تحرير ثالث دون حرب!

إن تصريح اللواء في جيش الاحتلال أمير أفيفي الذي قال فيه “نشهد سابقة خطيرة هنا يهددنا فيها حزب الله، ونحن في المقابل نتراجع إزاء مواقف لبنان بسرعة بالغة قبل الانتخابات… حزب الله جعل إسرائيل تجثو على ركبتيها”، يختصر المشهد في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان. بدون حرب أو تصعيد، بل بفعل المعادلات وامتلاك القوّة الفعلية على تنفيذ التهديدات والمبادرة نحو الهجوم، حرّرت المقاومة حقوق البلد في البحر الأبيض المتوسّط من الاعتداءات الإسرائيلية مرّة، ومن العقوبات والحصار الأمريكي مرّة ثانية!  

راكم حزب الله منذ تحرير الجنوب عام 2000 مروراً بحرب تموز في العام 2006 القدرات العسكرية التي وصلت الى حدّ تصنيع الصواريخ الدقيقة القادرة على سلب “الأمن” ليس فقط من شمال فلسطين المحتلّة بل من عمق المناطق الاستراتيجية بالنسبة للاحتلال وحتّى آخر نقطة من فلسطين المحتلّة (“إيلات”) ضمن معادلة “ما بعد ما بعد حيفا”.

عمل حزب الله بالتوازي على تأسيس هيكلية تنظيمية داخلية تتفرّع منها التشكيلات العسكرية كافة والتي تقاتل في البرّ والجو، مع تطوير الدفاعات الجويّة التي فرضت معادلة قوّضت نشاط مسيرات الاحتلال في الأجواء اللبنانية منذ العام 2019. ذلك بالإضافة الى القتال في البحر، والذي برزت بعض ملامحه في العام 2006 مع قصف البارجة “ساعر” قبالة السواحل اللبنانية ما حيّد السلاح البحري للاحتلال طيلة فترة العدوان.

وعلى مدار تلك السنوات، كانت بعض الأطراف الداخلية المعروفة في مصدر الدعم والتوجيه الخارجي، الأمريكي والسعودي خاصة، تأجّج دعاية و”بروباغدا” إعلامية لتشويه صورة المقاومة في بيئتها الحاضنة أولاً، ولدى جميع اللبنانيين ثانياً.

حمّلت هذه الدعاية الموجّهة سلاح المقاومة ما ليس فيه، وحرّضت على أنه يجّر لبنان نحو الحروب والدّمار، واذ بهذا السلاح اليوم، الذي استند عليه المفاوض اللبناني وعلى ما خلق من ميزان قوّة وتوازن للردع، يسجّل إنجازاً استراتيجياً للبلد سيغيّر من مستقبله ومن حضوره الإقليمي والدولي ويشكّل منعطفاً أساسياً في تاريخه مع إعلانه “دولةً نفطية”، من دون طلقة واحدة أو دمار أو دماء.

ومن ناحية ثانية، استخدم حزب الله 3 مسيرات لا تكلّف الا بضعة آلاف من الدولارات لانتزاع ثروة غازية ونفطية تعود على البلد بالمليارات في أصعب الظروف المالية والاقتصادية والمعيشية التي يمرّ بها. وبل فتح للبنان أبواب حلّ العديد من الأزمات ومن أهمها أزمة الكهرباء من خلال إعادة الثقة الائتمانية الدولية الى البلد على المدى القصير أو من عائدات الغاز على المدى الطويل.

أمّا عن اتهام حزب الله باتباع مصالحه الاقليمية وزعم ربط ملف الترسيم الحدود البحرية اللبنانية بملف الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول الأطراف، فقد وصلت أمور الترسيم الى خواتيمها قبل أن يُعرف مصير الاتفاق النووي. كذلك دُحضت كلّ هذه المزاعم، وتبيّن مرّة جديدة أن حزب الله لا ينظر الى الأمور الا من منظار المصلحة اللبنانية العامة.

انتصار لا غُبار عليه وبل تحرير ثالث، يعترف به “العدو”، وقد سجّله لبنان بسبب المقاومة ومسيراتها الثلاث ومقطعها المصوّر حول إحداثيات منصات الاحتلال في البحر وجهوزيتها على مدار فترة المفاوضات، ولا يزال في جعبتها العديد من أوراق القوّة اذ ما فكّر الاحتلال – كعادته – بالغدر في اللحظات الأخيرة.


الكاتب: مروة ناصر

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: