سحق الضفة الغربية بين رحى المداهمات وتهديد الاجتياح – مصطفى اللدواى

ما زال الخلاف محتدماً لدى صناع القرار الأمني والعسكري الإسرائيلي، فضلاً عن حالة الإرباك العامة التي أصابت حكومة تصريف الأعمال، عشية اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الخامسة، فيما يتعلق بالأسلوب الأفضل والشكل الأنسب للتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، لضبط الأمن فيها، وتحقيق الاستقرار، وتفكيك المجموعات الأمنية والخلايا المسلحة، واعتقال الناشطين والمشتبه فيهم، وإحباط العمليات المتوقعة وتحييد الشخصيات الخطرة، وتأمين المستوطنين وحمايتهم وممتلكاتهم.

يتفاقم الخلاف وتتعقد الحلول الممكنة في ظل تزايد عمليات المقاومة التي تنفذها قطاعات فلسطينية مختلفة، من مختلف الشرائح الاجتماعية والطبقات العمرية، ومن سكان المدن والمخيمات والبلدات على السواء، وما تلحقه هذه العمليات سواء نجحت أو فشلت، من نتائج سلبية على المجتمع الإسرائيلي، سواء كانت نتائجها سقوط قتلى ووقوع جرحى، أو تسببت في حدوث حالاتٍ من الخوف والفزع، والاضطرابات النفسية التي يتعقد علاجها ويطول زمنها، وتتفاقم مع مرور الوقت نتائجها السيئة، بكل ما تعنية من تداعيات مقلقة على الأسر اللصيقة والمجتمعات القريبة، والكلفة العالية التي يتطلبها العلاج والرعاية والمتابعة، حيث تشير سجلات الأطباء النفسيين، والمصحات النفسية الإسرائيلية العامة، إلى تزايد أعداد المرضى نفسياً، وارتفاع عدد المراجعين لهم، نتيجة الخوف والهلع والإحساس بدنو الخطر منهم.

أمام هذا الواقع المقلق تتعالى أصواتٌ إسرائيلية ومن بينها صوت وزيرة داخلية العدو إيليت شاكيد وغيرها، تدعو رئيس الحكومة يائير لابيد والمجلس الأمني المصغر، إلى سرعة الانعقاد واتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ من شأنها التعجيل بشن عملية عسكرية واسعة وشاملة، تطال كل مناطق الضفة الغربية، ولا تقتصر على محافظتي نابلس وجنين، وإن كانتا الأكثر سخونة وفعالية، والتي فيهما تجري أغلب عمليات المقاومة، ومنهما تنطلق إلى بقية المناطق، إلا أن اقتصار الحملة العسكرية عليهما من وجهة نظرهم، يعني انتقال الخطر منهما إلى غيرهما من المناطق، التي تبدي استعدادها لأن تتبع خطواتهما وتنفذ عملياتٍ موجعة مثلها.

يرى هذا الفريق أن الاجتياح الشامل، وتنفيذ عملية واسعة تشبه عملية “السور الواقي”، هي الوسيلة الأنجع والأسرع، وهي السبيل الوحيد لضمان أمن المستوطنات، والتخلص من حالة الصداع المزمن التي تعيشها الحكومة والأجهزة الأمنية، والسلطات المحلية للبلديات والمستوطنات، التي باتت مستنفرة على مدى الساعة، تحرس وتراقب وترسل المعلومات، وتعتقد أن وسيلتها لدفع الخطر وجلب الأمن واستعادة الحياة الطبيعية، لا تتحقق إلا باجتياحٍ جديدٍ لجميع مناطق الضفة الغربية، وإعادة تقسيمها وتصنيفها وفرض نظام أمني وعسكري شديد عليها.

أما الفريق الآخر، الذي يمثله قادة الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتهم رئيس الشين بيت “الأمن الداخلي الإسرائيلي”، ومعهم قطاع غير قليل من قدامى الأمنيين والعسكريين، وعدد من كبار الضباط المتقاعدين، ونخبٌ من الباحثين والمهتمين الاستراتيجيين، فيرون أن اجتياح الضفة الغربية ضمن عملية عسكرية واسعة وشاملة، بما يشبه عملية السور الواقي عام 2002، يعتبر خطأً استراتيجياً فادحاً، وسيكبد جيشهم خسائر فادحة، وسيوسع دائرة العنف، وسيدفع عناصر السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية للمشاركة في عمليات المقاومة، والانخراط في صفوف الانتفاضة إذا اندلعت.

يفضل هذا الفريق الحفاظ على شكل العمليات الأمنية الجارية، وتكثيفها إن تطلب الأمر، وتوسيعها في أكثر من مكان، ولا يرون بأساً في تزامنها، على ألا يبقى الجيش في المناطق، وإنما ينسحب بعد كل عملية، وبذا يتجنبون الخسائر الكبيرة في عناصر الجيش والوحدات الخاصة، وينأون بأنفسهم عن اعتراض الإدارة الأمريكية وبعض الدول العربية التي تتفهم عملياتها الأمنية، بينما لا تقوى على احتمال حربٍ أو اجتياحٍ واسعٍ للضفة الغربية، فضلاً عن أن كرة اللهب قد تخرج عن السيطرة وتكبر، ويعجز الجيش عن ضبطها في مكانها، فتتسع لتشمل كامل الضفة الغربية، وتطال البلدات العربية في عمق الكيان.

كما ينظر هذا الفريق بعين الخطورة إلى أن مثل هذه العملية قد تسقط السلطة الفلسطينية الضعيفة أصلاً، وقد تودي بهيبتها وتنهي سلطتها، ويفلت زمام الأمن من يديها، وتعم الانتفاضة كل الضفة الغربية وغيرها، وقد تنخرط عناصرها في صفوف المقاومة، وهي عناصر مدربة ومؤهلة، ولديها أسلحة وعندها خبرة، وحينها سيجد الجيش نفسه في مواجهة شديدة ودائمة مع الفلسطينيين، وهذا ما لا يرغب به الجيش، وما لم يستعد له.

بين هذين الخيارين، وتحت وقع سنابك هذين الفريقين، تمضي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قمع الضفة الغربية وسحق أهلها، والاعتداء على سكانها، فتجتاح مناطقها كل يومٍ وتقتل أبناءها، وتعتقل العشرات من رجالها ونسائها، وتعيث فساداً فيها، وتستمر في عملياتها العدوانية بما يجعل منها اجتياحاً كاملاً وحرباً شاملةً، تفرض على الفلسطينيين جميعاً مواجهتهم والتصدي لهم، وهو ما يقومون به يومياً، وقد أظهروا للعدو صموداً وثباتاً، وعناداً وإصراراً، وقوةً وعزيمةً، ولا أظنهم سيسمحون له بالتفرد بمناطقهم، ولا ببسط سيادته عليهم من جديدٍ، وإخضاعهم لقوته مرةً أخرى.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: