العربى الآسيوى + مصر وهى المنطقة الوحيدة التى ذكرت حصرا فى القرآن الكريم ، وكل هذا مشروح بالتفصيل فى دراسة المستطيل القرآنى .
ونعود إلى روسيا ، والشائع عند الاسلاميين فى بلادنا كراهية الروس ورفضهم أكثر من رفض الأمريكان ، بل يرى بعضهم – وبمعدل متزايد – ألا غبار على صداقة الأمريكان تكتيكيا على الأقل ! وكأنه يمكن شرعا التغاضى عما يفعلونه بالمسلمين حاليا ومنذ عقود ، منذ الستينيات من القرن العشرين وحتى الآن ، ومايرتكبونه من جرائم فى قلب العروبة والاسلام حتى أصبحت ضحاياهم بالملايين . وهذا الموقف، أى الميل إلى أمريكا ومعاداة روسيا ، يمتد بطبيعة الحال إلى الليبراليين أصحاب التوجه المعجب بالتجربة الغربية سياسيا واقتصاديا
المؤلف

2019

                                    1  

                كراهية الاسلاميين التاريخية لروسيا .. لماذا ؟

نريد أن نبحث فى جذور الكراهية الشديدة لدى الاسلاميين فى مصر لروسيا أو للاتحاد السوفيتى ، ونبدأ فى وقت لم يكن يوجد للاتحاد السوفيتى أى وجود فى المنطقة العربية . وسنلحظ ميلا لدى الاسلاميين تجاه الأمريكان . وأتحدث هنا كإسلامى ولكنى مختلف مع التوجه السياسى الحالى العام للحركة الاسلامية خاصة الاخوان المسلمين .
ماهى الحجج الشرعية التى ساقها قادة ومفكروا الحركة الاخوان المسلمين لقواعدهم لتبرير موقفهم الممالىء للأمريكان والمعادى للاتحاد السوفيتى ؟
فى منتصف الأربعينيات عقب الحرب العالمية الثانية ، وفى مجلة الاخوان المسلمين فى عددى يناير 1946 وفبراير 1946 نقرأ حديثا منشورا على حلقتين أدلى به حسن البنا مرشد عام الاخوان المسلمين ومؤسس الحركة للمراسل الحربى الأمريكى المستر سبنسر ، وأهم ماقاله ونشر بالمجلة مايلى :
“ من الحق أن نقرر أن فكرة الاستعمار إذا تحولت إلى فكرة التعاون على الانتفاع بخيرات العالم كانت فكرة ضرورية وعملية “
و ” إن العدو الاستراتيجى للدولة الامريكية هو الشيوعية ، ويمثل عدوا مشتركا لنا ولكم ، وهو مايستدعى التنسيق لمواجهة تمدده وانتشار التيارات الثورية
و ” أحب أن يفهم الغربيون أنه إذا أعطيت الحريات لدول الشرق بواسطة الدول الغربية لا غيرها فسوف لا تستغنى هذه الدول عن الغرب فى تقوية كيانها ، فمن الممكن بإرشاد الدول الغربية أن تتكون جيوش محلية وصناعات عسكرية تتمكن من صد تيار الثورة مؤقتا حتى يقوم الغربيون بإرسال المدد بمقتضى تحالفات من الممكن عقدها ، فإن الحياة العسكرية الحديثة لا تستدعى أبدا أن ترابط قوات أجنبية داخل البلاد ، فى حين أن وسائل النقل الحديثة أصبحت تكفى لنقل الجيوش فى أسرع وقت ممكن ولينص فى المحالفات على ذلك “. انتهى الاقتباس
فى ذلك الوقت كانت أمريكا تبدأ وراثة النفوذ والسيطرة على مستعمرات بريطانيا وفرنسا بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية كدولة عظمى أولى، فى حين كانت دول أوروبا المنتصرة والمهزومة على السواء متضعضة من آثار الحرب المدمرة . حسن البنا كان مدركا لذلك فهو يتحدث عن التحالف والتعاون إلى حد التعاون العسكرى مع أمريكا ضد الشيوعية والتيارات الثورية ، ويقترح تحوير أو تطوير الاستعمار إلى تعاون وينتهى إلى ضرورة إقامة تحالف عسكرى صريح بين المسلمين وأمريكا والغرب مع الخلاص من الحرج الذى يمثله وجود قواعد أجنبية فى بلاد المسلمين ، فالجيوش الغربية يمكن أن تأتى فى أى وقت ، وعلى جناح السرعة عند الضرورة !
فى ذلك الوقت لم يكن هناك جندى روسى واحد ولا حتى شركة روسية أو سوفيتية واحدة على أرض البلاد العربية . بل أقيمت مجرد سفارات للاتحاد السوفيتى بالكاد فى مصر عام 1943 وسوريا ولبنان
والعراق عام 1944
وهى فترة كان الاتحاد السوفيتى متحالفا مع أمريكا والغرب فى الحرب العالمية الثانية ولذلك أمكنه فتح سفارات مع هذه المستعمرات الواقعة تحت الاحتلال الانجليزى والفرنسى .
وكان الاتحاد السوفيتى أول من اعترف بالسعودية من بين الدول غير العربية عندما كان اسمها إمارة الحجاز وأقام معها علاقات دبلوماسية عام 1926 ولكن السعودية قطعت العلاقات الدبلوماسية عام 1938 ولم تعد إليها إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى عام 1990 .
ولم تكن هناك علاقات دبلوماسية مع دول عربية أخرى فى حياة حسن البنا . وفى الخمسينيات من القرن العشرين بدأت مجرد العلاقات الدبلوماسية مع اليمن عام 1955 ومع السودان وتونس عام 1956 والمغرب 1958 ثم مع الكويت و الأردن 1963 وقطر 1989 .
نقصد ان الاتحاد السوفيتى فى عام 1946 عندما أدلى حسن البنا بهذا الحديث عن التحالف الاستراتيجى مع أمريكا والغرب ضد الشيوعية ، لم تكن الشيوعية لها وجود يذكر ولم تكن تمثل خطرا يذكر على المجتمعات العربية بل كان الخطر الوحيد المطبق على الأنفاس هو الاحتلال الغربى الفعلى وليس مجرد تهديد أو احتمال وهو الاحتلال الانجليزى والفرنسى والذى أصبح مدعوما من الأمريكان وتحت إشرافهم ، حتى تتم عملية التسليم والتسلم .

فى الوقت الذى كان حسن البنا يتحدث للمراسل الحربى الأمريكى

عن دعوته للتحالف العسكرى مع الغرب وأمريكا فى يناير عام 1946
وهو الحديث الذى نشرته مجلة الاخوان المسلمين فى ذلك التاريخ ، فى ذلك الوقت كانت طلائع القوات الأمريكية الجوية بدأت تتمركز فى قاعدة الظهران بالسعودية لحماية البترول الذى أصبح أمريكيا. وكانت القوات البريطانية حليفة أمريكا متواجدة عسكريا فى دول الخليج و تمتلك أكبر قاعدة عسكرية فى العالم فى قناة السويس داخل مصر ، وكانت متواجدة فى الخليج والعراق وعدن وفلسطين وكانت القوات الفرنسية فى سوريا ولبنان وتونس والجزائر .
وتكشف وثائق الأرشيف البريطانى ما هو أخطر ، عن علاقة حسن البنا بألمانيا النازية والذى يتضمن رسالة مكتوبة بخط حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين المصرية وموجه إلى شخص الزعيم الألمانى النازى أدولف هتلر بارك فيه حسن البنا شجاعة الفوهرر وتصميمه على غزو الاتحاد السوفيتى . ووصف قرار غزو الاتحاد السوفيتى بالقرار الحكيم وأبلغ هتلر فى نفس الرسالة أنه حلم فى منامه المحقق أن ألمانيا النازية اجتاحت موسكو وحطمتها ، وكإسلامى أقتبس آية من القرآن الكريم : اقتربت الساعة وانشق القمر.
أسرارحسن البنا فى الرايخ الثالث -توحيد مجدى -أخبار اليوم – قطاع الثقافة – القاهرة – 2018
فى حدود علمى لم يصدر أى تفنيد لهذا الكتاب الأخير من قبل تنظيم الاخوان المسلمين على مستوى مصر أو على مستوى التنظيم الدولى والكتاب يعتمد على أرشيف الوثائق البريطانية المتعلقة بالحرب العالمية الثانية .
ومن ناحيتى لا أستغرب أن يتعامل حسن البنا مع النازية كما تعامل مع الانجليز وعرض نفسه كما رأينا على الأمريكان وفى الداخل تعامل مع كل الأطراف : الملك والوفد وأحزاب الأقلية ومصر الفتاة , ولكن ما يعنينا هنا هذا العداء الدفين للاتحاد السوفيتى الذى لم يرتكب أى عمل ضد الشعوب العربية فى منطقة الشرق العربى . وكان فى هذه الحرب معتدى عليه من قبل الألمان كما سنوضح لاحقا .

رغم خطأ كل هذه الأفكار التى تبناها حسن البنا فى مسألة الصراع الدولى من الناحية الشرعية إلا أن ما يهمنا فى هذه الدراسة عن روسيا ، هو هذا التطوع فى العداء للشيوعية على مستوى العالم . حقا كانت لدينا فى مصر منظمات شيوعية نخبوية صغيرة ولا خوف منها. وهى منظمات كانت معادية للاحتلال البريطانى وللاقطاع والرأسمالية ، وهى فى النهاية منظمات وطنية ، ومهمتنا كإسلاميين أن نواجه الأفكار الشيوعية سياسيا وفكريا ، لا التعاون مع أمريكا ضدها . ولسنا معنيين بمحاربة الشيوعية على مستوى العالم بعيدا عن العالم الاسلامى ، فى وقت نعانى فيه من احتلال الكفار- ولنستخدم التعبيرات الشرعية الحقيقية – لبلادنا ، الكفار القادمين من الغرب الرأسمالى .
علاقات حسن البنا بالأمريكان والانجليز وحكام البلاد التابعين لبريطانيا كانت مستمرة دائما ، فالمسألة تتجاوز الإدلاء بحديث لمراسل حربى أمريكى ، وقد تحدثت بإسهاب عن هذا الموضوع فى دراستى غير المنشورة: قصتى مع الاخوان المسلمين. :
فكرة أن الأمريكان أهل كتاب وبالتالى أقرب إلينا من الاتحاد السوفيتى الشيوعى الملحد فكرة شائعة بين الاخوان المسلمين والتيار الاسلامى عموما . حتى عندما سقطت الشيوعية فى روسيا ظلوا يكرهون روسيا . والعبرة فى شرع الله وما جاء فى القرآن الكريم هى الحرابة فإذا قاتلنا أهل الكتاب من اليهود والنصارى الأمريكان فهم أشد عداوة من الملحدين الذين لا يحاربوننا ولا يحتلون أراضينا . بل يمكن أن يكونوا أهل عهد وميثاق
بعد احتلال الأمريكان للخليج فى إطار عملية توارث استعمارى من بريطانيا والذى بدأ منذ إقامة قاعدة الظهران الجوية الأمريكية عام 1945 فى السعودية . بدأت القواعد الأمريكية فى الانتشار فأقيمت قاعدة هويلس فى ليبيا وقواعد فى تركيا فى إطار حلف الناتو وتواجد عسكرى بالخبراء والمدربين والتسليح فى إيران الشاه ، كما ورثت أمريكا من فرنسا وانجلترا دور الرعاية المالية والعسكرية الكاملة للكيان الاسرائيلى الذى احتل الأرض المقدسة – فلسطين – وأخرج أهلها من ديارهم ، حوالى مليون فلسطينى ، وحاول انتزاع سيناء من مصر بعد العدوان الثلاثى فى 1956 ، فبعد احتلال سيناء فى هذا العدوان أصدرت اسرائيل قرارا بضمها إلى دولتهم المزعومة ، إلا أن الضغوط الدولية فرضت عليها الانسحاب . ثم قامت بعد ذلك بعدوان 1967 على 3 دول عربية واحتلت سيناء مجددا والقدس والضفة الغربية والجولان السورية . ولا تزال تحتلها جميعا عدا سيناء التى تم إرجاعها لمصر بشروط وقيود كامب ديفيد المعروفة .
منذ عام 1955 فإن العرب لايجدون مصدرا للسلاح إلا من الاتحاد السوفيتى ، وقد حاولت مصر عبد الناصر الحصول على سلاح من أمريكا ولكنها رفضت بشدة ورهنت ذلك بالاعتراف باسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها .
نحن مع ضرورة أن يقوم المسلمون بتصنيع السلاح ، ولكن حتى ذلك الحين فإذا أمكن الحصول على صفقات سلاح من روسيا أو الصين للدفاع عن النفس فهذا ضرورى وواجب .
بعد عدوان 1967 قطع الاتحاد السوفيتى العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل ، وعوض مصر عن سلاح الجيش المصرى الذى فقد كله تقريبا فى الانسحاب الارتجالى المؤلم من سيناء .
وكانت أغلب هذه الأسلحة بدون مقابل أو بتسهيلات سداد ميسرة ، وذلك لأسباب استراتيجية فقد كانت هزيمة مصر فى يونيو 1967 هزيمة أيضا للاتحاد السوفيتى فى صراعه مع الولايات المتحدة ، وكان الصراع على أشده فى هذه السنوات .

قامت اسرائيل قبل عدوان 1967 بمحاولة تحويل معظم مياه نهر الأردن ليصب عندها ، وذلك بتحويل مياه الحصبانى من بحيرة طبرية التى يصب فيها إلى النقب عن طريق أنبوب صناعى ، حاولت سوريا تحويل مجرى نهر الحصبانى لكى يصب فى نهر اليرموك فى هضبة الجولان حتى لايصل إلى نهر الأردن وتسرق اسرائيل مياهه . قامت الطائرات الاسرائيلية بغارات مكثفة على مواقع العمل فى المشروع وأوقفته ثم احتلت الجولان بعد ذلك . وهى اليوم تبيع بعض المياه المسروقة للأردن!
ويعتبر نهر اليرموك من أهم روافد نهر الأردن وهو ينبع من سوريا من هضبة الجولان أساسا وطوله 75 كيلومتر ويصب فى نهرالأردن إلى الجنوب من بحيرة طبرية التى تقع بكاملها فى اسرائيل .
وهكذا نرى أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الغربيين المحاربين هم أخطر على الاسلام من الشيوعيين الملحدين الذين لا يحاربوننا . بل لا اجتهاد مع النص . نحن نحارب من يحاربنا بغض النظر عن مسألة العقيدة ، فنحن لا نحارب أى أحد بسبب عقيدته ، ولكننا ندعو دعوة عامة إلى الاسلام . بل إن هذه القاعدة تمتد لتشمل المسلمين البغاة : فقاتلوا التى تبغى حتى تفيىء إلى أمر الله – الحجرات 6 .
ما أروع هذا الدين فى عدالته .
دور روسيا فى سوريا

شرحت رؤيتى لكل ما يحدث فى سوريا منذ 2011 ويمكن الرجوع إلى دراستى على المدونة الخاصة بى – الثورة السورية المغدورة .
Magdyhussein.id
باختصار فى سياق هذه الدراسة نقول ان قوات روسيا لم تأت من تلقاء نفسها واقتحمت سوريا عنوة كما تفعل الدول الاستعمارية عادة ، فهذه ليست طريقة روسيا وسنوضح ذلك فيما بعد ، سنوضح ماهى خصائص روسيا كدولة عظمى والتى تختلف عن خصائص الاستعمار الغربى ؟ وماهى الأسباب التاريخية والجغرافية التى أدت إلى هذه الخصائص?
علاقة سوريا بروسيا ترجع إلى الخمسينيات من القرن العشرين . فالحكومات المتعاقبة فى سوريا عبر الانقلابات العسكرية أو الانتخابات كان بعضها مع الأمريكان و أغلبها مع الروس السوفيت . آخر حكومتين : صلاح جديد – حافظ الأسد كانتا عبر انقلاب عسكرى وكانتا مواليتين للسوفيت . وكان صلاح جديد يساريا وقوميا متشددا حتى انه تدخل بالدبابات فى شمال الأردن لحماية المقاومة الفلسطينية من مذابح الملك حسين فى 1970 مما استدعى التهديد بتدخل اسرائيلى أمريكى . أطاح حافظ الأسد بنظام صلاح جديد ، وكان الأسد قوميا عربيا بعثيا واستمر فى العلاقة مع الاتحاد السوفيتى .
إذا العلاقات مع روسيا استقرت تماما منذ أكثر من 50 عاما .وعلى مدار كل هذه الحقبة الطويلة لم تكن سوريا تابعة للاتحاد السوفيتى أو روسيا الاتحادية . وهذا يبدو أمرا غامضا سنشرح خلفياته فيما بعد .ولكن بلا شك كان الروس مؤثرين على القرار السورى ، ولكن ظل القرار السورى مستقلا من الناحية الأساسية ولم يكن متوافقا مع الموقف الروسى فى أمور عديدة وفى أوقات مختلفة . ولم يكن الروس متغلغلين فى آلة الدولة أو الجيش أو الاقتصاد بنفس أسلوب الهيمنة الأمريكية . ولكن السوريين كانوا مستقيمين مع الروس ولم يتلاعبوا بهم كما فعل السادات مثلا . وكانت سوريا قد قدمت منذ زمن طويل سابق تسهيلات للأسطول الروسى فى طرطوس ، وهذا مافعله عبد الناصر مع الروس أيضا بعد عدوان 1967 . كذلك كانت سوريا ولا تزال تعتمد على السلاح الروسى ، وبعد الاتحاد السوفيتى بدأت سوريا فى عهد روسيا الاتحادية تدفع ثمن السلاح بصورة تجارية ، فكان هذا مربحا للروس ومطمئنا من الناحية السياسية .
ولكن ماذا حدث خلال أحداث الثورة السورية المغدورة التى اندلعت عام 2011؟

ذكرت فى دراسة : الثورة السورية المغدورة ان هذه الثورة قد سرقت من الشعب بعد شهور قليلة وتم عسكرتها بقرار أمريكى وتنفيذ قطرى – سعودى – تركى وبمشاركة أوروبية واسرائيلية وإماراتية، بهدف إسقاط النظام السورى المتهم أساسا بتسهيل عبور السلاح من إيران إلى حزب الله فى لبنان ، وتقديم كل التسهيلات عموما لحزب الله كحركة مقاومة لاسرائيل. وكانت سوريا قد فقدت منذ أمد أى وعود – مجرد وعود – بعودة الجولان ، حتى ضمتها اسرائيل عام 1982 ثم اعترفت أمريكا بهذا الضم أخيرا فى عهد ترامب وإدارة بايدن لم تلغ هذا الاعتراف . وعندما تم حشد أكثر من 130 ألف مقاتل من 80 دولة دخل معظمهم عبر تركيا مع تدفق المال والسلاح بلا حدود فقد كان ذلك أمرا مثير للريبة ، وعندما فقد النظام السورى السيطرة على أجزاء واسعة من شمال البلاد وأجزاء من الجنوب ، وعندما أصبحت دمشق نفسها مهددة ، لجأت سوريا لحزب الله، الذى لم يدخل سوريا لمحاربة السنة كما يقولون فالسنة لديه كثير فى لبنان ولم يتعرض لأحد منهم طوال 40 سنة !! إنما استجاب لنداء النظام السورى المهدد ، استجاب لمحاربة داعش والنصرة الممولين من قطر والسعودية لصالح الخطة الأمريكية لتقسيم سوريا ، وهدم النظام الموالى لإيران وللمقاومة الفلسطينية واللبنانية . فلا قطر ولا السعودية ولا أمريكا يسعون لنظام ديموقراطى أو إسلامى فى سوريا . ولكن ثبت بعد فترة أن مساندة حزب الله غير كافية ، فاتخذ السوريون والايرانيون وبمشاركة حزب الله قرارا بالاستعانة بالروس فى مجال الطيران أساسا . وكانت الاستعانة بجيش إيران أكثر حساسية لأنها ستساعد المروجين لفتنة الشيعة والسنة ليزيدوا فى صراخهم، ولعل هذا من أسباب لجوء الحكومة العراقية للتحالف الدولى ، ولكنه كان قرارا خاطئا .المهم أن الروس لم يفرضوا أنفسهم كما تفعل أمريكا مع دول الخليج وغيرها ، حيث ترسل القوات أولا ثم تبلغ الحكام فى التليفون ! كما حدث عام 1990 مع السعودية فى أزمة احتلال العراق للكويت . كان القرار سوريا – إيرانيا – لبنانيا .
التدخل الروسى جاء للمساعدة فى ضرب المشروع الأمريكى فى سوريا والذى يتم بالوكالة عن طريق النصرة وداعش المنبثقة منها ، بدعم وتوجيه وتمويل قطرى – سعودى – تركى أساسا .
التدخل الروسى موضوع مؤسف ولكن تواطؤ معظم الدول العربية أو سلبيتها جعلت هذا الأمر إضطراريا , بل أغلب الدول العربية كانت مع الخطة الأمريكية ، وكأن حكام العرب وأمريكا مع إقامة دولة اسلامية أو ديموقراطية فى سوريا بالذات وليس فى بلاد العرب الأخرى ! وهذا كذب مفضوح . ورغم مخاطر الاستدعاء الروسى ، إلا أننا يمكن أن نؤكد أن سوريا بالاستقواء بإيران وحزب الله لم تتحول إلى مستعمرة روسية ، ولايبدو ذلك فى الأفق . ونذكر مرة أخرى بأن العلاقات السورية الروسية وثيقة وقائمة منذ 50 عاما ولم تفقد سوريا استقلالها , بل روسيا نفسها تتعرض لعقوبات أمريكية مثل إيران وسوريا !!
نكتفى الآن بهذا القدر ، ومن يريد المزيد فيمكنه الرجوع لدراسة : الثورة السورية المغدورة ، حتى نواصل حديثنا عن الحالة الروسية عموما ولماذا نقول أنها حالة خاصة لايجوز مقارنتها بأحوال وخصائص الاستعمار الغربى ، وماهى هذه الخصائص الروسية ؟ وما هى أسبابها ؟

الحالة الروسية الخاصة :

لانقصد بالحالة الروسية الخاصة أنها طيبة القلب ولا تريد السيطرة والهيمنة ، لانقصد هذه الأوهام الساذجة . ولكن ما الذى نقصده بأن الحالة الروسية تختلف عن أمريكا وبلدان الاستعمار الغربى ؟ هناك تشابه بين الحالة الروسية والحالة الألمانية ، وهناك تميز خاص أكثر للنموذج الصينى . ولكن لنبدأ فى هذه الدراسة بروسيا .
تتميز روسيا كقوة عظمى بأنها تأتى متأخرة دائما ، مثل المثال الألمانى من عدة زوايا ، تأتى إلى الساحة الدولية بعد أن تكون شئون العالم قد تم ترتيبها وتقسيمها بين الدول العظمى لغرب أوروبا ثم أمريكا ، فلا تكاد تجد لنفسها موضع قدم .
وتبدأ القصة بالثورة الصناعية أو بالأحرى بداية القصة فى العصر الحديث . فقد تفجرت الثورة الصناعية فى غرب أوروبا بالأخص فى انجلترا ثم فرنسا أواخر القرن ال 18 وطوال القرن ال 19 ، بينما كانت روسيا لاتزال ترسف فى إغلال التخلف والنظم الاقطاعية ، فكل المخترعات الحديثة جاءت من غرب أوروبا ثم من أمريكا وكل علامات التقدم جاءت من الغرب : البخار – القطار – الكهرباء .. الخ روسيا لم تشارك فى النهضة العلمية والتكنولوجية الأولى وتأخرت عن ولوج المرحلة الصناعية وبناء المدن الحديثة .
المفترض أن الثورة الروسية البلشفية الشيوعية 1917 قد خرجت عن أسس النظرية الماركسية لكارل ماركس ، حيث كان تحليله يقوم على أساس أن الثورة الاشتراكية – البروليتارية – والبروليتاريا تعنى الطبقة العمالية الصناعية – ستقوم فى أكثر بلاد الرأسمالية تقدما ، حيث تتطور الصناعة ، وتزداد طبقة عمال المصانع كثافة وتركزا وعددا ، وهم أى العمال سيقومون بالثورة للإطاحة بالنظام الرأسمالى . وبالتالى كان من المتوقع أن تقوم الثورة الشيوعية فى إنجلترا أو ألمانيا أو فرنسا ، وقد حدثت بالفعل فى هذه البلدان الثلاثة ثورات عمالية وتم قمعها . ولكن نجحت ثورة شيوعية فى باريس عام 1870 – وتسمى الكميونة – ، وأقامت نظاما اشتراكيا عاش لشهور قليلة ، ولكنه سقط بين السندان الفرنسى والمطرقة الألمانية التى كانت تغزو البلاد . ولكن الثورة الشيوعية نجحت فى روسيا وكانت أقل البلاد الاوروبية تقدما فى المجال الصناعى ، بسبب إزدياد الفقر والتخلف وهزيمة الجيش الروسى فى الحرب العالمية الأولى على الجبهة الألمانية . نجحت الثورة لأن الشعب سأم من النظام القيصرى وما تبعه فى فبراير 1917 من حكم ليبرالى لم يتمكن من معالجة مشكلات البلاد ولم يتمكن من تغيير واقع الهزيمة العسكرية أمام ألمانيا ، فانحاز الشعب للحزب الشيوعى بصورة أكبر وانتصر فى ثورة أكتوبر عام 1917
وهكذا نجحت الحركة الشيوعية فى أكثر بلدان أوروبا تخلفا .ويرمز لذلك أن لينين قائد الثورة قال كلمة عجيبة حين رفع شعار : الشيوعية هى الكهرباء. فقد كانت روسيا تفتقر للكهرباء ، ولن تقوم لها قائمة إلا بالكهرباء من أجل النهضة الصناعية ، وليس من أجل إدخال الكهرباء للمنازل فحسب كما تفعل البلدان العربية الآن !! كانت روسيا فى أغلب تاريخها المعاصر تعيش عصورها الوسطى إلى حد بعيد ، وكانت فى عزلة راكدة كاملة عن كل تخمرات أوروبا التاريخية من نهضة إلى إصلاح . بل كان غزو نابليون لها يشبه احتكاك الصليبيين مع العرب ، حيث استفادوا من معرفة الحضارة الاسلامية !

2 –
الصراع بين قوى البر وقوى البحر يحكم التاريخ

عشية الثورة الشيوعية فى عام 1917 كانت روسيا لم تزل تعيش كلها فى رق وإقطاع وبيروقراطية على مستوى آسيوى أكثر منه أوروبى ، حتى شبهت بعملاق متهدل متهالك ينزوى فى استحياء على الطرف القصى من المائدة الاوروبية، ولكن ضخامتها وحدها كانت أوسع من أن يهزمها الاوروبيون ولكنها أعجز وأكثر تخلفا من أن يأخذوها بجدية . لذلك ورث الاتحاد السوفيتى بيئة حضارية واجتماعية فى أقصى درجات التخلف وبيئة طبيعية ببرودتها المتجمدة القارسة ، وبالغة القسوة ، لايمكن إلا أن تكون طاردة للنشاط البشرى الخلاق .
الاتحاد السوفيتى كان أكبر دولة داخلية عرفها التاريخ ، سدس مساحة اليابسة وينطوى على عشرات القوميات .
وحتى قبل الشيوعية كانت روسيا منبوذة من أوروبا ، فهى على الأقل لا تريد لقوة كبيرة جديدة أن تدخل فى نادى أوروبا الاستعمارى ، لو تغاضينا عن البعد العنصرى ، حتى ان الدراسات الغربية تقول إن سلافى تحوير لكلمة عبد
slave!
لذلك ضربت أوروبا حول روسيا نطاقا صحيا أيام القيصرية فعاشت فى شبه عزلة وبعد الثورة الشيوعية وجدت نفسها مطوقة بل مغزية بجيوش أوروبا واليابان فيما سمى حرب التدخل بهدف إسقاط النظام الشيوعى : جيش رانجل فى القرم ، وجيش كولشاك فى سيبريا وجيش بولنده فى أوكرانيا – ولاحظ دوما أن أوكرانيا جزء لا يتجزا من روسيا تاريخيا لتدرك حماقة وسخافة وظلم الموقف الغربى الحالى من الأزمة الأوكرانية رغم أن روسيا لاتسعى إلى احتلال أوكرانيا ولكن تطالب بعدم ضمها لحلف الناتو – وجيش رومانيا وجيش بريطانيا فى أركانجل وجيش اليابان فى شرق سيبريا . ولكن فشلت كل هذه الجيوش فى إسقاط النظام الشيوعى .
جمال حمدان – استراتيجية الاستعمار والتحرير – دار الهلال –

ولكن عندما فشلت الحرب لجأ الغرب إلى سياسة أخرى : عزلة مطلقة وحصارا مطبقا غلى روسيا حيث تجنبها العالم الغربى كما يتجنب المجذوم .
عندما وقف الاتحاد السوفيتى على قدميه ، كان باب الاستعمار عبر البحار قد أغلق بالضبة والمفتاح على طريقة مكره أخاك لا بطل ، ولكن السوفيت تباهوا دائما بأنهم غير استعماريين وأن هذه هى مبادىء الماركسية اللينينية محررة الشعوب . ولم يمارس الاتحاد السوفيتى أى محاولة استعمارية عبر البحار فى أسيا أو افريقيا أو أمريكا اللاتينية ، ورصيده فى هذا المجال = صفرا، وهذا يحسب له ، حتى إن كان رغم أنفه ، يحسب له لأنه لم يتدرب على أساليب الاستعمار الاوروبى عبر البحار ، وهو استعمار اعتمد على قوات عسكرية محدودة ولكن تستخدم قوة نيران هائلة وترتكب مذابح مروعة ، كمذابح بريطانيا فى الهند ومذابح فرنسا فى الجزائر ، وفى ظل هذا الاستبداد استخدم المستعمرون عملاء من أهل البلاد الأصليين ليساعدوهم فى إدارة البلاد وفى حفظ الأمن – الشرطة بل وتجنيدهم فى الجيوش الغازية كما حدث فى الحربين العالميتين الأولى والثانية ، حيث حارب ملايين الأفارقة والأسيويين فى صفوف جيوش الحلفاء.
هل معنى هذا أن روسيا فى عهد الاتحاد السوفيتى لم تسع إلى توسيع نفوذها الخارجى وبسط هيمنتها ؟ بالطبع لا ولكن كان ذلك بأساليب مختلفة وفى نطاقات مختلفة ، برية ومحدودة ومحددة بدول الجوارالجغرافى
على خلاف الأسلوب الاستعمارى الغربى فى غزو بلدان العالم عبر البحار وباستخدام الأساطيل والقوات المحمولة بحرا فإن روسيا – وسنستخدم روسيا بدلا من الاتحاد السوفيتى لأن الروس كانوا هم المهيمنون على الاتحاد السوفيتى – روسيا تعلمت ومارست نوعا آخر من التوسع والتسلط ، فهى كقوة برية لا تجيد الحروب البحرية ، وليست منفتحة أصلا على البحار الدافئة ‘ فكان توسعها جنوبا فى آسيا وغربا فى شرق أوروبا وفى حالة امتداد أرضى مباشر – تذكروا دوما أن روسيا قوة برية أساسا- وبالاعتماد – فى العهد الشيوعى – على أحزاب شيوعية فى كل هذه البلدان ، وهذا ما انتهى بها إلى احتلال أفغانستان بنفس الأسلوب الامتداد الأرضى + الاعتماد على حزب شيوعى حاكم .
حالة التوسع الأرضى تحتاج لعودة للخلف قبل الاستطراد فيها .
النشأة التاريخية للدولة الروسية توضح كيف بدأت روسيا كدولة قومية موحدة فى نقطة متأخرة بالنسبة للعالم الغربى بل بالنسبة لكثير من مناطق العالم . فى العصور الوسطى خضعت روسيا لغزوات من الشمال والجنوب . جاء الغزاة النورس من البلاد الاسكندنافية ويطلق عليهم اسم الروس
rus
ومعناها رحال الزوارق وأخذت روسيا اسمها منهم، وهؤلاء حكموا المدن السلافية . ومن الجنوب حيث حزام الاستبس ، موطن الرعاة – رجال الخيل ، جاءت غارات لاتنقطع . ولذلك لم تكن روسيا فى القرن التاسع إلا مجموعة من الإمارات الصغيرة المستقلة فى نطاق الغابات وحول المستنقعات محصورة ومحمية بالغابات بين الاستبس فى الجنوب ومناطق الجليد فى الشمال ، أى بين رعاة وبدو الاستبس .
وبدو الجليد. وكانت كييف أكبر هذه المدن أول هذه الامارات – لاحظ مرة أخرى أنها عاصمة أوكرانيا الآن ! وكانت هذه الامارات تدفع الجزية لرعاة الاستبس وخضعت لسيطرتهم حتى سقطت كييف فى القرن 13 فى يد المغول بقيادة جنكيز خان ، الذين اتخذوا عاصمتهم على نهر الفولجا الأدنى. المعلومة الخطيرة ان المغول حكموا روسيا لثلاثة قرون ، وخضعت روسيا لأكثر من 5 قرون لأشكال متنوعة من قبائل الاستبس – منهم 3 قرون للمغول – . تخيلوا ما معنى أن يحكم المغول بلدا لمدة 3 قرون ، وهم الهمج أعداء الحضارة ، لنعرف ماذا قدمت مصر للأمة الاسلامية بقصم ظهر المغول وعدم السماح لهم بالاستقرار فى المنطقة ، فى قلب العروبة والاسلام أو ما يسميه الغرب الآن الشرق الأوسط .
وبعد ذلك بدأت تظهر إمارة موسكو بعيدا عن مناطق الاحتلال حيث تحولت من قرية بسيطة إلى مدينة وبدأت تسعى لتوحيد الإمارات بين القرنين 13 و15 . فى القرن الخامس عشر تمكن تيمور لنك المغولى – التركى المسلم من إقامة دولة كبرى فى وسط آسيا والشرق العربى واحتل أجزاء من روسيا .
بطرس الأكبر فى أواخر القرن 17 وأوائل القرن 18 هو الموحد الحقيقى لروسيا . وبعد إخضاع مناطق الاستبس بدأ زحف سكانى روسى ضخم وليس مجرد زحف عسكرى فى إتجاه الجنوب الأكثر دفئا ولإستئصال مخاطر رعاة الاستبس ، والاستبس هو الحزام الذى
يغطيه العشب
. كان اسم الإستبس يطلق بمعناه الصحيح على الحشائش التي تغطي مساحات كبيرة في داخل القارات في العروض المتوسطة، وإستبس العروض المتوسطة هي في الحقيقة أكبر مناطق الإستبس اتساعاً وأهمها وذلك من حيث تنوع مظاهر استغلالها الاقتصادي في الوقت الحاضر، وهي تتميز بأن حشائشها تكون قصيرة وأكثر اخضراراً وليونة من حشائش السفانا والإستبس الحار، ممَّا يجعلها أصلح منها لتغذية الماشية.

اقرأ المزيد على e3arabi: الإستبس حشائش العروض المتوسطة
  https://e3arabi.com/?p=476155

والمغول أبرز رعاة الاستبس . واستمر الزحف الروسى جنوبا حتى القرن التاسع عشر . ووصل توسع بطرس الأكبر حتى القوقاز فاحتل داغستان وسواحل بحر قزوين الغربية وانتزعها من الصفويين .

بطرس الأكبرإذا هو الذى وحد روسيا ثم انتقل إلى التوسع جنوبا فى آسيا وغربا فى أوروبا ، أما التوسع شرقا فقد وصل حتى سواحل المحيط الهادى ولكن فى عروض شمالية باردة وفى مناطق شبه خالية من السكان رغم اتساعها وطولها بآلاف الكيلومترات، فكان التوسع نوعا من التعمير البشرى وليس من الاستعمار السياسى ، هذا على عكس التوجه جنوبا نحو الحزام الاسلامى والذى كان مأهولا بالسكان فكان التوسع من قبيل الاستعمار المباشر لهذا الحزام الاسلامى وكان يتكون عرقيا من عناصر غير سلافية ، أساسا من المغول والتتار والأتراك .
وقد أكد لينين زعيم الثورة الروسية الشيوعية أن الامبراطورية القيصرية لم تكن إلا سجن أمم من مقياس رهيب . وأعلن حق هذه القوميات فى تقرير المصير ، ولكنه أعتمد على أحزاب شيوعية فى هذه البلدان الآسيوية حكمتها وأعلنت إنضمامها للاتحاد السوفيتى ، وبذلك انتفت صورة الاستعمار . ولكن واقع الأمر أن الدولة الشيوعية السوفيتية أصبحت استمرارا للإستعمار الروسى القيصرى ، ولكنها أخذت شكل الاتحاد الشيوعى ، فى ظل هيمنة روسية مباشرة حتى ان الروس فرضوا لغتهم الروسية على كل هذه الجمهوريات الجنوبية ، ونقلوا أعدادا كبيرة من الروس ليستوطنوا فيها بالملايين لتغيير تكوينها الديموغرافى السكانى . وبعد إنحلال الاتحاد السوفيتى سقطت هذه الجمهوريات الاسلامية مع الأسف تحت النفوذ الأمريكى ، وتحاول روسيا استعادة مكانتها فيها من جديد من خلال تجمع اقتصادى أشبه بالكومنولث . كذلك تتجمع هذه الدول مع روسيا والصين فى تجمع شنغاهى والذى انضمت إليه الهند وباكستان وإيران، وهذه الجمهوريات الآسيوية الوسطى هى : قيرقزيا – كازاخستان – تركمانستان – أوزبيكستان – طاجيكستان – أذاربيجان وإن كانت هذه الأخيرة حسمت أمورها فى الارتباط بأمريكا واسرائيل. فى باقى الجمهوريات يدور الصراع بين روسيا وأمريكا حول النفوذ داخلها ودخلت الصين فى لعبة التجاذب هذه أما العرب والمسلمون فيتفرجون ! رغم أن العرب هم الذين نشروا الاسلام فى هذه البلدان ومن المفترض أن يدرك المسلمون جميعا مسئوليتهم عن إعادة نشر وتثبيت العقيدة الاسلامية ، بعد أن ضعفت وأضمحلت عبر سبعين عاما من الشيوعية .أما اهتمام تركيا بهذه الجمهوريات فيمكن أن نعتبره إيجابيا لولا أنه يوضع فى سياق تركى قومى عرقى . كان هذا من أيام أتاتورك ولا تزال هذه الروح العرقية مسيطرة على طريقة تفكير أردوجان، وما الاسلام إلا مجرد عنصر من العناصر المستخدمة للدعوة إلى توحيد العالم التركى من حدود الصين وحتى البوسنة والهرسك . ولكن لا نريد الاستطراد فى هذا الموضوع هنا حتى لا نخرج عن إطار هذه الدراسة .
ولكن لماذا يتعين علينا كعرب ومسلمين أن نهتم بدراسة روسيا وماهيتها وتاريخها ؟

المقصود من الاستطراد فى عرض تاريخ روسيا أن نفهم ” ماهية روسيا ” ، فنحن نعلم الكثير عن أوروبا وأمريكا ولا نعلم شيئا عن روسيا . ويتعين علينا أن نفهمها لأنها متداخلة فى حياتنا ، ولنا مصلحة فى التعامل معها لموازنة الجبروت الأمريكى .
لنواصل سيرنا مع تاريخ روسيا :
فى إطار التوسع الشرقى لروسيا فى المناطق المخلخلة سكانيا كان هناك خط يتوغل فى سيبريا وكان أشبه بالكشوف الجغرافية ولكن البرية ، فى مواجهة الكشوف الجغرافية البحرية لأوروبا
.حين عبر المغامر القوزاقى يرمك جبال الأورال 1580
لم يكن هذا جزءا من خطة غزو منظم أى خطة استعمارية قيصرية ، إنما كان الدافع هو التجارة ، وتجارة الفراء بوجه خاص ، كان هذا التوغل من تنظيم و عمل كبار التجار فى الأورال ، وكان التجار يصاحبهم بعض الفرسان لحماية القوافل لا أكثر .تواصل الزحف شرقا حتى المحيط الهادى إلى إوفتسك وهى التى ستؤدى بروسيا إلى مواجهة أمريكا الشمالية ولكن من بابها الخلفى حتى تصل إلى ألاسكا – تذكر أن الأرض كروية وليست مسطحة كما هى فى الخريطة -وهكذا وصل الروس لأمريكا ولكن من الشرق ! هكذا أكتشفت روسيا ألاسكا عام 1741 وقد وصلت إليها برا !ثم اندفع المكتشفون الروس جنوبا على طول الساحل الغربى الأمريكى حتى وصلوا إلى مقربة من سان فرانسيسكو فى عام 1812 وهى فى أقصى الجنوب الغربى الأمريكى . وفى هذه النقطة جرت المواجهة بين الأمريكيين وأسبانيا التى كانت تحتل هذه المناطق كجزء من المكسبك . ولأن هذا التوغل الروسى تم بدون تخطيط فقد أستدار الروس بمنتهى البساطة عندما شعروا أنهم توغلوا بعيدا وأعطوا ظهرهم لأمريكا وأسبانيا . كان الروس قد اتجهوا شرقا فى الوقت الذى كان الأسبان يتحركون غربا عبر المحيط . أى أن كل طرف أعطى ظهره للآخر فإذا بهما يلتقيان وجها لوجه بدون ميعاد وعلى حين غرة فى سان فرانسيسكو . لم يكن لدى الروس أى خطة استعمارية فى هذا التوغل فدقت قلوبهم من الخوف ورأوا أنهم ذهبوا بعيدا ، كانوا على بعد 40 كيلومتر من سان فرنسيسكو ، وهى الآن من أهم مدن ولاية كاليفورنيا ، وفى نفس الوقت على بعد لايقل عن ثلث محيط الكرة الأرضية من العاصمة موسكو ، وكان هذا عبر إندفاع برى لا بحرى ! فاتخذت روسيا قرارا يعتبره المؤرخون حكيما بالإنسحاب الفورى والطوعى ، عادت أدراجها للخلف حيث لا توجد خطوط إمداد وتموين سهلة وقريبة . ثم بعد قليل فى عام 1867 باعت ألاسكا بثمن زهيد للولايات المتحدة الأمريكية ، وهذا لم يكن قرارا حكيما ، فقد ثبت أن ألاسكا الجليدية تنطوى على ثروات معدنية ضخمة ، فضلا عن موقعها الجغرافى الملاصق للولايات المتحدة,
أما الشعبة الثانية للتوسع الشرقى فقد وصلت عام 1860 إلى فلاديفستك على المحيط الهادى وأصبحت روسيا هكذا على أبواب الصين وشبه جزيرة منشوريا .وهذا فتح الطريق لعلاقات تاريخية بين الصين والاتحاد السوفيتى والتى أزدهرت الآن بين روسيا والصين .
لاحظ أن روسيا حتى النصف الثانى من القرن 19 لاتزال تشكل نفسها ، أى حتى عام 1860 . وهذا ما أبعد اهتمامها عن العالم الخارجى عبر البحار ، فقد كانت دولة برية تتشكل وتتوسع برا . ومشغولة بنفسها ولم تتوسع لتضم أو تحتل إلا هذه البلدان الآسيوية الاسلامية وكان ذلك فى إطار التوسع البرى .
ولكن الوصول إلى المحيط الهادى وضعها فى حالة صدام مع اليابان التى كانت تسعى فى ذلك الوقت للتوسع فى البر الآسيوى وجزر المحيط الهادى ، فنشبت حرب بحرية بينهما عام 1905 انهزمت فيها روسيا كدولة برية لا تخبر البحار أمام اليابان كقوة بحرية أصيلة . ولاحظ أنه توجد حتى الآن خلافات بين روسيا واليابان حول بعض جزر المحيط الهادى . كان لدى روسيا قوة بحرية أكبر من اليابان ولكنها تحركت من بحر البلطيق وليس عبر الطريق الأقصر عبر مضيق جبل طارق وقناة السويس لأنه كان تحت سيطرة الانجليزحلفاء اليابان ، ولكن عن طريق رأس الرجاء الصالح ، وهذا أطول ب 6 آلاف ميل ، فوصل الأسطول الروسى متعبا ومرهقا فحطمه اليابانيون . ولم تكن القوات البحرية الروسية المتواجدة على سواحل المحيط الهادى كافية لمواجهة الأسطول اليابانى .

فى إطار التوسع جنوبا انتزعت روسيا القيصرية جورجيا وأرمينيا من الدولة الصفوية فى إيران ، وهما بلدان مسيحيان وقد ظلا تحت السيطرة السوفيتية بعد سقوط القيصرية ، ثم استقلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى حتى الآن . وكانت هذه من أقوى الضربات للدولة الصفوية ، فقد أضعفت نفوذها فى المنطقة ، ثم أعقب ذلك اكتساح منطقة القوقاز ثم انتشرت روسيا فى الحزام التركى وأخضعت قبائل التركمان والأزبك والقرغيز وغيرها من العتاصر الطورانية و المغولية. سقطت جواهر اسلامية فى يد الروس : طشقند فى 1846 ثم سمرقند 1868 ثم خيوة 1873 ثم خوقند 1876 أى أهم المراكز التاريخية الاسلامية . ولم يتوقف المد الروسى إلا عندما اصطدم بالفاصل الجبلى النهائى لفارس . المهم أن التوسع القيصرى كان استعماريا ودمويا ، ومن فصول مآسى الأمة الاسلامية التى كانت مشغولة بالحروب بين الصفوية والعثمانية ، حيث خسر الاثنان فى النهاية ، بل وزالت الدولتان من الوجود كله !
فى نهاية القرن 19 أصبحت هناك لأول مرة فى التاريخ دولة كبرى توحد الاستبس الأوراسى فى ظل حكومة مركزية قوية ، وتستخدم القطار والمدفعية لا حركة الخيول والفرسان .، وهى أكبر دولة برية فى التاريخ ـ إذا استبعدنا إمبراطورية جينكزخان المغولية غير الحضارية وإذا استبعدنا الدولة الاسلامية فى العهدين الأموى و العباسى لأنها لم تكن شديدة المركزية. نشأت روسيا كدولة أوروبية آسيوية ولكن مركز ثقلها فى أوروبا وجسمها الكبير فى آسيا : الرأس أوروبى والجسم آسيوى ,وهى أطول دولة حدودا حبث بلغت حدودها 38 ألف ميل أى مثل محيط الكرة الأرضية مرة ونصف مرة .ومع ذلك فهى أكبر دولة معزولة بالطبيعة وحبيسة عن عالم المعمور ، سواحلها مجمدة : المحيط المتجمد الشمالى وفى الجنوب محاطة بالصحراء والمرتفعات الصارمة وفى الشرق تعانى من فراغ المحيط الهادى الهائل .
من الناحية الاستراتيجية والجغرافية السياسية فإن الصراع دار تاريخيا بين القوى البرية والقوى البحرية وظهرت بينها دول برمائية . وقد ثبت أن القوى البحرية هى الأقوى ، رغم خلافات خبراء الاستراتيجية والجغرافية حول هذا الموضوع . فاليونان كقوة بحرية هزمت مصر وفارس . تاريخيا مصر لم تستخدم البحر إلا فى التجارة وكانت قوتها العسكرية برية . وفارس كانت قوة برية ، وعندما حاولت غزو اليونان باستخدام قوات البرمع أسطول بحرى كبير هزمت لأن أسطولها غرق معظمه فى البحر ، بسبب عدم تمرسها فى الحروب البحرية . وقد غرق الأسطول الفارسى بسبب العواصف التى لم يستطع توقيها فدخل فى خليج خطر وكانت نهايته فيه وليس بسبب النيران اليونانية . ولكن هذه الكارثة تعود لنقص الخبرة فى التعامل مع البحر وأنوائه . وكانت القوات الفارسية البرية والبحرية قرابة المليون جندى . كما خسرت القوات الفارسية التى تمكنت من الوصول ألى الأراضى اليونانية . وكان النصر النهائى لليونان حتى احتل الاسكندر بلاد فارس كلها .كذلك انتصر الرومان كقوة بحرية على الفرس ، حتى حبست فارس فى البر وخسرت الشام نهائيا فى بداية العهد الاسلامى أى فى القرن السابع الميلادى . وراجع سورة الروم فى القرأن الكريم .

بدأت الدولة الاسلامية كقوة برية وكان من بعد نظر معاوية بن أبى سفيان وهو يحكم ولاية الشام إصراره على بناء أسطول بحرى، وكان عمر بن الخطاب مترددا جدا فى هذا الشأن استنادا لإنعدام خبرة العرب بالبحر وكان محقا أيضا فى هذا التردد .وتمكن معاوية والى الشام أخيرا من إقناع الخليفة عثمان بن عفان ببناء الأسطول والبدء بغزو قبرص . ولكن ظلت قوة الدولة الاسلامية فى البر حيث التوسع برا فى اتجاه الشرق حتى حدود الصين والتوسع غربا حتى المغرب ، وحتى عبور مضيق جبل طارق إلى الأندلس وعرضه 14 كيلومترا فقط – وقد رأيته بوضوح من الطائرة وأنا فى طريقى للمغرب قادما من مدريد حيث ترى ضفتيه بسهولة وكأنه نهر صغير – حتى عبور هذا المضيق كان بمعاونة عناصر من أهل أسبانيا ! وبسفن مؤجرة من حاكم جزيرة كان منشقا عن حكام أسبانيا .
وحتى الدولة العثمانية كانت قوتها الأساسية فى البر ، ولكن فى مرحلة تالية ومن أجل السيطرة على البحر المتوسط أصبحت القوة البحرية الأولى فيه حين توسعت فى شمال افريقيا والشام ومصر وبذلك تحولت إلى قوة برمائية ، ولكن بأخذ مجمل تاريخها فإن قوتها فى البر كانت أكبر من قوتها فى البحر وتوسعت بغزوات البر أكثر من التوسع بغزوات البحر . ونشاطها البحرى ظل قاصرا فى معظم الأوقات على البحر المتوسط . وفشلت محاولاتها للاستقرار فى الهند وتوقفت عند اليمن وجنوب البحر الأحمر مع المشكلات التى واجهتها فى اليمن كما أوضحنا فى دراستنا عن اليمن. أى أنها كانت قوة برمائية – تمساح – مقابل الفيل الذى يمثل رمز القوة البرية مثل روسيا والحوت كرمز يمثل القوة البحرية كبريطانيا .
ولكن الدولة الاسلامية فى العصور الأموية والعباسية والعثمانية تميزت عن الدولة الروسية بأنها كانت مطلة على معظم البحار الدفيئة وكانت مطلة على المحيطين الهندى والأطلنطى وتميزت بأنها استخدمت البحار فى التجارة أكثر من استخدامها فى الغزوات العسكرية وبحيث انتشر الاسلام بالتجارة بأكثر مما انتشر بالحرب !.
والذى استعمر العالم الجديد أى الأمريكتين وافريقيا وآسيا هى القوى البحرية : هولنده والبرتغال وأسبانيا وبلجيكا ثم انجلترا وفرنسا . ثم انتصرت بريطانيا على فرنسا فى مجال السيطرة على العالم لأنها كانت الأقوى بحريا ، وكانت فرنسا أقرب إلى أن تكون قوة برية حيث كانت قوتها الأساسية على البر وهذا ما ظهر فى حروبها على اليابسة الأوروبية ، ولكنها كانت الثانية بحريا بعد إنجلترا وبالتالى قد تعد قوة برمائية : تمساح .
وأخيرا فإن الصراع الحالى على مستوى العالم هو بين روسيا البرية وأمريكا البحرية . أزمة روسيا المزمنة مع البحار الدافئة يفسر الكثير من سلوكها فى السياسة الخارجية منذ القرن التاسع عشر حتى الآن . وهى تبذل الآن جهودا مضنيا لتعزيز وجودها البحرى والصين من ورائها والتى تتميزبأن تاريخها نظيف من التوسع والاستعمار وسنأتى للصين فى دراسة أخرى إن شاء الله . ولكن أشير سريعا إلى أن الصين تكاد تتحول الآن لقوة بحرية أولى وفقا للتقارير العسكرية الأمريكية وروسيا أصبحت قوة مكافئة وخطيرة فى مواجهة البحرية الأمريكية وهذه من أهم علامات التراجع الأمريكى .
فما أهمية أن تكون الدولة قوة كبيرة ولكن مخنوقة ومحاصرة . البحار هى الطرق الأساسية للتجارة والحرب والتوسع والاستعمار . وقد كانت المنافذ البحرية الروسية عبر بحر البلطيق فى الشمال والبحر الأسود فى الجنوب وهى بحار داخلية تتحكم دول أخرى فى مخارجها كما تتحكم دول أخرى فى سواحلها . أما المحيط الهادى فنصفه متجمد، فضلا عن أنه متطوح ومقطوع : طريق غير اقتصادى ، عدا فى المرحلة الأخيرة الراهنة حيث أصبح معبرا للتجارة بالسفن الحديثة بين أمريكا وشرق آسيا .
وكانت أوروبا الغربية تدرك هذا المأزق الروسى ، واستثمرته ضد روسيا بمنتهى سوء النية ، فهى لاتريد مزاحم جديد فى النادى الاستعمارى . فكيف تطور الصراع بين روسيا وأوروبا الغربية فى القرن 19 على ضوء هذا الواقع الجغرافى الاستراتيجى ؟

كانت أوروبا الغربية فى القرن 19 تدرك المأزق الروسى كدولة برية غير قادرة على الاستخدام اليسير للبحر أو غير قادرة على الوصول للمياه الدفيئة واستثمرت هذا المأزق فعملت على إغلاق كافة المنافذ البحرية أمام روسيا بسياسة الاحتواء والتطويق ، واستمرت هذه السياسة فى عهد الشيوعية السوفيتية وبعد سقوط الشيوعية وحتى الآن كما يظهر فى الأزمة الراهنة حول أوكرانيا .
بطرس الأكبر مؤسس روسيا الحديثة كان مدركا لهذا المأزق ولهذا أنشأ مدينة سان بطرسبرج – ليننجراد – كميناء على بحر البلطيق كنافذة على أوروبا والمحيط الأطلنطى . وكان النفاذ إلى البحر من أسباب الحروب مع بولنده وأوكرانيا.
سيطرت روسيا على دويلات البلطيق : ليتوانيا ولاتفيا واستونيا وضمت بولنده بعد انتزاعها من السويد فى النصف الثانى من القرن 18 من أجل ذات الهدف , وبذلك أصبح لروسيا أخيرا جبهة بحرية فسيحة على البلطيق ومن ثم إلى المحيط الأطلنطى . ولكنها انكمشت بعد ذلك فى العهد السوفيتى فى هذه الجبهة .
أما على جبهة البحر الأسود جنوبا فقد مرت روسيا بعدة مراحل فى مواجهة الدولة العثمانية التى كانت قاهرة السلاف فى البلقان وشرق أوروبا بينما كانت روسيا زعيمة السلاف . وكان البحر الأسود الدافىء هو الذى يوصلها إلى البحر المتوسط ، هذا البحر الثمين الاستراتيجى لإخراج روسيا البرية من عزلتها . المرحلة الأولى كانت فى القرن 18 فى عهد كاترين زوجة بطرس الأكبر ووريثته فى الحكم .وصلت روسيا إلى سواحل البحر الأسود وشبه جزيرة القرم على حساب الأتراك . ولكن ظلت الدولة العثمانية تسيطر على المضائق : البسفور والدردنيل وهى التى توصل للبحر المتوسط ، وبسبب هذه المضائق حدثت 7 حروب بين الدولتين وكانت فرنسا وانجلترا تقفان مع تركيا لصد روسيا ، فالهدف الأسمى هو إبقاء روسيا البرية محاصرة بعيدة عن البحار الدفيئة فى مركز الكرة الأرضبة ، أما الدولة العثمانية فلم تعد تخيف أوروبا حتى سمتها الرجل المريض . وبسبب هذا التحالف التركى الانجليزى الفرنسى لم تنجح روسيا فى الوصول إلى المضائق . وكان هذا من أهم أسباب هزيمة روسيا أمام اليابان فى حرب1905 . فكما ذكرنا من قبل ان هذه الحرب كانت بحرية ، ولم تستطع روسيا إرسال قوتها البحرية الضاربة بشكل سريع من البلطيق لأن بريطانيا تسد عليه مضيق جبل طارق وقناة السويس فاضطرت القوة البحرية الروسية إلى أن تلف الكرة الأرضية لتصل من المحيط الاطلنطى عبر رأس الرجاء الصالح إلى المحيط الهندى ومنه إلى المحيط الهادى ، فاكتسح اليابانيون الأسطول الروسى فى المحيط الهادى . وقد ذكرت من قبل أن الأسطول وصل متعبا ومرهقا ولكن يبدو كما علمت من مصادر أخرى أنه وصل بعد إنتهاء المعركة الأساسية .وهذه الواقعة التاريخية مهمة لتأكيد نظريتى فى دراسة المستطيل القرآنى أو مايسمى الشرق الأوسط ، فمن لايملك هذا المركز المتوسط لايمكن أن يسيطر على العالم .
ولو راجع المسلمون التاريخ لأخذ العبر لأدركوا أنه كان من الأفضل الوصول لصيغة تحالف مع روسيا ضد انجلترا وفرنسا . فالدولة العثمانية استنزفت نفسها فى حروب مع روسيا لمصلحة انجلترا وفرنسا . مع أنه لا فارق جوهرى فى طبيعة النظم بين البلدان الثلاثة . ولو وقفت الدولة العثمانية مع روسيا وفقا لتحالف متوازن لأصبحت أكثر قوة ولربما طال عمرها ، فقد كانت نهايها على يد انجلترا وفرنسا . والحقيقة لقد أدرك ذلك فى ذلك الوقت المفكر الاسلامى الاستراتيجى جمال الدين الأفغانى حيث سعى لإيجاد صيغة تحالف وتعاون بين الدولة العثمانية وروسيا فى مواجهة التحالف الغربى ولكنه لم ينجح فى مسعاه .
وعلى محور ثالث أى بعد جبهتى البلطيق والبحر الأسود حاولت روسيا الوصول للخليج الفارسى / العربى عقب الحرب العالمية الثانية فاحتلت شمال إيران وأصبحت قريبة من الخليج حيث المياه الدافئة والبترول الذى بدأ يتدفق ولكن انجلترا ثم أمريكا تصديتا لهذا الطموح . وأنذر الرئيس الأمريكى روزفلت ستالين بضرورة الانسحاب من إيران ، واستجاب الاتحاد السوفيتى حيث كانت أمريكا قد أصبحت القوة النووية الوحيدة فى العالم ، وظلت هكذا من 1945 حتى 1949 حين فجر السوفيت قنبلتهم الذرية الأولى .
وفى نهاية الحرب العالمية الثانية عادت روسيا لتعيد سيطريها على منافذ بحر البلطيق وحولت دويلاته إلى سوفيتات لا تتجزأ منه بالإضافة إلى قطاع كبير من شرق بولنده وشريحة من رومانيا !!

بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت روسيا فى أفضل أحوالها ، فوصلت إلى البحار المفتوحة فى البلطيق وبحر الشمال والبحر الأسود ومشارف البحر المتوسط من خلال البلقان ، ولم تعد تركيا تغلق المضائق عليها ، ولكنها ظلت بلا مرتكزات : موانىء أو دول صديقة وحليفة فى الشرق الأوسط : مركز العالم ، فالأساطيل لاتهيم هكذا فى البحار والمحيطات بدون مرافىء وقواعد بحرية . لذلك ظلت قوة البحر هى الأقوى : الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون. و رغم تمدد روسيا فى شرق أوروبا مع تحالفات فى الشرق مع الصين وفيتنام وكوريا الشمالية ظلت الكتلة الغربية أكبر مساحة من الكتلة الشرقية وكانت تطوقها من الغرب والجنوب والشرق ومن الشمال عبر المحيط المتجمد الشمالى حيث تطل أمريكا . ظلت روسيا الأوروآسيوية جزيرة كبيرة وضخمة ولكن تحت الحصار . وأخذ الحصار نفس شكل القرن ال19 ، ولكن ليس بالإغلاق القسرى للمضائق والبحار ولكن بمحاصرة روسيا سياسيا واقتصاديا وبالأحلاف العسكرية تحت نفس المسمى : سياسة الاحتواء ب 100 قاعدة عسكرية برية وبحرية وجوية ، وبدأت السلسلة بحلف الناتو الذى يشمل أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية ثم حلف بغداد ثم الحلف المركزى السنتو فى الشرق الأوسط وحلف جنوب شرقى أسيا + قواعد أمريكية فى أقصى شرق الاتحاد السوفيتى : فى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وكانت هذه هى بداية الحرب الباردة .
الصراع العربى الاسرائيلى
الصراع العربى الاسرائيلى هو الذى أدخل روسيا إلى قلب العالم – الشرق الأوسط – وكان هذا قرارا مصريا ثم عربيا . لم يكن إقتحاما روسيا على طريقة الغزوات الاوروبية .
الأيديولوجية ضرورة لقيام دولة عظمى وأيضا ضرورة لاستمرارها. أمريكا قدمت نفسها باعتبارها قائدة العالم نحو النور والحضارة وما أسموه القدر المتجلى أى إرادة الله فى أن تسيطر أمريكا على العالم وتقوده .والايديولوجية أى العقيدة تتضمن الحرية والديموقراطية والرأسمالية ثم الريادة العلمية والتكنولوجية . وتتراجع القوة الأمريكية بقدر ما تتراجع مصداقية هذه الأيديولوجية. الاتحاد السوفيتى قدم نفسه على اساس أنه مخلص البشرية من الظلم الرأسمالى والاستعمارى وكأنه يحمل دينا جديدا اسمه الماركسية يبشر بالمساواة المطلقة بين البشر وبين الشعوب وأنه نصير حق تقرير المصير . فلم يكن الاتحاد السوفيتى بإمكانه ، حتى وإن أراد ، أن يتوسع بنفس طريقة الغرب الامبريالى ، وإلا هدم جوهر أيديولوجيته ، ما كان بإمكانه إفتعال أزمة ما مع دولة ما ثم إرسال أساطيل وقوات لاحتلال هذا البلد كما فعلت انجلترا وفرنسا ثم أمريكا . لم يفعل ذلك أبدا .. وحتى الآن . ولكن ماذا فعل ليبسط قوته ونفوذه وسيطرته ؟

3 –
.. روسيا واليهود والشرق الأوسط ونابليون

لروسيا تاريخ سلبى مع اليهود ، وكان اليهود كثيرين فى روسيا حتى بلغ عددهم قرابة نصف عدد اليهود فى العالم بأسره. كانت روسيا القيصرية منزعجة منهم مثل باقى دول أوروبا ، لدورهم فى النشاط الربوى ، بل وصلوا إلى حد احتكار تجارة الخمور فى البلاد . لذلك صدر قرار بتحديد إقامتهم فى مكان محدد لا يخرجون منه إلا بإذن رسمى . هذا ما حدث فى مرحلة من المراحل .
اليهود مكروهون فى روسيا وأيضا فى أوروبا ولكن تحت السطح .. تحت الجلد.. وكراهيتهم غير قليلة فى أمريكا ولكن الناس يخشون من بطشهم فلا يتكلمون . أقصد عندما أصبحوا أقوياء فى أوروبا وأمريكا أخيرا .
الأدب الروسى ينضح بهذه الكراهية . الأديب الروسى ألكسندر سولجينتسين والحائز على جائزة نوبل كتب ضد اليهود ، كتب عن دورهم السلبى فى روسيا . ديستويفسكى الأديب الأكبر والأشهر كتب عن كراهية الروس لليهود ، وكذلك فعل شاعر روسيا العظيم ألكسندر بوشكين. وقال الكاتب ديرجافينى: إنهم وعلى مدى قرون تشتتوا فى أرجاء الأرض تمتعوا خلالها باحتقار ومقت الآخرين جزاء خيانتهم وما ارتكبوه فى حق جيرانهم من شرور وآثام .
وقد طردهم القيصر من كييف 1113 . وإيفان الرهيب طردهم من نوفجوردو عام 1528 وتشتتوا فى الإمبراطورية الروسية ومنها بولنده.كانت روسيا محتارة بهم بين التشتيت وبين التجميع فى مكان واحد . كانوا أشبه بالمرض العضال .
وعندما أسس تيودور هيرتزل مشروعه لإقامة دولة يهودية قام بجولة دولية فى بلاد أوروبا والدولة العثمانية وقادته الجولة إلى روسيا حيث يعيش 7 ملايين يهودى والتقى مع وزير مالية روسيا – واضح أن القيصر رفض مقابلته – وعرض عليه أن يخلصه من يهود روسيا وينقلهم إلى فلسطين ، وكانوا فى ذلك الوقت يمتلكون 50 % من الاقتصادالروسى ، وحثه على تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين ، حتى وإن استخدم فى ذلك فرض المزيد من الضرائب على اليهود لدفعهم للهجرة !! وحاول أن يستميل روحه المسيحية وقال له : إن جندا من الأتراك يحمون قبر المسيح وهذا لايجوز . ولكن وزير المالية الروسى لم يتجاوب معه ، وقال له كلمة جافة تناقلتها كتب التاريخ : سنشجع اليهود على الهجرة بركلات الأقدام !!
اليهود غير المرحب بهم فى أوروبا كان لابد أن يحلوا مشكلاتهم داخل كل بلد أوروبى على حدة .
ومن الأفكار الشائعة بين الاسلاميين أن اليهود هم الذين صنعوا الثورتين الفرنسية والروسية وذلك تأثرا ببعض الكتابات أهمها : كتاب أحجار على رقعة الشطرنج ، وإن كان الكتاب يحتوى على معلومات مهمة وصحيحة من وجهة نظرى عن الماسونية ، والماسونية من أحد محاور اهتماماتى فى القراءة والبحث . فماهو تقديرى لدور اليهود فى الثورتين الفرنسية والروسية ؟

وجد اليهود فى الثورتين الفرنسية ثم الروسية فرصة سانحة لفك الحصار عن أنفسهم ، والسماح لهم بالإندماج والتلاحم فى بنية المجتمع للخلاص من قصة الاضطهاد والتمييز ضدهم والذى سموه فيما بعد العداء للسامية .
الثورة الفرنسية ليست موضوعنا الآن ولكن باختصار فإن شعارات : الحرية – الإخاء – المساواة التى رفعتها الثورة تعنى من بين ما تعنى انتهاء فكرة التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو أى أساس آخر . فكان للمنظمات الماسونية دور مشهود بلا شك فى الثورة الفرنسية ولا تزال الماسونية والطائفة اليهودية مخترقة ومعششة فى النظام الفرنسى حتى الآن . ولكن الثورة الفرنسية اندلعت لأسباب اجتماعية عميقة ، ثورة شعبية ضد النظام الملكى الاقطاعى ولصالح الطبقة البرجوازية – الرأسمالية الصاعدة ، ولم تكن مجرد مؤامرة يهودية ، غاية ما هنالك أن اليهود حاولوا تعظيم الاستفادة منها ، ولاشك أنهم نجحوا كما تفعل أى قوة سياسية أو اجتماعية أو عرقية للاستفادة من أى حراك أو ثورة شعبية ، دون أن يغير هذا من طبيعة الثورة أو طبيعة النظام الجديد القائم على اعتبارات أشمل وأوسع من ذلك .
وهذا ما حدث فى روسيا بطريقة أخرى . وكما رأينا فإن القيصرية كانت معادية لليهود، ووصل الأمر إلى حد حدوث عدد من المذابح فى حقهم ، ولذلك كانت الثورة الشيوعية هى الخلاص لهم لأن من مبادئها عدم التفرقة بين البشر على أساس العرق أو الدين وهذه نقطة التقاء بين الثورتين الفرنسية والروسية بينما كان الخلاف فى المجال الاقتصادى الاجتماعى بين الاشتراكية والرأسمالية . واليهود لايهمهم هذا الخلاف الأيديولوجى ، ما يهمهم أن ينعتقوا من مسألة التفرقة والاضطهاد، بالإضافة إلى سعيهم الدائم للسيطرة على الدول الكبرى .، ولذلك اندمجوا فى وقت مبكر فى الحركة الشيوعية فى روسيا وخارج روسيا .
لايعرف كثير من الشيوعيين فى بلادنا أن زعيم الحركة الشيوعية الروسية ذات نفسه : فلاديمير إليتش لينين كان يهوديا ، – مقال لسامى عمارة بالأهرام – وكذلك العديد من قادة الحزب الشيوعى الروسى التاريخيين مثل كامنييف وزينوفييف وتروتسكى مؤسس الجيش الأحمر و دزيرجينسكى البولندى الأصل مؤسس المخابرات السوفيتية كى جى بى وغيرهم . ولكن لينين مات سريعا بعد نجاح الثورة واستلام السلطة ، مات فى عام 1924 وهرب ليون تروتسكى خارج البلاد بعد صدامه مع ستالين الحاكم الجديد. وستالين أصله من جورجيا وكان شديد العداء لليهود ، وانقلب عليهم فى الحزب بعد خيانتهم له ، ولذلك أيد استيطان اليهود فى فلسطين للخلاص منهم . وحكم ستالين روسيا بين 1924 حتى 1953 حين مات بجلطة فى المخ .
والآن نعود مرة أخرى لتطورات علاقة روسيا بالمنطقة العربية التى يسميها الغرب الشرق الأوسط

استبعاد روسيا من الشرق الأوسط

يبدو أننا ابتعدنا عن مسألة الصراع العربى الاسرائيلى ، ولكننا ابتعدنا لنقترب ونحن على بينة من الخلفيات أو بالأحرى أحد جوانب هذه الخلفيات . فالشرق العربى بما فيه فلسطين كان قد أصبح غنيمة لأوروبا بل غنيمة لبريطانيا وفرنسا بالتحديد يتقاسماها بعد الإجهاز على الرجل المريض : الدول العثمانية.
وفى غرب الوطن العربى وقبل الحرب العالمية الأولى كانت فرنسا قد احتلت الجزائر عام 1830 واحتلت فرنسا وأسبانيا المغرب عام 1912 واحتلت إيطاليا ليبيا عام 1911 .
خلال الحرب العالمية الأولى تم توقيع اتفاق سايكس بيكو عام 1916 الذى كان جوهر عملية التقسيم وكان فى المشرق العربى وكان حصريا بين انجلترا وفرنسا ولكن تم إطلاع روسيا عليه حتى لاتغضب وكانت فى تلك اللحظة حليفا لهما فى محاربة ألمانيا والدولة العثمانية التى كانت تعيش أيامها الأخيرة ، كما وعدا روسيا بالسماح لها بتمثيل كنسى للكنيسة الأرثوذكسية الروسية فى القدس مع الإدعاء أنها ستكون مدينة دولية لا تتبع أى كيان فى فلسطين عربيا كان أم يهوديا . وعندما قامت ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 ، نشرت صحيفة البرافدا الروسية نص هذا الاتفاق لفضح المرامى الاستعمارية لانجلترا وفرنسا مما أثار حفيظة الشريف حسين شريف مكة وحليف الانجليز فيما يسمى الثورة العربية ضد الدولة العثمانية . وكانوا قد وعدوه فيما يسمى مفاوضات أو مراسلات حسين مكماهون بأنه سيكون ملك العرب أى يحكم كل المشرق العربى ، ولما احتج لدى الانجليز على هذا الخداع والوعود الكاذبة التى كشفها هذا الاتفاق الثنائى سايكس – بيكو طمأنوه وأكدوا تمسكهم بكل الالتزامات معه وطلبوا منه تجاهل ما نشرته البرافدا باعتباره غير حقيقى وكانوا كاذبين . وبعد نهاية الحرب خففوا من تنصلهم من الاتفاق بإعطاء إمارة شرق الأردن لإبنه عبد الله والعراق لإبنه الأخر فيصل ولكن تحت الإشراف الانجليزى المباشر . ولكن الشريف حسين احتج على تغيير الاتفاق بأن يكون هو ملك العرب لكل شرق العرب ، فتم إلقاء القبض عليه وترحيله ونفيه فى جزيرة قبرص ! وهذه تكون عادة نهاية العملاء .
وهكذا فعقب الحرب العالمية الأولى ظل الوطن العربى والحزام الاسلامى من المغرب حتى اندونيسيا خاليا تماما من أى وجود روسى عسكرى أو حتى مدنى ! خاصة وقد انسحبت روسيا من الحرب العالمية على يد النظام الجديد الذى أصبح فى خصومة مع أوروبا الغربية الرأسمالية . وقبل ذلك كانت روسيا مهزومة على جبهة القتال مع ألمانيا وكان صراعا فى البر حيث ظلت روسيا بعيدة عن البحار أو غير مؤثرة فيها . واستمر هذا الوضع أى غياب روسيا تماما عن العالمين العربى والاسلامى عدا بلدان وسط آسيا التى ورثتها روسيا الشيوعية من روسيا القيصرية ، استمر هذا الوضع من 1917 حتى عام 1955.

لا تتعجلوا سنصل إلى عام 1955 ، ولكنها فرصة لفهم روسيا ، وهو الأمر الذى لم تحاوله أى دراسة عربية متكاملة عدا دراسة جمال حمدان – استراتيجية الاستعمار والتحرير، وأخيرا مقالات وكتب سامى عمارة مراسل الأهرام فى موسكو. وقد استفدت من الاثنين فى هذه الدراسة . إذا لم يفهم الساسة العرب ، اسلاميون وغير اسلاميين ، العالم من حولهم فلن يستطيعوا أن يرشدوا سياستهم الخارجية ، بل ولا حتى النهضة الداخلية ، فالنهوض لا يتم فى الفراغ ولكن فى إطار أوضاع اقليمية ودولية معينة ، ولابد من فهمها لمعرفة ماهو إيجابى ومفيد وموات منها وماهو سلبى ومعاكس وضار . لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والموحى إليه من السماء ، ولكن قدر له الله أن يجاهد وينتصر بالسنن الواقعية : السياسية ، كان عليه الصلاة والسلام على معرفة وإدراك كاملين بالوضع الاقليمى والدولى حوله : الحبشة – الروم – الفرس – مصر – اليمن.

العمق البرى حمى روسيا من العدوان الخارجى

رغم تخلف روسيا التكنولوجى والصناعى والحضارى بشكل عام إلا أن عمقها البرى الكبير والذى لا مثيل له ، حماها من الاحتلال المباشر وقد تجلت هذه الخاصية عندما تعرضت لهجمتين كبيرتين مدمرتين :
الأولى فى عام 1811عندما قرر نابليون بونابرت بعد أن احتل أوروبا كلها تقريبا عدا انجلترا المتحصنة فى البحر كجزيرة ، قرر فى حماقة تاريخية أن يحتل روسيا رغم وجود معاهدة سلام مع القيصر ألكسندر الأول، حصلت فرنسا بموجبها على بولنده !
تخيل بونابرت أنه بضم روسيا سيقيم أكبر إمبراطورية فى التاريخ ويوحد كل أوروبا التى لم تتحد أبدا عبر التاريخ ، فحشد جيشا من 650 ألف جندى بينهم 450 ألف قوة عسكرية ضاربة والباقى للتأمين والإمداد . كانت الطرق سيئة والإمدادات قليلة ، والمناخ يتراوح بين شديد الحرارة وشديد البرودة . واخترعت روسيا إختراعا فريدا من نوعه لأنه لا يصلح إلا لروسيا المتسعة الأراضى ، اخترعت استراتيجية ” النصر بالإنسحاب ” !!
كان نابليون قد اقام مخازن كبرى للغذاء على الحدود من القمح والأرز واستخدم فى حملته 150 ألف حصان وانتظر حتى شهر يونيو حتى تنمو الحشائش لغذاء الخيل ، وجلب معه الطواحين ، وتوقع الانتصار فى 3 أسابيع ، وبدأت الحرب فعليا فى 1812 .
وسنلحظ بالإضافة لتكتيك الانسحاب أن القومية الروسية أو الوطنية الروسية والتى كانت قد نضجت رغم توحيد روسيا مؤخرا كما أوضحنا فى أواخر القرن 17 ، وسنرى كيف دافع الشعب عن أرضه ولم يستسلم رغم أن الحكم القيصرى لم يكن يتمتع بشعبية غير عادية .
خلال الأيام الأولى من الغزو مات 10 آلاف حصان وبدأ الجيش الفرنسى يعانى من الإمداد البطىء ، وقام فلاحو روسيا بحرق مزروعاتهم حتى لا يستفيد الغزاة منها . أما الجيش الروسى فبدأ فى الانسحاب ليتجنب أى مواجهة صدامية لن تكون فى مصلحته ، وقام الجنود الروس أيضا بحرق المزروعات و مخازن الغذاء حتى لا يستفيد منها الغزاة .وبدأ طول المسافة ورداءة المناخ والبيئة تعمل عملها فى مقاتلة الغزاة الفرنسيين , فقامت الدوسنتاريا بقتل 900 جندى فرنسى كل يوم !
ومات آلاف الفرنسيين بدون معركة واحدة ، وأصبح الجيش الفرنسى مرهقا وهو يتمدد على خط طوله 500 ميل . و حرب العصابات لم تكن مستبعدة فقام القوازق وهم فرسان من الإستبس بالإغارة على أجناب طوابير الجيش الفرنسى .
كان نابليون على رأس الحملة وكان مصرا على الوصول لمدينة سمولنسك وهى المدينة المقدسة ، وتوقع أن الجيش الروسى لابد أن يدافع عنها فتحدث المواجهة التى يسعى إليها حتى يحطم الجيش الروسى ويجبر القيصر على الاستسلام الرسمى . ولكن الحرارة كانت فى تزايد ، وانخفضت قواته الضاربة من 450 ألف إلى 150 ألف فقط بدون قتال ! ثم فاجأ الروس نابليون بأنهم انسحبوا حتى من المدينة المقدسة بعد أن دمروها وحرقوها !! حتى لا يستفيد منها الغزاة . عندئذ رأى نابليون ضرورة الزحف إلى العاصمة موسكو حيث لابد أن يواجهه الجيش الروسى هذه المرة , وحدثت بالفعل معركة فى 7 سبتمبر فى قرية بورودينو ، ولكن قام الروس بعدها بالإنسحاب . وانخفض الجيش الفرنسى إلى 100 ألف . كان نابليون قد دخل من قبل فيينا وبرلين دخول الأبطال ، وجاءت باقى المدن تسلم المفاتيح ، ولكن عندما دخل موسكو وجدها خالية من السكان والغذاء !!
إنها قصة لامثيل لها فى التاريخ بهذا الشكل .
ماذا حدث بعد ذلك ؟
ظل الجيش الروسى ينسحب من أمام جيش نابليون حتى وصل موسكو العاصمة ، فأيقن نابليون أن ساعة الحسم قد جاءت فلابد للجيش الروسى أن يدافع عن العاصمة ولكنه فوجىء عندما دخل موسكو ووجدها خالية من السكان والغذاء، بل كانت الحرائق مشتعلة فيها واستمرت هكذا لمدة 5 أيام . وقبل أن ينسحب الروس منها كانوا قد قاموا بتدمير كل مضخات المياه !
وطوال كل هذه الأحداث رفض القيصر التفاوض أو التسليم .
وفى 19 أكتوبر 1812 انسحب نابليون من العاصمة موسكو بعد أن لم يجد شيئا يفعله فيها ، واتجه إلى سمولنسك ، وفى الطريق تعرض للمزيد من هجمات القوازق فى شكل حرب العصابات . وبعد الموت من شدة الحرارة انقلب المناخ إل البرودة الشديدة فقدبدأ شهر الشتاء بدون خريف ، بل انتقل المناخ إلى الثلج ، فماتت الخيول المتبقية ووصل نابليون إلى سمولنسك ب 30 ألف فقط . وفى ديسمبر حدث انقلاب فاشل على نابليون فى فرنسا ، ولكنه خشى على سلطته فترك جنوده المعذبين فى هذا الوضع البائس وعاد مهرولا إلى باريس . وفى النهاية لم يرجع من الجيش المهزوم والفاشل إلى فرنسا إلا 25 ألف جندى من أصل 450 ألف . ورجع القليل من القوة المعاونة والتى كان عددها 200 ألف . وهى دراما تروى قصة جنون العظمة الذى أصاب نابليون ورغبته الجامحة فى احتلال وحكم كل القارة الأوروبية وقد كان هدفا مستحيلا فى واقع الأمر . ولم يحدث فى التاريخ ولم يحدث حتى الآن إ أى توحيد كل أوروبا فى دولة واحدة بقوة السلاح . وحتى فى ظل الاتحاد الاوروبى الحالى فهى ليست موحدة كلها تحت راية الاتحاد ، وداخل الاتحاد توجد تباينات عدة وحرية فى الاختلاف فى السياسات الخارجية والداخلية . وأخيرا كما رأينا خرجت دولة بحجم بريطانيا من الاتحاد . وكان هذا الفشل الذريع مقدمة لنهاية نابليون الذى حدث عندما هزم فى معركة ووترلو على مقربة من بروكسل أمام الانجليز عام 1815 ، فبعد هذه الهزيمة الأخيرة سقط حكمه فى باريس وتم سجنه فى أحد الجزر حتى مات .
ولكن ما يهمنا هنا هو هذه العبقرية الاستراتيجية الروسية التى هزمت نابليون بجيش قوامه 650 ألف مقاتل وهو رقم مهول فى ذلك العصر وحتى الآن ، ومدجج بأحدث السلاح بمعايير ذلك الزمان ومدرب تدريبا ممتازا .هزمت روسيا هذا الجيش بدون قتال !!
بل أبادت هذا الجيش الجرار عن بكرة أبيه إلا قليلا ، أبادته بتجنب المواجهة الصدامية لعدم التكافؤ فى العدد والعدة ، واستخدمت حرب العصابات ولم تكن معروفة فى ذلك الزمان . وهزمته بالعمق البرى وقسوة المناخ وبحرمانه من الغذاء والمياه ، واستعادت روسيا كل أراضيها التى احتلها الغزاة الفرنسيون . وهذه القصة تقول درسا مهما . وهو أنه لا يوجد شىء ثابت اسمه استراتيجية . فالاستراتيجية تعنى الخطة الرئيسية ، والخطة الرئيسية تنبثق من مقومات وأركان الواقع المحدد وبالتالى فهى تختلف من مكان لآخر ، ومن زمان لآخر . ، عدا الثوابت التى لاتتغير وهى العقيدة أو الوطنية . أما المسلمون فيجمعون بين عقيدة التوحيد والوطنية فتكون كفتهم دائما هى الراجحة إن كانوا مؤمنين : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . آل عمران 139
والآن ننتقل من جنون العظمة عند نابليون إلى جنون العظمة عند هتلر وفى نفس المثال : روسيا .

لم يتعلم هتلر زعيم المانيا النازية الدرس من نابليون ، وهذا درس حى على ضرورة قيام السياسيين بدراسة التاريخ والتعلم منه ، فكرر مهزلة أو مأساة نابليون بالكربون ، مع استبدال الدبابات بالخيل . كان هتلر قد عقد اتفاقية سلام مع ستالين زعيم روسيا ، كما فعل نابليون مع القيصر الروسى . ثم خان الاتفاق – كما فعل نابليون -بعد أن استولى على أوروبا عدا بريطانيا – أيضا كما فعل نابليون – وقرر احتلال روسيا .
فى يونيو1941قام ثلاثة ملايين جندى ألمانى بمهاجمة روسيا ، وبعد 4 شهور وصلوا إلى مقربة من موسكو وبدأوا بقصفها ووصل الجيش الألمانى على بعد كيلومترات قليلة من موسكو ، ولكن ستالين حاكم روسيا قرر البقاء فى موسكو ولم ينسحب كما فعل القيصر ألكسندر أمام نابليون . قام ستالين بتجميع كل القوات فى الميدان الأحمر، وصمدت موسكو ولم تسقط .
بعد 10 شهور تمكن الجيش الألمانى من الوصول إلى مدينة ستالينجراد كنقطة للوصول إلى نفط قزوين ، واحتل معظم المدينة ولكنها ظلت تقاوم .
فى شتاء 1943 بدأ الجيش الألمانى يعانى من الاستنزاف ، وكان قد سقط منه 500 ألف قتيل و600 ألف جريح ، وتم أسر مارشال ألمانى ، وحدث هجوم روسى معاكس وكاسح لم ينته إلا بوصول الجيش الأحمر عام 1945 إلى أبواب برلين . وفى 8 مايو 1945 استسلم الألمان !
وكان الروس قد استخدموا أسلوب المقاومة الشعبية – حرب العصابات على طول مرحلة تقدم الجيش الألمانى إلى موسكو واستنزفوه ، وهذا ماحدث أيضا من قبل مع الجيش الفرنسى بقيادة نابليون لنفس السبب وهو عدم التكافؤ مع الجيش المهاجم فى العدد والعدة . ولكن الألمان كانوا قد نجحوا فى تدمير 70 ألف قرية ، وقتلوا 26 مليون روسى ، وهى خسائر رهيبة لم يتعرض أى طرف آخرفى جبهة الحلفاء لمثيلها .وعندما أسر الألمان ابن ستالين : ياكوف رفض ستالين مبادلته بالمارشال الألمانى الأسير !
مرة أخرى حمى العمق الاستراتيجى روسيا من الاحتلال ، بل ساهمت روسيا بقسط وافر فى إسقاط حكم كل من نابليون وهتلر . كان 90 % من الجنود الألمان المقتولين فى الحرب العالمية الثانية قد قتلوا على أرض روسيا .
والآن نعود مرة أخرى إلى الشرق الأوسط .أو بالأصح مركز العالم المتوسط أو المستطيل القرآنى أو الخريطة الجغرافية القرآنية أختر ما شئت . ولكننى أستخدم مصطلح الشرق الأوسط أحيانا مكرها لأن الناس تعودت عليه ، وحتى لا يتصور القارىء أننى أتحدث عن مكان مختلف . فالانجليز عندما كانوا يحكمون العالم هم الذين أطلقوا على قلب العالم العربى والاسلامى مصطلح الشرق الأوسط لأنه يقع فى منطقة متوسطة بين انجلترا والشرق الأقصى ثم ورثت أمريكا هذا المصطلح لنفس السبب ولتجنب استخدام ما يشير إلى الهوية الخاصة لشعوب هذه المنطقة : المنطقة العربية الاسلامية. .

نعود من جديد إلى الشرق العربى وكنا قد توقفنا عند الحرب العالمية الأولى . أرادت فرنسا وانجلترا إرضاء أو بالأحرى خديعة روسيا ، لأن استبعادها من تقسيم أراضى المسلمين تجاوز غير مقبول بين الحلفاء ، لذلك قرر فرانسوا جورج بيكو سكرتير أول السفارة الفرنسية فى لندن ومارك سايكس نائب مجلس العموم البريطانى والاتفاقية باسمهما ، قررا السفر إلى موسكو فى مارس 1916 وأعطوا روسيا وعدا ب 4 ولايات من تركيا والعراق : طرابزون – وان بلقيس – أرضروم – جزء من اقليمى أراميا والموصل ، ولكن لم يحدث فى الواقع تنفيذ أى شىء من هذه الوعود . فالتحيز ضد روسيا والإصرار على استبعادها من المنطقة بل من شئون العالم عموما كان من ثوابت سياسة البلدين.
ولكن مالذى حدث فى عام 1955 وأدخل روسيا إلى منطقة الشرق العربى ؟
كان قطاع غزة يتبع مصر إداريا عقب حرب 1948 . وكان نظام عبد الناصر يسمح للفدائيين الفلسطينيين أن يعبروا الحدود للقيام بعمليات فدائية داخل الأراضى المحتلة ضد أهداف اسرائيلية والعودة إلى غزة ، وقد أوجع ذلك اسرائيل وأرادت أن تروع مصر حتى تتوقف عن ذلك ، فقامت بهجوم عسكرى كبير عبر الحدود ودخلوا غزة وخربوا ثكنة عسكرية للجيش المصرى وأهداف أخرى ، وأدت الغارة إلى مقتل عشرات من العسكريين المصريين ، وإصابة عشرات آخرين . كانت ضربة موجعة لنظام عبد الناصر الذى رأى عدم جاهزية الجيش المصرى بأسلحته العتيقة للرد على هذه الجريمة . وكانت ضربة موجعة لكرامة الجيش المصرى ولمصر . وهذا هو الذى دفع عبد الناصر لعقد ما سمى صفقة السلاح التشيكية ، وهى فى الحقيقة صفقة مع الاتحاد السوفيتى . وكان عبد الناصر قد فشل فى التوصل لصفقة سلاح مع أمريكا فى الفترة ما بين 1952 و1954 ، حتى إنه عندما أرسل على صبرى للولايات المتحدة للتفاوض حول توريد السلاح لمصر لم يتلق سوى وعد بصفقة مسدسات وخوذات !! وكانت إهانة مقصودة . وكان السبب الحقيقى لهذا الرفض قد قالوه صراحة : لايمكن تسليح الجيش المصرى قبل اعتراف مصر باسرائيل وعقد معاهدة سلام وإقامة علاقات طبيعية كاملة معها . وهذا ما حدث فى واقع الأمر بعد كامب ديفيد ، حيث رفضت أمريكا إعطاء سلاح للسادات رغم كل ماقدمه من تنازلات وما أبرزه من إقبال على امريكا وقطع كل العلاقات مع الاتحاد السوفيتى . ولم يحدث توريد سلاح أمريكى لمصر إلا بعد توقيع اتفاقيتى كامب ديفيد . فثوابت الدولة العظمى لاتتغير . وإن كان عبد الناصر لم يضع فى أولوياته الاستعداد لشن حرب على اسرائيل إلا أنه لايمكن أن يبدأ حكمه لمصر بالصلح مع اسرائيل . كان من أهداف 23 يوليو المعلنة : إقامة جيش وطنى قوى مع انتقاد صريح لخيانة نظام فاروق والأنظمة العربية للأمة فى حرب 1948 وماسمى بصفقة الأسلحة الفاسدة . وقد حارب عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار فى فلسطين ، وتعرض عبد الناصر لحصار الفالوجة الشهير .
كانت صفقة السلاح مع الاتحاد السوفيتى فى عام 1955 أول خطوة على طريق العلاقات المباشرة مع الاتحاد السوفيتى , ولكن لم يكن هناك بعد قرار بإقامة علاقات تحالف استراتيجى معه.
فى نفس الوقت كانت سوريا تقيم علاقات متأرجحة بين روسيا وأمريكا من خلال الانقلابات العسكرية المضادة لبعضها بعضا والتى استمرت طوال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين . ولكن العلاقة الروسية مع مصر كانت أول علاقة مع دولة مستقرة ، بل وأكبر وأهم دولة عربية .
ماذا كان رد فعل أمريكا على هذا التحول الخطير وقد شعرت بالصدمة فقد كانت العلاقات ودية للغاية بين نظام 23 يوليو وأمريكا فى الفترة ما بين 1952 و1955 عدا موضوع السلاح .

كانت أمريكا على إتصال دائم منذ اليوم الأول لانقلاب 23 يوليو مع عبد الناصر والضباط الأحرار من خلال سفارتها فى القاهرة ، ولم تفقد الأمل تماما فى عبد الناصر . كان عبد الناصر يطرح الصداقة مع أمريكا ولكن يحاول أن يحتفظ باستقلاله ، وهذا أمر لاتفهمه أمريكا ، ولا تقدره كمبدأ عام وليس مع عبد الناصر وحده ، ولكنها فقدت حماسها لتمويل مشروع السد العالى، بعد أن كانت هناك موافقة مبدئية على ذلك من البنك الدولى ، وتراجع البنك عن قرار تمويل المشروع . كان ذلك بسبب موقف عبد الناصر الرافض للمشاركة فى الأحلاف العسكرية التى سعت أمريكا لإنشائها فى المنطقة فى إطار التطويق الشامل للاتحاد السوفيتى : حلف بغداد – الحلف المركزى السنتو ومقره فى تركيا . رأى عبد الناصر عن حق إن الدخول فى معركة ضد الشيوعية والاتحاد السوفيتى يجب ألا يكون على جدول أعمال مصر لأنه لايوجد تهديد حقيقى منه للمنطقة . ولم تكن الحركات الشيوعية العربية قوية بصورة تدعو للخوف منها وربما كان الحزب الشيوعى العراقى هو أكبر وأقوى حزب شيوعى فى المنطقة فى ذلك الوقت ، ولكن العراق كان تحت السيطرة البريطانية ولذلك تم تأسيس حلف بغداد المعادى للانحاد السوفيتى فى بغداد وأصبح اسمه حزب بغداد . رأى عبد الناصر عن حق ايضا أن الأحلاف العسكرية تعنى إقامة قواعد بريطانية وأمريكية دائمة وهذا يعنى العودة للاستعمار بينما لم يكن البريطانيون قد انسحبوا بعد من قاعدة قناة السويس وكان موعد إتمام الانسحاب حسب اتفاق 1954 18 يونيو 1956
كان هذا هو السبب الأساسى لسحب الموافقة على تمويل مشروع السد العالى وهو موقف يؤكد بوضوح أن البنك الدولى كما شقيقه صندوق النقد الدولى أداة سياسية واقتصادية فى يد الهيمنة الأمريكية على العالم المستضعف .
وهذا الأمر دفع عبد الناصر لإتخاذ قرار تأميم قناة السويس لاستخدام دخلها فى تمويل السد العالى وللخلاص بالمرة من شركة القناة العالمية التى تديرها بريطانيا والتى استولت على قناة السويس منذ إفتتاحها أو بعد إفتتاحها بقليل . وهذا القرار أثار حفيظة كل الدول الغربية . وقد أدت معارضة التأميم إلى العدوان الثلاثى الذى دبرته انجلترا مع فرنسا واسرائيل لإحتلال سيناء وقناة السويس والذى تم شنه فى أكتوبر 1956 أى بعد التأميم ب 3 شهور ، ولكنه لم يكن بموافقة الولايات المتحدة وأثار حفيظتها لأنها رأت فى ذلك قرارا من بريطانيا للعودة إلى احتلال مصر التى انسحبت منها
، فى 18 يونيو 1956 ، بينما كانت أمريكا تسعى لوراثة مصر منها ولكن كانت هناك العقبات المشار إليها مع عبد الناصر . وعلى أى حال فإن مصر قد أصبحت ملفا أمريكيا لا بريطانيا ، هكذا رأت واشنطن . أما الاتحاد السوفيتى فكان موقفه صريحا ومعلنا ووجه ما سمى الانذار الروسى كإنذار لدولة نووية لدول العدوان الثلاث ، وهذا الإنذارالروسى مع الضغط الأمريكى كانا حاسمين مما سهل عملية الانسحاب الثلاثى من مصر فى يناير وفبراير 1957 . كذلك فإن الصين هددت بإرسال ربع مليون متطوع للقتال مع مصر . وهكذا فإن الموقفين الروسى والصينى كان لهما تأثيرهما المساند للضغط الأمريكى .وانسحبت إسرائيل من سيناء التى كانت قد احتلتها كلها وانسحبت بريطانيا وفرنسا من بور سعيد .
ولكن حصيلة هذه المواجهة أن العلاقات المصرية السوفيتية قد تعززت نظرا لاستمرار الخلاف المصرى الأمريكى حول الأحلاف وعدم تراجع البنك الدولى عن قرار وقف تمويل السدالعالى . اتخذ عبد الناصر قرارا بأن يتولى السوفييت بناء وتمويل السد العالى فى أسوان وكانت تكلفته فى ذلك الوقت 400 جنيه مصرى ، ولا شك رحب السوفيت وهم يمتلكون خبرة جيدة فى بناء السدود . وبدأ المشروع عام 1960 وانتهى عام 1970 . خلال هذه الفترة توسعت العلاقات بين مصر وروسيا فى مجال السلاح والعديد من المشروعات الصناعية ، ويرمز لذلك أن مصنع الحديد والصلب فى حلوان الذى بنته شركة ديماج الألمانية فى بداية الخمسينيات تحول إلى مصنع بتقنية روسية وتوسع توسعا كبيرا . وسافر العديد من المهندسين والمهنيين فى مختلف التخصصات الصناعية للتدريب فى روسيا وأوروبا الشرقية الشيوعية كما تم إرسال بعثات تعليمية فى التخصصات العملية والتطبيقية والعلمية : هندسة – طب – كيمياء – صيدلة الخ .
كثير من الاسلاميين بسبب الصدامات المؤسفة التى وقعت مع الاخوان المسلمين جراء الصراع على السلطة ، لايطيقون مجرد سماع اسم عبد الناصر ولا كل ما جرى فى مرحلة حكمه رغم أنهم شاركوه فى الانقلاب وخلال عامى 1952 و1953 وحتى أزمة مارس عام 1954 ، وفقدوا القدرة على التقييم الموضوعى لفترة من تاريخ مصر . فيقولون تارة ان عبد الناصرعميل أمريكى وتارة أخرى يقولون إنه عميل روسى ، وهو أمر لايستقيم . والواقع إنه لم يكن لا هذا ولا ذاك ولكنه كان يسعى لمشروعه الخاص القومى ولكن بزعامة فردية وهذه آفته التى قضت عليه وسارت به فى طريق الفشل . ولسنا الآن بصدد تقييم مرحلة عبد الناصر . ولكن بصدد العلاقات المصرية السوفيتية فحسب . وحتى هذه اللحظة لانجد أى غبارعليها فقد كانت بالنسبة لمصر خيارادوليا إجباريا بسبب تعنت أمريكا ورغبتها الأكيدة فى السيطرة التامة على مصر ودفعها لعلاقات طبيعية مع اسرائيل .

لابد من وقفة تأمل وتحليل عند هذه البدايات للعلاقات المصرية الروسية فى العهد السوفيتى والناصرى . ولا أدرى كيف يلوم أحد عبد الناصر على تطوير هذه العلاقة وقد كانت أشبه بالطريق الإجبارى لمن يريد الاستقلال والصمود أمام الضغوط الغربية. ولا أدرى ما الذى يمكن أن ينتقد عليه الاتحاد السوفيتى ؟ والحديث موجه للاخوان المسلمين ومختلف التيارات السلفية وكل من يعادى ويجرم هذه العلاقات المصرية الروسية فى تلك المرحلة . وانتقاداتى للعهد الناصرى معروفة ومثبتة ومكتوبة فى هذه المدونة . فلا أؤيد عبد الناصر على طول الخط ولا أعارضه على طول الخط وبمعايير موضوعية من وجهة نظرى .
صفقة السلاح التشيكية كانت ضرورية لمصر ،وقد أشرنا إلي ذلك ، ولكن لم نوضح شروط الصفقة من الناحية المالية . تقول مراسلات السفير السوفيتى فى القاهرة إنه أبلغ الحكومة المصرية موافقة الجانب السوفيتى على أن يتم سداد حسابات صادرات الأسلحة بأسلوب المقايضة الذى طلبته الحكومة المصرية أى من خلال الصادرات السلعية مع تقديم قرض مالى بنسبة 2 % سنويا والسلع المقترحة هى القطن والأرز والجلود وخيوط الحرير الصناعى . ولا يوجد تيسير أكثر من ذلك .
وعندما بدأت أحداث ما يعرف بأزمة السويس بتأميم قناة السويس لابد من بعض التفصيل فى الموقف الروسى . أيد الاتحاد السوفيتى القرار المصرى مؤكدا أن التأميم حق شرعى لمصر ، وأن التأميم لن يؤدى إلى مشاكل لأن عبد الناصر تعهد بحرية الملاحة فى القناة . ففى خطابه الذى ألقاه نيكيتا خرشوف سكرتير عام الحزب الشيوعى فى استاد لينين الرياضى يوم 31 يوليو 1956 أيد تأميم قناة السويس وأكد شرعية هذا الإجراء . وخلال المؤتمر الذى عقد فى لندن لمناقشة الموضوع يوم 12 أغسطس تبنى ديمترى شيبيلوف وزير خارجية السوفيت وجهة النظر المصرية تماما ، وأكد من جديد أن تأميم القناة حق قانونى لمصر .
وفى 16 سبتمبر أعلنت الحكومة السوفيتية إنها ستلجأ إلى استخدام حق الفيتو ضد أى محاولة تهدف إلى دفع الأمم المتحدة إلى القيام بعمل ضد مصر بسبب أزمة قناة السويس . وقدم الاتحاد السوفيتى مساعدات تقنية تضمنت سفنا للإرشاد و فنيين لمساعدة مصر على تشغيل قناة السويس . وفى 22 أكتوبر 1956أعلن خروتشوف أنه إذا نشبت حرب بسبب تأميم قناة السويس فلن يقف العرب وحدهم وسيكون هناك متطوعون سوفييت إلى جانبهم .
وعندما وقع العدوان الثلاثى على مصر فى 29 أكتوبر 1956 هاجم الاتحاد السوفيتى العدوان ، ووصف اسرائيل بأنها أداة فى يد الاستعمار ، وقام بسحب السفير السوفيتى من تل أبيب . و أعلن الاتحاد السوفيتى استعداده لإرسال متطوعين لإنهاء الاحتلال . وبلغ الدعم السوفيتى لمصر ذروته بالتهديد بقصف عواصم الدول الثلاث المعتدية بالصواريخ النووية إذا لم يتوقف العدوان ، وهو ما عرف بالإنذار الروسى الذى وجهه المارشال نيكولاى بولجانين رئيس الوزراء السوفيتى إلى دول العدوان الثلاثى على مصر يوم 5 نوفمبر وجاء فيه ما نصه :
السيد \ دافيد بن جوريون
إن الحكومة الإسرائيلية المجرمة التى تفتقر إلى الشعور بالمسئولية ، تتلاعب الآن بأقدار العالم وبمستقبل شعبها بالذات
السير \ أنتونى إيدن
المسيو \ جى موليه
ترى الحكومة السوفيتية أنها مضطرة إلى لفت نظركم إلى الحرب العدوانية التى تشنها بريطانيا وفرنسا ضد مصر ، والتى لها أوخم العواقب على قضية السلام . كيف كان لبريطانيا تجد نفسها إذا هاجمتها دولة أكثر قوة ، تملك كل أنواع أسلحة التدمير الحديثة ؟! إن هناك دولة الآن لا يلزمها إرسال أسطول أو قوة جوية إلى سواحل بريطانيا ، ولكن يمكنها إستخدام وسائل أخرى مثل الصواريخ النووية . إننا مصممون على سحق المعتدين وإعادة السلام إلى نصابه فى الشرق الأوسط عن طريق استخدام القوة ، إننا نأمل فى هذه اللحظة الحاسمة أن تأخذوا حذركم ، وتفكروا فى العواقب المترتبة على ذلك . وتم إرسال نسخة مماثلة لكل من اسرائيل وفرنسا . وقد كان للإنذار الروسى ، الذى كان الإنذار النووى الأول ولا يزال الوحيد من نوعه ، دور حاسم فى فى إنهاء العدوان الثلاثى . وأرسلت الدول الثلاث كل على حدة رسالة إلى رئيس الوزراء السوفيتى فى صباح اليوم التالى لتلقى الإنذار فى 6 نوفمبر يؤكدون فيها إلتزامهم بوقف إطلاق النار توطئة للانسحاب .

من مراجع هذا الفصل : الصحف المصرية والعالمية
مصر وروسيا – نورهان الشيخ -المكتب العربى للمعارف – القاهرة – الطبعة الأولى – 2021
القاهرة – موسكو : د. سامى عمارة الطبعة الأولى 2019- دار الشروق القاهرة
– 4 –

3 أسباب وراء عدم لحاق روسيا بالمرحلة الاستعمارية فى القرن 19

نترك منطقتنا العربية ونعود مرة أخرى لمسار التاريخ الروسى . روسيا لم تلاحق أوروبا الغربية فى مجال الاستعمار لسببين :
الأول أنها تأخرت فى مضمار الثورة الصناعية حتى قامت دول أوروبا الغربية بتقسيم الغنائم بالإستيلاء الكامل على 5 قارات : أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا – عدا روسيا – واستراليا ، وأمريكا الشمالية كانت هى البداية وحتى قبل الثورة الصناعية أى فى القرن السادس عشر بفضل ريادة المحيطات .
السبب الثانى : أن روسيا قوة برية محبوسة عن البحار التى هى وسيلة الانتشار فى كل القارات تجاريا واقتصاديا وعسكريا . .
والآن نضيف سببا ثالثا لايقل أهمية : الأيديولوجية والعقيدة . فكل .الدول القوية المؤثرة لاتقوم بدون مشروع أو إطار فكرى أو عقيدة، رغم أن التعريف التقليدى للدولة أنها أرض + شعب + حكومة إلا أن هذه العناصر وحدها قد تصنع دولة أو دويلة هشة ومعزولة ، أما الدولة القوية فلابد أن يكون لها مشروع ، ويسمى فى الدول الحديثة : الدستور والذى يشمل المبادىء الحاكمة للدولة فى الداخل والخارج . ولا نقصد مجرد الوثيقة التى تسمى الدستور فهناك دول لم تصغ دستورا مثل إنجلترا . المشروع الحضارى قد لا تتم صياغته فى وثيقة واحدة ، والكتلة الحضارية هى التى تتكون من دولة قائدة وقوية ودول تابعة لها تسير على منهاجها وتدور فى فلكها كما هو حال أمريكا الآن حيث تتمحور حولها أوروبا وكندا واستراليا . الحضارة ليست مجرد تقدم مادى وتكنولوجى أو قوة عسكرية ، لابد لكى تقوم الحضارة أن يكون لها تصور عقائدى يجمع شعبها والشعوب المحيطة بها أو التابعة لها ، وهو التصور الذى يسمح لها بالانتشار العالمى . والدولة القائدة أو العظمى لابد أن تبشر بعقيدة أو تصور أو رؤية فكرية للعالم . ولذلك فرغم أن دولة المغول كانت أكبر دولة فى التاريخ من حيث المساحة وامتدت من فيتنام شرقا حتى بولنده غربا أى إمتداد بعرض القارتين الآسيوية والأوروبية بدون إنقطاع ، إلا أنها لم تترك أى أثر فى التاريخ اللهم إلا الأثر التخريبى والتدميرى . المغول لم يدخلوا التاريخ بالمعنى الايجابى وكقوة مؤثرة إلا بدخولهم الاسلام ، وقد بلغت ذروة إبداعهم الحضارى فى الهند قبل الاحتلال البريطانى لها .
أما الحضارة الغربية فقد امتدت أولا غربا نحو الأمريكتين ، ثم استدارات وانتشرت شرقا حتى الفلبين والهند والصين ، وقدمت نفسها كحضارة عقلانية – ديموقراطية – تمتلك أسباب العلم والتكنولوجيا وتطرح مبادىء الحرية والإخاء والمساواة كأساس للنظم السياسية والرأسمالية التى تعنى حرية المباراة التجارية والاقتصادية حيث يكون المال والمجد للأكثر جدية وعملا . وكل هذه المبادىء تم تغليفها بالعقيدة المسيحية وهو مجرد تغليف ، فلا المجتمعات الغربية الكاثوليكية أو البروتستانتية تلتزم حقيقة بما ورد فى الانجيل فى صيغته الراهنة فهم أقاموا جميعا نظما علمانية تفصل بين الدين والسياسة ، ولكن هذه الدول استخدمت الانجيل بشكل انتقائى بطريقة القص واللصق ، يأخذون جملة من هنا وجملة من هناك لتزويق خطاباتهم وإضفاء الطابع المقدس على تصرفاتهم العدوانية والاستعمارية حتى وإن كانت الأناجيل لا تدعو بكل تنوعاتها إلى استخدام العنف لنشر الدين أو القيم الأخلاقية . بالعكس فصورة المسيح فى الأناجيل رغم ما أصابها من تحريف أنه رجل سلام ومحبة ، لايدير خده الأيسر لمن صفعه على خده اليمنى فحسب بل يقول : من سخرك ميلا فامشى معه ميلين . ومن طلب منك ثوبك فأعطه الرداء كله . وقال : أحبوا أعداءكم باركوا لاعينيكم

المشروع الاستعمارى الاستيطانى فى فلسطين بما فى ذلك الاستيلاء الكامل على القدس وهدم المسجد الأقصى وإقامة إسرائيل الكبرى والاستيلاء الكامل على الشرق الأوسط هو مشروع عقائدى مسيحى بروتستانتى – يهودى بصورة صريحة ‘ وإن كان فى حقيقة الأمر كما قلنا تغليفا مسيحيا لمشروع إقامة الإمبراطورية الأمريكية لحكم العالم . ومن المثير للدهشة أنهم ينسبون إلى المسيح العائد أنه سيهزم الكفار المسلمين والروس !!
وهذا كلام ليس موجودا بطبيعة الحال فى أى نوع من الأناجيل لأن المسلمين لم يكونوا قد وجدوا بعد بهذا الاسم ، ولا كان الروس لهم ذكر فى التاريخ القديم فى عهد المسيح ، ناهيك عن إنعدام أى وجود لهم فى الشرق الأوسط .
ما لايذكره إعلامنا المبجل ان أكثر من 120 مليون أمريكى ملتزمون بهذه التصورات ، وهم مشتركون فى محطات تلفزيونية متخصصة لهذا التيار الانجيلى من خلال الكابل . آخر إحصاء قديم أن عدد المشتركين فى هذه القنوات يصل إلى 80 مليون أمريكى ، بالإضافة لوسائل الاتصال الأخرى . والكنيسة القائدة لهذا التيار اسمها : الكنيسة المعمدانية الجنوبية ، نظرا لتركزها فى الجنوب ، ومن أبرز رموزها القس روبرتسون والقس فلويل ، ورأس هذه الكنيسة يبارك
انتخاب الرئيس الأمريكى الجديد ويحضر الاحتفال بتنصيبه بصورة رسمية .
وما لايعلمه أبناء نخبتنا المبجلة أن هناك رحلات مدرسية وجامعية ورحلات ثقافية عامة تنظم فى أمريكا للسفر إلى اسرائيل لزيارة الأماكن المقدسة التى جرت فيه أحداث الماضى ، والأماكن المقدسة التى ستحدث فيها أحداث المستقبل وفقا لسيناريو عودة المسيح حيث سيكون إنتصاره على الكفار المسلمين والروس فى هرمجدون بفلسطين أو ما نسميه نحن سهل مجدو . كذلك فإن هؤلاء القساوسة الأمريكان يشاركون فى غزوات اسرائيل ، حتى إن أحد أبرز قادتهم اعتلى إحدى الدبابات الاسرائيلية أثناء غزو لبنان عام 1982 لتأكيد وحدة المصير .
ورغم عنفوان الحملة ضد ترامب فى أمريكا إلا أنها لم تمس انحيازه السافر لاسرائيل ، لأن هذه مسألة عقائدية محسومة لدى الجميع أى جميع بروتستانت أمريكا الذين يتبعون الكنيسة المعمدانية الجنوبية وجميع مكونات الطبقة الحاكمة . حتى لقد قال ترامب عن حق إن اعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل ليس إلا تنفيذا لقرارات الكونجرس المتوالية ، وتعهدات رؤساء أمريكا السابقين والتى نكصوا عنها عندما تولوا السلطة !
فترامب ليس مخبولا وليس متطرفا ، بل هو ينفذ المشروع المسيحى الصهيونى المكتوب فى بطون كتبهم والوارد فى كل خطبهم ومضابط الكونجرس حتى من قبل قيام اسرائيل !!غاية ما هنالك أن جناحا فى الطبقة الحاكمة والذى يؤيد كل مشروعات ترامب ويدفعه إليها ، وجد أن العرب فى أقصى درجات ضعفهم بسبب حكامهم ، وأن أمريكا نجحت فى تحويل إيران إلى العدو بديلا عن اسرائيل وأن هذا أنسب وقت لتنفيذ مشروع اسرائيل الكبرى : ضم الضفة الغربية والجولان وإقامة مشروعات اقتصادية بين اسرائيل وكثير من الدول العربية . وقد أكد ذلك أن بايدن سار على نفس نهج ترامب فى واقع الأمر فى كل الأمور الجوهرية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ,
ومع ذلك يظل المشروع الحضارى الأمريكى – الغربى يتحدث عن الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان ، وحرية رأس المال والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ، وهذه المسألة الأخيرة مرفوضة فى العقائد اليهودية والمسيحية ، والمساواة بين القوميات والشعوب ، وهذا خداع لأن تفوق الرجل الأبيض خاصة الانجلوسكسون مسألة مقرة فى كل تصوراتهم الفكرية المطبوعة والمنشورة فى آلاف الكتب ولأكبر كتابهم وفى أهم جامعاتهم . ولكنهم يتحدثون عن حرية الأقليات والقوميات عندما تكون لهم مصلحة فى ذلك . كمسائل الأكراد ومسيحى الشرق والأمازيغ .
وقد طرحنا رؤية المشروع الامريكى الغربى بإختصار لنقارن بينه وبين التصور العقائدى الروسى .

بالمقارنة مع المشروع الغربى الذى عرضنا خطوطه العريضة باختصارا ، فإن الدولة الروسية العظمى الصاعدة كان لها مشروعها الحضارى الثقافى الفكرى ، ورؤيتها الخاصة للعالم المتعارضة مع رؤية الغرب . ولن نتحدث عن الحضارة الاسلامية الآن لأنها ليست بين الدول العظمى حاليا ، فقد أجتثت الدولة الاسلامية من جذورها مع سقوط الدولة العثمانية 1924 وساد الغرب العالم. وبدأ الروس يناطحون عالميا بعد الحرب العالمية الثانية فحسب أى بدءا من عام 1945 . ولا شك أن الحضارة الاسلامية تصحو من جديد كمارد من تحت التراب منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين وهى تتحول بالتدريج إلى قوة مؤثرة اقليميا وفى العالم . وقد أصبح الشيعة بفضل الثورة الايرانية وفكر الخمينى القوة الاسلامية الأبرز إقليميا ، أى فى الشرق الأوسط . أما فى عالم السنة فلم يقيض الله لنا حتى الآن علماء أو حركات قوية تعيد المجد التليد للاسلام فى الجناح السنى وهو الجناح الأكبر للأمة الاسلامية ، باستثناء حركة حماس التى تمكنت بالفعل من تحرير غزة من الاحتلال الاسرائيلى ، وبها 2 مليون فلسطينى بطول 40 كيلومتر وعرض حوالى 12 كيلومتر . وحركة طالبان التى سيطرت أخيرا مرة أخرى على أفغانستان وطردت الاحتلال الأمريكى ، والمقاومة العراقية وأقصد هنا جناحها السنى التى أثخنت الاحتلال الأمريكى بالدم والجراح ولكنها تحولت مع الأسف إلى داعش . وماليزيا التى قدمت نجاحا اقتصاديا وتكنولوجيا وحضاريا باهرا فى أقصى شرق العالم الاسلامى ، وحققت قدرا لا بأس به من الاستقلال السياسى والاقتصادى ، ولكنها مع الأسف بعيدة عن قلب الصراع هنا فى الشرق العربى . أما تركيا فقد انحرف مشروعها الاسلامى الموعود إلى مشروع قومى تركى فى ظل تحولات مؤسفة لحكم الفرد المستبد لأردوجان ، وفى إطار الاستنامة للبقاء فى فلك أمريكا والغرب والتمسك بعضوية الناتو والإلحاح على الإنضمام للاتحاد الأوروبى .
ومع ذلك ورغم فشل الموجة الحالية لمعظم الحركة الاسلامية بقيادة الاخوان المسلمين من المحيط الأطلنطى حتى المحيط الهادى و ما عرف بثورات الربيع العربى ‘ فإن ماردا جديدا سيظهر من تحت الرماد أو هو بدأ فعلا فى الظهور فيما أشرنا إليه آنفا ، كإمتداد لبداية الصحوة الاسلامية فى السبعينيات من القرن العشرين. نقول هذا المارد الجديد المعدل ، مع التوحد الجبهوى بين السنة والشيعة ، واسمه الحركى الآن محور المقاومة ، سينتصر بدون أدنى شك ، ثقة فى الله عز وجل ، بل لأن القرآن الكريم والسنة النبوية المؤكدة الصحيحة هما الميزان وهما الربان الذى يضبط المسار كلما انحرف ، وللشباب دور كبير فى ذلك اذا تجاوزوا فقه القرون الأخيرة ، مع دراسته والاستفادة منه ، واتصلوا مباشرة بالقرآن والسنة ثم ربطوا هذا النبع الصافى بحقائق الواقع الراهن التى يجب أن يفهموها ويدرسوها جيدا ، اقصد الجيل الصاعد من الشباب أو الأكثر شبابا الذى ينهل من العلم والثقافة ، ولا يستند إلى مجرد حماسة الشباب وفتوته وقوته وقدرته على التاثير والعطاء .
كان لابد من هذا الاستطراد حتى لايفهم أحد أننى أعول أساسا على الصراع بين روسيا وأمريكا لإنقاذ أمتنا مما هى فيه ، وإنما أدرس روسيا كما درست أمريكا من قبل فى دراسات ومقالات عديدة فى إطار دراسة الواقع المحيط بنا ، اقليميا وحول العالم بأسره الذى يؤثر ويضغط علينا ،بل ويسعى إلى استيعابنا ، كل طرف يريد أن يضمنا إليه ، ونحن لا غنى عنا لمن يريد السيطرة على العالم لأننا نقع فى مركز العالم .
بهذا التوضيح نعود مرة أخرى لمسار السياسة الروسية عقب الحرب العالمية الثانية وحتى الآن .

منذ ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 ثم بعد خروج روسيا للعالم بعد الانتصار على الألمان فى عام 1945 قام مشروع روسيا على أساس مبادىء الاشتراكية الشيوعية : رفض نظام الطبقات – تأسيس نظام سياسى اجتماعى لا يفرق بين البشر ، أى عدالة تامة ومساواة كاملة – السكن للجميع – الغذاء للجميع – العمل للجميع – العلاج للجميع – التعليم للجميع .
عندما نقول أن الدولة العظمى وما تنشئه من حضارة سواء فى الشرق أو الغرب ورغم خلافنا مع الاثنين ، يعنى أن القائمين على الدولة العظمى يقولون أساسا ما يقتنعون به ، وينفذون ما يؤمنون به ، وليس المقصود بذلك مجرد بهرجة كلامية ، حتى وإن جاء الواقع غير مطابق لنقاء المبادىء المعلنة . وهذه الفجوة بين الكلام النظرى والتطبيق العملى مسألة إنسانية عامة ترتبط بعدم كمال الانسان ، وهى تنسحب حتى على تجربة الحضارة الاسلامية ، ولكن يظل الفرق كامنا فى أساس المنطلق النظرى .
على مستوى العلاقات الدولية ، فالنظام الشيوعى أعلن وفقا لمبادىء النظرية الماركسية رفضه بل عداءه للاستعمار الغربى ، وزعيم الثورة لينين أصدر كتابا مهما حول ذلك اسمه : الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ، قدم فيه تحليلا سياسيا إقتصاديا ضافيا للعملية الاستعمارية وكيفية الاستيلاء على البلدان المستعمرة ، وإقامة أسس التبعية الاقتصادية . وبالتالى فقد أعلن الاتحاد السوفيتى مناصرته لحق الشعوب فى التحرر من الاستعمار ولكنه لم يملك الوسائل الكافية للاتصال بهذه الشعوب ، فقد كان محاصرا ، ولم يكن لديه القدرات المادية من أجل دعم حركات التحرر إلا فى السبعينيات من القرن العشرين . وبالتالى لم يكن الاتحاد السوفيتى فى وارد أن يرسل أساطيل بحرية لاحتلال بعض البلاد حتى إن وجد المجال لذلك ، لأن هذا يدمر مصداقيته .ولكنه كان يستهدف الانتشار والتأثير العالمى عن طريق نشر الشيوعية ثم مساندة الأحزاب الشيوعية إن وصلت للحكم بقدراتها الخاصة .كما حدث فى كوبا بأمريكا اللاتينية فى أول يناير 1959. فعندما قامت ثورة كاسترو وجيفارا بالإطاحة بحكم العميل الأمريكى الفاسد باتيستا دعمها الاتحاد السوفيتى ،وأقام علاقات وطيدة مع كوبا ، ولكنها لم تتحول إلى مستعمرة روسية سوفيتية ، ولكن أقيمت علاقة خاصة متميزة فى مختلف المجالات . والدليل أن الاتحاد السوفيتى سقط وظلت كوبا اشتراكية مستقلة حتى الآن !!
وهذا ما حدث فى التوسع الأول للاتحاد السوفيتى خاصة بعد الحرب العالمية الثانية فى 1945 . المعروف والثابت تاريخيا أن الاتحاد السوفيتى لم يكن طرفا فى الحرب العالمية الثانية التى اندلعت عام 1939 ، ولم يكن ينتوى المشاركة فيها بأى وسيلة من الوسائل ، مكتفيا باتفاق سلام مع ألمانيا عقد قبل إندلاع الحرب ، وسعى الاتحاد السوفيتى بقيادة ستالين إلى تجنب ويلات الحرب ، ولم يكن يعنيه من يسيطر على أوروبا : ألمانيا النازية أم أوروبا الرأسمالية الديموقراطية بقيادة انجلترا ، فالجميع بالنسبة له كانوا رأسماليين ، والجميع كانوا معادين للشيوعية .
وقد أشرنا من قبل إلى حالة جنون العظمة التى أصابت هتلر – كما أصابت نابليون من قبله – وأدت إلى مهلكه حين قرر احتلال روسيا عام 1941 أى بعد عامين من الحرب ومتجاهلا معاهدة السلام التى وقعها من قبل مع ستالين . وتشير المصادر التاريخية حاليا فى روسيا إلى انتقاد ستالين لأنه لم ينتبه لمخاطر الغزو الألمانى ولإطمئنانه المبالغ فيه لصدق هتلر فى إلتزامه بالمعاهدة . وكانت المخابرات السوفيتية قد تجمعت لديها معلومات أكيدة عن قرب حدوث العدوان ورفعت هذه المعلومات والتقديرات لستالين ولكنه لم يأبه بها .، وقد تسبب ذلك فى حدوث خسائر كبرى لروسيا فى الشهور الأولى بل فى المرحلة الأولى من العدوان لأن روسيا أخذت على حين غرة بهجوم 3 ملايين جندى ألمانى مدججين بالسلاح الحديث .
كان صمود الاتحاد السوفيتى ثم تحوله إلى الهجوم المضاد تطورا لأحداث الحرب ، ولم يكن اجتياح السوفيت لشرق أوروبا وألمانيا إلا التطور الطبيعى للحرب ، ولم يكن وفقا لخطة مبيتة للاحتلال .
اكتسح الجيش الأحمرشرق أوروبا وألمانيا وكان يمكن أن يحتل ألمانيا كلها لولا وصول الجيش الأمريكى من الغرب فى وقت متزامن . وكان الأمريكيون قد تركوا الروس يطحنون بألة الحرب الألمانية دون أن يتدخلوا إلا عندما جاء وقت تقسيم الغنائم ، وإن كان الأمريكان قد أرسلوا أسلحة كثيرة للسوفيت عبر إيران المحتلة من قبل انجلترا لمساعدته فى التصدى للألمان ، وقد كان كسر الألمان من مصلحة أمريكا لأنها هى القوة الأكبر فى أوروبا .
التقى الجيشان الروسى والأمريكى فى برلين فى نفس النقطة التى بنى عندها جدار برلين وتم تقسيم برلين إلى شرقية وغربية ، وتقسيم ألمانيا كلها إلى شرقية وغربية .
وهكذا وجد الجيش الأحمر السوفيتى نفسه وقد احتل نصف أوروبا الشرقى الذى كان يحتله الألمان ، فهل كان سيترك هذه الأراضى للجيش الأمريكى ؟ . لم يكن ذلك ممكنا من الناحية العقلية أو الاستراتيجية أو من ناحية المصلحة الروسية السوفيتية خاصة وأن هذه البلدان كانت ضعيفة ومدمرة وما أسهل أن يلتهمها الأمريكان . ومن ناحية أخرى كانت هناك أحزاب شيوعية داخل هذه البلدان ناضلت ضد الاحتلال الألمانى – الايطالى نضالا مسلحا مؤثرا ، فاستعان السوفيت بهذه الأحزاب ونصبوها لحكم البلاد ، ثم أصبحت نظما تابعة للاتحاد السوفيتى عبر الامتداد الأرضى وبقاء الجيش الأحمر ولكن بأعداد قليلة ثم نشأ حلف وارسو العسكرى لدول شرق أوروبا ونشأ اتحاد الكوميكون الاقتصادى الموازى للسوق الاوروبية المشتركة فى غرب أوروبا

5 –

توسع النفوذ الروسى بعد الحرب العالمية الثانية
وعلاقة روسيا بالعرب والمسلمين

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 كان الجيش الأحمر الروسى متواجدا فى
ألمانيا الشرقية وبولنده والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا وألبانيا وهى بلدان تعتبر امتدادا أرضيا لروسيا ، وتم تنصيب الأحزاب الشيوعية فيها أحزابا حاكمة ، وكانت متفاوتة القوة ، وكان أكثرها قوة هو الحزب الشيوعى فى ألمانيا الشرقية نظرا للتاريخ العريق للشيوعية فى هذا البلد وهو موطن كارل ماركس مؤسس الشيوعية ..
وكان للاتحاد السوفيتى هيمنة على هذه البلدان من خلال هذه الأحزاب الشيوعية وهى أحزاب رفيقة وشقيقة وصديقة ، . ومع الأيام كانت الكلمة العليا داخل هذه البلدان للاتحاد السوفيتى خاصة فى مجال السياسة الخارجية . وتم تأسيس حلف وارسو العسكرى فى مواجهة حلف الناتو الغربى . وألبانيا أول دولة تنسحب من حلف وارسو وكان ذلك عام 1968 حيث أقامت علاقات مع الصين الشيوعية. وتم تأسيس منظمة الكوميكون الاقتصادية بمنطق السوق الاشتراكى المشترك فى مواجهة السوق الاوروبية المشتركة الغربية التى بدأت تحبو فى الخمسينيات من القرن العشرين .
ولا شك أن هذه البلدان تقدمت صناعيا ولم تكن مجرد مستعمرات تتخصص فى تصدير المواد الأولية كما يفعل الاستعمار الغربى مع البلدان التابعة له . ولكن كان بعض التقدم الصناعى فى شرق أوروبا يرجع لمستوى تطور هذه البلدان قبل الشيوعية وليس لمجرد التعاون مع روسيا ، وكانت أبرزها ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا . ولاشك أن المواطن شعر بتحسن فى أحواله الاجتماعية بالمقارنة مع ما سبق من أحوال . فالنظم الشيوعية طبقت بالفعل : مجانية التعليم – مجانية العلاج – توفير السكن مجانا أو بأسعار زهيدة – العمل – رياض الأطفال مع الاهتمام بتطوير البنية التحتية . وكانت الأسعار رخيصة لأن المنتجات معظمها محلية أو مستوردة من دول اشتراكية . ولكن بدأت تظهر بعض مشكلات النظام الاشتراكى الذى يبالغ فى الاعتماد على القطاع العام ، وانعكس هذا على رداءة بعض المنتجات ، وعلى شحها وعدم توفرها فى المنافذ المخصصة للبيع بين وقت وآخر . وفى المقابل كانت المقارنة حاضرة مع ألمانيا الغربية وغيرها من دول غرب أوروبا ، فقد كان النظام الرأسمالى أكثر نجاحا فى توفير السلع الاستهلاكية والأكثر جودة ، وإن كانت الأسعار أعلى إلا أن الدخول كانت أعلى أيضا . ولكن أكثر ما نغص على الشعوب حياتها هو إنعدام الحريات السياسية وحرية التعبير ، وكانت المقارنة فى هذا المجال حاضرة مع أوروبا الغربية التى كانت تسمح بتواجد أحزاب شيوعية . وقد بدأت وسائل الاتصال الحديثة وكان من الممكن التقاط الاذاعات والمحطات التلفزيونية . كما أن السفر لم يكن ممنوعا ولكن كان مقيدا لزيارة بلدان غرب أوروبا . وقد شهدت بلدان شرق أوروبا ثورتين مهمتين كبيرتين . فى عام 1956 اندلعت ثورة فى المجر تطالب بالحرية وبالتخلص من النفوذ الروسى . وفى عام 1968 اندلعت ثورة أكبر فى تشيكوسلوفاكيا ، وفى الحالتين ساهم الجيش الروسى فى قمع الثورتين .

البلدان الاسلامية الآسيوية فى جنوب روسيا ظلت تحت السيطرة الروسية أى ظلت منضوية تحت لواء الامبراطورية الروسية كما كانت لأنها كانت محتلة فى العهد القيصرى ثم أصبحت تحت لواء الامبراطورية السوفيتية . ونحن نسميها اسلامية لأن سكانها مسلمون ولكن لا القيصرية ولا الشيوعية سمتها اسلامية ولكن بإسمها القومى : كازاخستان – طاجيكستان – تركمانستان- أورزبيكستان- قيرغيزستان – آذاربيجان . .
عندما قامت الثورة الشيوعية أصبحت هذه البلدان الست مقاطعات أو سوفيتيات فى الدولة الروسية . وكلمة سوفيت بالروسى تعنى مجلس أو مجلس شعبى . جرى فى هذه البلدان ما جرى فى شرق أوروبا أى تنصيب أحزاب شيوعية كانت موجودة بالفعل بدرجات متفاوتة من القوة من بلد لأخر .وأصبحت جمهوريات ذات حكم ذاتى . والحقيقة أنها كانت أشبه بمحافظات أو مديريات تابعة لموسكو والحزب الشيوعى الحاكم .
وتم تأسيس سوفيتات فيها أى مجالس شعبية منتخبة من الشعب تملك السلطتين التنفيذية والتشريعية معا ، وهى أشبه بالبرلمانات ، وسقطت عنها عمليا السلطة التنفيذية التى تتولاها حكومة محلية تابعة للحكومة الاتحادية ، وقد تكون منتخبة من المجالس – أى السوفيتات – ولكن المجالس كبيرة العدد لا يمكن أن تدير العمل الحكومى عمليا ، ولذلك استقلت السلطة التنفيذية عنها عمليا .
كانت الفكرة فى البداية أن تشمل السوفيتيات كل العمال والفلاحين على طريقة ديموقراطية أثينا المباشرة ولكن هذه فكرة غير العملية لم تصمد أمام تحديات الواقع .
فى بداية تطبيق الشيوعية كان الموقف حازما وحاسما ضد الدين المسيحى والاسلامى على السواء .وكان إظهار الإنتماء الدينى فى هذه الجمهوريات الاسلامية غير مرحب به ، وقد يؤدى إلى الإضرار بمن يفعل ذلك فى عمله وأحيانا فى حريته . فالمواطن المتدين لن يدخل الحزب الشيوعى الحاكم الذى يعتنق الماركسية التى لاتؤمن بالأديان . وكما قال لينين كلمته الشهيرة : الإلحاد جزء لا يتجزأ من الماركسية .وبالتالى فإن من لا يدخل الحزب الحاكم لن يترقى فى الوظائف الإدارية الحكومية . روى لى أحد مسلمى أذاربيجان عند زيارتى لها بعد سقوط الاتحاد السوفيتى : إن المسلم فى العهد الشيوعى كان يحاول إخفاء صيامه فى رمضان حتى لا يتعرض لمشكلات فى عمله أو ما هو أكثر من ذلك . وعندما اكتشف المسلم أن صيامه فى رمضان سيكتشف فى عمله لأنه يستمر ساعات طويلة وهو لايشرب ماء أو مشروبات ولا يأكل ، بالإضافة لبياض شفتيه ، فكان يحاول أن يأخذ أجازته السنوية أو أجازة مرضية فى رمضان . وكذلك كان الذى يريد أن يصلى بإنتظام فى بيته يحاول أن يخصص غرفة سرية أو تحت الأرض للصلاة ، حتى إذا جاءته أى زيارة مباغتة ، لايراه الضيف هو أو أحد أفراد أسرته يصلى . انتهت رواية الصديق الآذاربيجانى.
وتركت السلطات بعض المساجد القديمة كنوع من الرمزية فى المدن لا يصلى فيها إلا عدد قليل من المسنين . .
كذلك تم فرض اللغة الروسية فى الحياة العامة كلها : فى الاعلام والتعليم والمكاتبات الحكومية والرسمية مع محو أى استخدام للغات المحلية وهى تنويعات ولهجات من اللغة التركية ، وهم لايزالون يتحدثون بها فيما بينهم حتى الآن كما رأيت بنفسى خلال زيارتى لآدار بيجان التى استمرت أسبوعين . فهذه الجمهوريات الست جميعا تقع فى الحزام التركى الممتد من حدود الصين حتى البوسنة والهرسك .
ولكن لا شك أن التسامح مع المسلمين المتدينين – والمسيحيين بالطبع – إزداد مع الأيام خاصة مع بداية إقامة علاقات مع الدول العربية وكان بعض ممثلى الدول العربية وبعض المثقفين وممثلى المجتمعات العربية يطلبون زيارة المدن الاسلامية التاريخية مثل بخارى وسمرقند وطشقند ، وكان الروس يستجيبون لهذه الطلبات ليؤكدوا أن حق ممارسة الشعائر الدينية مكفول فى الاتحاد السوفيتى . وكان لابد أن يحدث تحسن فى مجال ممارسة المساجد لدورها حتى لا يشكو المسلمون للضيوف من سوء الأحوال . وأذكر وقد كنت صغيرا أن مهرجان أفلام سينيمائية مصرية وعربية عقد فى مدينة طشقند فى عهد عبد الناصر ، وحضره أشهر نجوم السينما المصريين . طبعا لم تكن الأفلام المعروضة اسلامية أو منضبطة بالشروط الاسلامية . ولكن كانت مثل هذه المناسبات فرصة لإحتكاك مسلمى هذه الجمهوريات بالبلدان العربية والاسلامية . وكان هذا يؤدى إلى تحسن أحوالهم عموما .
ومع سقوط الاتحاد السوفيتى استقلت هذه الجمهوريات الست ولكن مع الأسف سقطت تحت النفوذ الأمريكى إلى حد إقامة قواعد عسكرية فى بعضها وإغراقها فى الديون عن طريق صندوق النقد الدولى . ولكن عندما بدأت روسيا فى التعافى استعادت بعض نفوذها فى بعض هذه البلدان خاصة كازاخستان وأعادت بعض قواعدها العسكرية واستأنفت التعاون الاقتصادى من خلال تجمع شنغهاى الأوراسى . ولا تزال هذه الدول الست محل جذب وشد بين روسيا وأمريكا . وكما أشرنا من قبل فإن العالم الاسلامى يقف متفرجا ، عدا تركيا التى تسعى لإقامة مشروع تركى قوى غير اسلامى ، بينما هذه الشعوب تحتاج لإعادة تأهيل وتثقيف بالاسلام وقيمه وتعزيز المعرفة باللغة العربية من خلال معاهد أزهرية .. الخ

خلال زيارتى لآذاربيجان فى التسعينيات من القرن العشرين بعد سقوط الشيوعية والاستقلال عن روسيا ، والتى استمرت أسبوعين لمست بنفسى مدى عشق هذه الشعوب للاسلام رغم أنها لاتفقه الكثير عنه بسبب 70 عاما من الشيوعية , وقد قدر لى بسبب مرض طارىْ أن أبقى طوال مدة الزيارة لباكو فى مستشفى أشبه بمستشفى القصر العينى فاختلطت بقاع المجتمع وبنماذج مختلفة من الطبقات الشعبية ، بالإضافة للأطباء . عندما علم مرضى المستشفى وزوارهم أنه يوجد بالمستشفى شخص من عربستان ، وهم هكذا يطلقون على العرب ولا يعرفون الاختلافات بين الدول العربية ، عندما انتشر الخبر أصبحت غرفتى مزارا شعبيا . وأتوا يرحبون بى رجالا ونساء رغم أنهم لا يعلمون العربية ولا الانجليزية فكنا نتحدث بالاشارة وببعض الكلمات التركية التى اعرفها . وعندما وجد أحدهم نسخة من القرآن الكريم بجوار سريرى ، أمسك به وترجانى أن يأخذه رغم أنه لايقرأ العربية ولا يفهمها وألح على إلحاحا شديدا ليأخذه بصورة أحرجتنى بالفعل وتأثرت بها وكدت أوافق لولا احتياجى الشديد للمصحف فى الغربة وفى المرض . كان معى أحد كتب سيد قطب وبه مقاطع مصورة من القرآن لبعض الآيات وعرضت عليه أن يأخذه كبديل ، ولكنه رفض بشدة فهو يعلم قدسية القرآن الكريم ولذلك هو يريد كتاب الله ليتبارك به كما فهمت . وعلمت فيما بعد من صديقى الذى يجيد العربية أن المصحف نادر الوجود فى هذه البلاد ولذلك هم يعتبرونه أيقونة مقدسة ، فإذا حصل أحد على نسخة منه علقه على الحائط فى منزله لأنه لايعرف كيفية قراءته .
أحوال المسلمين فى روسيا نفسها فى تحسن كبير بعد الشيوعية

يشكل المسلمون ما نسبته 20% من عدد السكان الإجمالي الروسي، أي ما يساوي ثمانيةٍ
وعشرين مليون مسلم، وتعتبر الفئة المسلمة هي أكبر أقلية دينية في البلاد، ويمارس المسلمون طقوسهم الدينية في روسيا و يصل عدد المساجد في موسكو أربعة مساجد تعتبر من أكبر المساجد في أوروبا،. يقيم المسلمون في منطقتين رئيسيتينّ وهما منطقة الفولغا والتي تقع في قلب البلاد، ومنطقة القوقاز الشمالي التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد، وتضمّ كلّاً من داغستان والشيشان وإنغوشيا وغيرهاا.

الوزن النسبى للمسلمين كبير وهذا يفسر إهتمام بوتين بتحسين لغته حين الحديث عن الاسلام والمسلمين ، بالإضافة لحساباته مع العالم الاسلامى . بل من المتوقع أن تزداد النسبة العددية للمسلمين فى روسيا نظرا لإرتفاع معدل مواليدهم بالمقارنة مع المسيحيين و اللادينيين ، فغير المسلمين يتآكلون وينقص عددهم نظرا للعزوف عن الزواج أو العزوف عن الإنجاب ، والمشتهر بينهم ولادة طفل واحد ، وهذا يؤدى إلى تناقص نسبتهم العددية . وهذه نقطة لا يلحظها كثير من العاملين فى الحركة الاسلامية ويهتمون بالاسلام فى امريكا رغم أن عدد المسلمين ونسبتهم أقل بكثير من عددهم ونسبتهم فى روسيا .
وروسيا تعانى من مشكلة أخرى فى المجال الديموغرافى السكانى وهى ارتفاع معدل العنوسة فروسيا لم تستطع حتى الآن استعواض القتلى من الرجال فى الحرب العالمية الثانية والذين بلغ عددهم 25 مليون . بالإضافة للخسائر البشرية فى حروب التدخل الأجنبى فى بداية قيام الشيوعية وأيضا التصفيات المروعة التى قام بها النظام الشيوعى خاصة فى عهد ستالين ، وكذلك خسائر الحرب العالمية الأولى , كل هذه العوامل أدت إلى استمرار ارتفاع عدد النساء الروسيات عن الذكور بحوالى 10 ملايين نسمة ، حيث يوجد 78 مليون إمرأة مقابل 68 مليون رجل . لذلك نجد كثرة الزيجات بين الطلاب المصريين والعرب فى موسكو مع الروسيات . ونفس الظاهرة موجودة فى ألمانيا . وألمانيا تتشابه مع روسيا فى كثير من الظروف التاريخية .
ولكل هذه الاعتبارات فإن الوزن النسبى للمسلمين الروس فى تزايد مستمر ، وظروفهم فى العبادة والتعليم والبحث والمراكز الثقافية فى تحسن مستمر أيضا . وهناك عدة ترجمات لمعانى القرآن الكريم باللغة الروسية . وعقد المؤتمرات العلمية للفكر الاسلامى شائع ومتواتر ولا يعانى من أى تضييق أو مشكلات ، خاصة وأن المسلمين لا يتداخلون فى الشئون السياسية حتى الآن . كذلك يتزايد تفاعل مسلمى روسيا والجمهوريات الاسلامية المستقلة مع العالم الاسلامى .

جمهورية تتارستان الاسلامية فى إطار الاتحاد الروسى تجربة مدهشة فالمسلمون يديرونها بصورة كاملة وهم على درجة من الوعى والإدراك بحيث لايصطدمون مع السلطة الاتحادية فى موسكو ، ويأخذون فى المقابل القدرة على حرية الحركة داخل جمهوريتهم ، بل لهم أيضا علاقات دولية بالتنسيق والتفاهم مع موسكو . ومن أهم ما يلفت النظر أن هذه الجمهورية حافظت على قاعدة صناعية واستمرت فى تطويرها خلال وبعد الشيوعية ، وتعتبر من الجمهوريات الناجحة اقتصاديا والمتقدمة تكنولوجيا . ونعيد التذكرة مرة أخرى بأن قبائل التتار أوسع بكثير من المغول ، فالمغول هم قبيلة كبرى من التتار وليس كل التتار . ولفظة التتار تطلق على كثير من القبائل الناطقة بالمغولية ومنها التتار فى شرق آسيا حيث انتشروا فى صحراء الصين الجنوبية وفى جنوب سيبريا . أما تتار روسيا فقد اعتنقوا الاسلام فى بداية القرن التاسع الميلادى وجمعتهم مملكة البلغار والتى استمرت بين القرنين 10 و13
وهم من الشعوب الناطقة بالتركية . حديث صحفى لمدير معهد الانسكلوبيديا – تتارستان .
وسنجد هذا التداخل بين المغول والتتار والترك فى هذا الحزام الاستبسى الطويل ، وهو أمر يحتاج إلى دراسة معمقة لفهم هذه التداخلات وهذا ليس موضوع هذه الدراسة . ولكن هذا التعقيد يذكرنا بالحالة الفريدة لمصر التى لاتعرف كل هذا الصداع والشد والجذب بين عناصر الفسيفساء الآسيوى فى اختلاف الدين و العرق والقومية واللغة واللون ، فمثلا هناك تتار بيض وتتار سود وكانت بين الطرفين عداوة !!
سنتحدث عن الشيشان بالتفصيل فيما بعد لأهميتها ولأنها لم تكن أساسا من هذه الجمهوريات الست التى اكتسبت حق تقرير المصيربناء على قرار جورباتشوف الذى قام بتفكيك الاتحاد السوفيتى عن عمد وسوء نية مع اتهامه بصورة جدية بالعمالة أو التعاون مع أمريكا مقابل رشاوى مادية ومعنوية ولكنه على الأقل تعرض لخديعة وانتهى نهاية بائسة وهو يعيش الآن منبوذا فى روسيا . ولم تستفد الجمهوريات الاسلامية من الانفصال عن الاتحاد السوفيتى لأنها سقطت فى قبضة أمريكا وإسرائيل وهى كأمم وقوميات لم تعد عموما إلى تمثل الاسلام كدين وحضارة وشريعة إلا قلة ضئيلة بعضها سقط فى حبائل القاعدة وداعش ، لقربهم من أفغانستان . وانتهى الأمر إلى أن هذه الجمهوريات الآن محل صراع بين روسيا وأمريكا مع محاولات يائسة من وجهة نظرى لإعادة بعث الطورانية أى القومية التركية التى تتبناها تركيا أردوجان. أما مجمل العالم الاسلامى فهو خارج اللعبة مع الأسف . هناك دور محدود لإيران لأن معظم الحزام التركى سنى إلا أذاربيجان فهى شيعية الأصل ولكن النظام الحالى لايسمح لإيران بممارسة نشاط دعوى ليس لأن النظام سنى بل لأنه علمانى حتى النخاع وعلييف الرئيس الحالى هو ابن الرئيس السابق وكان من رموز الحزب الشيوعى السوفيتى السابق والذى كان قد انتقل إلى علمانية صرف مع تبعية لأمريكا واسرائيل وأخيرا لأردوجان أيضا .
طالما فتحنا باب الاسلام فى الجمهوريات الاسلامية وفى الاتحاد الروسى ، فلابد من الاشارة إلى أن الأجواء مواتية الآن للمزيد من استقرار أوضاع المسلمين هناك ، خاصة إذا اهتمت البلدان الاسلامية بإقامة علاقات مع هذه الجمهوريات ومع المسلمين فى روسيا وقامت برعاية شئونهم الدعوية والعلمية والثقافية . وبالعكس هم مؤهلون الآن ليكونوا همزة وصل لتعزيز العلاقات مع روسيا . والأساس بالنسبة لروسيا هو حسابات المصالح ، ويتصادف تاريخيا أن مصالح أساسية تجمع حاليا بين العالم الاسلامى وروسيا بسبب العداء المشترك للولايات المتحدة.
عموما فإن وضع روسيا الآن فى تعاملها مع مواطنيها المسلمين قريب من حالة الدول الغربية ، فهناك حرية واسعة للمسلمين فى أداء الشعائر والعبادات والعمل الثقافى والدعوى طالما هو بعيد عن السياسة أو بالأحرى بعيد عن معارضة النظام . ولكن مع وضعهم بالتأكيد تحت الرقابة والمتابعة وهو نفس الوضع فى الولايات المتحدة . وضع المسلمين فى روسيا الآن أفضل من وضعهم فى بلاد غربية مثل فرنسا التى تحارب الحجاب منذ سنوات وتضيق على المساجد والجمعيات بل وتنزع الجنسية عن بعضهم. المحجبات لا يعانين من مشكلات لا فى موسكو ولا فى القوقاز فى الأيام الراهنة .ويجمع بين روسيا وبلاد الغرب الحذر والخوف من عناصر التطرف الاسلامى التى تلجأ للعنف الارهابى ضد المدنيين ، وهم لا يلامون على ذلك الخوف فى إطار الحفاظ على أمنهم الداخلى ونحن لا نؤيد الارهاب لا فى الغرب ولا فى روسيا ولا فى اى مكان.
فيما يتعلق بموضوعنا فإن مسألة استعمار الجمهوريات الست الاسلامية قد انتهى بسقوط الاتحاد السوفيتى . الدور والبقية علينا نحن فى قلب العالم الاسلامى ماذا قدمنا لهذه المجتمعات المنعتقة من الشيوعية ومن الهيمنة الروسية ؟ لا شىء تقريبا حتى الآن . ماذا قدم حكامنا لفلسطين حتى يفكروا فى مسلمى هذه البلاد البعيدة ؟! معظم الدول العربية والاسلامية لا تسير خطوط طيران لهذه الدول ، ولا توجد أى معاهد أزهرية قد افتتحت هناك .. وهكذا .

العدوان الاسرائيلى عام 1967

تسليح الجيش المصرى كان قد أصبح سوفيتيا 100 % تقريبا عندما وقعت هزيمة 1967 التى لا مثيل لها فى التاريخ . ولكن ما يشغلنا الآن أن الجيش فقد كل أسلحته تقريبا . وقام الاتحاد السوفيتى الذى لم يكن مسئولا عن هذه الكارثة ، كارثة جيش انسحب ولم يحارب ، بإعادة تسليح الجيش المصرى من جديد بدون مقابل أو بتسهيلات كبيرة لدعم حليفه – نظام عبد الناصر – والذى يرتكن إليه فى ترسيخ علاقاته بالمنطقة العربية ولمواجهة الولايات المتحدة فيها . عوض السوفيت كل الطائرات التى دمرت على الأرض وعوض كل الدبابات التى فقدت فى سيناء . ولاشك أن الجزائر خففت من هذا الموقف الحرج بدفع ثمن بعض الطائرات بعدة مئات من الملايين من الدولارات للسوفيت .
وجاء الرئيس السوفيتى بودجورنى إلى القاهرة فى 21 يونيو 1967 للإطمئنان على الأوضاع ووعد بإرسال طيارات وطيارين لحماية المجال الجوى المصرى وقد تم تنفيذ ذلك بإستخدام طائرات حربية روسية متطورة .
وهنا لابد من وقفة لتوضيح التغير فى السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتى . تحدثنا من قبل عن أن الاتحاد السوفيتى خرج قويا من الحرب العالمية الثانية رغم كل ما حاق به من دمار ، خرج قويا فى عدة مجالات ، فقد استعاد أرضه التى احتلها الألمان وكسب أوروبا الشرقية وانفتح الباب له للولوج إلى البحار الدافئة ، البحر الأسود ثم البحر المتوسط . وقلنا إن هذا التطور كان قليل القيمة فى غياب موانىء وقواعد بحرية فى البحر المتوسط . وقلنا إن الاتحاد السوفيتى يعتمد على تولى الأحزاب الشيوعية للحكم . ولكن طوال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لم يصل أى حزب شيوعى للحكم فى البلاد العربية أو فى الشرق الأوسط عموما . وصل شيوعيون إلى الحكم فى كوبا عام 1959 وكانوا فى أقصى الغرب ، ووصل شيوعيون للحكم فى كوريا الشمالية ، و فيتنام الشمالية بقيادة هوشى منه بعد هزيمة الاستعمار الفرنسى فى معركة ديان بيان فو التى هزم فيها الجيش الفرنسى على يد الجنرال الفيتنامى الشهير جياب عام 1954 . ولكن ظلت كوريا الشمالية وفيتنام الشمالية فى اقصى الشرق . وظل الاتحاد السوفيتى كقوة عظمى يشعر بالضعف لأنه مطرود من ” جنة ” مركز العالم – الشرق العربى الذى يتوسط العالم- حيث فشلت الأحزاب الشيوعية فى الوصول إلى الحكم ، وإن وصلت للحكم أو شاركت فيه لاتستطيع الاستقرار . وكان أقرب الاحتمالات إلى ذلك الحزب الشيوعى السورى ، والحزب الشيوعى العراقى وكان حزبا جماهيريا كبيرا له إمتدادات بين الأكراد . ولكن كلا الحزبين عجزا عن تولى السلطة أو وصلا جزئيا وعجزا عن الاستمرار أو الاستحواذ الكامل على السلطة. كذلك عندما احتل السوفيت شمال إيران عقب الحرب العالمية الثانية كان بالاعتماد على أحزاب وقوى شيوعية وإن كان يغلب عليها العرق الكردى و التركمانى .
ورأى السوفيت أن الشرق الأوسط يسقط الحكم فيه فى يد عناصر عسكرية قومية الاتجاه غير شيوعية ، ولكنها معادية للاستعمار الغربى القديم والجديد ، وهى أيضا غير معادية للشيوعية .
وكان الموقف المبكر للسوفيت من انقلاب 23 يوليو بمصر شديد العداء له باعتباره انقلابا برجوازيا وفاشيا ، مجرد ديكتاتورية عسكرية مستبدة وتقيم علاقات مع الولايات المتحدة . وقد اتخذ الشيوعيون المصريون نفس الموقف بالتبعية وتعرضوا لضربة اعتقالات فى عام 1953
واستمر بعضهم فى السجن بضع سنين .ولكن بعد ذلك حدثت التطورات التى تحدثنا عنها والتى بدأت بأحداث غزة ثم صفقة السلاح التشيكية عام 1955 . وهى التطورات التى
دفعت منظرى موسكو ، لإجراء تعديلات فى المفاهيم النظرية للماركسية فما هى ؟
ولكن لنستكمل أولا عرض وقائع حرب 1967

عبر 544 رحلة جوية و15 باخرة ناقلة تم إرسال 48 ألف طن من المعدات العسكرية السوفيتية لمصر عقب هزيمة 1967 التى فقد فيها الجيش المصرى معظم أسلحته حتى قال محمد حسنين هيكل بعد فترة من الهزيمة أنه لم يكن هناك بين السويس والقاهرة ولا قطعة سلاح واحدة ! وتضمنت هذه الشحنات 25 طائرة ميج 21 و93 طائرة ميج 17 . كما قام الاتحاد السوفيتى بإرسال الخبراء اللازمين لتدريب القوات المصرية على الأسلحة الجديدة ، ومثل هذا بداية الاستعانة بالخبراء والمستشارين العسكريين السوفيت . ووافق عبد الناصر على تقديم تسهيلات للبحرية السوفيتية فى الموانىء المصرية للحصول على التموين اللازم من الوقود وغيره من الاحتياجات للسفن والبحارة . وتتضمن نوعا من الراحة للبحارة حيث سمح لهم بالنزول فى الاسكندرية و بورسعيد للاستراحة من عناء البحر لعدة أيام وقد كنت أشاهدهم بنفسى يتريضون على كورنيش الاسكندرية, ولكن فى المقابل رفض عبد الناصر طلب السوفيت الحصول على قاعدة بحرية ثابتة ومستقلة وقال لهم لقد رفضت من قبل إقامة قواعد أمريكية وأصبح رفض إقامة قواعد أجنبية سياسة معلنة للدولة وإذا خالفت ذلك فسيكون موقفى منتقدا .
فى 23 يوليو 1967 تم عقد اتفاق بين مصر والاتحاد السوفيتى ينظم عمل المستشارين السوفيت فى مصر . وكانت مرتباتهم الشهرية وتكاليف سفرهم تتحملها وزارة الدفاع السوفيتية . ولم يمثل وجودهم كفنيين أى مشكلة داخل القوات المسلحة فقد كانت القرارات التنفيذية دوما فى يد الضباط المصريين وهذه شهادة الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان والوطنى المصرى الكبير رحمة الله عليه وهى شهادة كتبها وتحدث معى حولها ، وقد كنا صديقين رغم الفارق فى السن ، منذ ألتقيت به فى الجزائر فى أوائل التسعينيات من القرن العشرين وحتى وفاته عام 2011 .
وفى 18 إبريل عام 1968 وافق الاتحاد السوفيتى على إرسال 120 طيارا سوفيتيا لتدريب الطيارين المصريين على إستخدام الطائرة ميج 21 الجديدة . ويؤكد الفريق أول محمد فوزى نفس شهادة الفريق الشاذلى حول التزام الخبراء السوفيت بعدم التدخل فى أمور سياسية أو أيديولوجية خلال عملهم داخل القوات المسلحة . وقد قتل منهم أكثر من عشرين مستشارا خلال الفترة من يونيو 1967 وحتى نهاية 1970 ، أثناء مشاركتهم مع نظرائهم المصريين فى طلعات جوية وعمليات عسكرية استهدفت العدو الاسرائيلى . وهذا ما فعله المستشارون السوفيت فى فيتنام الشمالية خلال التصدى للعدوان الأمريكى وكشف عنه النقاب أخيرا مع الفارق أن نظام فيتنام كان شيوعيا . كذلك شارك خبراء روس فى أعمال ورش الاصلاح والتركيب للأسلحة بالقوات المسلحة كفنيين .
وفى يونيو 1968 وافق السوفيت على مد مصر بأسلحة جديدة ب 200 مليون جنيه ، وهى الامدادات التى ساعدت فى حرب الاستنزاف التى بدأها الجيش المصرى فى مارس 1969
وفى يناير 1970- وبناء على طلب عبد الناصر شاركت القوات السوفيتية فى الدفاع الجوى عن سماء مصر .بوحدات من صواريخ سام 3 وأسراب كاملة من طائرات ميج 21 بطيارين سوفيت ، حتى يتم تدريب الطواقم المصرية على هذه الأسلحة الجديدة . ووصل الدعم والتعاون العسكرى إلى مدى غير مسبوق للسوفيت خارج حلف وارسو , وقد نجح هذا الغطاء السوفيتى فى وقف العربدة الاسرائيلية فى سماء مصر ، وبدأ مسلسل إسقاط الطائرات الاسرائيلية , والتفاصيل الدقيقة يمكن الرجوع إليها فى كتاب نورهان الشيخ – مرجع سابق.
وتحمل الاتحاد السوفيتى نفقات تدريب وإيواء الضباط والجنود المصريين فى مراكز التدريب السوفيتية وأكاديمية فرونزا العسكرية وكانت أعدادهم فى تزايد مستمر .
وقد أكد الرئيس عبد الناصر فى 12 إبريل 1970 أنه بفضل المساعدات السوفيتية استطعنا إستعادة القدرات الدفاعية بشكل كامل وأصبحنا قادرين على شن عمليات عسكرية واسعة النطاق ردا على الهجمات الاسرائيلية ، وأن الروس وحدهم هم من ساعدونا بعد حرب يونيو بإرسال مساعدات عاجلة بدءا من القمح وحتى المقاتلات ، بينما كان الأمريكان يساعدون أعداءنا ، ولم يطلب الروس شيئا فى المقابل باستثناء تقديم التسهيلات لأسطولهم البحرى فى بور سعيد والاسكندرية , وقد مثل ذلك مصلحة مشتركة للبلدين حيث كانت مصر فى حاجة إلى وجود السفن الحربية السوفيتية لتأمين نفسها من الضربات الاسرائيلية المحتملة .
وفى إبريل 1970 اكتشف الاسرائيليون وجود طائرات سوفيتية تحمى المجال الجوى المصرى عندما استمعوا للاتصالات اللاسلكية بين الطيارين باللغة الروسية ، فتوقفوا عن الإغارة على العمق المصرى وهو ماساعد مصر على إقامة نظام متكامل للدفاع الجوى. .

لم نجب بعد على سؤال : كيف غير السوفيت بعض مبادىء النظرية الماركسية للتعاون مع نظم غير شيوعية ؟
تابع الاتحاد السوفيتى بإرتياح موقف عبد الناصر الحازم فى رفض الاشتراك فى الأحلاف العسكرية الغربية ضد الاتحاد السوفيتى وعلى رأسها حلف بغداد الذى تأسس عام 1955 من انجلترا وباكستان وإيران والعراق وتركيا ، ولم تنضم أمريكا على سبيل التمويه ! وقام الحلف بإنشاء 3 محطات رادار فى إيران و2 فى العراق + محطات إنذار مبكر لمراقبة الاتحاد السوفيتى . ولم يكن موقف عبد الناصر نوعا من الممالأة للسوفيت ، فلم تكن العلاقة دائما جيدة مع الاتحاد السوفيتى . بل فى عام 1958 كان السوفيت ضد الوحدة العربية بين مصر وسوريا ، واتخذ الحزب الشيوعى السورى بقيادة خالد بكداش الكردى نفس موقف الاتحاد السوفيتى. كما شن عبد الناصر حملة اعتقالات واسعة للشيوعيين فى مصر عام 1959 وعاملهم أسوأ معاملة . كان عبد الناصر يخشى من استخدام الأحلاف العسكرية كغطاء للوجود الغربى والأمريكى واعتبرها نوعا من الاستعمار الجديد . وهذا موقف صحيح تماما من الناحية الوطنية والقومية ، كان محقا فى ذلك وقد قام انقلاب 23 يوليو أساسا ضد الوجود البريطانى فى قاعدة قناة السويس .
خلال هذه التطورات رأى منظرو الحزب الشيوعى السوفيتى أنهم إزاء حالة جديدة وخاصة لم تقابلهم فى أى مكان آخر ، فهذه النظم المصرية والسورية ثم العراقية والجزائرية وفيما بعد الليبية واليمنية والسودانية تجمعها سمات مشتركة . فهى ليست شيوعية ولكنها ليست موالية للغرب ، بل بدأت تسير فى طريق التأميم وتوسيع القطاع العام ، وكأنهم إشتراكيون ! ويرفضون كذلك نظام التعدد الحزبى الليبرالى الغربى ويحاكون النظم الشيوعية فى مسألة نظام الحزب الواحد . ولأن روسيا نظام ايديولوجى أى عقائدى ، فلا يمكن أن تقيم علاقات حميمة مع هذه النظم بدون تنظير ماركسى ! خاصة وقد بدأ الاتحاد السوفيتى يعطى مصر سلاحا متطورا لم يعطه لأى دولة خارج حلف وارسو الشيوعى . ولم يكن الاتحاد السوفيتى يحقق مكاسب مالية من هذا المد بالسلاح إلا قليلا من المال وكثيرا من البرتقال المصرى ونظارات ماركة هابى وأشياء من هذا القبيل لاتغطى حقيقة التكلفة الحقيقية لصفقات السلاح . كانت الجزائر ثم ليبيا هما القادران على دفع أثمان صفقات السلاح لأنفسهم ولمصر . كان لابد من تقديم مبررا لكوادر الحزب وجماهير السوفيت لكل هذه التضحيات. ولكن من ناحية أخرى كان واضحا الفائدة الاستراتيجية لهذه العلاقات مع الدول العربية فى قلب العالم الذى دخلته روسيا لأول مرة فى تاريخها فقد وقف زحفها دوما عند مضائق البحر الأسود أو إلى شمال إيران دون أن تصل إلى البحر المتوسط أو الأحمر أو المحيط الهندى , ولكنها دخلت على الجسر الذهبى لمصر وسوريا ثم انتشرت فى عدد آخر من الدول المشار إليها آنفا .
قام التنظير الجديد على أساس أن هذه الأنظمة العربية تعتبر برجوازية صغيرة تتجه للتحول إلى الاشتراكية ، وأنها تقيم نظما لا رأسمالية قابلة للتحول إلى نظم اشتراكية حقيقية على المدى الطويل، خاصة مع بداية مشاركة الشيوعيين فى مؤسسات هذه الأنظمة . وبالتالى فإن هذه الأنظمة حليف استراتيجى موثوق فيه. وهكذا رأى السوفيت فى الاتحاد الاشتراكى فى مصر والسودان وحزب البعث فى سوريا والعراق وجبهة التحرير الجزائرية بدائل لأحزاب شيوعية لم تعد موجودة أو مؤثرة ، وعلى أمل أن تهتدى قلوبهم فى النهاية إلى الإيمان الحق بالشيوعية !!

                                                       - 6                                            روسيا و حرب فيتنام  .. والسادات وحرب أكتوبر والقرن الافريقى ..    

كان السادات له ميول أمريكية مبكرة ، وهذه قصة طويلة ولكنها بإختصار تتمثل فى تجاوبه مع المصيدة الأمريكية التى نصبت له عن طريق كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية . وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست فى عام 1976 مقالا مخابراتيا يتحدث عن حصول الملك حسين ملك الأردن وأنور السادات على مرتب ثابت من المخابرات الأمريكية . وكان المرتب مليون دولار لكل منهما . وكان السادات يتلقى هذه المكافأة عن طريق كمال أدهم . والملفت للنظر أن الاثنين : الملك حسين وأنور السادات رئيس الجمهورية المصرية لم يصدر من أى واحد منهما بيان ينفى هذه المعلومات أو يرفع قضية تشهير وسب وقذف على الصحيفة فى المحاكم الأمريكية كما يفعل كثير من القادة والرؤساء ، كما فعل مثلا أرئيل شارون رئيس وزراء اسرائيل مرة حين رفع قضية تشهير على مجلة نيوزويك الأمريكية .
بل الطريف بعد ذلك أن موسى صبرى رئيس تحرير الأخبار والصحفى المقرب من السادات نشر بعد ذلك بسنوات أنه قال يوما للسادات أنه غير مرتاح لاعتماده على أشرف مروان كمساعد له – ولا أدرى ما علاقة ذلك بتهمة التجسس لصالح اسرائيل – فلم يعترض السادات على ملاحظة موسى صبرى ولكنه قال له : : أعمل إيه يا موسى .. أنا مضطر أستخدمه ليجلب لى المال من بلاد الخليج بدلا من أقوم بنفسى بهذه المهمة المحرجة وأذل نفسى.!!
كذلك سافر السادات مباشرة للولايات المتحدة فى برنامج زيارة خاصة استمر قرابة الشهر . وهو نفس البرنامج الذى مر به بطرس بطرس غالى الذى أصبح وزير دولة للشئون الخارجية فى مصر ثم أمين عام .
الأمم المتحدة وبالإضافة لهذه العلاقة الخاصة والميل نحو أمريكا فعندما تولى السادات الرئاسة كان أهم ما يشغله لتأكيد شرعيته إستعادة سيناء المحتلة. ولما كان لا يرغب فى الحرب فقد عقد الآمال على التفاوض السرى مع الولايات المتحدة ليستعيد سيناء سلما مقابل الإرتماء فى أحضان أمريكا والابتعاد التام عن الاتحاد السوفيتى . ولكن أمريكا لم تكن ملهوفة على هذه الصفقة ، فقد كانت منحازة تماما لاسرائيل ، وغير مستعدة لعقد صفقة مع السادات إلا بعد استسلامه الكامل للشروط الأمريكية وعلى رأسها القيام بتفاوض مباشر مع اسرئيل وتطبيع العلاقات معها وإنهاء العلاقات مع الاتحاد السوفيتى أولا . وقد جرت مناقشات شاقة بين عام 1970 حتى نهاية 1972 بين السادات وكيسنجر وزير خارجية أمريكا ومسئول الأمن القومى ، وهو يهودى . وكانت المفاوضات سرية وبدون لقاء مباشر لم يكن ممكنا فى ذلك الوقت ولكن عبر أحد كبار مديرى شركة الكوكاكولا الذى كان يزور مصر خصيصا لهذا الهدف ككادر فى المخابرات الأمريكية فى ثوبه كرجل أعمال . وكانت خلاصة المقابلات ترسل لواشنطن عبر السفارة الأمريكية . ويقول محمد حسنين هيكل الذى أورد هذه المعلومات فى أحد كتبه إن المخابرات المصرية كانت قد طورت أدواتها فى المراقبة وكانت تحكم التنصت على كل غرف السفارة الأمريكية فعلمت بذلك الاتصال السرى المنتظم الذى كان يجرى بدون علمها . وهذه قصة مهمة تكشف خطورة قيام النظام السياسى على حكم الفرد فيتخذ وحده أخطر القرارات بدون علم مؤسسات الدولة المعنية .
وبموازة ذلك قام حافظ اسماعيل مسئول الأمن القومى المصرى بمفاوضات رسمية مع هنرى كيسنجر فى واشنطن فى محاولة للوصول إلى تسوية سلمية تؤدى لإستعادة مصر لسيناء . ولكن كيسنجر مل من هذه المباحثات وأبلغه بمنتهى الصلافة أنه لا جدوى من هذا الحديث ” فأنتم تتحدثون كما لو أنكم انتصرتم فى الحرب – يقصد حرب 1967 – وتريدون أن تفرضوا شروطكم” !
وانقطع المساران العلنى والسرى فى التفاوض بين السادات وأمريكا ، وهنا أدرك السادات ضرورة الحرب لتحريك عملية السلام وليس لتحرير سيناء ، من خلال العبور واحتلال شريط مواز للقناة فى سيناء والقضاء على خط بارليف . وهذا ما حدث بالفعل فى النصف الأول من حرب أكتوبر . ولكن وصل الأمر إلى حد أن السادات بعث برسالة إلى كيسنجرفى الأيام الأولى من حرب أكتوبر يؤكد فيها أنه لا ينوى تطوير الهجوم فى سيناء أكثر من ذلك . وكان هذا من الخطورة بمكان ، بل اعتبره جمال الغيطانى فى مقال بأخبار اليوم عام 2014 خيانة صريحة ، لأن السادات أبلغ العدو بنوايا مصر أثناء إحتدام المعارك المبكرة ، وهذا ما نقلته أمريكا لإسرائيل وهو ما ساعد اسرائيل على تركيز جهودها على جبهة الجولان السورية وترك جبهة سيناء مؤقتا بدون تركيز ، وبالتالى عملت اسرائيل بكل طاقتها لعدة أيام حاسمة على الجبهة السورية واستعادت الجولان بعد تحريرها فى الأيام الأولى للحرب . وهذه الرسالة التى أرسلها السادات لكيسنجرمنشورة بنصها فى أخبار اليوم بعد نشرها فى وسائل الاعلام الأمريكية ولم يطعن أى طرف فى صحتها . بل تعتبر من الوثائق المفرج عنها فى الولايات المتحدة بعد مرور 30 سنة عليها .
ما يعنينا الآن أن السادات أتخذ قرارا استراتيجيا منفردا بضرورة إنهاء الحرب مع اسرائيل والإرتماء فى أحضان أمريكا حتى قبل تحرير سيناء . وكان يرى بالإضافة لذلك أن أمريكا ستحل مشكلات مصر الاقتصادية ، وهذا فهم قاصر ، فلا يحل مشكلات الوطن الاقتصادية أو غير الاقتصادية إلا أبناء الوطن أنفسهم وبسواعدهم .
ما يعنينا فى هذه الدراسة أن السادات بيت النية بشكل حاسم على الغدر بالاتحاد السوفيتى بدعوى أن هذا هو الطريق الوحيد لإستعادة سيناء . ولا ندرى كيف كيف يمكن أن تتحقق المصلحة الوطنية من خلال موقف غير أخلاقى . فى العلاقات الشخصية كما فى العلاقات بين الدول لابد من المعاملة بالمثل ، والأخذ بالظاهر ، وأن تحسن إلى من يحسن إليك ، فإذا افترقت عنه لأى سبب فلابد أن يكون بالحسنى وبدون غدر ولا بد أن تعطى كل ذى حق حقه . بل علمنا الله عز وجل أنه حتى مع المحاربين فلا يجوز الغدر بهم عندما تكون هناك هدنة , والاتحاد السوفيتى لم يكن محاربا لنا بل كان يعطينا السلاح الذى نحارب به والذى انتصرنا به فى المرحلة الأولى من حرب أكتوبر . – وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين – الأنفال 58
بحث السادات عن الخير ، أى مصلحة الوطن ،عند قاطع الطريق المجرم والمسئول الأول عن قتل عشرات الآلاف من المصريين فى حربى 1967 و1973 وما بينهما فهو الذى سلح اسرائيل وظاهرها . وبدون أمريكا فإن اسرئيل تخسر الكثير من قوتها الاستراتيجية . أمريكا هى المسئول المباشر مع اليهود عن احتلال كل فلسطين والاستيلاء على المسجد الأقصى وكل القدس . أمريكا كانت ولا تزال هى المشكلة ولم يكن الاتحاد السوفيتى هو المشكلة بدليل أن السادات أخرج الخبراء السوفيت بجرة قلم . وقطع العلاقات كلية مع الاتحاد السوفيتى بمنتهى السهولة كما سنرى .

وفقا لاتفاقيتى كامب ديفيد استعادت مصر سيناء منقوصة السيادة ، بتقييد قواتها ووجود قوات أمريكية وأجنبية على أرضها لمراقبة الجيش المصرى بأحدث أجهزة المراقبة والإنذار المبكر ، بالإضافة لحق التفتيش المفاجىء على أى وحدة عسكرية مصرية فى سيناء . شهد المجندون بالجيش المصرى ذلك بأنفسهم . كما أن السبب الرئيسى لعدم تعمير سيناء تعميرا حقيقيا هو الفيتو الأمريكى الاسرائيلى فهم يريدونها خالية أو مخلخلة السكان لتصبح حاجزا استراتيجيا أو منطقة عازلة

buffer zone
لتأمين اسرائيل بطول يصل إلى 200 كيلومتر فى بعض الأماكن . ليس هذا فحسب فقد تم تسليم مصر بأكملها للإشراف الأمريكى ، وتم فرض التطبيع الشامل مع اسرائيل فى مختلف المجالات بمعاهدة دولية ، والتخلى عن قضايا العروبة وعلى رأسها فلسطين أيضا بنص المعاهدة . راجع مختلف الدراسات عن كامب ديفيد ومنها دراستى كامب ديفيد فى الميزان .
هذا مافعله الأمريكان معنا ، بينما كان السادات ينتقم من روسيا وكأنها هى المسئولة عن جرائم اسرائيل !!
عقب غزوة بدر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى لتركتهم له . البخارى
ما أروع مبادىء الاسلام .. الوفاء وعدم نسيان الجميل حتى مع الكافر الذى أحسن إلى المسلمين عندما أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم لدى عودته من زيارته الحزينة للطائف وهو فى موقف بالغ الحرج . فقد اساءت الطائف استقباله و توفى عمه أبو طالب الذى كان يحميه . السادات طرد المستشارين السوفيت العاملين مع الجيش المصرى بدون أن يوجه لهم أى إتهام وإنما مجرد إشارة حسن نية لأمريكا . وكان ذلك قبل حرب أكتوبر . ومع ذلك استمر السوفيت فى تقديم السلاح لمصر حتى حرب أكتوبر ، ثم أثناء الحرب وما بعدها بعدة شهور لإستعواض ما فقدناه من سلاح بسبب الثغرة الاسرائيلية الكبيرة فى الضفة الغربية لقناة السويس والتى وصلت إلى نقطة تبعد عن القاهرة 85 كيلومتر – وقد كنت فى هذه النقطة كجندى فى الجيش المصرى أثناء الحرب وتسمى منطقة وادى أبو جاموس وكنا نشتبك من حين لآخر مع العدو حتى وقف إطلاق النار النهائى وفصل القوات بعد زيارة كيسنجر – بالإضافة لأطراف الاسماعيلية وأطراف السويس وما بينهما من شريط بطول القناة من الغرب .
فى اللقاء بين كيسنجر وزير خارجية أمريكا والسادات لبحث إجراءات وقف إطلاق النار أخذ السادات مشروع جولدا مائير رئيسة وزراء العدو الاسرائيلى ولم يقرأه وقال لكيسنجر : لاتهتم بذلك فأنا أوافق عليه دون أن اقرأه ، وقد كان يتضمن إنهاء الحصارالبحرى الذى فرضه الجيش المصرى على ميناء إيلات من عند باب المندب وأشياء سلبية أخرى ، وأضاف : هذه أمور فرعية ثم قام وذهب إلى الحائط حيث توجد خريطة للعالم بالإضافة لمجسم للكرة الأرضية بجوارها وقال : إنه لديه رؤية استراتيجية ، وأوضح أن مصر بإمكانها بالتحالف مع أمريكا أن تتصدى للشيوعية فى افريقيا وغيرها من أماكن العالم. وشرح هذا الكلام الفارغ على الخريطة . كيسنجر الاستراتيجى لم يهتم بهذا الهراء ، فقد كان يستهدف أولا موافقة السادات على مشروع جولدا مائير لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وهذا ماحدث ، فقد وافق السادات عليه بدون أى تعديل كما قال فعلا . ثانيا : كان يستهدف وضع السادات فى المصيدة الأمريكية من خلال الإشادة به كرجل استراتيجى عظيم وقال له : قل لى كيف خدعت أمريكا واسرائيل فى موضوع موعد حرب أكتوبر ؟ لقد كان عملا خطيرا . فانتفخت أوداج السادات وراح يتكلم عن عبقريته الخاصة ..الخ
المصدر عن لقاء السادات وكيسنجر : روايات محمد حسنين هيكل ومذكرات كيسنجر .
قبل حدوث هذا اللقاء ، كان السادات يصرخ للاتحاد السوفيتى طالبا إنقاذه من الهجوم الاسرائيلى الذى خرق وقف إطلاق النار فى 22 أكتوبر 1973 . وقد حاول الجيش الاسرائيلى احتلال الاسماعيلية ولكنه فشل أمام صلابة مؤخرة الجيش الثانى، وتقدم لاحتلال السويس جنوبا واقتحمها بالفعل ولم يتمكن من احتلالها بسبب المقاومة الشعبية لأهل السويس بقيادة المجاهد الشيخ حافظ سلامة . كان السادات مذعورا لأن هذه المنطقة فى غرب القناة أصبحت خالية من الجيش المصرى فطلب من الاتحاد السوفيتى التدخل ، فأصدر الاتحاد السوفيتى إنذارا لاسرائيل وهو الإنذار النووى الثانى لروسيا تجاه اسرائيل بعد إنذار 1956 للتوقف عن هجومها والعودة إلى خطوط 22 أكتوبر . ولكن أمريكا كانت هذه المرة مع اسرائيل فأعلنت بدورها حالة الطوارىء النووية . ولكن اسرائيل بسبب حرج الموقف اضطرت للتوقف عن العمل العسكرى وإن لم تعد إلى خطوط 22 أكتوبر التى كان مجلس الأمن قد حددها بالإجماع .
بل من الطرائف أن السادات كان قد طلب قبل الحرب من السفير السوفيتى قنبلة نووية لتهديد اسرائيل ، وكأن الاتحاد السوفيتى خادم عندنا يلبى أى طلبات أو سوبر ماركت لتوريد الأسلحة النووية وإن كان السادات لم يعرض حتى أن يدفع ثمن القنبلة ! وعلى الفور وبدون الرجوع إلى موسكو بل فى نفس اللقاء طلب السفير السوفيتى من السادات عدم فتح هذا الموضوع مرة أخرى لأنه مستحيل . مذكرات السفير السوفيتى فى مصر خلال عهدى عبد الناصر والسادات . وهى مترجمة للعربى ومطبوعة بالقاهرة فى المركز القومى للترجمة التابع لوزارة الثقافة وقد قرأتها فى السجن وليس لدى حاليا نسخة منها . ولكنها موجودة على الانترنت واسم السفير فلاديمير فينو جرادوف

فى الحديث عن الحرب مع اسرائيل لايزال بعض محبى أمريكا يتهمون الاتحاد السوفيتى بأنه كان مقصرا مع مصر فى التسليح . بل وصل الأمر بأحد لواءات الجيش المتقاعدين وهو د جمال مظلوم رحمة الله عليه أن قال فى برنامج مشترك معى فى الجزيرة – راجع الفيديو فى مدونة مجدى حسين – ان الجيش المصرى حارب فى حرب أكتوبر بسلاح الحرب العالمية الثانية . وهذا أمر غير صيحيح إطلاقا .
وثائق الحرب تؤكد أن ثلث الطائرات الاسرائيلية تم إسقاطها على الجبهة المصرية باستخدام صواريخ سام 6 الروسية . وأن الجيش المصرى دمر ثلث دبابات اسرائيل بأسلحة روسية خاصة صواريخ موليتيكا .
الواقع أن السادات استخدم الاتحاد السوفيتى وهو دولة عظمى لمجرد تحريك القضية ودفع عملية التفاوض مع أمريكا واسرائيل ، ثم الاستغناء عنه والإلقاء به فى مزابل التاريخ ! مرة أخرى ليست هذه أخلاق الاسلام .
وبدون ذنب أو جريرة تم إلغاء المعاهدة مع السوفيت وقطع كافة العلاقات وإغلاق القنصلية السوفيتية بالأسكندرية ومنع دخول السفن التجارية السوفيتية وليس السفن الحربية فحسب للموانىء المصرية . وكأن الاتحاد السوفيتى هو الذى يحتل سيناء .
وطوال كل هذه الإهانات من دولة صغيرة أو متوسطة لدولة عظمى فإن الاتحاد السوفيتى لم يحرك ساكنا ولم يقاوم عملية طرده من مصر بأى طريقة عملية ، ولم يكن لديه تنظيم عميل فى مصر قادر على القيام بإنقلاب ضد السادات ، كما قيل عن مجموعة على صبرى ، مجموعة 15 مايو ، أنها عميلة لروسيا ، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يقوموا بانقلاب لصالح روسيا ، وهم يملكون السيطرة على الجيش والشرطة والاعلام والتنظيم السياسى والمخابرات ، وكان هذا فى عام 1971 عندما قدموا بخيابة استقالاتهم للسادات فقبلها !!!
نحن لانقيم هذه الأحداث ككل فهذا ليس موضوع هذه الدراسة ، ولكن نكشف عن أن الاتحاد السوفيتى لم يكن عنده خطة لإختراق الدولة المصرية ، رغم أنه يقيم علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية كثيفة مع مصر منذ 19 عاما . وكما فعلت أمريكا فيما بعد وفى أقل من هذه المدة ، وكما فعلت بريطانيا من قبل التى استولت على الدولة ككل خلال 70 عاما . كان الاتحاد السوفيتى يعتمد على التحالف مع نظام عبد الناصر الذى اختل بوفاته وتولى أنور السادات للحكم .
قد يقول البعض إنها خيبة استعمارية من روسيا ، ونحن لا نرى ذلك ، ولكن نقول انها لم تكن مدربة ولا تزال على الأساليب الاستعمارية الملتوية ، بل هى معتادة على التدخل من خلال الحزب الشيوعى الحاكم فى البلد الحليف ، وهو وضع غير قائم فى مصر ولا فى الشرق الأوسط كله .ونرى أن السوفيت كانوا مقيدين بضوابط النظرية الماركسية الأساسية التى لاتبيح اللجوء لأساليب الاستعمار الغربى .
المهم نحن لنا الوقائع على الأرض كما حدثت بغض النظر عن أى نوايا . كان الاتحاد السوفيتى ضد كامب ديفيد سياسيا واستمر على علاقاته التى كانت قائمة أصلا مع سوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن الشمالى والجنوبى ومنظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المختلفة ولم يقم بأى أعمال انتقامية ضد مصر .
وفى عهد مبارك عادت علاقات جزئية هادئة بين مصر وروسيا وحصلت مصر على بعض السلاح السوفيتى مع القيام بتحديث الأسلحة القديمة ، وإن ظل السلاح الأمريكى يمثل 70 % من التسليح . وكذلك عادت العلاقات التجارية إلى النمو بين البلدين بالتدريج

للاتحاد السوفيتى تجربة فريدة مع نظام اليمن الجنوبى ، وكانت تحكمه حركة قومية أعلنت إنتماءها للماركسية وأصبح النظام رسميا ذا توجه شيوعى . كانت تجربة مأسوية فهذا هو النظام الوحيد فى الوطن العربى الذى أعلن توجهه الشيوعى – وبعده الصومال بقيادة سياد برى – بينما كان أكثر الدول العربية تخلفا من الناحية الاقتصادية ولم يكن هناك ما يمكن أن نطلق عليه طبقة رأسمالية وطنية تكون هى المقدمة لبناء الاشتراكية على أنقاضها بالاستيلاء على مصانعها وفقا لنظرية كارل ماركس .
كان النظام اليمنى الجنوبى ذا طبيعة قبلية ، فحدثت كثير من المشاحنات والاضطرابات والحروب الأهلية بين أطراف الحزب الاشتراكى الحاكم . ولم يتعامل السوفيت مع اليمن الجنوبى كمستعمرة روسية ولكن أقام علاقات تحالفية . وعلى طريقة كوبا سقط الاتحاد السوفيتى ولم يسقط نظام اليمن الجنوبى كنظام شيوعى حتى قام الشمال بإعادة ضمه عام 1994 . وطوال الحقبة الشيوعية لم يكن هناك تواجد عسكرى استعمارى روسى فى عدن ولم يحاول الروس إدارة البلاد عوضا عن هذه الطبقة الشيوعية اليمنية القبلية الفاشلة حتى سقطت فى حرب 1994 حيث قام الشمال بضم الجنوب بالقوة المسلحة .
تطورات فى آسيا
وصلت الشيوعية إلى حالة من الإزدهار فى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين بسبب إنتشار أفكارها لدى حركات التحرر الوطنى فى إفريقيا وآسيا . وكذلك أصبح الاتحاد السوفيتى قادرا على دعمها بالسلاح وغير ذلك من أسباب الدعم . وكانت حرب فيتنام هى بؤرة الضوء التى جذبت أنظار الشعوب المقهورة رغم أنها كانت بالأساس معركة وطنية ، معركة تحرر وطنى من الاستعمار الفرنسى ثم الأمريكى ، ولا علاقة مباشرة لها بالفكر الماركسى – وقد كنت من هذا الجيل الذى انبهر بالمقاومة الفيتنامية وحركة جيفارا – دعم الاتحاد السوفيتى والصين لفيتنام وحركات التحررفى الهند الصينية : لاوس وكمبوديا ، أعطى شعبية للفكر الشيوعى . كما اعتنق قادة هذه الحركات الآسيوية الفكر الشيوعى رغم أنهم يقودون حركة تحرر وطنى ولايوجد عندهم صراع طبقى بين العمال والرأسمالية كما ورد فى كتابات ماركس ، فقد كانت بلاد لم تتجاوز بعد مرحلة الاقطاع الزراعى . فى فيتنام استمرت الحرب عشرين سنة ولكن أمريكا تدخلت مباشرة عام 1964 لصالح حكومة سايجون فى الجنوب ، وتورطت فى الحرب حتى أصبح لها قرابة نصف مليون جندى . وقامت حرب شعبية من منظمة الفيت كونج الشيوعية ضد الوجود الأمريكى وحكومة الجنوب العميلة . وكانت حربا ضروس رهيبة فقد فيها الأمريكان 70 ألف جندى وعشرات الآلاف من المصابين جسديا والمدمرين عقليا ونفسيا . وكثير من الأفلام الأمريكية وثقت هذه المرحلة .
كانت فيتنام الشمالية الشيوعية وعاصمتها هانوى بقيادة هوشى منه تدعم حركة الفيت كونج بالجنوب ، فقامت أمريكا بقصف وحشى بالطيران لفيتنام الشمالية . وشارك السوفيت فى هذه الحرب من خلال تدفق الأسلحة المتنوعة للشمال وثوار الجنوب ، وكذلك فعلت الصين رغم الخلافات الحادة بين روسيا والصين فى ذلك الوقت ولكنهما اتفقا فى مجال مساعدة المقاومة الفيتنامية ضد أمريكا ولكن كل طرف كان يساعد بصورة منفردة . كما أرسلت روسيا أطقم دفاع جوى لفيتنام الشمالية للتصدى للغارات الجوية الأمريكية الوحشية ونجحت هذه الأطقم فى إسقاط أعداد كبيرة من الطائرات الأمريكية ولكن أطقم السوفيت تعرضت أيضا لخسائر غير قليلة .
في حرب فيتنام، تم إسقاط ما يقرب من 10 آلاف طائرة أمريكية (3744 طائرة، 5607 مروحية، و578 طائرة دون طيار). وكانت الحصة الأكبر من الطائرات من نصيب قوات الدفاع الجوي السوفيتية، الذين أنشأوا نظام دفاع جوي من الصفر في فيتنام.
وفي يوليو 1965، تم نشر منظومات “إس أي-75إم” بالقرب من هانوي. وكان الطاقم مؤلف من المتخصصين العسكريين السوفييت والفيتناميين كمتدربين.
ووقعت المعركة الأولى في 24 يوليو/ تموز 1965، حيث أسقطت المدفعية السوفيتية المضادة للطائرات في وقت واحد تقريبا ثلاث مقاتلات من طراز “فانتوم” على بعد 50 كم شمال شرقي هانوي. حيث تفاجأ الطيارون الأمريكان، ومنذ ذلك الحين، يحتفل الشعب الفيتنامي يوم 24 يوليو ويعتبره يوم قوات الدفاع الجوي.
أدى نشر أنظمة الدفاع الجوي السوفيتية في فيتنام إلى انخفاض كبير في فعالية الغارات الجوية الأمريكية وأجبر الطيارين على النزول من ارتفاعات متوسطة إلى منخفضة، حيث عانوا من خسائر المدفعية المضادة للطائرات. بفضل المتخصصين من الاتحاد السوفييتي، كان الدفاع الجوي الفيتنامي حديثًا جدًا وشمل قوات الصواريخ المضادة للطائرات والمدفعية المضادة للطائرات والطائرات المقاتلة وقوات هندسة الراديو ونظام مواقع القيادة ومعدات الاتصالات.
تم القيام بعمل كبير بشكل خاص في منطقتي هانوي وهايفونغ، خلال الحرب بأكملها، بما في ذلك خلال فترة أكثر عمليات الطيران الأمريكية نشاطًا في عامي 1967 و 1968، حيث   قابلت أقوى دفاع جوي. – موقع سبوتنيك

بعد انتصار فيتنام على أمريكا ظلت دولة مستقلة ذات سيادة حقا بعدأن قدمت ملايين الشهداء بالمعنى الوطنى للشهادة وتصل تقديرات أعدادهم إلى قرابة 4 ملايين ، والحزب الشيوعى الفيتنامى الحاكم يعتز بنفسه ولا تزال فيتنام حتى الآن دولة مستقلة ملتزمة رسميا بالشيوعية رغم سقوط الشيوعية فى روسيا ، وهى الآن من الناحية الاقتصادية ضمن النمور الآسيوية ومستقلة تماما عن روسيا والصين رغم كل المساعدات العسكرية الهائلة التى تلقتها من الطرفين طوال الحرب وعلى مدار سنوات عديدة .
ألهمت بطولات الشعب الفيتنامى الشعوب التواقة للتحرر خاصة بعد تحقيق الانتصار وإجبار الأمريكان على الانسحاب وتوحيد فيتنام الشمالية والجنوبية عام 1975 , وتواصل المد الشيوعى فى بلدين مجاورين : لاوس وكمبوديا حيث قامت ثورة شعبية مسلحة ضد النظامين العميلين ، وحاربت أمريكا للدفاع عن هذين النظامين بالقصف الجوى ولكنهما سقطا . وهكذا أصبحت هناك 3 دول شيوعية متجاورة فى جنوب شرقى أسيا ، وهى بلاد لم تتجاوز مرحلة الاقطاع الزراعى ، وبالمخالفة أيضا لمبادىء التغيير فى الماركسية .
ثم انتقلت هذه الشرارة لفلسطين وتحولت حركة القوميين العرب ، وهى حركة مختلفة عن حزب البعث إلى الشيوعية فظهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة ، وخاضتا المقاومة المسلحة ضد اسرائيل من الأردن ثم من لبنان . وفى نفس الوقت توثقت علاقة موسكو مع الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين واعتبرتها هى الحزب الشيوعى فى فلسطين كما توثقت علاقة موسكو مع مجمل منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات . وكانت تؤيد العمليات الفدائية فى الضفة الغربية وقطاع غزة بعد احتلالهما عام 1967 ولا تؤيد العمليات الفدائية داخل اسرائيل – فلسطين المحتلة عام 48 لأن روسيا تعترف باسرائيل ، رغم قطع العلاقات الدبلوماسية معها بسبب عدوان 1967 .
ثم انتقلت الشرارة إلى عدن كما ذكرنا من قبل ، وكانت القيادة بعد التحرر من الاحتلال البريطانى عام 1967 أيضا ضمن خركة القوميين العرب التى تحولت إلى الشيوعية . ثم وصلت الثورة إلى سلطنة عمان حيث قامت ثورة مسلحة فى إقليم ظفار
  ضد حكومة  سلطنة عُمان  والتي كانت تدعمها  بريطانيا، من  1962  إلى  1975، في فترة حكم السلطان  سعيد بن تيمور. انتهت الثورة بهزيمة الثوار.
بدأت الحرب بتشكيل  جبهة تحرير ظفار، وهي مجموعة تهدف إلى إقامة دولة مستقلة في  ظفار، خالية من حكم السلطان العماني  سعيد بن تيمور. كان للثوار أيضًا أهداف أوسع لـ  القومية العربية  والتي تضمنت إنهاء نفوذ  بريطانيا  في منطقة  الخليج العربي.
اتخذت الحرب في البداية شكل تمرد منخفض المستوى باستخدام  حرب العصابات  ضد القوات العمانية والوجود الأجنبي في البلاد. أدى عدد من العوامل مثل  الانسحاب البريطاني من عدن  والدعم من  الصين  والاتحاد السوفيتي  إلى زيادة نجاح المتمردين، حيث سيطر الشيوعيون على منطقة الجبل بأكملها بحلول أواخر الستينيات. أدى  الانقلاب https://www.marefa.org/w/index.php?title=الانقلابالعماني_1970&action=edit&redlink=1العماني https://www.marefa.org/w/index.php?title=الانقلابالعماني_1970&action=edit&redlink=11970  إلى الإطاحة بالسلطان سعيد بن تيمور على يد ابنه  قابوس بن سعيد  الذي كان مدعومًا بتدخل عسكري بريطاني كبير في الصراع.
بدأ البريطانيون حملة لمواجهة المتمردين الشيوعيين وبدأوا عملية تحديث  القوات المسلحة لسلطنة عمان  بينما نشروا في نفس الوقت  الخدمة الجوية الخاصة  للقيام بعمليات مكافحة الثوار. أدى هذا النهج إلى سلسلة من الانتصارات وعززه تدخل  شاه إيران  في الصراع لدعم سلطنة عمان في عام 1973. وانتهت الحرب بالهزيمة النهائية للثورة. في عام 1976.
ثم قام نظام شيوعى فى الصومال بانقلاب عسكرى عام 1969 بقيادة سياد برى الذى أعلن تبنيه للماركسية وعلق صور ماركس ولينين فى الشوارع . وكان النظام الشيوعى العربى الثانى بعد عدن ، ويشترك معها فى أنه نظام ما قبل رأسمالى .
وفى هذا الركن من العالم ، فى القرن الافريقى ، وقع انقلاب عسكرى فى أثيوبيا بقيادة منجستو هيلا ماريام عام 1974 .
ثم تحولت حركات التحرر فى إرتريا وهى تقاتل من أجل الاستقلال عن أثيوبيا، تحولت إلى الماركسية وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير أرتريا بقيادة أسياس أفورقى الرئيس الحالى لإرتريا .ولكنه لم يعد ماركسيا الآن ويسعى للبقاء فى الحكم بحكم موغل فى الاستبداد وتعاون مع اسرائيل . وقد واجهته بهذه المواقف المخزية حين ألتقيت به فى قصر القبة عند زيارته لمصر فى التسعينيات من القرن العشرين ، ونشرت هذه المواجهة فى حينه فى جريدة الشعب الورقية .وغضب منى كثيرا حتى أنه رفض إعطاء أى تأشيرة لأى صحفى بجريدة الشعب لزيارة إرتريا رغم أنه قال لى : تعالى لزيارة إرتريا لترى بنفسك أنه لا وجود لاسرائيل فى إرتريا ، وقلت له : أنا أعلم إن القواعد العسكرية السرية لايراها الصحفيون !
وهكذا ترى فى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين رقعة متصلة ببعضها أصبحت حمراء : عدن – أثيوبيا – الصومال – ارتريا . وفى عام 1971 وقع انقلاب عسكرى شيوعى فى السودان ولكنه فشل وأحبط خلال أيام . كان عبد الخالق محجوب رئيس الحزب الشيوعى السودانى وكان أكثر الأحزاب الشيوعية العربية جماهيرية ولكن قيادات الحزب أعدمت بعد فشل الانقلاب وعلى رأسهم قائد الانقلاب العسكرى هاشم العطا ومحجوب رئيس الحزب. ولم يستطع الحزب أن يستعيد قوته حتى الآن . كان الانقلاب ضد جعفر نميرى الذى عاد إلى السلطة .
الرقعة الحمراء امتدت إلى المستعمرات البرتغالية فى افريقيا ولكن كيف ؟

7 –
انتشار الشيوعية فى افريقيا وأمريكا اللاتينية وكارثة أفغانستان

فى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين وصل المد السوفيتى إلى أقصاه . فى أمريكا اللاتينية كانت أمريكا بعد سقوط كوبا فى يد الشيوعية فى حالة يقظة فائقة لئلا تقع دولة أخرى فى القارة فى نفس المصير ، وتكون بداية لتكون كتلة شيوعية فى الفناء الخلفى للولايات المتحدة ، خاصة وأن التيارات الشيوعية قوية فى القارة ، وبدأ بعضها يلجأ للكفاح المسلح طالما أغلقت أبواب الانتخابات بالانقلابات العسكرية ، وحدث انقلاب يسارى فى جزيرة جرينادا ، أى جزيرة غرناطة وهى تسمية أندلسية أطلقها الاستعمار الأسبانى عليها لجمالها ، وهى من الدويلات الصغيرة فى البحر الكاريبى بأمريكا الوسطى . لم تتردد أمريكا فى عهد الرئيس رونالد ريجان من إجتياحها بالقوات المسلحة وإسقاط النظام فى 25 أكتوبر 1983 قبل أن يتحرك الاتحاد السوفيتى لدعم النظام الجديد .
وكانت شيلى قد أفلتت عام 1970 من قبضة أمريكا بوصول الحزب الاشتراكى للحكم عن طريق الانتخابات ، حزب سلفادور الليندى وكان حزبا ماركسيا وبدأ عملية بناء اقتصادى على الأسس الاشتراكية . ولكن الولايات المتحدة التى تزعم دوما أنها تحمل لواء الديموقراطية دبرت انقلابا عسكريا دمويا عام 1973 وتم قتل الليندى وهو يدافع عن القصر الجمهورى مع نخبة من جنوده وقتل آلاف الشيليين واعتقل عشرات الآلاف على يد الجنرال الدموى بينوشيه . وكان كيسنجر مسئول الأمن القومى الأمريكى ووزير خارجية أمريكا فى عهد نيكسون هو العقل المدبر لهذا الانقلاب كما أصبح ثابتا فى الوثائق الأمريكية المفرج عنها . كانت أمريكا قد آلت على نفسها أن تبقى كوبا هى الدولة الاشتراكية الوحيدة كواحة معزولة بحماية الاتحاد السوفيتى منذ اتفاق خليج الخنازير الذى منع وقوع حرب نووية مع الاتحاد السوفيتى . كان يمكن تحمل جزيرة كوبا بالبحر الكاريبى كواحة معزولة فى صحراء الرأسمالية المتوحشة ، ولا تستطيع أن تقترب أمريكا منها لأنها حماية سوفيتية وكانت ستتسبب فى حرب نووية مع روسيا لأنها وضعت صواريخ نووية على أراضيها فى بداية الستينيات من القرن العشرين .
الطريف أن اليساريين بدأوا فى موجة جديدة للوصول إلى الحكم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى . وهو ماينفى تعميم فكرة أن الأحزاب الشيوعية أدوات استعمارية للشيوعية الروسية . وصلت الأحزاب الشيوعية إلى الحكم عن طريق الانتخابات فى أمريكا اللاتينية فى عدد من البلدان ولايزالوا حتى الآن . ولكن فى إطار شد وجذب وتقدم هنا وتأخر هناك ولكن الخط البيانى العام فى صعود .
أما فى افريقيا فلم تكن تحت الهيمنة الحديدية الأمريكية ، فقد كانت تعانى من انتقال السيطرة عليها من أوروبا إلى أمريكا ، وهى قارة ضخمة من حيث المساحة وعدد السكان ودولها أكثر من 50 دولة ، وهى أشبه بالرمال المتحركة نتيجة عدم وجود دول مركزية قوية فيها ، بل لاتزال تحكمها القبائل وحياة الغابات فى كثيرمن مناطق دولها ، ولذلك تمدد الوجود الشيوعى فيها بانتشار الفكر وليس بالتآمر السوفيتى فى الصومال وأثيوبيا وارتريا وغيرها . انسحبت فرنسا وانجلترا من إفريقيا عام 1960 من أغلب البلدان وبعد ذلك انسحبت فرنسا من الجزائر عام 1962 . ولكن هذا الانسحاب كان تكتيكيا فى معظم هذه البلدان ، فقد تم استبدال الاستعمار الجديد بالاستعمار القديم أى من خلال الهيمنة الاقتصادية والثقافية وبقاء بعض القواعد العسكرية خاصة من جانب فرنسا وأخيرا جاءت موجة للقواعد العسكرية الأمريكية – أفريكوم .
الاستعمار البرتغالى لم يكن بهذه القوة الاقتصادية والصناعية فقرر البقاء فى مستعمراته القليلة ولكنها شاسعة المساحة وكثيفة الموارد المعدنية والطبيعية أبرزها : أنجولا وغينيا بيساو فى الساحل الغربى ، موزمبيق فى الساحل الشرقى. فقامت شعوب هذه البلدان بحركات مقاومة مسلحة ضد الاستعمار البرتغالى : حركة فريليمو فى موزمبيق ، وتأسست عام 1962 وقادت عملية التحرير حتى الاستقلال عام 1975 وتولت الحكم ، وحزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا و   تأسس الحزب في عام 1956. ويحكم هذا الحزب أنغولا منذ استقلالها عن البرتغال عام 1975. . وقد قام الاتحاد السوفيتى بتدعيم هاتين الحركتين بالسلاح . وعندما نجحت الحركة الشعبية فى أنجولا فى طرد البرتغال ، لم يترك الغربيون النظام اليسارى الموالى للسوفيت فى حاله ، بل استغلوا الخلافات القبلية وبدأوا فى تسليح حركات مسلحة مناوئة للحكم الوطنى الجديد ، خاصة وقد اتضح وجود البترول فى أنجولا بكميات تجارية .
وهنا حدث تطور جديد وغير مسبوق إذ اتفق الاتحاد السوفيتى مع كوبا على إرسال قوات كوبية سمراء اللون لتتناسب مع افريقيا ! لمساندة النظام الوطنى الأنجولى وحمايته من السقوط . المحصلة النهائية ان هذه البلدان بمساعدة الاتحاد السوفيتى تحررت من الاستعمار البرتغالى ولكنها لم تتحول إلى مستعمرات سوفيتية ، بل مع مرور سنوات قليلة انتقلت أنجولا تدريجيا إلى نوع من التبعية الجديدة للولايات المتحدة ، خاصة وقد حصلت شركات بترول بريطانية و أمريكية على امتيازات استخراج البترول من البلاد. وقد ساعد على زيادة ذلك السقوط المدوى والسريع للاتحاد السوفيتى فى 1991 . ومن المهم أن نلحظ أن هذه المستعمرات البرتغالية السابقة فى ظل التبعية لأمريكا لا تزال ترسف فى أغلال الفقر والتخلف بل لعل موزمبيق من أكثر دول العالم فقرا رغم توفر الثروات المعدنية فيها ، أما أنجولا فقد انضمت لمنظمة أوبك لوفرة انتاجها البترولى كثانى دولة فى افريقيا . .
وحسب التقديرات المتفائلة للأمم المتحدة فإن 32 % من السكان يعيشون تحت خطر الفقر الوطنى أى بأقل من 2 دولار يوميا.
وهذا مصير من يعيش تحت التبعية لأمريكا .
حماقة احتلال أفغانستان

فى ذروة الصعود الشيوعى السوفيتى فى عهد ليونيد بريجنيف و فى ذروة هذا الانتشار والاكتساح المشار إليه فى افريقيا وجنوب شرقى آسيا مع استمرار التواجد فى الشرق الأوسط عدا مصر والسودان ، ومع ترافق ذلك مع تقارير استراتيجية تؤكد تقدم السوفيت على الأمريكان فى تكنولوجية الصواريخ بعيدة المدى ، فى ظل هذه الأجواء ارتكب السوفيت حماقتهم الكبرى بإحتلال أفغانستان.
كان احتلال أفغانستان خاضعا لنفس قواعد وقوانين التوسع الروسى :
1- توسع برى فى بلدان حدودية ولصيقة كإمتداد لأرض روسيا وليس عبر البحار .
2- الاعتماد فى التوسع على وجود حزب شيوعى فى الحكم !
هاتان القاعدتان أنطبقتا على أوروبا الشرقية فى العهد الشيوعى وعلى الممالك الاسلامية بوسط آسيا فى العهد القيصرى والتى ورثها الحكم الشيوعى . أى أن احتلال أفغانستان لم يكن وفق قرار استراتيجى بإعلان الحرب على الاسلام على مستوى العالم أو آسيا . فإذا كان الشيوعيون الروس وغيرهم لايكنون أى مودة أو تعاطف مع الاسلام ويدركون التعارض العقائدى الحاد والمستحكم بين الشيوعية والدين ، ورغم أنهم يضيقون على الدين المسيحى والاسلامى فى الاتحاد السوفيتى ، إلا أنهم لم يكونوا معنيين بمحاربة الاسلام خارج الاتحاد السوفيتى وكانت لهم صداقات استراتيجية فى العالم العربى وهم يعلمون أن العرب بأغلبيتهم الساحقة مسلمون , كما لم يكن هناك فى ذلك الوقت أى طرف فى العالم الاسلامى يعلن الحرب أو الجهاد على الاتحاد السوفيتى كتنظيم القاعدة أو داعش الآن . السوفيت كانوا مشغولين بتقدير مصالحهم القومية والمادية فحسب .
جوهر الأمر أن السوفيت سقطوا فريسة لعنة الجيوبولتيك – الجغرافية السياسية ، وهى الامتداد الأرضى إقترابا وفى إتجاه المياة الدافئة : المحيط الهندى والخليج العربى البترولى ، مع فكرة توسيع الإمبراطورية الأرضية . فطالما أن الأمريكان سرقوا منهم البحار وما يطل عليها ، فإنهم يستبيحون التوسع الأرضى فى المحيط الأكبر لليابسة وهو ما يسمى الأورآسيا . وكانت أفغانستان على حدود الاتحاد السوفيتى

مباشرة .
وقد تطور الأمر كالتالى .. لقد قام الحزب الشيوعى الأفغانى – خلق ، وخلق تعنى الشعب ، بإنقلاب عسكرى عام 1978 وأقام نظاما شيوعيا فى مجتمع زراعى إقطاعى قبلى ، ومن يعرف المجتمع الأفغانى يدرك ان هذا التحرك كان تحركا إنتحاريا، فالشعب الأفغانى شديد التدين ومحافظ ولا يمكن أن يقبل بهذا الوضع . وبعد قليل بدأت المقاومة الشعبية للنظام بالسلم ثم بالقتال . وفى إطار هذه الأزمة تصاعدت الخلافات داخل الحزب الشيوعى الحاكم نظرا لاختلاف الرؤى فى كيفية معالجة الأزمة بالاضافة للصراع على السلطة وحدثت عدة انقلابات وانقلابات مضادة بين الشيوعيين بعضهم بعضا أودت بحياة اثنين من رؤساء الجمهورية أما الثالث فقد طلب من السوفيت أن يتدخلوا قبل أن ينهار النظام كلية . وقد كان السوفيت يتابعون التفاصيل عن كثب بكل تأكيد . وبدأ تدخل القوات السوفيتية فى عام 1979 بأعداد قليلة فى البداية ولكن مع تصاعد المقاومة الشعبية المسلحة تزايدت القوات الروسية إلى حد 100 ألف مع الطائرات والدبابات . واستعرت الحرب الضروس وحمى وطيسها ، مابين مذابح لأهل أفغانستان واستنزاف للقوات السوفيتية أفرادا ومعدات . ومهما تكن ملابسات العدوان وما قدمناه من تحليل ، فهو مجرد شرح للموقف . ولكننا أمام حالة تقليدية للاحتلال بكل ما تنطوى عليه من جرائم . وقد خسر الاتحاد السوفيتى من سمعته أكثر بكثير من المكاسب الوهمية الوقتية والتى أخذت شكل الضم الفعلى لأفغانستان ، فهو لم يهنأ بها يوما واحدا . حتى سميت أفغانستان عن حق أنها فيتنام السوفيت . وقد كان احتلال أفغانستان من علامات النهاية ، علامات الغطرسة التى تصيب القوة العظمى فلا تقيم وزنا للشعوب ولا لردة فعلها المضادة . كما حدث لنابليون وهتلر مع روسيا ذاتها . وإن كان الأفغان لا يملكون دولة لأنها سقطت فى يد الشيوعيين بإنقلاب عسكرى ولكن كانوا يملكون عمقا استراتيجيا ليس بمساحة أراضى روسيا ولكن بوعورة جبالها التى لا يعرف دروبها إلا الأفغان .
لقد ضبط الاتحاد السوفيتى أخيرا متلبسا فى موقف استعمارى تقليدى ولم يعد بإمكانه أن يتحدث عن أنه محرر الشعوب من الاستعمار ، وسقوط هذه الصورة هو الذى عجل بسقوط الاتحاد السوفيتى الذى حدث عقب انسحابه من أفغانستان بشهور . فقد انسحب مهزوما فى فبراير 1989 . سقط الاتحاد السوفيتى عام 1991 متأثرا بانهيار صورته كمحرر للشعوب وليس بسبب حجم خسائره فى القوات والعتاد رغم أهمية ذلك بطبيعة الحال.

8
سقوط الاتحاد السوفيتى
سقوط الاتحاد السوفيتى كان حدثاً مدويا على مستوى العالم بأسره فى عام 1991 وقد قيل الكثير عن جورباتشوف آخر رئيس سوفيتى العميل والمتواطئ مع أمريكا والغرب فى هذا المصير , وقيل أكثر عن بوريس يلسين أول رئيس لروسيا الاتحادية من زواية عمالته لأمريكا وصلته باليهود الروس , ولكن الأمر الجوهرى الذى لابد أن يأخذ فى الاعتبار هوالفشل والعملى للنظرية
الماركسية ” الشيوعية ” وتقييم النظرية الماركسية ونقدها يخرج عن أهداف هذه الدراسة , ولكن باختصار شديد فان هذا هو التفسير الجوهرى لسقوط هذا العملاق وتداعيه خلال شهور قليلة أما سقوط جورباتشوف ويلسين فى براثن الغرب هذا أيضا من علامات السقوط العام لهذا النموذج .
باختصار شديد فإن الشيوعية أو ” الماركسية ” نسبة لمؤسسها كارل ماركس لها فرعان متداخلان المادية الديالكتكية ” الجدلية ” و المادية التاريخية.
والمادية الديالكتيكية تقول أن تفاعل عناصر الطبيعة هو قانون تطور الأجناس البشرية وكل عناصر الطبيعة ولا يوجد إله لهذا الكون.
وقانون الجدل هو “
الموضوع ونقيضه و الصراع بينهما يؤدى إلى مركب جديد ثالث وهكذا فى سلسة
متصلة.
” Thesis – Anti thesis يؤدى إلى ” Synthesis “
أما المادية التاريخية فهى تسير بنفس القانون ولكن فى تاريخ البشر وأن هذه الحتمية التاريخية تمر بهذه المراحل ( الشيوعية البدائية حيث لا ملكية ولا دولة – النظام العبودى – النظام الإقطاعى – النظام الرأسمالى – النظام الإشتراكى ( ديكتاتورية البروليتاريا ) – النظام الشيوعى ( حيث جنة الله على الأرض ) لاتوجد ملكية ولا دولة وكل الناس تحصل على إحتياجاتها مجانا كل حسب حاجته وهكذا تعود البشرية إلى حيث نقطة البداية : لا دولة .. لا ملكية – ولكن عند نقطة عليا من التقدم العلمى والتكنولوجى والإقتصادى بحيث يؤدى ذلك إلى الوفرة التى تعم الجميع وتنتهى صراعات البشر للأبد من أجل السيطرة والمال .
وقد تركزت كتابات مؤسسى الماركسية : كارل ماركس – فريدريك أنجلز ومن بعدهما فلاديمير لينين على الفرع الثانى أى المادية التاريخية , بل بتركيز أكبر على الرأسمالية.
تقول النظرية أن الرأسماليين يحفرون قبورهم بتجميع العمال فى مصانع كبرى , حيث يتعلم العمال الصناعيون ( البروليتاريا ) فنون الإنتاج ويتعلمون النظام والإرتباط والإدارة , وهى طبقة مبرأة من العيوب الأساسية لأنها منقطعة الصله عن الملكية الخاصة ( مصدر كل الشرور ) , ولأن الرأسماليين يسرقون كدهم وعرقهم فأنهم سيثورون عليهم ويطيحون بهم ويأسسون نظاما ( ديكتاتورية البروليتاريا ) ولكن كيف تدعو نظرية صراحة إلى الديكتاتورية ؟!
إن النظرية تشرح ذلك بالقول : إن حكم العمال ” البروليتاريا ” يمارس الديكتاتورية على الطبقة البرجوازية ( الرأسمالية ) ويظل يطاردها بعد اخراجها من السلطة حتى تطهير المجتمع من أمراضها فى الداخل وأيضا لمواجهة رأسمالى خارج الوطن الإشتراكى , وهذا النظام معادى للبرجوازية الصغيرة أيضا أصحاب الملكيات الصغيرة لأن فيهم جرثومة الفكر الرأسمالى ولابد من تصفية هذه الجراثيم ( الورش والمصانع الصغيرة أو المزارع الصغيرة ) فى المدن ينخرطون مع العمال فى المصانع بدون ملكية ، وفى الريف تتحول الأراضى الزراعية كلها إلى مزارع جماعية ( قطاع عام ) . وعندما تتم هذه المهمة تنتهى مهمة ديكتاتورية البروليتاريا وتبدأ الدولة فى الذيول والاندثار وتبدأ مرحلة الشيوعية التى تدار بحالة من الادارة الجماعية التوافقية وليس عبر دولة بالمعنى المعروف , فالدولة هى جهاز القمع الذى ستتحرر منه البشرية .
والذى حدث فى كل التجارب الإشتراكية عكس هذا التصور الطوباوى الخيالى فمرحلة ديكتاتورية البروليتاريا تحولت إلى مرحلة أبدية لا نهاية لها.
وبدلاً من ذبول الدولة وتلاشيها تحولت إلى أشد دولة ديكتاتورية عرفها التاريخ لأنها مسلحة بأدوات حديثة للمراقبة والرصد والقمع ولم يكن هذا خطأ فى هذا البلد أو ذاك بل حدث فى كل التجارب الشيوعية فى كوبا وأوروبا الشرقية وآسيا وافريقيا.
كذلك فان حكم العمال ( البروليتاريا ) تحول إلى اكذوبة ، فالعمال ظلوا عمالاً وحكم البلاد طبقة سياسية من نخب الأحزاب الشيوعية قد يكون بعضها من أصول عمالية ولكن هذا ما يحدث فى كل بلاد العالم الرأسمالى . ثم تحولت هذه الطبقة إلى طبقة بيروقراطية أبدية فى الحكم وأطلق عليها تروتسكى المنشق عن ستالين ( رأسمالية الدولة ) , والطريف ان الثورات التى اندلعت ضد النظم الشيوعية كان العمال من أبرز قادتها كما حدث فى ثورة نقابة تضامن العمالية فى بولنده وكان قادتها هم عمال ميناء جدانسك وهم عمال صناعيون ” بروليتاريا ” يصنعون السفن بقيادة العامل ليخ فاونسا ( وأحيانا تكتب ليش فالسيا ) وكأن العمال قاموا بثورات على ديكتاتورية البروليتاريا ( حكم العمال ) !!
والحقيقة فإن مصطلح ديكتاتورية البروليتاريا أختفى من قاموس الأدبيات الإشراكية منذ عشرات السنين , لأن كلمه ديكتاتورية كريهة كما أن العمال لم يحكموا وظلوا محكومين كما كانوا فى عهد الرأسمالية.
التجربة السوفيتية الأم والتى تكررت بدرجات مختلفة لدى شتى الأنظمة الشيوعية , اندفعت بعد إلغاء الأديان ( قال لينين : إن الإلحاد جزء لا يتجزأ من الماركسية ).
لكنه نصح بعدم الحديث كثيرا فى هذا الموضوع لعدم إستفزاز الجماهير المؤمنة بالله , فالمهم هو الحديث عن مظالمهم ليثوروا على الرأسمالين , ويسعون لتحقيق الجنة عمليا على الأرض ولا ينتظرون جنة السماء الموعودة . ومع ذلك فقد حاصرت كل النظم الإشتراكية الكنائس والمساجد وقللت منها إلى أبعد حد وتركتها كمبانى رمزية فلكورية تعكس تسامح الدولة مع المتدينين ولكن المتدين الطريق موصود أمامه فى سلم العمل السياسى والإدارى , واذا سعى لنشر الدين أو القيم الدينية فسيكون مكانه فى سيبريا فى القطب الشمالى حيث يموت كثير من السجناء من البرد ، والأمر لا يحتاج إلى أى تعذيب إضافى فالحرارة تقل إلى 50 تحت الصفر وبدون تدفئة كافية فى السجون فإن احتمالات الموت كبيرة .
يمكن لأى ثورة أن تتخذ قراراً بإلغاء الدين , كما فعلت الثورة الفرنسية ووصل الأمر إلى صدور قرار بإغلاق الكنائس , وطبعا هكذا كان موقف ثورة أكتوبر الروسية ولكن الدين والإيمان بالله لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم مهما كان مستوي طغيان النظم الحاكمة , فالمسيحية انتصرت على الوثنية الرومانية ، والإسلام انتصر على المغول الوثنين , وعادت الكنائس تقرع أجراسها فى باريس , وعاد الإسلام والمسيحية يزحفان ببطئ فى كافه الدول الشيوعية , نعم ببطئ ولكن بثبات
slowly but shurely.
أما فى الصين فقد كانت هناك ظاهرة فريدة تعكس خصوصية التجربة الصينية فعندما قام ماو تسى تونج زعيم الثورة الشيوعية بمسيرته الكبرى الأولى ثم مسيرته الكبرى الثانية للإستيلاء على الحكم كان قد بدأ فى أقصى الغرب حيث تواجد المسلمين الأكبر فضمهم إلى صفوف جيش التحرير ضد نظام الكومنتانج الرأسمالى الموالى للغرب بقيادة تشان كاى تشيك والذى إنهزم فى النهاية وتقلص فى جزيرة فرموزا ( تايوان الحالية ) , وقد أطلق الحزب الشيوعى على المسلمين إسم
( الماركسى المسلم ) , لا ندرى كيف تطورت هذه التجربة لأن الأدبيات الصينية والغربية لا تتحدث عنها منذ فترة . وقد كتب عنها بالتفصيل كتاب غربيون وصحفيون رافقوا ماو تسى تونج فى مسيراته الكبرى أشهرهم إدجار سنو.
ومهما تكن دعايات أمريكا والسعودية الآن , فإن الصين لا تمنع المسلمين من أداء الصلاة أو الصيام أو بناء المساجد ولكنها بالتأكيد ضد إدخال الإسلام فى العمل السياسى كباقى النظم العلمانية فى العالم بما فى ذلك العالم الإسلامى حاليا (!!) – والصين واجهت أعمال عنف غذاها تنظيم القاعدة وهى أعمال غير مسؤلة ولن تجدى شيئا ، ليس لاختلال الموازين فحسب بل لأن أقليم سنكيانج جزء من الدولة الصينية وان استقل لفتح ذلك الباب لإستقلال عشرات القوميات الآخرى , وهى نفس مشكلة الشيشان وكشمير وقد تحدثنا عن ذلك من قبل . بالعودة إلى الإتحاد السوفيتى فإن إلغاء الملكية الخاصة هو محاربة لسنة من سنن الله ، فإحتكار الدولة للإقتصاد كله أدى إلى حالة من الإختناق فى الإنتاج والخدمات ، فأصبحت الدولة العظمى التى تملك القدرات التكنولوجية الكافية لتدمير أمريكا بل وكل العالم , الدولة التى ترسل عشرات الأقمار الصناعية حول الأرض , عاجزة عن توفير صابونة !
كذلك كانت الشعوب السوفيتية مختنقة فى مجال حرية التعبير والحريات عموما وبعد أن كانت الثورات متباعدة أصبحت متزامنة متقاربة : بولندا – ألمانيا الشرقية – دول بحر البلطيق ( إستونيا – لاتفيا – استونيا ) جورجيا – تشيكوسلوفكيا – رومانيا.
طبعا كانت أمريكا تدعم كل هذه الثورات لكنها لم تنصفها , فقد قامت لأسباب طبيعية إقتصادية سياسية داخلية أشرنا إليها. ولكن أمريكا سعت للقضاء المبرم ليس على الإتحاد السوفيتى فحسب بل على روسيا ذاتها بإعتبارها هى العمود الفقرى لكل هذا المعسكر , باعتبارها القومية التى تناكف وتزاحم فى السيطرة العالمية.
خلال شهور قليلة فقدت روسيا ربع مساحتها : منطقة الدونباس فى أوكرانيا وسيبريا الجنوبية وبرارى اهرنبورج التى أصبحت تابعة لكازاخستان وشبه جزيرة القرم التى ذهبت لأوكرانيا ولم تكن يوما ما لها !! قبل أن يقرر خورتشوف ( الأوكرانى الأصل ) إهداءها لأوكرانيا عام 1954 وكذلك فقدت روسيا مناطق فى بيلاروسيا وأذاربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان . وبلغت ديون روسيا عام 2000 ( أى بعد 9 سنوات من سقوط الإتحاد السوفيتى ) 146 مليار دولار – كذلك إستعادت الصين 600 جزيرة من روسيا !! عاشت روسيا حالة من الإنهيار الشامل : سقوط دولة عظمى من عشرات القوميات وما أحدثه ذلك من فوضى.
التنمر الأمريكى والغربى للقضاء على روسيا ذات نفسها وتحويلها إلى خرابة إن أمكن وتقطيع أوصالها إلى 52 دولة وإخراجها من الخريطة نهائيا.
والمثير للسخرية أن جورباتشوف ( الذى جاء للسلطة عام 1985 ) ثم يلتسين الذى تولى بعده الحكم فى روسيا الإتحادية 1991 كانا يسعيان للغرب لإنقاذهم من الأزمة الإقتصادية وكان هذا عبثاً ما بعده عبث حيث أعطوا ( القط مفتاح الكرار !) كما تفعل أخيب دولة متخلفة فى العالم الثالث.
فى عام 1991-1992 أصبح 40% من الروس تحت خط الفقر وتم بيع القطاع العام بأبخس الأسعار ففى عهد يلتسين بيعت شركة ضخمة ب 88 مليون دولار بينما بلغت مبيعاتها فى عام 2006 193 مليار دولار ، وبيعت شركة النيكل التى تنتج خمسى إنتاج العالم من هذه الماده ب 170 مليون دولار مع أن أرباحها السنوية 1,5 مليار دولار , وبيعت شركة نفط كبرى ( يوكوز) انتاجها يماثل حجم نفط الكويت بيعت 309 مليون دولار رغم ان عائدتها السنوية 3 مليار دولار .
وبيعت شركة أسلحة كبرى ب 3 مليون دولار، واستولت شركة شل “رويل داتش”وبريتش بتروليم عام 1997، علي شركتي غاز بروم وسيلانكو من خلال عمليات شراكة. وفي عا م 1998، أفلس 80% من المزارعين وتم إغلاق 70 ألف مصنع وأصبح 74 مليون تحت خط الفقر منهم 37 مليون في فقر مدقع، وأصبح هناك 30 مليون طفل مشرد عام 2006، وازداد عدد مستهلكي المخدرات بين 1994و 2004 بنسبة 900% أي أكثر من 4 ملايين كثير منهم مدمنو هيروين . (عقيدة الصدمة – نعومي كلاين).
لو ضربت روسيا بالقنابل الذرية لما حدث تدمير أكثر من ذلك ، هذه الحقائق أقرب للخيال وأفلام الرعب غير الحقيقية ولكنها حدثت فعلا، حتي إن الروس لم يكونوا يتلقون رواتبهم لفترات طويلة حتى في إطار الجيش والجهاز العلمي.
كانت أمريكا تسعى لذلك فعلا وبمنتهى الشراسة .. حتى قال المؤرخ الأمريكي في جامعة هارفارد ريتشارد بايس(يفضل أن تستمر روسيا في التفكك حتى لا يبقي شيئا من بنيتها المؤسسية).
والحقيقة أن الدول الغريبة لم تضن علي روسيا بالمساعدات الإنسانية لإطعام الشعب الجائع في دولة كانت تمتلك ما يزيد عن 30 % من من مصادر الثروة الطبيعية في العالم، في إطار سدس اليابسة !!
ما يفوق الخيال أيضا أن ضباط الجيش الروسي قام بعضهم ببيع جنودهم إلى عصابات في الشيشان، حتى يستخدموهم كرهائن للحصول علي أموال طائلة كفدية، مثلا باع الملازم فيكتور خوردا تسعة من جنوده بسعر الجملة بما يعادل خمسين دولار مقابل الجندي الواحد!
ولتمرير هذه الصفقة أصدر الملازم الروسي أوامره إلى الجنود بمغادرة مقر الوحدة العسكرية على متن أتوبيس صغير نقلهم إلى جمهورية أنجوشيا المجاورة حيث احتجزوا لبضع أيام حتى تيسر الحصول علي مشتر من أبناء الشيشان!!
وكانت السلطات الروسية قد كشفت عن ذلك في أغسطس 1999 مؤكدة أن الحادث ليس استثناء بل تكرر كثيرا علي غرار ما نشرته الصحف الروسية حول بيع 46 من جنود اللواء مدرع 136 في مدينة بونيا فسك الداغستانية فضلا عن اختطاف 125 آخرين من القوات المتمركزة في أوستيا الشمالية وتدني الأسعار حتي دولارين مقابل الجندي الواحد، وأحيانا بضع جرامات من الهيروين والمخدرات إضافة إلي تكرار حوادث بيع الأسلحة والمعدات العسكرية والشاحنات بل وأسرار التحركات العسكرية.
وبالعودة إلى أمريكا فقد كانت هناك خطة جرى إعدادها في سراديب الإدارة الأمريكية في مطلع تسعينيات القرن الماضي تستهدف تقسيم روسيا إلى 52 ولاية أو جمهورية أو دويلة ، وفي نهاية الثمانينيات ثم في التسعينيات من القرن 20 تم تقديم دعم لا محدود للحركات الانفصالية في البلطيق وفي شمال القوقاز والمعارضة الليبرالية في قلب روسيا لإعادة تنصيب بوريس يلتسين لفترة ولاية ثانية في 1996 . وأقامت أمريكا غرفة عمليات لانتخاب يلتسين في مقر “موفديها” ممن كانوا يقيمون في فندق بريزدنت التابع لإدارة الكرملين، وتعاون الأمريكيون بشكل مكشوف مع ابنته تاتيانا التي كانت حلقة الوصل بين أبيها وأساطين المال والأعمال الذين كان معظمهم يهود موالين للولايات المتحدة واسرائيل التي يقيم الكثير منهم في اسرائيل ويتمتعون بجنسيتها حتى الآن.
ويرى كثير من خبراء الشأن الروسي والسوفيتي أن اليهود كانوا خلف شعارات جورباتشوف البريسترويكا “التجديد الفكري” والجلاسونست “الشفافية والصراحة”.
ورغم أن قضية الشيشان إسلامية وهي قضية عادلة لأمة محتلة منذ قرنين من الزمان، وهو أمر يحتاج التفصيل في مكان آخر إلا أن ما يهمنا الآن أن الأمريكان استغلوا القضية الشيشانية بنفس طريقة القضية الأفغانية ، بتمويل مالي ودعم إعلامي لتفكيك روسيا ( الشيشان وشمال القوقاز) بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي “أفغانستان” وإن كانوا مدوا الأفغان بأسلحة أمريكية متطورة كصواريخ ستينجر المحمولة علي الكتف لإسقاط الطائرات، فإن الشيشان لم يكن ينقصهم السلاح من مصادر روسية ، والتي تركت لهم عن عمد في إطار الصراع الداخلي بين يلتسين وجورباتشوف ، فتم تقديم الدعم المالي عن طريق تركيا “قبل أردوجان” وأذاربيجان المجاورة التي أصبحت صديقة لأمريكا والإمارات والأردن حيث توجد أكبر جالية شيشانية. ومن العجيب أن في فترة استقلال الشيشان القصيرة كانت لجروزني رحلات جوية مباشرة مع تركيا وأفغانستان وباكستان والإمارات العربية.
وطبعا باعت أمريكا الشيشان في إطار المساومات مع يلتسين ثم بوتين.
ولكن ماذا عن دور اليهود في سقوط الاتحاد السوفيتي؟ طبعا كان هذا متساوقا مع الدور الأمريكي والغربي عموما، ولكن كانوا هم حصان طروادة، هم يعملون من الداخل ويعششون في مفاصل وأعصاب الدولة الروسية ، السوفيتية، وهم روس يحملون الجنسية الروسية لا الولاء لروسيا .
كان دورهم الأول في ذروة قوة الاتحاد السوفيتي – لعب دور المنشقين المعارضين فكانوا يهربون للخارج ويديرون آلة الإعلام المعادية للنظام السوفيتي في السبعينيات والثمانينيات وكان بعضهم يبقي في الاتحاد السوفيتي محميا بالإعلام الغربي،
وتحدثوا عن القمع والاستبداد عموما، ولكنهم بدأوا يثيروا مسألة حق اليهود في الهجرة إلى إسرائيل حيث كانوا يمنعون من السفر، وكان كثير منهم يريد الهجرة لأمريكا لا لاسرائيل، وقد نجحت الحملة . بعد عدة سنوات وافق الاتحاد السوفيتي وسمح لهم بالهجرة حيث سافر عدة ملايين يهودي دعموا الوجود السكاني في اسرائيل وإن كان عدد لا بأس به لم يكونوا يهودا ولكن ساعين لحياة أفضل، واستفادت بهم اسرائيل لأنها تريد أيدي عاملة وقوي سكانية، ولكن كيف تطور دور اليهود ؟ ولماذا يحتفظ بوتين بعلاقات جيدة مع اسرائيل؟

9

بوتين

تجربة بوتين تستحق الدراسة لنتعلم كثيرا من الدروس منها وهى ليست تجربة فريدة فى عالمنا المعاصر بل تتعدد الأمثلة فى هذا المسار . فليست روسيا بوتين وحدها هى التى استطاعت الانتقال من تحت الركام الى الصفوف الأولى بين الأمم خلال عشرين عاما أى خلال عقدين اى فى أقل من جيل واحد . وهذا ما يجب ان تفهمه شعوبنا بل وتفهمه نخبتنا قبل الشعوب، لان النخبة هى القادة، والقادة هم من يقودون المجتمعات نحو الازدهار أو نحو الخراب!. 

الأمثلة على النهوض السريع أى خلال عقدين من الزمان كثيرة ومنها : الصين وماليزيا والنمور الآسيوية والبرازيل والهند واليابان والمانيا.

رأينا كيف فقدت روسيا ( كقائدة للاتحاد السوفيتى) كل دول أوروبا الشرقية وكل دول البلطيق وكل الجمهوريات الاسيوية خلال شهور قليلة
فقد وضع جورباتشوف رئيس الاتحاد السوفيتى الجمهوريات ذات الحكم الذاتى على قدم المساواة مع الجمهوريات ، أى سلب رئيس روسيا يلتسين السيطرة على 16 من الجمهوريات ذات الحكم الذاتى التابعة له ومساحتها 51 % من روسيا وتمتلك ثلثى النفط وثروات أخرى !
ثم فقدت روسيا نفسها ربع أراضيها .. وتحولت الى متسول للمعونات والقروض، ودولة عظمى متقاعدة لا تملك صرف المرتبات للعاملين ( كبارا وصغارا) وكيف باعت اقتصادها بأبخس الأثمان .. الخ ) بين ١٩٨٥ – ١٩٩٩) هذا ما نسميه تحت الصفر – والان فى ٢٠١٩ – زمن كتابة هذه الدراسة – عادت روسيا لتكون بين العشرة الكبار – بعد ان تولى بوتن الحكم فى ١٩٩٩/ ٢٠٠٠ و استفادت قوتها العسكرية بحيث أصبحت أقوى من امريكا فى بعض المجالات الأساسية (الصواريخ) ومنافسا خطيرا فى مجال الاقمار الصناعية التجسسية وذات الطابع الحربى ، واستعادت السيطرة على أهم مواردها وهو النفط والغاز ، واستعادت الدولة هيبتها، و تم وقف عملية تفكيك الدولة بعمليات انفصالية – باستخدام القوة المسلحة، واستعادت الدولة السيطرة على العملية الانتاجية والاقتصادية عموما وبدأت أحوال الناس المعيشية تتحسن واستعادت القوات المسلحة هيبتها، وكذلك تمت السيطرة على الانفلات الاعلامى الذى كان من أهم عوامل تداعى الدولة. وفى الاقتصاد والاعلام كانت المعركة الاساسية ضد اليهود الذين سبطروا خلال فترة حكم جورباتشوف ويلتسين على هذين المجالين الاستراتيجيين: (١٩٩٥ – ١٩٩٩) وهم بالتعاون مع امريكا قادوا عملية تفكيك الدولة وإفلاسها.
روسيا الآن تصنع غواصات تمكث تحت الماء مئات الأيام دوم انقطاع وصنعت صواريخ مجنحة بلا مدى أو مسار، وبسرعة قياسية تفوق سرعة الصوت مرات عديدة، وأسلحة ليزر – وقامت بثورة اليكترونية حقيقية الى حد سهل لها الاختراق الالكترونى لدوائر الادارة الامريكية.
وبالعودة للغوصات الروسية، فقد اصبحت نشيطة فى المحيط الاطلنطى والقطب الشمالى حيث بإمكانها الآن التنصت على الكابلات البحرية الضوئية الامريكية والتى تنقل المعلومات والاتصالات على مدى 550 ألف ميل، وهذا خطر على أسرار البنتاجون (وزارة الدفاع الامريكية) كما يمكنها قطع هذه الكابلات عند الضرورة ! وتعمل الغواصات الروسية (والصينية أيضا) بالطاقة النووية وهذا ما يعطيها أبعادا أطول ويساعد فى بقائها طويلا تحت الماء . وتم تصنيع غواصة روسية تعمل فى الاستشعارعن بعد وتغوص لأعماق أبعد وتقرر تقارير استراتيجية غربية أن الاسطول الروسى يزداد عددا وعدة بينما يتراجع حلف الناتو فى المجال البحرى، أما الأسطول الأمريكي فمبعثر فى شتى أنحاء العالم ويحتاج لتجديدات باهظة التكالف، وتراجعت لديه بسبب ذلك أولوية حماية الكابلات البحرية، وهكذا تندفع روسيا أكثر فأكثر من البر الى البحر (نقطة ضعفها التاريخية ).
أما بالنسبة للاقمار الصناعية فأن روسيا (والصين أيضا) تمتلك الآن تدمير الأقمار الصناعية المعادية لها باستخدام صواريخ تنطلق من الأرض أو عن طريق الصدمات الهندسية المتعمدة التى تشل الاتصالات فى الفضاء. أصبح الفضاء نقطة ضعف لامريكا عسكريا اقتصاديا فى مواجهة تحديثات روسيا والصين لقدراتهما فى حرب الفضاء بصورة مستمرة وقوية لذلك تخاف القيادات العسكرية الامريكية من تقدمهما فى مجال التشويش وتدمير الاقمار الصناعية. وهذا سبب طلب البنتاجون 14 مليار دولار اضافية فى ميزانية عام 2020 لهذا الامر .
ووفقا للاحصاء الدولى قد جاءت روسيا فى المرتبة الثانية عالميا فى مجال أفضل الدول فى التعليم، وجاءت فنلندا فى المركز الاول ولم تأت امريكا فى العشر الاوائل إحصاء عام2019.
نسبة العلماء فى العلوم المتقدمة لكل مليون نسمة ، حققت روسيا رقما قريبا من الولايات المتحدة 2979 مقابل 4313 لامريكا (2019) .

الوضع الاقتصادى:
لا شك أن روسيا ركزت على الجانب العسكرى واستعادت مجدها سريعاً في مواجهة أمريكا وأصبحت تهددها فعلياً ، كما كانت في آواخر عهد بريجينيف قى الثمانينيات من القرن العشرين. ولم تحقق إنجازات باهرة في مجال الاقتصاد كالصين. ولكن لا يعني هذا أن الإقتصاد الروسي لم يستعد عافيته وإلا لما استطاع تمويل هذه النهضة العسكرية ، و لما استطاع الشعب تحمل بوتين عشرين سنة.
في المنتدي الاقتصادي الدوري في بطرسبرج في مايو 2018.. عقدت روسيا مع المشاركين الأجانب صفقات تجاوزت 700 مليار روبل. وقالت لا جارد وكانت تتولي صندوق النقد الدولي في ذلك الوقت (إن روسيا تجاوزت عجز الميزانية وخفضت البطالة) وأعلنت اليابان (على لسان رئيس الوزراء آبي الذي كان حاضرا) أن اليابان استحدثت وزارة خاصة للتعاون مع روسيا، وقد تم تدشين 130 مشروعا مشتركا أبرزها في مجال الطاقة. وتشارك شركة توتال الفرنسية في مشروع نقل الغاز الروسي لليابان.
وقد تمكنت روسيا من كسر حاجز العقوبات الإميريكية وتقدمت في مشروع الطاقة مع أوروبا (نقل الغاز بالتعاون مع شركات أوروبية) وهو الأمر الذي أغضب إميريكا خاصة من ألمانيا.
كل هذا التقدم العسكري – الإقتصادي – التكنولوجي كان تمزيقا فعليا للمخطط الإميريكي – فقد تسرب عقب غزو العراق تقرير للبنتاجون (وزارة الدفاع الإميريكة 2003) يؤكد فيه (منع المنافسين المحتملين حتي من التفكير أو الطموح في لعب دور إقليمي أو عالمي أكبر- استمرار التعامل مع روسيا كمصدر للتهديد النووي الوحيد – ومنعها من أن تصبح مرة ثانية قوة تكنولوجية من الطراز الأول)..
وكان بريجنسكي (مسئول الأمن القومي) وكذلك هنري كيسنجر (مسئول الأمن القومي السابق) في أمريكا قد ذكر مرارا في كتبهم أن روسيا كدولة عظمي منافسة فقاعة كاذبة وانتهت!
أبخازيا وأوكرانيا
قبل دور روسيا في سوريا وليبيا، بدأت روسيا تنتفض لإستعادة بعض أراضيها. وبدأت بأبخازيا وفي تناقض عجيب مع مسألة الشيشان، فإن سكان مقاطعة أبخازيا مسلمون ويريدون الإستقلال عن جورجيا المسيحية، ووقفت روسيا مع الأبخاز للاستقلال عن جورجيا التي كانت قد استقلت عنوة عن الاتحاد السوفيتي، والمعروف عن الجورجيين التعصب المسيحي. ومن المفارقات أن الروس تعاونوا مع الشيشان في القتال مع مسلمي أبخازيا ضد جورجيا وشارك في هذه الحرب شامل باسايف القائد الشيشاني وأبلي بلاء حسنا في القتال حتي شغل منصب نائب وزير دفاع أبخازيا وهناك أيضا كان سلمان رادويف صهر دودايف رئيس الشيشان في ذلك الوقت..
(أبخازيا كانت مصدر من مصادر المماليك الذين جاوءا لمصر ومنهم الأباظية فى محافظة الشرقية بمصر، والأباظية تحريف لكلمة أبخازيا) وبطبيعة الحال فإن روسيا لم تقاتل معهم دفاعا عن الإسلام ولكن لكسب حليف وصديق جديد، واستعادة جزء من الآراضي السوفيتية المفقودة، ولقد استقلت أبخازيا بالفعل، ولها علاقة خاصة مع روسيا حتي الآن، والغرب لم يستطع التدخل بل فوجئ بهذه المبادرة الروسية. ورغم صغر حجم أبخازيا فقد كانت أول علامة على بداية الارتداد الروسي. ولم يكن الارتداد الروسي عسكريا بالضرورة بل أخذ شكل تحسين العلاقات الاقتصادية مع معظم الجمهوريات الأسيوية التي استقلت، وأقامت معها رابطة إقتصادية أورآسيوية، وأفضل العلاقات الآن مع كازاخستان. أما الارتداد العسكري الأكبر فـكان في أوكرانيا..
وقد لا تهمنا هذه القضية أصلا لأنها مسألة أوروبية – أوروبية ولكننا نعرض لها سريعا في إطار رسم ملامح الاسترداد الروسي، ولكشف عدوانية الغرب تجاه روسيا والكيل بعشرين مكيال حسب مصالحهم.
شبه جزيرة القرم جزيرة أوكرانية حاليا وهى معبر روسيا للبحر الأسود ولها ميناء سبستبول على البحر منذ أيام الاتحاد السوفيتى وشبه جزيرة القرم= البحر الأسود = المياه الدافئة = أى تساوى الوصول للبحر المتوسط بسهولة . فى عشرينيات القرن الماضى، حاولت واشنطن شراء شبه جزيرة القرم لتحويلها الى وطن قومى لليهود (ضمن المشروعات المتعددة لهذا الوطن!).
وكان لينين قائد الثورة الروسية فى مواجهة ظروف روسيا الصعبة.
قد رهنها لأمريكا مقابل 20 مليون دولار!! وهذا ما دفع خروتشوف فيما بعد الى إهدائها لأوكرانيا (وهو أوكرانى!) خشبه مصادرتها. المهم أن شبه جزيرة القرم لم تكن يوما فى التاريخ تابعة لأوكرانيا قبل أن يقرر خورتشوف إهداءها لأوكرانيا عام 1954، وكانت أوكرانيا كلها جزءاً من الاتحاد السوفيتى!
بوتين دخل بالجيش الروسى حيث يعيش فى هذه المناطق أغلبية روسية وضمها بعملية سلمية أى بدون قتال، وأجرى استفتاء بذلك عام 2014 ووافق السكان لأنهم روس أصلا!! وشارك فى الاستفتاء 80 % من السكان وصوت 95% منهم لصالح العودة إلى روسيا .

دانيل لازار محلل أمريكى نزيه (وقليل ماهم) أوضح أبعاد القضية حين كتب: إن ضم روسيا للقرم والتدخل فى مشروع أوكرانيا حدث بعد قيام القوى اليمينية الحديثة (هو سماها نازية) فى العاصمة كييف بمساعدة واشنطن بالاطاحة برئيس منتخب مما تسبب فى انهيار الدولة الاوكرانية وهروب الاوكرانيين من أصل روسى شرق أوكرانيا وطلب الحماية من موسكو. (وأشار لمسألة خروتشوف) ليؤكد أن القرم كانت فى الأصل جزءا من روسيا). وتحدث عن الاستفتاء فى القرم وكيف وافقت فيه الاغلبية الساحقة على الانضمام للاتحاد الروسي؟ ووفقا لتصريحات فكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الامريكية فى ذلك الوقت فقد انفقت واشنطن5 مليارات لاثارة هذه القلائل المأسوية ثم ألقت اللوم على روسيا بشأن عواقب ما صنعته هى نفسها بأيديها.
ثم تحدث لازار عن دور أمريكا وتركيا وقطر فى ادخال عشرات الآلاف من المسلحين الى سوريا فى 2011 / 2012 .. الخ.
ويقول فولكهارد فيندفور رئيس جمعية المراسلين الاجانب فى مصر وهو ألمانى (أوكرانيا .. هذا الأقليم كان المنطقة الصناعية الأساسية فى روسية القيصرية وكثير من سكانها روس يتحدثون اللغة الروسية الى يومنا هذا، وبعد هزيمة الامبراطورية الروسية فى حربها ضد المانيا فى ربيع 1918 وقعت روسيا لينين اتفاقية استسلام مهينة (اتفاقية برست ليتوفسك) قضت بانشاء دولة أوكرانيا وهو كيان سياسي أراد الالمان جعله دولة تابعة لنفوذ برلين. كما ان الجيش الالمانى فصل بهذه المنافسة منطقة دونتس الصناعية عن روسيا وضمها الى دولة أوكرانيا الناشئة باسم شرق أوكرانيا. وقام الجنود الالمان بحماية حدود أوكرانيا “الألمانية” حتى هزيمة المانيا فى الحرب العالمية الأولى.).
معلومات أخرى: أن القرم خضعت لروسيا رسميا بين 1784 – 1954.
وكنا قد أشرنا الى كييف (عاصمة أوكرانيا الحالية) كثانى أهم إمارة فى روسيا بعد موسكو قبل أقامة الدولة الروسية الموحدة فى عهد بطرس الأكبر.
كل العقوبات الغربية الأخيرة بدأت على روسيا بمناسبة أزمة أوكرانيا رغم أن روسيا كانت (كافية خيرها شرها) والأمريكان هم الذين صنعوا الأزمة عن طريق تدبير عملية الأطاحة برئيس أوكراني شرعى منتخب لأنه متعاون مع موسكو.
فى خضم الأزمة أعلن بوتين أن روسيا لن تتخلى عن القرم مهما كان الأمر، وأن القرم بالنسبة للروس، مثل القدس بالنسبة للمسلمين!!
الدروس العامة للنهضة الروسية خلال 20 سنة:

1) إذكاء الروح القومية، وإشعال الحس الوطنى وكان هذا أساسيا بعد أن تعرضت روسيا لأشد أنواع المهانة بين 1985 – 1999.
2) إعادة الاعتبار للقوات المسلحة التى أهينت أشد الاهانة فى مواجهة أمريكا حيث اعتبرت الطرف المهزوم بالإضافة لحالة الانحلال التى ضربت الجيش الروسى وتحدثنا عنها.
وكذلك اعادة الاعتبار للأجهزة الأمنية المهتمة بالأمن القومى (كي.جي.بي .) المخابرات التى عمل بها بوتين.
3) استخدام الأجهزة التى كانت عماد النظام الشيوعى، كنوع من التنظيم الطليعى لاعادة بناء الدولة المحطمة فإن انتهى الايمان بالشيوعية. فهذه الأجهزة لا تزال تؤمن بروسيا كوطن، وبالقوة الروسية.
4) لم يكتف بوتن بالقوة الأمنية والعسكرية لأنه لم يسع – ولم يكن ممكنا – تصفية كل مظاهر الديمقراطية والعودة التامة للديكتاتورية السابقة، فأنشأ حزب الوحدة الذى لعب دوراً أساسيا فى اصدار التشريعات الملائمة فى البرلمان بعد أن حقق نجاحا فى الانتخابات مع أحزاب حليفة أخرى.
5) وكل هذا لم يكن ممكنا بدون أعادة السيطرة على الاعلام الذى كان قد اصبح فى قبضة اليهود والطبقة الأوليجاركية (المالية) الجديدة ومعظمها من اليهود. ومن أهم انجازات بوتن هذه الطفرة فى الأداء الاعلامى الروسى بحيث أصبح منافسا جدياً للاعلام الغربي على عكس الاعلام الشيوعى السابق المتخلف. وأصبح الاعلام أساساً الأن وبقوته الضاربة فى يد الدولة الصاعدة من جديد.
6) أيضا لم يكن ذلك ممكنا بدون تحسين الوضع الاقتصادى، وهذا لم يحدث بدون إعادة عقارب الساعة الى الوراء، بإستعادة دور القطاع العام لأن الطبقة الرأسمالية الجديدة كانت فاسدة وقامت على فساد عملية الخصخصة وكانت موالية لأمريكا وفى القلب من كل ذلك تأميم موارد النفط والغاز وهو أهم مورد للبلاد.
7) ادارة عجلة البحث العلمى والتطوير التكنولوجى الحربي والسلمى.
8) بعد سنوات من استجماع القوى واستعادة السيطرة على مفاصل الدولة وصد الاختراق الأجنبي بدأت روسيا تنتقل من الدفاع الى الهجوم: ابخازيا – أوكرانيا – ثم الأن سوريا – ليبيا (فى اطار الصراع مع أمريكا وليس من أجل الضم كما هو الحال فى أبخازيا) ومن أهم الانجازات فى هذا المجال: الالكترونيات، فروسيا تسعى الأن الى إنشاء انترنت مستقل عن الانترنت العالمى الأمريكى – وبدأت تخترق الدفاعات الالكترونية الأمريكية – وبدأنا نسمع صراخا عجيبا فى أمريكا عن تدخل روسيا فى الانتخابات، واستخدامها للفيس بوك لاسقاط هلارى كلينتون وانجاح ترامب، بل وقيل ذلك عن تأثير روسيا الاعلامى (من خلال الفيس بوك) على الانتخابات الفرنسية والأوروبية عموماً.
جاء الزمن لتشكو أمريكا من التدخل فى انتخاباتها! وهى التى لم تترك انتخابات لم تتدخل فيها فى كل انحاء العالم وعلى رأس ذلك الدول الشيوعية المتداعية. وهنا نجد الموضوع ذى شقين:
1) اتهام روسيا بإنها تروج إشاعات وأخبار كاذبة عبر الفيس بوك وشبكات التواصل الاجتماعى. وهو فى النهاية عمل اعلامى ..
2) الصراخ الأمريكي الأخر يتعلق بالاعلام الروسي الصريح والموجه باللغة الانجليزية وأنه بدأ يؤثر داخل المجتمع الأمريكيى وبدأت عمليات التضييق على المراسلين الروس فى الولايات المتحدة (ثم حدث ذلك مع الصحفيين الصينيين).
ولا يدرك خطورة هذا التحول إلا من عاش فى عهد إزدهار الشيوعية حيث كان الاعلام الروسى (والصينى) نموذجاً صارخاً للفشل والعبط حيث كان مجرد نشرات تصدر عن مصلحة الاستعلامات فى جمل مكررة سقيمة دون أى فنون صحفية أو اعلامية ودون أى معلومات مفيدة، ودون مخاطبة للعقل. والصراع الاعلامى أهم من الصراع النووى، لأن القنابل النووية لن تستخدم، غالبا. أما الاعلام فهو يقلب الرأى العام ويصنع ظواهر جماهيرية مختلفة، ويعطى مصداقية للمتحدث ويضعف مصداقية العدو حتى فى عيون جماهيره.
9) كما بدأت روسيا تستعيد نفوذها تدريجيا فى الجمهوريات الأسيوية المستقلة عنها. وتعزز التعاون معها، وحدث نفس الشيء على الجانب الآخر فى أوروبا الشرقية، خاصة مع تكرار الانهيار الاقتصادى الذى حدث فى روسيا فى هذه البلدان، وان خفف من ذلك أن الغرب فتح الباب لهذه الدول لتدخل فى السوق الأوروبية المشتركة والناتو، مما أعطاها بعض الأمل وأن لم يحل مشكلاتها الاقتصادية.
وأبرز مثال على ذلك .. المجر التى حكمها فيكتور أوربان فى 1998 والذى أصبح مناهضا لسياسة الاتحاد الأوروبي فى الهجرة، ومناهضا لمخططات اليهودى سوروس (وهو مجرى أمريكي) لتمويل الثورات الملونة وتمويل المؤسسات التعليمية والمنح الدراسية المجانية فى اطار توجه غربى. ويقوم أوربان بدعم المجريين المقيمين فى أوكرانيا ورومانيا وسلوفاكيا. وكانت المجر قد تعرضت لاقتطاع من أراضيها بعد الحرب العالمية الأولى (معاهدة تريانون 1920) وخرجت منها دول سلوفاكيا وكرواتيا وترانسلفانيا التى ضمت لرومانيا، بينما أعطيت أراضى فى شرق المجر لأوكرانيا، وبالتالى أصبحت المجر (وكان اسمها هنجاريا) دولة داخلية أى غير مطلة على البحر، ولذلك تكونت ما يسمى مجموعة فيشاجراد تضم مع المجر سلوفاكيا وتشكيا وبولنده تشاطر المجر نفس الموقف من الهجرة. وتقيم المجر حاليا علاقات قوية مع روسيا بوتين وتجرى زيارات رئاسية متبادلة. وتم الاتفاق على بناء مفاعلين نوويين روسيين بالاضافة ل4 مفاعلات فى العهد السوفيتى تغطى 50% من احتياجات الطاقة المجرية مع وعد روسي بتأمين الطاقة عموما حتى عام 2021.
كذلك تمكنت روسيا من الاحتفاظ بعلاقة خاصة مع روسيا البيضاء (بيلاروسيا) وتقيم علاقات جيدة الأن مع النمسا، وروسيا مهتمة بتشجيع صعود ظاهرة اليمين المتطرف فى أوروبا، والأكثر أهمية أن أوروبا تمردت بشكل متصاعد على الموقف الأمريكي تجاه روسيا ومقاطعتها، وبدأت تطوير علاقاتها مع روسيا فى الغاز وغير الغاز وكذلك مع الصين!! نجحت روسيا (والصين) فى احداث تصدع فى الجبهة الغربية.
ولكن لا يزال مطلوباً تقديم معلومات حول مسألة اليهود فى روسيا. ومسألة اسرائيل.

10

         بوتين .. واليهود .. واسرائيل

اليهود فى روسيا أيدوا التدخلات الخارجية فى عموم روسيا وكانوا حصان طروادة داخل الكرملين وفى مقدمتهم أثرياء روسيا الجدد من اليهود الروس: بوريس بيريزوفسكى الذى نجح فى إقناع يلتسين بتعيينه نائباً لسكرتير مجلس الأمن القومى الروسي رغم تمتعه بالجنسية الاسرائيلية، وفلاديمير جوسينسكى صاحب الامبراطورية الاعلامية. وكان من أباطرة النفط فى روسيا رومان ابراموفيتش. أما ميخائيل خودوركوفسكى اليهودى فقد كان رئيس شركة يوكوس البترولية العملاقة وقضى 8 سنوات فى سيبريا (على يد بوتين) ونفى زميله ومساهمه الرئيسى ليونيد نفزلين الى اسرائيل على غرار صاحب الثروة الهائلة وامبراطور الاعلام فلاديمير جوسينسكى (المشار إليه سابقا) الذى هرب لاسرائيل. أما بوريس بيريزونسكى الذى وصل ال موقع نائب سكرتير مجلس الامن القومى فقد هرب الى لندن ولم يعد لروسيا.]عقيدة الصدمة – نعومى كلاين[

ضربات بوتين لرؤساء اليهود هذه هى التى انعشت الاقتصاد باستعادة الثروات البترولية (الغاز) وتحرير الاعلام من قبضة اليهود ، وكان ذلك عبر تحريك قضايا فساد ضدهم فاعتقل البعض وهرب البعض.
كان الملياردير اليهودى بوريس بيريزوفسكى بعد تولى منصبه الامنى السبب فى فتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من عمليات تهريب الاموال والثروات وازدهار اقتصاد الظل (السوق السوداء).
أما فلاديمير جوسينسكى صاحب أكبر إمبراطورية اعلامية “ميديا موست” فقد كان يتولى منصب رئيس المؤتمر اليهودى الروسى وقد قام بدور فعال فى تنشيط عمليات (سوق الرهائن) التى تورط فيها الشيشان، فقد دفع بوريس بيريزوفسكى مليون دولار لقاء الافراج عن اثنين من مراسلى تليفزيون أوه آر تى الذى يملك نسبة كبيرة من أسهمه. وكان هو الذى يقوم بعمليات الوساطة ثم عاد وتوسط للافراج عن مراسلى تلفزيون إن تى فى لقاء مبلغ مماثل. وفى النهاية هرب من روسيا مع نهاية 2000.

مواجهة بوتين للوبى اليهودى:
كان بوتن يدرك ان المؤسسة العسكرية والطغمة المالية وأجهزة الاعلام هى أبرز وأهم القوى فى المجتمع الروسي، ولم تكن لديه مشكلة كبيرة فى كسب المؤسسة العسكرية وهو منها أما الطرفان الآخران فكان لابد من المواجهة، واليهود هم القاسم المشترك فى الطرفين : المال – الاعلام).
كما قلنا كانت مؤسسة ميديا موست هى القوة الاعلامية العظمى تتبعها شركة ان تى فى (تلفزيون) – وهى من أقوى القنوات التلفزيونية فى روسيا، وإذاعة “صدى موسكو” وصحيفة “سيفودنيا”ومجلة (ايتوجى) التى تصدر بالتعاون مع مجلة “نيوزويك” الامريكية وكانت تناهض بوتين منذ توليه لمنصب رئاسة الحكومة (قبل الرئاسة) ورأت المؤسسة اليهودية ان تولى بوتين لرئاسة الحكومة هو تمهيد لتوليه الرئاسة فبدأت فى الترويج لمرشحين منافسين 1) يورى لوجوت عمدة موسكو وهو صديق قديم لفلاديمير جوسينسكى رئيس المؤتمر اليهودى 2) يفجينى بريماكوف رئيس الحكومة الأسبق الذى كانت لديه من الحسابات القديمة مع جهاز الكرملين ما يريد تصفيته.
ولكن مؤسسة ميديا موست وقفت فى النهاية مع جريجورى بافلينسكى وهو يهودى بكل قوة ضد بوتين فى انتخابات الرئاسة، وكانت أمريكا تدعم سياسياً هذا التوجه الاعلامى السياسى،ولكن بوتين فاز كما هو معلوم. وقام بوتن باعتقال آندريه بابيتسكى الصحفى الروسى اليهودى وأحد أعمدة اذاعة ليبرتى الأمريكية فى موسكو. وأمر بمداهمة مقار مؤسسة “ميديا موست” ثم اعتقال صاحبها فلاديمير جوسينسكى والذى أفرج عنه فيما بعد حيث سرعان ما هرب الى الخارج حيث اعتقلته السلطات الاسبانية بناء على طلب تقدمت به موسكو الى الانتربول.
وقد كان بوتين يدرك علاقة اليهود بالفساد والذى اعترى عملية الخصخصة وعمليات تهريب الأموال التى بلغت فى مجملها عشرين مليار دولار. اليهود كانوا أداة أساسية فى يد أمريكا من الداخل لتدمير روسيا وحتى لاتقوم على أقدامها من جديد. وكان بوتين يعلم من خلال موقعه حجم التسلل اليهودى إلى مؤسسة الكرملين والذى تم فى البداية عبر تاتيانا ابنة الرئيس السابق يلتسين حيث وصل اللوبى اليهودى إلى حد شراء أبرز رجالات الكرملين ماليا عن طريق بيريزوفسكى الذى راكم مئات الملايين من الدولارات خلال سنوات معدودة واعترف بنفسه ان ذلك تم بسبب قصور أو غياب القوانين !!
ودعما لجوسينسكى إمبراطور الاعلام حرص الرئيس الأمريكى بيل كلينتون على زيارة إذاعة ” صدى موسكو ” التى يملكها جوسينسكى حيث تحدث هناك حول حرية الاعلام والكلمة فى روسيا . وعندما تم إعتقال جوسينسكى فى قضايا فساد قامت حملات إعلامية واسعة للتضامن معه فى الداخل والخراج بالإضافة للاعلانات الرسمية الصادرة عن الدوائر الرسمية الأمريكية . بينما واصلت النيابة التحقيق فى عدم مشروعية خصخصة شركة تلفزيون ” الفيديو الروسى ” التى اشتراها جوسينسكى فى سان بطرسبرج .
والحقيقة ان بوتين حرك هذه القضية لأول مرة عندما كان يتولى منصب النائب الأول لعمدة المدينة وفى ظل مسئوليته عن قطاع العلاقات الاقتصادية الخارجية . وهكذا فإن معركة بوتين مع اليهود بدأت مبكرا .
وبالإضافة لمجموعة ميديا موست كانت هناك مجموعة لوجوفاز التى يملكها اليهودى لآخر بوريس بيزوفسكى ، ومجموعة أوينكسيم بنك التى يملكها فلاديمير بوتابين فضلا عن مؤسسات غاز بروم وبنك اس بى اس أجرو والتى تتنافس كلها فى الساحة الاعلامية . أما ميديا موست فقد كانت تمتلك بالإضافة لما ذكرناه مجلة ليتسا و أوبشايا جازيتا فضلا عن حصتها فى صحيفة معاريف الاسرائيلية وعدد من القنوات الفضائية . أما مجموعة لوجافاز المعروفة بمجموعة بيرزوفسكى فتملك ” الصحيفة المستقلة ” ومجلة ” أجونيوك” وصحيفة ” كوميرسانت ” إلى جانب حصتها فى القناة الأولى والقناة السادسة للتلفزيون الروسى وكذلك صحيفة أزفيستا الجديدة. وبذلك كانت القوة الضاربة فى السوق الاعلامية بعيدة عن قبضة الدولة التى لم تعد تسيطر عمليا سوى على وكالة أنباء “ايتارتاس”و “نوفوستى” والقناة الثانية الرسمية ونسبة من أسهم القناة الأولى وإذاعتى روسيا رماياك والصحيفة الروسية والأخبار الروسية.
وفى النهاية تم تشتيت اليهود كما ذكرنا ما بين السجون أو الهروب للخارج، ونعنى اساساً أكبر زعماء اليهود.
ولكن بوتين لم يشن حربا استئصالية ضد اليهود بطبيعة الحال، ولم يكرر ما فعله بعض القياصرة من قبل إزاءهم. فهذا لا تسمح به الظروق المحلية ولا الدولية، كما أن اليهود لا يزالوا مؤثرين فى المجال الاقتصادى. ولكن الأهم من ذلك هو العلاقة مع اسرائيل كما ذكرنا فإن روسيا تعترف بإسرائيل منذ بدايتها الأولى ولكن كانت العلاقات فاترة حتى مرت عشر سنوات بدون أى زيارات رسمية بين البلدين ثم جاء العدوان الثلاثى (1956) فتوترت العلاقات بينهما ثم جاءت 1967 فقطعت روسيا (الاتحاد السوفيتى) العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
أما بوتين فهو فى معركة كبرى مصيرية مع أمريكا، وهو يدرك نوايا أمريكا تجاه روسيا بل هى نوايا معلنة . فبعد فشل مخطط تفكيك روسيا الاتحادية (بعد نجاح تفكيك الاتحاد السوفيتى) لا تزال أمريكا تعمل على تقويض القوة الروسية بحصارها وإضعافها ، ورغم ما قيل عن أن روسيا ساعدت فى نجاح ترامب، إلا أن ترامب يكاد ينهى فترته الرئاسية الاولى دون أى لقاء رسمى مع بوتين سواء فى واشنطن أو موسكو وحدثت بعض اللقاءات الهامشية فى المؤتمرات الدولية بينهما، والعلاقات متخمة بالمشكلات والعقوبات ونقاط الاحتكاك الخلافية فى عدة حاور متفرقة من العالم : فنزويلا – أوكرانيا – سوريا – ايران – تركيا -. وافتعال خلافات وتضخيمها كتهم التجسس، وقتل الجاسوس الروسي فى انجلترا ( الجاسوس المزدوج) – والتأثير فى الانتخابات الامريكية. وفى سوريا وصل الأمر الى حد مخاطر الاصطدام المسلح المباشر أكثر من مرة. علاقات اسرائيل الدولية مع أمريكا فى ظل مشاركة اليهود فى حكم أمريكا ثم أهمية اسرائيل فى جدول الأعمال الأمريكى فى الشرق الأوسط، كل ذلك يضعه بوتين فى الحساب، فهو رغم اصراره المميت على استمرار تصاعد روسيا كقوة عظمى، إلا أنه حريص بلا شك على عدم التورط النووى مع أمريكا، وعدم التورط فى أى صدام عسكرى تقليدى بينهما يفتح المجال لمخاطر الصدام النووى. كذلك فإنه حريص على أن يكون الصراع منضبطا فى حدود معينة مراعاة لظروف روسيا الاقتصادية والتى لا تزال أقل من أمريكا والصين والهند واليابان والمانيا. علاقة روسيا مع اسرائيل تخفف من حدة الصراع مع أمريكا، مع تقدير استمرار أهمية اليهود فى روسيا، وعلى أرضية أن روسيا كباقى دول العالم لا توافق على إزالة اسرائيل.
ولكن يظل التحالف الاساسي لروسيا وفى اطار مصالحها. كما هو واضح فى الشرق الاوسط مع جبهة المقاومة ايران – العراق – سوريا – لبنان – المقاومة الفلسيطينية- وأخيرا مع طالبان.
وروسيا – التى تم استدعاؤها للصراع المسلح فى سوريا باعتبار ان الطرف الآخر مدعوم وممول وموجه من أمريكا وتركيا وقطر والسعودية – أثبتت أنها متمسكة بموقعهإ إلى حد أنها الآن على وشك خسارة علاقتها بتركيا بسبب الصراع فى إدلب حيث انكشف دور تركيا كحليف اساسي للنصرة – أى القاعدة. وأعطت روسيا صواريخ اس 300 لسوريا مما قوى دفاعاتها الجوية.
وقد حدث موقف كشف صلابة الموقف الروسي حين هدد ترامب بقصف سوريا ردا على مزاعم استخدام النظام السورى لأسلحة كيماوية – وفى اطار الصراع الدولى من المفترض أن تسلم أمريكا بأن سوريا منطقة نفوذ روسي ولا تتدخل فيها عسكرياً بصورة مباشرة وكانت هذه هى القاعدة المتوافق عليها طوال الحرب الباردة.
ولكن ترامب أعلن أنه سيضرب سوريا خلال 24 ساعة، فأعلنت روسيا على لسان سفيرها فى لبنان أن روسيا سترد على مصدر النيران على سوريا وهو أمريحتمل ضرب السفن الامركية فى البحر المتوسط، أو أى قاعدة أمريكية أخرى تنطلق منها الطائرات أو الصواريخ. وفى القنوات السرية أبلغت روسيا أن هذا التهديد جدي، وهو يؤكد ثقة روسيا فى تفوقها العسكرى الصاروخى وأنها لا تخشى أى مواجهة مع أمريكا. فحدثت أغرب مساومة فى التاريخ تكشف ضعف وانحدار القوة الأمريكية إذ اتصل العسكريون الأمريكيون بالروس ليطلبوا حفظ ماء الوجه للرئيس الامريكى، وانه لابد أن يضرب ضربة ما حتى لا يحنث بتعهده ، وتم الاتفاق على القيام بضربة أمريكية رمزية بدون خسائر، مع تحديد الأهداف التى ستضرب لاخلائها من أى قوات سورية!! وقد استمرت هذه المشاورات عدة أيام ولم يوف ترامب بتعهده بضرب سوريا خلال 24 ساعة. ولكن
بعد يومين أو ثلاثة وبعد الاتفاق مع الرئيس الروسي قام الامريكان بضربتهم الرمزية والشكلية على مطار الشعيرات و3 أهداف أخرى بدون أى خسائر بشرية للجيش السورى!!.
نحن لا نقيم السياسة الدولية لأى دولة من خلال التصريحات وحدها بل من خلال الأعمال أساساً ثم ربط الأعمال بالتصريحات. ولكن بعض التصريحات يكون مهما جداً فى حد ذاته خاصة عندما لا يتعارض مع الافعال. وهنا نتوقف عند تصريحين روسيين.
1) فى اطار تصاعد التوتر بين روسيا وأمريكا واعلان بوتين المتكرر أنه أصبح يمتلك صواريخ مجنحة عابرة القارات لا يمكن اصطيادها أو رصدها. وأن روسيا أصبحت تمتلك تفوقا تكنولوجيا تحتاج أمريكا لعدة سنوات للحاق به فى مجال الصواريخ. وهذا الأمر الذى لم تستطع أمريكا نفيه.
فى خضم هذه الحمى أعلن بوتين فى أحد خطاباته أن روسيا مستعدة عند الضرورة للمواجهة النووية. وأن قتلى روسيا سيدخلون الجنة!!
الأغلب ان بوتن لم يتخل عن إلحاده وهذا يظهر فى مجمل خطاباته وسلوكه، حتى وأن أعاد النظام الروسي الاحترام للكنيسة الارثوذكسية. ومع ذلك فقد كان يخاطب الجماهير الروسية لأن الحرب النووية لا يمكن أن تكون خسائرها فى جانب واحد دون الآخر، فحتى لو تفوقت روسيا فليس معنى ذلك عدم قدرة أمريكا على ارسال عدة صواريخ نووية للأراضى الروسية.
حتى وان كان من خلال الغواصات. كان بوتين يحتاج لهذا الخطاب الايمانى لتعبئة شعبه (نصف المؤمن بالدين المسيحى) ضد مخاطر الصدام مع أمريكا. وكان تنشيط دور الكنيسه قد بدأ فى عهد ستالين إبان الغزو الالمانى النازى.
2) عندما سقطت طائرة روسية تحمل عدداً من كبار الضباط الروس بصواريخ سورية عن طريق الخطأ، ولكن بسبب تداخل الطائرات الاسرائيلية فى المجال الجوى. وبعد دراسة تقنية اتهمت روسيا اسرائيل بأنها المتسببة فى هذا الخطأ، وأنها لم تبلغ روسيا بتحرك طائراتها. وحدثت أزمة كبرى بين البلدين. ورفض بوتين استقبال نتنياهو، بل رفض استقبال وزير الدفاع الاسرائيلى عندما جاء للاعتذار. وأعلنت روسيا ان على اسرائيل أن تحترم الأجواء السورية لأنها بهذا الخرق لا تحترم الوجود العسكرى الروسي فى سوريا. ورفضت اسرئيل هذه الاملاءات، وتحدث وزير الدفاع الاسرائيلى بمنتهى العنف، وأن اسرائيل تعرف ماذا تفعل وأن روسيا لا تستطيع أن تحدد لها مجال عملها، بل ان سلاح الطيران الاسرائيلى أكثر خبرة من سلاح الطيران الروسي. وكانت هذه إهانة غير مسموح بها للعسكرية الروسية. فخرج وزير الدفاع الروسي على التليفزيون الرسمى وأعلن على الهواء .. أن هذه التصريحات غير مقبولة وأن روسيا قادرة على إزالة اسرائيل من الوجود خلال يومين!! وتراجعت اسرائيل منذ ذلك الحين فإن الطائرات الاسرائيلية لا تدخل المجال الجوى السورى، ولكنها تضرب – على مسافات متباعدة أكثر من قبل – بالصواريخ من على متن طائرات فوق الجولان المحتل أو فوق البحر المتوسط أو فوق لبنان. تضرب أهدافاً إيرانية فى سوريا. وفى المقابل أعطت روسيا فى ذلك التوقيت اس 300 لسوريا المضاد للسواريخ والطائرات.

وفى النهاية نحن لا نحتاج موافقة روسيا (أو غيرها) على تحرير فلسطين فهذا ما سيفعله المسلمون بسواعدهم. ولكن نحن لم نصل بعد الى لحظة تحرير فلسطين، وحتى نصل الى هذه اللحظة، فيجب أن نستفيد من السلاح الروسيى والصينى، بل لابد قبل الوصول الى لحظة تحرير فلسطين أن نكون قد أعددنا ترسانتنا المسلحة بأيدى العرب والمسلمين. والكافية للتحرير. ولمصر تجربة عريقة فى التصنيع الحربي وأمامنا الآن تجربة إيران فى بناء ترسانتها المسلحة بأيدى علمائها ومصانعها . ومن الناحية السياسية وفى خضم هذا الصراع الدائر مع اسرائيل وأمريكا من أجل حريتنا جميعا كعرب ومسلمين وليس لتحرير فلسطين فحسب فلابد من الاستفادة من هذا التوازن الدولى الجديد بين روسيا والصين المتحالفتين من ناحية وأمريكا من ناحية أخرى. بل لابد أن نستغل حالة التشقق فى الجبهة الغربية بين أمريكا وأوروبا ، وأيضا التشقق داخل أوروبا نفسها بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وتعاظم الخلافات بين مختلف الدول الأوروبية عموماً.
انتهى

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: