العنصرية البريطانية فى خطاب عمره 100 عام – محمد أبو الغار

هذا ملخص خطاب أرسله ضابط إنجليزى إلى صديقه فى لندن أثناء الحرب العالمية الأولى ١٩١٤- ١٩١٨، كان يقود مجموعة من الفلاحين المصريين، الذين أُخذوا بالعنف والسخرة ليعملوا فى سيناء وفلسطين والشام وفرنسا وإيطاليا لمد أنابيب المياه وتركيب السكة الحديد وتفريغ الشحنات من السفن، ومات وجُرح الكثيرون منهم، وقد تجاوز عدد هؤلاء العمال نصف مليون فلاح حين كان تعداد مصر ١٢ مليونًا فقط. وسوف أنتهى من كتابى عن هذه الكارثة بإذن الله قبل نهاية العام الحالى. صورت نسخة من الخطاب الأصلى المكتوب بالحبر من المتحف الإمبريالى البريطانى فى لندن. وهذا ملخصه: «عزيزى كينيون.. أعمل فيما يسمى (الفيلق المصرى)، وهو فى طور التكوين. وهناك هجوم من العثمانيين على قناة السويس، والجيش البريطانى والجيش التركى كل فى خنادقه أمام بعضهما قرب غزة. كان أهم شىء لبريطانيا فى الحرب فى سيناء وغزة هو وجود خطوط إمداد كافية لنقل المُعَدات العسكرية إلى القوات فى الصحراء الواسعة.

مقالات متعلقة

اقرأ المزيد ..

وسائل النقل صعبة، والطريقة الوحيدة هى استخدام الجِمال. السيارات والعربات لا يمكنها التنقل فى الصحراء. وقررت السلطة البريطانية مد خط سكة حديد من القنطرة على شاطئ القنال، ثم مد خط أنابيب مياه للشرب، وكان ذلك يحتاج عددًا ضخمًا من الأيدى العاملة. الفيلق المصرى هو وحدة تتكون من الفلاحين المصريين. يتم تجميعهم فى مجموعات من 50 فلاحًا، كل مجموعة تكون من قرى متجاورة، لها قائد (ريس)، ويكون رجلًا أكثر أهمية فى بلده، وكل فلاح يتقاضى 5 قروش فى اليوم، ويتم إعطاؤهم زيًّا موحدًا (كاكى): جاكيت وبنطلون قصير وغطاء للرأس من الصوف وبطانيات للنوم. ويأخذون وجبات من الطعام تكفيهم، وتتكون الوجبة من رطلين من الخبز البلدى وشوربة عدس ولحمة وبصل وتمر وزبيب وزيت طعام وملح وفلفل وبسكويت. وبالرغم من عدم تنوع الأكل من يوم إلى آخر، فهذا يكفيهم، وهو أكثر من الطعام الذى تعودوا عليه فى قراهم، ويمكنهم بهذا الطعام أن يقوموا بأعمال شاقة. هؤلاء الفلاحون قادمون من جانبى نهر النيل والدلتا. ويعملون عملًا شاقًّا فى الأرض بالفأس تحت الشمس الحارقة طوال اليوم، ويمكنهم أن يقوموا بأعمال جيدة لخدمة الجيش البريطانى. ولكن حين يتناولون طعامهم بدون دفع مقابل، وينامون فى مكان معقول، ويلبسون ملابس مجانية تظهر عليهم علامات الكسل إلا إذا كانت قيادتهم منضبطة. هم يعيشون حياتهم ببساطة، ولا يفكرون فى شغل أنفسهم بالمستقبل، وليس عندهم طموحات للتقدم، وإذا حدثت لهم كارثة فهم لا يهتمون، ويهزون أكتافهم بعدم اكتراث، ويقولون دائمًا: (معلش). هم مسلمون، ولذا فهم متعصبون جَهَلة، ويمكن أن يقتلوا فى أحوال معينة. لقد مرت عليهم عصور طويلة من غزوات أجنبية قهرتهم وجعلتهم يخفون أشياء، ويحتاج المرء إلى الضغط عليهم لمعرفة الحقيقة. ولا يوجد واحد فى كل مائة يستطيع القراءة والكتابة، ولذا فهم شديدو الجهل وبسطاء. العمال القادمون من القاهرة والإسكندرية أشد ذكاءً ومفيدون فى حالة الحاجة إلى استخدام المخ والتفكير، مثل تنظيم الخطوط، وحفظ الأكل والتموين، ولكنهم يستخدمون ذكاءهم لمصلحتهم فقط، وبالتالى بعد فترة ينتهى عملهم إلى كارثة. وهَمّهم الأساسى هو كسب الأموال بدون عمل. المخلص.. فينابيلز». فينابلز ضابط إنجليزى مجتهد، وعنده مخ، ويحاول أن يتصرف كإنسان متحضر. ولكن تصرفاته تنبع من خلفية واحدة عنصرية، وهى أن الإنسان درجات ليست بناء على درجة تعلمه وثقافته وأخلاقه،

اقرأ أيضًا ..

وإنما إلى لون جلده، الذى يأتى فى المرتبة الأولى، فهو يقول إن معاملة الإنجليز للفلاحين أحسن من المعاملة السيئة التى يلقونها من مُلّاك الأراضى، فهو يفترض أن المعاملة السيئة أمر جيد مادامت أقل سوءًا من معاملة مُلّاك الأراضى. وهو يعتقد أنهم يأكلون وينامون دون دفع مقابل، ولذا تظهر عليهم علامات الكسل. أليس كل العمل المرهق المستمر لساعات طويلة فى اليوم تحت شمس حارقة، وأحيانًا يعملون ليلًا، وفى أحيان تطلق عليهم القذائف فيموتون ويُصابون، وفى النهاية يأخذون خمسة قروش فى اليوم، ألَا يستحقون أن يأكلوا ويناموا بعد كل ذلك، هل هذه رفاهية؟!، هل هم كسالى بعد كل ذلك العمل تحت الضغط ولا يستحقون حتى أن يأكلوا؟!، وإذا لم يأكلوا فكيف لهم أن يُتِمُّوا عملهم المطلوب حتى تنتصر الإمبراطورية البريطانية؟!. ثم يقول إنهم قدَريون لأنهم مسلمون. صحيح أنهم قدَريون، ولكن هذه صفة فى كل مَن لم يَنَلْ قسطًا من التعليم والثقافة فى الدنيا كلها وليست لها علاقة بالدين. وهؤلاء العمال، كما هو مكتوب فى خطاباته، فيهم المسلمون وفيهم الأقباط، ولا يمكن أن تُفرقهم عن بعضهم فى الشكل والملبس والتصرف والقدَرية التى يتمتع بها كل بسطاء العالم. ثم يقول فينابلز إن الفلاحين يخفون أشياء، ويحتاج المرء إلى الضغط عليهم لمعرفة الحقيقة، وهو- الضابط الإنجليزى المتعلم والمثقف- ألَا يفكر أن هناك اختلافًا كبيرًا فى الثقافة والخلفية، وأن وضع الفلاح فى بيئة مختلفة فيها حرب وقتال ورعب ومصير مجهول يضع الفلاح فى ظروف تجعله يخاف ويكون حذرًا فى كلامه وإجاباته؟!.

ونفس الفلاح فى بلده عنده نفس الخوف من المالك الكبير والمأمور والخفير والعمدة، والغرامات تجعله يخاف ويكون حذرًا، وهو ما يسميه المصريون «لؤم الفلاحين». هو ليس لؤمًا وإنما خوف من المجهول. وعندما يتكلم فينابلز عن القليل من المصريين فى الفيلق القادمين من القاهرة والإسكندرية فيقول إنهم أشد ذكاءً، فهذا غير صحيح، هم فقط أكثر تعلمًا وخبرة وتعرضًا لمجتمع أحدث، ثم يتهمهم بأنهم يستخدمون هذا الذكاء للعمل لمصلحتهم فقط، هم أكثر حذرًا ويريدون أن يأخذوا مقابلًا حقيقيًّا لعملهم، وهو ما يفسره الضابط الإنجليزى بأنهم يعملون لمصلحتهم فقط. والحقيقة أنه بقراءة مئات الصفحات من الكتب والمراجع، نكتشف أن الضابط فينابلز أكثر الضباط الإنجليز فهمًا للواقع وأكثرهم معرفة بالثقافة المختلفة، فما بالك بالضباط الأقل ثقافة والأكثر عنجهية وعنفًا مع الفلاحين المصريين، وهو سبب حقيقى فى قيامهم بثورة عنيفة ضد الإنجليز شملت الريف المصرى كله فى 1919. قوم يا مصرى.. مصر دايمًا بتناديك.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: