مخيم شعفاط.. حكاية صمود واشتباك دائم مع الاحتلال

على بعد 5 كم من مركز مدينة القدس المحتلة، يقع مخيم شعفاط؛ مشكلاً حالة من الصمود والتحدي، تتحدى البطش والإرهاب اليومي للاحتلال الصهيوني ومستوطنيه.

وتتنوع فصول معاناة الفلسطينيين في المخيم الواقع شمال شرقي القدس المحتلة، ما بين حصار ومداهمات وأعمال قتل وإصابات وتنكيل وهدم، ليشكل كل ذلك لهيب غضب وثورة ضد المحتل.

ومنذ مساء السبت (8 أكتوبر الجاري) يعيش المخيم حالة استثنائية من الاستنفار والمواجهات على وقع حصار خانق، وعمليات دهم واعتقالات واسعة، في أعقاب عملية إطلاق النار من النقطة صفر، نفذها شاب فلسطيني على حاجز المخيم الذي يعزل المخيم عن امتداده الفلسطيني، ويمثل نقطة تفتيش واستفزاز ومراقبة لكل فلسطيني يمر عبره.

وأسفرت العملية البطولية التي نفذها الشاب الفلسطيني الذي تمكن من الانسحاب ولا تزال تلاحقه قوات الاحتلال، عن مقتل مجندة إسرائيلية وإصابة اثنين آخرين أحدهما بجراح خطيرة، في حين تشهد المنطقة المستهدفة منذ وقوع العملية، انتشارًا مكثفًا لقوات الاحتلال، فضلًا عن نصب العديد من الحواجز العسكرية على مداخلها، ومنع الدخول والخروج منها.

واعتقلت قوات الاحتلال على مدار اليومين الماضيين أكثر من 60 مواطناً، ونفذت حملات تفتيش لأكثر من 200 بيت، في حين يتواصل تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق سماء المخيم.

تاريخ حافل

لم تكن هذه العملية البطولية الأولى من نوعها في مخيم شعفاط؛ إذ إنه يحظى بتاريخ حافل بالبطولة والصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته العنصرية الرامية لتهويده كاملًا.

فهذه العملية تتزامن مع الذكرى السادسة لعملية شهيد القدس الحاج مصباح أبو صبيح الذي عاش مرابطاً في الأقصى واستشهد مدافعاً عن القدس.

ويفيد رئيس اللجنة الشعبية في مخيم شعفاط محمود الشيخ، لمراسلنا، أنّ مخيم شعفاط شهد عددًا من العمليات البطولية منذ بداية الصراع مع الاحتلال.

وذكر أنّ شابًّا فلسطينيًّا نفذ عملية فدائية على مدخل المخيم قبل 14 عامًا، أدت إلى مقتل مجندة إسرائيلية في عملية مماثلة لعملية السبت، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال أغلقت الحاجز الغربي في حينه، وأبقت مدخل عناتا مفتوحاً، ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تقترفها ضد المواطنين القاطنين في المخيم.

وبيّن أنّ ثلاثة شبان من مخيم شعفاط وهم محمد علي، وأحمد صلاح، ووسام فرج نفذوا عملية طعن قرب باب العمود في عام 2015، وارتقوا شهداء.

كما أشار إلى أن قوات الاحتلال تعتقل في سجونها حوالي 120 من مخيم شعفاط ممن لم تتجاوز أعمارهم السن القانونية، يقضون أحكامًا متعددة، كما يوجد حوالي 140 من الشبان والرجال.

وذكر أن أكثر من 70 من أبناء المخيم ارتقوا شهداء منذ انطلاق الانتفاضة الأولى وحتى الآن، في حين أصيب مئات المواطنين الآخرين.

وشدد على أن المخيم في حالة صراع واشتباك دائم مع قوات الاحتلال، خاصة أنه يقع على بوابة القدس، مشيراً إلى أن سكانه يعيشون حياة صعبة؛ جراء ارتفاع البطالة وقلّة العمل.

طبيعة المخيم

ويعد مخيم شعفاط أحد أبرز المخيمات التي أُنشِئت بسبب حركة النزوح للاجئين الفلسطينيين، في أراضي ما بين قريتي عناتا وشعفاط ضمن حدود مدينة القدس والضفة الغربية المحتلة.

ويقول خضر الدبس، رئيس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار، لمراسلنا: إنّ المخيم أنشئ عام 1964 باتفاق بين الحكومة الأردنية ووكالة الغوث “أونروا”، بهدف نقل سكان حارة الشرف في البلدة القديمة بالقدس التي قطنوها بعيْد النكبة إلى المخيم الحديث في منطقة شعفاط، بادعاءات تتعلق بإنقاذ الناس من الوضع الإنساني والصحي السيئ الذي كانوا يعيشونه في الحارة، فتم تهجيرهم من منطقة سيئة إلى منطقة أسوأ.

وبلغت مساحة المخيم عند إنشائه، حوالي 98 دونماً، ثم وصلت إلى 203 دونمات.

جانب من هدم الاحتلال المنازل والمنشآت في مخيم شعفاط

وهو بحسب وكالة الغوث الدولية، المخيم الوحيد الذي يحمل قاطنوه البطاقة الإسرائيلية (دون الجنسية)، أو ما يسمى بـ”الهوية المقدسية”، على خلاف هوية فلسطينيي 48. وتقول أونروا: إن هذا المخيم قد أقيم كبديل لمخيم المعسكر الذي كان في البلدة القديمة بجانب حائط البراق (الجهة الغربية للمسجد الأقصى).

وحول ملامح بيوت المخيم الممتد على مساحة 203 دونمات، أشار الدبس إلى تقسيم المخيم لبيوت صغيرة جداً، حيث خصصت لكل عائلة غرفة مساحتها 6 أمتار مربعة، بين كل 7 مساكن مسافة بسيطة، وقد حددت منافذ الهواء للمنزل من اتجاهي الشرق والغرب فقط.

وذكر أن المراحيض بدايةً كانت عامة وموزعة على أمكنة مختلفة في المخيم، وعدد السكان المسجل آنذاك كان 3500-5000، وفي يومنا هذا تضاعف عدد السكان وتوافد آخرون عليه في حين المساحة لم تتغير، مبينًا أن هذا العدد اضطر الناس إلى التمدد على الشوارع العامة، وانتشار حمّى البناء العمودي، ما أدى إلى اختفاء أي عرق أخضر إلا ما يظهر منه لدى مؤسسات وكالة الغوث لأن مساحتها بقيت كما هي.

ونقلاً عن الإحصائية الرسمية لأونروا فقد بلغ عدد اللاجئين المسجلين في مخيم شعفاط اليوم 10069 نسمة، مع أن الحقيقة تشير إلى ضعف هذا الرقم على الأقل، وهذا يدلل على الزيادة من “غير اللاجئين” الوافدين إلى المخيم حفاظاً على حقوقهم في المدينة، إضافة إلى عودة 4000 لاجئ كانوا قد غادروا المخيم في الماضي بحثا عن سبل عيش أفضل، وعادوا مجدداً في السنوات الأخيرة لتأمين بقائهم في القدس، وفق المصادر المقدسية.

أمّا الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فيذكر أن عدد سكان المخيم يبلغ قرابة 20 ألف نسمة، وتعود أصول اللاجئين فيه إلى 55 قرية تابعة لمناطق القدس واللد ويافا والرملة، في حين تتحدث مصادر بأن عدد الكسان يتراوح بين 70-100 ألف نسمة.

جدار ومستوطنات
ويشير الدبس إلى أن جدار الفصل العنصري الذي يقيمه الاحتلال بعد اكتماله سيعزل المخيم عن مدينة القدس؛ ما سيؤثر على السكان والعمالة التي تعمل داخل ما يعرف بـ”الخط الأخضر”، وهو يعزل المخيم من ثلاث جهات.

كما أثر مسار الجدار الحالي على خدمة التخلص من النفايات التي تبلغ يومياً (21 طنا) حيث كانت عملية نقلها إلى مكب أبو ديس لا تتجاوز عشرين دقيقة، لكن بعد الإغلاق تستغرق العملية أكثر من ساعة حيث تقطع المركبة 30 كم لتفرغ نفاياتها في منطقة رام الله؛ ما أدى إلى زيادة الجهد مقابل أجر ضئيل.

كما أن إنشاء الجدار -وفق الدبس- أضرّ بشبكة المجاري المربوطة مع بلدية القدس، حيث أتلف بناؤه أجزاءً من الشبكة ما أثر على انسياب الخطوط، ونتج عنه تداعيات صحية على البيئة من تربة ومياه.

والمخيم محاط بالعديد من المستوطنات الإسرائيلية، ويمنع اكتمال السلسلة الاستيطانية حول القدس؛ فمستوطنة التلة الفرنسية من الجنوب، ومستوطنة بسكات زئيبف من الشمال، ومستوطنة عناتوت من الشرق، ومستوطنة شفاط من الغرب.

حاجز شعفاط
أما الحاجز العسكري الصهيوني على مدخل المخيم، فقد نصبه الاحتلال مؤقتًا خلال الانتفاضة الثانية من خلال وجود دوريات عسكرية وتفتيش للمركبات، ومع بدء بناء الجدار حول المنطقة في 2002 تحوّل الحاجز إلى شبه دائم، ولكن دون بناء إسمنتي.

وفي العام 2009 أعلنت سلطات الاحتلال رسميا عن تحويل الحاجز المؤقت إلى “معبر دولي” -أي بناء يفصل الأراضي الخاضعة لسيطرة بلدية الاحتلال بالقدس عن مناطق الضفة-، واستمر العمل على توسيع الحاجز وبناء غرف تفتيش ومسارات المركبات وأبراج مراقبة وبوابات إلكترونية أكثر من 4 سنوات.

ومع إغلاق الحاجز، يتحول السكان في تلك المنطقة إلى سجناء في منطقة معزولة بالجدار عن الضفة الغربية، وعن القدس بالحاجز.

ويتكون الحاجز من 3 مسارات رئيسة؛ الأول للمشاة عبر بوابات فحص إلكتروني، والثاني مخصص للحافلات التي تخضع لتفتيش دقيق أيضا، والثالث للمركبات الخاصة.

ويتحكم جنود الاحتلال في هذه المسارات، وفي بعض الأيام يفتحها الاحتلال بكاملها، وفي أيام أخرى يفتح مسارًا واحدًا للفئات الثلاث، ما يخلق أزمة خانقة على الحاجز ويعرقل وصول آلاف المقدسيين لأماكن عملهم في القدس وأراضي الـ48.

وتخضع المركبات المارة عبر الحاجز، للتفتيش والتدقيق في هويات ركابها، فضلا عن اعتقال بعضهم والتنكيل بهم، وعرقلة مرورهم.

اقرأ المزيد
https://palinfo.com/312167
جميع الحقوق محفوظة – المركز الفلسطيني للإعلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: