أمريكا أولًا وليحترق العالم! – مى عزام

(1) أوربا تدفع الثمن

يبدو أن حل أزمة الطاقة التي تعاني منها بلدان الاتحاد الأوربي، جراء الحرب الأوكرانية، لن يأتي من بروكسل، فلقد صار لزامًا على كل دولة في الاتحاد أن تبحث عن حل فردي لأزمة الطاقة وغلاء المعيشة وارتفاع معدلات التضخم، ولقد تابعنا زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للجزائر، والمظاهرات الشعبية في العاصمة التشيكية “براغ” التي دعت إلى موقف حيادي تجاه روسيا، ورفض الرئيس المجري فيكتور أوربان تشديد العقوبات على روسيا، ومؤخرًا جولة المستشار الألماني أولاف شولتس لعدد من دول الخليج: السعودية والإمارات وقطر للبحث عن حلول عاجلة لتعويض نقص الغاز الروسي، ولقد استطاعت إيطاليا تأمين احتياجاتها من الطاقة عن طريق الجزائر والبقية تأتي.

على الجانب الآخر من الأطلسي، انخفضت أسعار الوقود في أمريكا، بعد تنفيذ خطة الرئيس بايدن، التي أقرها في مارس الماضي، حول إطلاق مليون برميل يوميًا على مدار 6 أشهر من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، صحيح أن احتياطي الطوارئ من البترول انخفض لأدنى معدل له منذ حوالي 38 عامًا في سبتمبر الحالي، لكن أمريكا استطاعت أن تخرج مؤقتًا من الأزمة، نجح بايدن في خفض أسعار الطاقة بالنسبة لمواطنيه وخفض التضخم، لكنه فشل في الأمر ذاته بالنسبة لأوربا، حيث لم تأت زيارته للسعودية بالنتائج المرجوة.

(2) أمريكا أولًا وليحترق العالم

الحد من صعود الصين وإضعاف روسيا هدف استراتيجي معلن لأمريكا، والأخيرة دفعت روسيا إلى الحرب بغرض استنزاف مواردها وإلحاق الهزيمة بها، واستغلت في ذلك حلفاءها الغربيين، كان يكفي لطمأنة روسيا إعلان أوكرانيا أنها لن تدخل الاتحاد الأوربي وحلف الناتو، لتظل دولة جوار محايدة ومأمونة الجانب بالنسبة لروسيا، فأمريكا لا يعنيها الخراب الذي ستلحقه هذه الحرب بأوكرانيا وتشريد شعبها، بل يهمها هزيمة روسيا حتى لو تسبب ذلك في إلحاق الأذى بالحلفاء الأوربيين، ويصب الأمر في النهاية لصالح أمريكا: ارتفاع الدولار مقابل اليورو والإسترليني.

ومن المتوقع أن ترفع أمريكا من مستوى المواجهة مع روسيا، بعد إعلان بوتين التعبئة العامة عسكريًا، وربما تزج أمريكا بدول أوربية أخرى في أتون الحرب الدائرة لتتوسع في لحظة جنون لتشمل أوربا كلها، ويصبح الخيار النووي مطروحًا ولا بديل عنه أمام روسيا المحاصرة.

لقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل في إجبار روسيا على الدخول في حرب مع أوكرانيا، وتحاول الأمر ذاته مع الصين باستفزازها مرة بزيارة نانسى بيلوسى لتايوان في أغسطس الماضي، وأخرى بزيارة وفد من ليتوانيا للجزيرة.

لا تختلف لعبة أمريكا حول تايوان عن لعبتها في أوكرانيا: جر الصين إلى حرب في وقت غير موات لها، ثم إشراك حلفاء الولايات المتحدة في المحيط الهادئ في الحرب.

كل خطوة تتخذها الصين طبقًا للسيناريو الأمريكي، ستؤدى إلى إضعافها وعرقلة صعودها، وأيضًا استنزاف حلفاء أمريكا في آسيا، أمريكا تتلاعب بحلفائها تمامًا كما تنتقم من منافسيها.

(3) تاريخ أمريكا: تاريخ حروب

الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر سبق أن انتقد بلاده، ووصفها بأنها أكثر دول العالم تورطًا في الحروب الخارجية مقارنة بعمرها القصير، ومنذ تأسيسها بوصفها دولة مستقلة في الرابع من يوليو عام 1776، لم تتوقف عن خوض الحروب.

لم تتعرض أمريكا لضربات عسكرية أو هجمات إرهابية من الخارج سوى مرتين، الأولى: الهجوم الياباني على بيرل هاربر في 7 ديسمبر عام 1941، والثانية الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر2001، فالإدارات الأمريكية المتتابعة حرصت على أن تنقل الحروب خارج حدودها، ومكنها وضعها الجغرافي من ذلك، بالإضافة إلى انتشار قواعدها العسكرية والتي تصل لنحو 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 70 دولة، هذا الانتشار ليس له مثيل في العالم، وهي الدولة صاحبة أكبر إنفاق عسكري في العالم، ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية أكبر من مجموع ميزانيات الدفاع لأكبر 10 دول في العالم بعدها.

 (4) الحروب القادمة مختلفة

الحرب الدائرة في أوكرانيا حرب اقتصادية في المقام الأول ترتدي الزي العسكري، وكذلك المتوقعة في تايوان، تحاول أمريكا عن طريق الحروب المخططة الاحتفاظ بوضعها الدولي كقطب أوحد صاحب أقوى جيش واقتصاد، ومن دون هذه الهيمنة ينهار الاقتصاد الأمريكي ومجتمع الرفاهية والوفرة.

استغلت أمريكا هيمنة الدولار بعد الحرب العالمية الثانية، لتحقيق مكاسب ضخمة ومن دون مجهود نتيجة تدفق ثروة العالم إليها.

الاقتصادي الأمريكي جون بيركنز في كتابه (اعترافات قاتل اقتصادي) الذي نشر عام 2004، يذكر كيف تلاعب “القتلة الاقتصاديون” الأمريكيون الذين يرتدون عباءة الاقتصاديين والمصرفيين والمستشارين الماليين الدوليين، بدول أخرى عن طريق الأدوات الاقتصادية، وخدعوا الدول النامية ليسقطوا في فخاخ اقتصادية معدة مسبقًا، وسيطروا بذلك على شريان الحياة الاقتصادي والموارد الطبيعية لهذه الدول، وجعلوا الأموال تتدفق إلى الولايات المتحدة باستمرار، وعززوا ووسعوا هيمنة الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم.

الولايات المتحدة تطبع دولارات والدول الأخرى في العالم تحول الموارد والبضائع إلى دولارات في التجارة العالمية، ثم تشتري سندات الخزانة الأمريكية والأوراق المالية للشركات بصفتها احتياطيات النقد الأجنبي، مما يمكن الدولار الأمريكي من التدفق مرة أخرى إلى الولايات المتحدة ودعم الاقتصاد الأمريكي.

هناك مجموعة من الاقتصاديات الكبرى الواعدة ترفض الهيمنة الأمريكية وتبحث عن مسارات أخرى مثل مجموعة “بريكس” وغيرها، ولو نجحت هذه الدول في استخدام عملاتها الوطنية في التجارة الدولية، فسيؤدى ذلك لخسائر فادحة للدولار وتنهار قيمته في التعاملات الدولية وسيكون لذلك تأثير مباشر في المواطن الأمريكي، ولن يكون في مأمن واستقرار كما أعتاد، كما أن الأسلحة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي التي لم تجرب حتى الآن لن تقف الحدود الجغرافية حاجزًا أمامها.

حين تتجاوز الأطماع حدود المعقول وتتسع ميادين الحروب والتنافس لن يكون أحد في مأمن!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: