ودائع البنوك الأميركية تتراجع بمئات المليارات في شهور

من المتوقع أن يثير تراجع الودائع المصرفية بالبنوك الأميركية في الربع الثاني من العام الجاري جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة حول التداعيات السلبية للزيادات السريعة والكبيرة لأسعار الفائدة على القطاع المصرفي في البلاد. ويواصل بنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، رفع سعر الفائدة على أمل مكافحة التضخم، ويمنح البنك أولوية للزيادة على مستقبل الأعمال التجارية ومخاوف الركود الاقتصادي. ومن المتوقع إضافة زيادة جديدة يوم 21 سبتمبر/أيلول الجاري نسبتها 0.75%.

وقالت هيئة تأمين الودائع الفيدرالية الأميركية إن الإيداعات بالمصارف الأميركية تراجعت بقيمة 370 مليار دولار في الربع الثاني من العام الجاري. وحسب بيانات الهيئة التي نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” أمس الثلاثاء، فإن إيداعات البنوك التجارية الأميركية تراجعت من 19.932 تريليون دولار في نهاية مارس/آذار الماضي إلى 19.532 تريليون دولار في 30 يونيو/حزيران الماضي.

وحسب تحليل بصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن هذا التراجع لا يمثل مشكلة في الوقت الراهن بالنسبة للبنوك الأميركية الغنية بالأموال، حيث ارتفعت قيمة إيداعاتها بنحو 5 تريليونات دولار خلال العامين الماضيين. واستفادت البنوك التجارية الأميركية منذ النصف الثاني من العام 2020 من أموال التحفيز الضخمة التي ضخها بنك الاحتياط الفيدرالي والحكومة الأميركية في الاقتصاد لإنقاذ البلاد من تداعيات جائحة كورونا.

ويرجّح اقتصاديون أنّ تراجُع الإيداعات بالبنوك التجارية يعود إلى سياسة بنك الاحتياط الفيدرالي تشديد السياسة النقدية عبر رفع الفائدة السريع والكبير على الدولار، ويرون أن الفيدرالي يرغب في تحريك السيولة الضخمة التي تراكمت لدى البنوك التجارية الأميركية إلى سندات الخزانة التي تدفع عائداً أكبر لأصحاب الحسابات المصرفية مقارنة بما يحصلون عليه من حساباتهم المصرفية. ويعني تراجع حجم الإيداعات في البنوك التجارية انخفاض حجم احتياطاتها مع البنك المركزي الأميركي.
وعادة حينما يرفع مجلس الاحتياط الفائدة على الدولار، فإن ذلك يقود تلقائياً إلى زيادة ربحية المصارف من نشاط الإقراض، لأنه يرفع من العوائد المالية التي تحصل عليها البنوك من الفارق بين ما تدفعه لأصحاب الإيداعات وبين الفائدة التي تحصل عليها من استثمار أموالهم.

اقتصاد دولي

انكماش الاقتصاد الأميركي في الربع الثاني 0.9% يعمّق مخاوف الركود

وحسب تحليل في نشرة “إنفستوبيديا” الأميركية، فإن البنوك التجارية تحصل في بعض الأحيان على فارق يصل إلى نسبة واحد في المائة من استثمار أموال المودعين، أي من الفارق بين الفائدة التي تدفعها للمودعين والفائدة التي تحصل عليها من المقترضين.
وقياساً لحجم الإبداعات بحوزتها، وتقارب قيمتها نحو 20 ترليون دولار، فإن المصارف ستحصل على عوائد ضخمة في حال انتعاش الدورة الاقتصادية في أميركا. ولكن حتى الآن فإن البنوك التجارية في أميركا وأوروبا تعاني من التراجع الكبير في عوائد المصارف التي تحصل عليها عادة من الاكتتاب في أسواق المال ومن صفقات الحيازة والدمج. وحسب وكالة “ستاندرد اند بورز انتيليجنس”، فإن أرباح بنوك الاستثمار التي هي في أغلبها فروع للبنوك الكبرى في أميركا وأوروبا، عانت خلال الربعين الأول والثاني من العام الجاري من قلة صفقات الاكتتابات في أسواق المال، وكذلك من التراجع الكبير في صفقات الحيازة والدمج.
ويعزو تحليل “ستاندرد اند بورز” هذا التراجع إلى عاملين، هما الحرب الروسية في أوكرانيا التي رفعت من عدم اليقين حول مستقبل الاستقرار السياسي في أوروبا الغربية وطرحت أسئلة حول مصير “النظام العالمي” القائم حالياً، أما العامل الثاني فيعود إلى الزيادات السريعة التي أقرتها البنوك المركزية لمكافحة التضخم ورفعت من احتمال دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود الاقتصادي أو حتى الر كود التضخمي. وهذه العوامل غير المطمئنة دفعت الشركات الكبرى إلى تجميد التوسع الاستثماري ووقف عمليات شراء الأعمال التجارية وضمها إلى أعمالها القائمة.
ولاحظت “ستاندرد اند بورز” أن البنوك الاستثمارية لجأت لتعويض خسائرها عبر صفقات “البيع على المكشوف” للأسهم التي بحوزتها. وتقوم هذه الاستراتيجية على إقراض الأسهم التي بحوزتها على أمل شرائها لاحقاً بأسعار منخفضة. وكانت أسعار الأسهم قد بلغت أعلى مستوياتها في بداية العام الجاري قبل الغزو الروسي لأوكرانيا. ويؤثر الارتفاع السريع في الفائدة الأميركية على قطاعات رئيسية في الاقتصاد وعلى رأسها عمليات القروض العقارية، التي تعد من مصادر الأرباح الرئيسية. وتتخوف المصارف الأميركية في الوقت الراهن من حدوث إفلاسات تضطرها لرصد مخصصات ضخمة خلال العام الجاري. وهذه المخاوف تدفع البنوك التجارية لتشديد عمليات تقديم القروض للشركات والأفراد في الولايات المتحدة.

مشتريات المساكن بلندن تعاني من تشديد البنوك لشروط القروض العقارية (Getty)

اقتصاد دولي

دورة انتعاش أسعار المساكن العالمية تحت تهديد الدولار القوي

لكن في مقابل هذه المخاوف يرى مصرف “جي بي مورغان” الأميركي في مذكرة، يوم الإثنين، أن الاقتصاد الأميركي قد يتفادى الركود الاقتصادي، وأن احتمال “الهبوط الناعم” أصبح السيناريو الأكثر احتمالا للاقتصاد العالمي.
وحسب وكالة بلومبيرغ، أوضح استراتيجيو البنك الأميركي في المذكرة أن البيانات الأخيرة في الولايات المتحدة وأوروبا تشير إلى اعتدال التضخم وخفة الضغوط الخاصة بأسعار الغاز الطبيعي وبعض السلع الغذائية. ويرى مصرف “جي بي مورغان” أن العالم قد يتفادى الركود الاقتصادي، وأن الأسواق يمكن أن تستفيد من التحفيز المالي في الصين وخطط دعم الطاقة في أوروبا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: