سبتة ومليلية .. شاهدٌ من أهلها

محمد أحمد بنيس

أحدثت تصريحات الأكاديمية ووزيرة الإسكان السابقة في حكومة خوسي لويس ثاباتيرو ما بين 2004 و2007، ماريا أنطونيا طروخيّو، بشأن المدينتين المغربيتين المحتلتين؛ سبتة ومليلية، جدلاً واسعاً في إسبانيا، بعد أن اعتبرت، في ندوةٍ دوليةٍ نُظمت في تطوان نهاية الأسبوع المنصرم، أن ”سبتة ومليلية والجزر الجعفرية تمثل إهانة للوحدة الترابية للمغرب، واحتلالها يتعارض مع استقلاله الاقتصادي والسياسي والعلاقات الطيبة بين البلدين”. وقالت ”لمطالبة المغرب بالسيادة على المدينتين ما يبرّرها، لأنها جزء من أيديولوجيته الوطنية، وليس في وسعه التخلي عنها”. وعلى الرغم من السياق الثقافي الذي اندرجت فيه هذه التصريحات، إلا أنها قوبلت باستنكار مختلف مكونات الطبقة السياسية الإسبانية، لا سيما داخل الحزب الاشتراكي العمّالي الذي تنتمي إليه ماريا طروخِيّو، إلى درجة أن الجمعية العمومية في سبتة (البرلمان المحلي) تستعد لعقد جلسة استثنائية من أجل إصدار قرار يعتبرها شخصاً غير مرغوب فيه في المدينة.

لا يعيد ما قالته ماريا طروخيو إلى واجهة النقاش العمومي، في إسبانيا، ملفَّ المدينتين المحتلتين فقط، بل يكشف، أيضاً، مأزق النخب الإسبانية في هذا الخصوص، بعد أن أضحى الملف أكثر ارتهاناً للتحولات الجيوسياسية في جنوب المتوسط، والتي يسعى المغرب إلى استخلاص عائداتها بما يُفضي إلى تغيير ميزان القوى، ولو نسبياً، في مواجهة جارته الشمالية. وسبق أن خصّت مراكزُ بحثٍ وتفكيرٍ إسبانيةٌ معروفةٌ الملف بتقارير، تُحذّر، في معظمها، من التحالفات الدولية الجديدة للمغرب وتأثيرها على إعادة تموضعه في المنطقة، بما يسمح له بتطوير استراتيجية سلمية، بعيدة المدى، تتوخّى استرجاع المدينتين من دون التورّط في مواجهة عسكرية غير محسوبة مع الإسبان.

اللافت في واقعة ماريا طروخيّو أنها نطقت بما يتحرّج سياسيون وناشطون ومثقفون إسبان من قوله، علناً، بشأن الاحتلال الإسباني للمدينتين، وذلك بسبب الجذور اليمينية والاستعمارية للثقافة السياسية الإسبانية، التي ينهل اليمين واليسار من مَعينها وإنْ بدرجات متفاوتة، إذ إن الخروج عن ”الإجماع الوطني” على إسبانيةِ المدينتين أصبح كما لو أنه يتعارض مع التوافقات الكبرى التي قام عليها التحول الديمقراطي في إسبانيا في نهاية سبعينيات القرن الماضي. بمعنى أن ذلك سيكون، من المنظور الإسباني طبعاً، مكلفاً للدولة والمجتمع على أكثر من صعيد، وسيؤثّر على النسيج الوطني، الهش أصلاً، ويفتح المجال أمام المطالبة بالاستقلال في أكثر من إقليم، ويُقوّض الأسس التي قامت عليها الدولة الإسبانية المعاصرة.

سبق ساسةٌ ودبلوماسيون إسبان ماريا طروخيو إلى ما قالته في ندوة تطوان، وبالأخص داخل اليسار الإسباني. ولا يزال صدى ما أورده الدبلوماسي الإسباني الراحل ماكْسيمو كاخال، في كتابه ”سبتة، مليلية، أُوليبينْثا وجبل طارق.. أين تنتهي حدود إسبانيا؟”، الصادر في 2003، يتردد في إسبانيا، وقد اعتبر أن بلاده مطالبة بإعادة سبتة ومليلية إلى المغرب قبل مطالبتها باسترجاع صخرة جبل طارق من بريطانيا. وقد كلفه ذلك الفصل من الحزب الاشتراكي العمّالي الذي كان ينتمي إليه. ويكاد لا يختلف ما صرّحت به ماريا طروخيو عمّا جاء في كتاب كاخال؛ فقد تساءلت: “لماذا تُعتبر سبتة ومليلية جزءاً من التراب الإسباني، إذا كانتا تقعان، جغرافياً، في أفريقيا؟”. لا يعزّز هذا التساؤل فقط الأطروحة المغربية بشأن المدينتين، بل يكشف أيضاً التناقض البنيوي الذي تنطوي عليه العلاقات المغربية الإسبانية، فإسبانيا لا تفتأ تؤكّد سيادتها، التي لا تقبل النقاش، عليهما، في حين لا يتوقف المغرب عن المطالبة باسترجاعهما منذ استقلاله (1956)، مستنداً في ذلك إلى حقائق التاريخ والجغرافيا والهوية، وإنْ ظلت هذه المطالبة، دائماً، محكومةً بالتوازنات الإقليمية في جنوب المتوسط وتكاليف إدارة نزاع الصحراء، غير أن ذلك لم يمنع، يوماً، البلدين من تطوير علاقاتهما، على الرغم من أن هناك قضية تصفية استعمار لا تزال عالقة بينهما.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: