انقسام فى الحزب الديموقراطى الامريكى حول قضية فلسطين

قال موقع ‘خمسمائة وثمانية وثلاثون’، وهو موقع موثوق بشأن استطلاعات الرأي السياسية، ذات سجل ثري بالتوقعات والتكهنات الصائبة، أن المزيد من المزيد من الديمقراطيين الأميركيين ‘أعضاء الحزب الديمقراطي’ يؤيدون القضية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى ، الأمر الذي يؤدي إلى انقسام الحزب.
وقال الموقع في استطلاع نشره يوم الجمعة الماضي، ‘أن تأييد القضية الفلسطينية بين الشباب ’18-29′ ارتفع بشكل ملحوظ في السنوات الأخير الماضية، الأمر الذي يضع الحزب في مأزق بشأن رسالته، خاصةً وأن التقليديين في الحزب الديمقراطي كانت حتى وقت قريب، مؤيدة لإسرائيل بشكل كبير، بغض النظر عن التصرفات الإسرائيلية، التي الآن باتت أكثر تعرضا للفحص والانتقاد من قبل الديمقراطيين’.
ويستشهد الموقع بتطور موقف طالبة جامعية شابة، اسمها تالي بن دانيال طالبة التي كانت تتجول في حرم ‘جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز’، في فصل خريف 2001، عندما صادفت ملصقًا مكتوبًا عليه ‘فلسطين حرة’، وهي عبارة لم تكن تسمع بها الطالبة ‘الإسرائيلية الأصل’ من كما لم يكن لديها أي سياق لمعرفة ما يعنيه الملصق، ولكنها اليوم أصبحت من المدافعين الأشاوس عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وتشغل حاليًا منصب المدير الإداري لمنظمة ‘صوت اليهود من أجل السلام’، وهي ‘منظمة تتحدى الطريقة التي تعامل بها الحكومة الإسرائيلية الفلسطينيين’ وفق وصف المنظمة.
ويقول الموقع في تقريره المطول: ‘بشكل عام، كان دعم الولايات المتحدة لإسرائيل موقفًا شائعًا لا جدال فيه على جانبي الممر ‘الجمهوري أو الديمقراطي’، في حين أن تداعيات 11 أيلول أدت إلى تعميق علاقة الأميركيين بإسرائيل من منظور التضامن ضد الإرهاب الذي يدعيه المتطرفون الإسلاميون، وحتى بين أولئك المهتمين بالقضية الفلسطينية، تشبث الكثيرون بالتفاؤل العابر بأن اتفاقيات أوسلو في التسعينيات يمكن أن تسفر عن حل الدولتين السلمي للإسرائيليين والفلسطينيين.
ويشير التقرير إلى أنه في عام 2001، عندما استطلعت جالوب الأميركيين حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كانت الآراء واضحة ومتسقة: 16% فقط من الأميركيين تعاطفوا أكثر مع الفلسطينيين، بينما 51% تعاطفوا أكثر مع إسرائيل، حيث أن في ذلك الوقت لم تكن هذه قضية حزبية بشكل خاص.
أما الآن، بحسب الموقع ‘بعد عقدين من الزمن، تغير المشهد وارتفعت نسبة الأميركيين الأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين إلى 26%. وقد تضاعف هذا الدعم بين الديمقراطيين، حيث أفاد 38% من الديمقراطيين بأنهم يشعرون بمزيد من التعاطف مع الفلسطينيين’.
ويعزو التقرير الاستطلاعي إلى أن هذا التغير حدث بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، والطريقة التي تُشاهد بها الحرب في جميع أنحاء العالم عبر تلك الوسائل – خاصة بين الشباب – وقد يؤدي الوعي المتزايد بعدم المساواة الاجتماعية في الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل الطريقة التي ينظر بها بعض الأميركيين إلى الصراع على المستوى الدولي أيضًا، ‘لكن الأهم من ذلك كله، أن المسألة الفلسطينية الإسرائيلية أصبحت موضوعًا يجسد قضية الهوية الحزبية الداخلية للديمقراطيين، وهو موضوع دفع الليبراليين بشكل متزايد إلى إعادة النظر في ما يشكل سياسة تقدمية’.
ويسلط التقرير الضوء على الحرب الإسرائيلية على غزة التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم 8 تموز 2014 كنقطة تحول، حيث أنه وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل 73 إسرائيليًا – 67 جنديًا وستة مدنيين، في حين قتل 2251 فلسطينيًا بينهم 551 طفلاً، وبحسب قول دوف واكسمان، مدير مركز Y&S Nazarian للدراسات الإسرائيلية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إن أعداد الضحايا هذه أثرت على الطريقة التي رأى بها العالم الصراع، ورواية الدفاع عن النفس كالمبرر التي قدمها الجيش الإسرائيلي، لم تكن مقبولة عالميًا خارج إسرائيل.
ويشير الباحث إلى ‘أن عام 2014 كان أول تصعيد واسع النطاق في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وفي السنوات التي تلت ذلك، أشار الباحثون إلى الطرق التي أعادت بها وسائل التواصل الاجتماعي تأطير كيفية مراقبة المجتمع الدولي للحرب في الوقت الفعلي ‘بينما يحدث’، سواء على مدار العقد الماضي مع الفلسطينيين أو مع الأوكرانيين هذا العام’، وفي حين أن الملصقات لا تحظى بالزخم الذي قد يخلق ‘صدمة’، فإن النقل المباشر لما يجري على الأرض وكيف يعني الشعب الفلسطيني في غزة ترسل الآن فوريا إلى جميع أنحاء العالم، وحتى ذلك الحين، كانت معظم المعلومات واسعة النطاق ، لا سيما حول الحياة في غزة، تأتي من خلال وسائل الإعلام الرئيسية، أما الآن فقد اختلف الوضع بسبب فوريته ورؤية ما يجري بكل تفاصيله.
قالت بن دانيال: ‘في ذلك الصيف، كان الأمر واضحًا جدًا، إلى أي مدى كان العنف غير متناسب، غالبًا ما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن دفاعها عن ذاتها، لكن أصبح من الواضح أن هناك جانبًا واحدًا يتحكم بشن حرب مدمرة’ هو الجيش الإسرائيلي’.
ويقول الموقع أن موقف بن دانيال، يشير إلى التغير في منظور الأميركيين، بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أيضًا – مع حدوث هذا التغير ‘إلى جانب الفلسطينيين’ بوضوح وبشكل خاص بين الأميركيين الأصغر سنًا.
يذكر أنه وفقًا لبيانات مركز بيو PEW للأبحاث من شهر آذار الماضي، فإن 61 في المائة من البالغين الأميركيين دون سن الثلاثين لديهم نظرة إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني، مقارنة بـ 56 في المائة ممن لديهم وجهة نظر إيجابية تجاه الشعب الإسرائيلي.
وتعتقد بن دانيال أنه من المهم أن هؤلاء الشباب الأميركيين كانوا أيضًا يشهدون حركات حقوق مدنية متنامية في الداخل الأميركي.
وتقول بن دانيال ‘في نفس الوقت تقريبًا، كانت حركة حياة السود مهمة تعود إلى الظهور مرة أخرى، وإن التحالفات بين الناس في مدينة فيرجسون [ولاية ميسوري] والفلسطينيين، على سبيل المثال، بدأت بالتصاعد، وغيرت الوعي بشكل عام.
وهي تعتقد أن العنف في غزة في عام 2014 ودعم حركة ‘حياة السود مهمة’ التي حدثت بموازاة ذلك، وبدعم من وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في تعميم المقارنات بالنزاع من خلال موازاة وحشية الشرطة في الولايات المتحدة مع تكتيكات جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة.
وقال واكسمان: ‘إن ذلك يساعد في تفسير سبب تحول الموقف المؤيد لفلسطين إلى وجه من جوانب الهوية التقدمية والديمقراطية. ‘في الماضي، كان يُنظر إلى دعم إسرائيل على أنه يتماشى مع القيم الليبرالية أو يتماشى معها، وبشكل متزايد، يُنظر إليه على أنه يتعارض مع المعتقدات والقيم الليبرالية’.
حدث هذا التحول في المقام الأول بين الديمقراطيين الأكثر ليبرالية، يشير استطلاع رأي جالوب في فبراير إلى أن الديمقراطيين الليبراليين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقارنة بالديمقراطيين ككل، بنسبة 52 في المائة إلى 38 في المائة، لا يزال الأعضاء المعتدلون والمحافظون في الحزب يميلون إلى التعاطف أكثر مع الإسرائيليين.
ويقول الموقع ‘هذا بالضبط ما رأيناه مع مجموعة صغيرة ولكنها متزايدة من السياسيين، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Pew Research في نيسان 2016 اتساع الفجوة في هذه القضية بين مؤيدي هيلاري كلينتون وأنصار السناتور بيرني ساندرز.
وفي الوقت نفسه، فإن أعضاء الكونغرس الأكثر تأييدًا للفلسطينيين – النائبة رشيدة طليب، وهي نفسها أميركية فلسطينية، والنائبة إلهان عمر، التي يجعلها حجابها تبدو مسلمة – انضموا أيضًا إلى الذراع اليساري للقطاع التقدمي من الحزب الديمقراطي، وهذا الانقسام بين الديمقراطيين المعتدلين والليبراليين حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يثير نقاشات متكررة داخل الحزب ‘الديمقراطي’ بشأن مجموعة من القضايا’.
ويشير الموقع إلى ازدياد نسبة تأييد إسرائيل بين القوى اليمينية في الحزب الجمهوري، كوان أن المحافظين ‘اليمينيين’ هم أكثر تعاطفًا مع إسرائيل من أي وقت مضى، ومن المثير للاهتمام أن المسيحيين الإنجيليين، الذين ينتمون بأغلبية ساحقة للحزب الجمهوري، يتحدثون عن معتقدات مؤيدة لإسرائيل أقوى من اليهود الأميركيين وفقًا لمركز بيو PEW.
ويعتقد كل من واكسمان وبن دانيال، أن تحالف ترامب الوثيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو، والقرار المثير للجدل بالاعتراف بالقدس – وهي مدينة متنازع عليها ‘وفق الموقع’ – والاعتراف بها كعاصمة فقط لإسرائيل، كان الدافع وراء فكرة الدعم غير المشروط لإسرائيل بين قوى اليمين.
ويقول واكسمان: ‘إن هذا يدل على حقيقة أنه في حين أن عقرب الساعة يتغير بالنسبة للديمقراطيين، فإنه لم يؤثر حقًا على السياسة بعد، ذلك لأنه بغض النظر عن هويتهم السياسية أو أعمارهم، فإن الأميركيين لا يصنفون إسرائيل على أنها قضية ذات أولوية عالية في حياتهم اليومية، أو قراراتهم الانتخابية’.

القدس، القدس، 27/9/2022

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: