الاصلاح السياسي في الأردن – محاضرة للدكتور لبيب قمحاوى

نص المحاضرة التي ألقيت في  منتدى الفحيص الثقافي يوم الثلاثاء الموافق 4/10/2022

بقلم : د. لبيب قمحاوي

.jolkamhawi@cessco.com

أيها السيدات والسادة،

الحديث في الاصلاح وعنه يفترض وجود دولة مكتملة المواصفات ذات دستور محترم ومؤسسات فاعلة يتم مخاطبتها في القضايا المتعلقة بالشأن العام ويتم توجيه المطالب لها باعتبارها المرجعية الوطنية المُؤتمنة على الحفاظ على مصالح الدولة والشعب وباعتبارها أيضاً الاطار لتنفيذ المطالب الشعبية المختلفة ومنها المطالب المتعلقة بالاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي .

الاصلاح يصبح مطلباً وطنياً عندما تفشل الدولة من خلال مؤسساتها في القيام بواجباتها المناطة بها دستورياً وبشكل سليم، خصوصاً عندما تكون مثل تلك الدولة تحت سيطرة نظام حكم مهيمن على كافة مؤسسات الدولة، لا يخضع للمساءلة أو المحاسبة ولا يقبل بها مهما فعل أو لم يفعل أو ارتكب من أخطاء أو مخالفات .

الاردن، أيها السيدات والسادة، لم يعد دولة كما كان قبل عقود قليلة مضت . أصبحت السيادة الوطنية في مهب الريح، كما أن مؤسسات الدولة الأردنية الدستورية والمدنية هي الآن في أدني درجات الفعالية والقدرة على الانجاز طبقاً لاحكام الدستور أو القوانين النافذة، وحتى بنية الدولة التحتية أو ما تبقى منها هي أيضاً في أدنى مستوى، ووضْعِها المتهالك قد أثَّرَ على فعاليتها وكفاءتها بشكل ملحوظ . وباختصار فإن  كامل  البنية التحتية  الأردنية وقد تم انجازها في عهد الملك حسين، لم يتم أي اضافة عليها أو تحديث لها منذ وفاة الملك حسين  باستثناء بعض المِنَح  القادمة من هذه الدولة أو تلك  . وهكذا يعيش الأردنيون الآن في ظل دولة قد تم العبث بمؤسساتها الدستورية التي تم إختطاف صلاحياتها . أما مؤسسات الدولة المدنية فقد أصبحت رهينة للمؤسسة الأمنية، في حين أن بنية الدولة التحتية قد أصبحت متهالكة، وقطاعها العام واستثماراتها الوطنية قد تم بيعها تحت ظروف تخلو من الشفافية، وكل هذا وذاك قد حَوَّل الدولة الى ظل باهت لما يجب أن تكون عليه الدولة الفاعلة .

إن العبث بدستور الدولة وقوانينهَا بهدف جعل مخالفة الدستور أمراً دستورياً أو مخالفة القانون  أمراً  قانونياً يعكس تبلور حالة الفساد الذي وصلت اليه الدولة،  كما يعكس المستوى المتدني الذي وصل إليه الحكم في إحترامِهِ لمؤسسات الدولة وفي تعامله مع الشعب بشكل عام . إن فرض الطاعة والانصياع على الشعب بالترهيب والتخويف والتهديد بالعصا الأمنية شئ، ومطالبة الشعب بالانصياع والاستسلام الطوعي لإرادة الحاكم ضمن شعائر الرضا والقبول شئ آخر . الاصلاح السياسي المزعوم  يهدف الى إعطاء النظام  صك غفران شعبي وبراءة  ذمة حتى  ولو كانت كاذبة  لتبرئته من الأذى الحقيقي الذي لحق بالشعب الاردني نتيجةً لسياساتٍ ظالمة وممارسات خاطئة فاسدة حظيت بدعم النظام ومؤسساته  بشكل أفقد الدولة توازُنِها وعَّززَ من عدم الثقة بين تلك المؤسسات والشعب الأردني .

أيها السيدات والسادة،

إذا ما أردنا الحديث عن الاصلاح السياسي فعلينا أن نعي ابتداءً القاعدة الذهبية القائلة  بأن  “فاقد الشئ لا يعطيه”،   وهكذا هو وضع  الدولة  الأردنية . فكل من ساهم في الخراب لا يستطيع ولا يحق له أن يتصدر عملية الاصلاح أو أن يكون جزاً منها  أو أن يدعوا إليها .

إن عدم احترام النظام خلال العقود الثلاث الماضية لمؤسسات الدولة الدستورية وللدستور نفسه ولقوانين الدولة قد أفقد الكثير من الأردنيين احترامَهُمْ لمؤسسات الدولة وقوانينها أو ثِقَتِهم بها، و أضعف من قناعة الكثيرين بجدوى المساهمة في العملية السياسية أو في عملية الاصلاح السياسي كونها  لن  تؤدي الى أي تغييرات ملموسة في الوضع السياسي القائم أو الى القدرة على  إجراء أي اصلاح  حقيقي  يؤدي الى  اعادة  التوازن المفقود في العلاقة بين مؤسسات الدولة الدستورية من جهة وبين المواطن والدولة بشكل عام من جهة أخرى .

إن قانونَ الاحزابِ الجديد والمنبثق عن مخرجات  لجنة الاصلاح السياسي يعكس العقلية العرفية لمن قاموا على صياغته . إن سَنَّ قانوَن أحزاب ٍبأثرٍ رجعي يؤكد أن الهدف ليس تسهيل مهمة تشجيع تشكيل الاحزاب وتنمية الحياة السياسية في الأردن، بقدر ما يهدف الى السيطرة على الأحزاب القائمة واخضاعها لقيود وضوابط قانون الاحزاب الجديد مما قد يؤدي الى افقادها لحقها القانوني في الاستمرار كأحزاب تم ترخيصها سابقاً طبقاً للقانون السائد في حينه، وذلك في حال فشلها في تلبية مطالب وشروط قانون الاحزاب الجديد  .

الاحزاب الجديدة المشكلة طبقاً لقانون الاحزاب الجديد هي أحزاب تنبع من رحم النظام ومؤسساته الأمنية وليس من رحم الشعب . ومعظم الشخصيات القائمة على تشكيل تلك الاحزاب هي في معظمها شخصيات من النظام شغلت في أوقات مختلفة مناصب رسمية في الدولة . وهكذا، فإن الاحزاب السياسية الاردنية المشكلة حديثاً طبقاً لمنظور عملية الاصلاح  السياسي  هي في  واقعها امتداد  للسلطة وليس امتداداً لأي ارادة شعبية تهدف الى فتح باب  المشاركة  في الحياة السياسية أمام أجيال الشباب ومختلف أطياف الشعب الأردني . الإصلاح السياسي يجب أن لا يأتي من فوق،  أي من السلطة، لأن ما يأتي من فوق هو في العادة انعكاس للخراب القائم والسائد .

الاصلاح السياسي هو في أصوله استجابة السلطة لمطالب شعبية تهدف الى تغيير الأمر الواقع نحو الأفضل وليس استجابة لرغبة فوقية تصدر عن السلطة لإصلاح مسيرة  ما علماً أنها، أي المسيرة، نابعة في الأصل من السلطة وصادرة عنها . ومحاولة الايحاء بأن الاصلاح جاء بناء على رغبة النظام  يهدف الى تبرئة السلطة  والاشارة  في هذه الحالة بأصبع الاتهام بسوء الادارة والخراب باتجاه الشعب . وعلى أية حال، وعلى أرض الواقع، يبقى الهدف الخفي لعملية الاصلاح السياسي هو الايحاء بوجود اصلاح  وتغيير في الشكل والعنوان مع إبقاء محتوى الأمور كما هو وتحت سيطرة الحكم ورقابته الأمنية الكاملة كما هو عليه الحال  دائماً .

من العجيب أن يدعو النظام الأردني الى ما يسمى بالاصلاح السياسي ناسياً أو متناسياً الاصلاح الاقتصادي الذي يعصف غيابه الآن بالشعب الأردني من خلال أزمات اقتصادية متلاحقة حوَّلت هذا الشعب الذي كانت اغلبيته تنتمي الى الطبقة المتوسطة وهي عماد الاستقرار في أي مجتمع، الى شعب أصبحت أغلبيته تنتمي الى الطبقة الفقيرة أو العاطلة عن العمل .

الاصلاح السياسي قد لا يكون تحت الظروف الاقتصادية الضاغطة، والبطالة المتفاقمة، أولوية بالنسبة لكثير من الأردنيين الذين يسعون الى تأمين أساسيات الحياة بالنسبة لهم ولعائلاتهم .

العدو الاقتصادي الأكبر بالنسية  للأردنيين هو حكوماتهم التي تعتبر رفاهية النظام ومتطلبات الدولة الأمنية هما  الأولوية  وليس المواطن .  ومن هنا تحوَّل الحمل الضربيي من كونه، حسب الدستور،  وسيلة عادلة لتمويل الحكومة واعادة توزيع  الثروة،  الى وسيلة للجباية وقهر المواطن  ومحاربته في قوته وقوت أولاده .

ينص الدستور الأردني في المادة رقم 111 على  مايلي :

-“لا تفرض ضريبة أو رسم  إلا بقانون” . كما تنص نفس المادة على مايلي :-

-“على الحكومة أن تأخذ في فرض الضرائب بمبدأ التكليف التصاعدي مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وأن لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الأداء وحاجة الدولة إلى المال” .

أما المادة رقم 115 من الدستور فتنص على مايلي :-

-“لا يخصص أي جزء من أموال الخزانة العامة ولا ينفق لأي غرض مهما كان نوعه إلا بقانون” .

أين نحن الآن في دولة الفساد من الدستور وما ينص عليه من حُرْمة المال العام وعدم جواز فرض أي ضريبة أو رسم على المواطن الأردني  إلا  بقانون تمت مناقشته واقراره من قبل مؤسسات الدولة الدستورية  .

لم يقف الأمر مؤخراً عند حدود الجباية الجائرة ومنها الزيادات المرعبة على اسعار مشتقات النفط والكهرباء وغياب رقابة الدولة على أسعارالمواد الغذائية والأساسية، بل تجاوز ذلك الى حد السماح بالفساد والعمل على حماية الفاسدين .

تَدْخُل قضايا الفساد الكبير في الدهاليز الغامضة للسلطة ولا يعلم أحد بمصير تلك القضايا أو مآلها .  ماذا حصل  مثلاً  لقضايا عوني مطيع والسجائر والتبغ المهرب وماذا حصل لقضايا الفوسفات وغيرها من قضايا الفساد الكبير التي عصفت بالاقتصاد الوطني وبأرزاق المواطنين الأردنيين وأدّت الى نهب مئات الملايين  ومليارات الدنانير من المال العام؟  وهكذا، فإن الأمور لم تقتصر على حدود السماح بالفساد، بل تجاوزته الى  حدود حماية الفساد نفسه وعدم السماح بمعاقبته طبقاً لأحكام القانون .

أيها السيدات والسادة،

أود أن أختم حديثنا هذا بالقول أننا نستطيع أن نقضي الوقت الطويل في الحديث عن ما يعصف بهذا الوطن من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن انهيار ملحوظ في التعليم على كافة مستوياته، وفي تراجع الزراعة والصناعة، وفي انهيار منظومة الادارة العامة للدولة من خلال َتَفشِّي الرشوة والفساد، وفي تفاقم الآفات الاجتماعية مثل تعاطي المخدرات والمتاجرة بها، وفي التزايد الملحوظ في حالات الانتحار والقتل والسرقة والسلوك الاجرامي التي لم يعرفها المجتمع الأردني في السابق . نعم، نستطيع أن نقضي ساعات طويلة في الحديث عن هذه المشاكل وغيرها،  علماً  ان كل ما ذكرناه الآن هو غيض من فيض، وهو يَعكس حالة الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي  والقانوني  في هذا البلد .  ولكن هنالك حدود لقدرة الجسم البشري على تحمل الألم،  والألم  والهم الأردني كبير وكبير جداً على هذا البلد الصغير .

حما الله الأردن والأردنيين من كل سوء .

وشكراً لكم .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: