القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة – نص كتاب للدكتور غازى حسين

الدكتور غازي حسين

القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة

– دراسة – 

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 

1998

تصميم الغلاف للفنان:

المقدمة

بعد توقف حرب الخليج الثانية مباشرة وضعت الولايات المتحدة الأسس التي قام عليها مؤتمر مدريد عام 1991، وهو مبدأ الأرض مقابل السلام، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية والتي تمثل الحد الأدنى الذي وافقت عليه الدول العربية، وتعهدت الولايات المتحدة بضمان مرجعية مدريد.

بدأت عملية التسوية بداية خاطئة منذ البداية لأنها استبعدت المؤتمر الدولي والأمم المتحدة وتبنت كافة المقولات الإسرائيلية ومنها المفاوضات المباشرة مع كل طرف عربي منفرداً، حيث يستفرد فيها القوي بالضعيف. وانحازت الولايات المتحدة كراع للعملية السلمية إلى إسرائيل بسبب تحالفها الإستراتيجي معها، ونفوذ اللوبي اليهودي فيها وبسبب مصالحها ومعاداتها للعروبة والإسلام.

وقف رئيس الحكومة الإسرائيلية نتن ياهو بعد اجتماعه الأول مع الرئيس الأمريكي، بيل كلنتون عام 1996 في البيت الأبيض ليعلن رفضه مبدأ الأرض مقابل السلام ويقول إن الإستيطان حق وواجب، وطالب بمحاربة الإرهاب (المقاومة) وحماية أمن إسرائيل والاحتفاظ بالأرض العربية.

أما الرئيس الأميركي فرد عليه مؤكداً الالتزام الأميركي بدعم إسرائيل والمحافظة على تفوقها العسكري وحقها في اتباع السياسة التي تراها مناسبة لتحقيق السلام.

وثبت بجلاء أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها على إسرائيل بسبب السياسة الأميركية الخرقاء وانحياز الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض والخارجية الأميركية إلى إسرائيل، فتعاطف الرئيس كلنتون غير المحدود مع إسرائيل وخوفه من اللوبي اليهودي منعه من وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها تجاه الدول العربية ومن ممارسة أي ضغط عليها، وبالتالي فقدت مصداقيتها وأهليتها لرعاية العملية السلمية.

إن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية تعتمد اعتماداً كلياً على إسرائيل، فالانحياز الأميركي لها ليس بجديد ولكنه ظهر في فترة الرئيس كلنتون أكثر من أي فترة مضت في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.

ويقوم التحالف الإستراتيجي بين الطرفين على دعامتين:

الأولى: اللوبي اليهودي وسيطرته على الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض ووزارة الخارجية ودوره في صنع القرار الأميركي في المنطقة العربية.

والثانية: مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية ومنها النفط وأمواله وأسواقه وحماية أمن إسرائيل وتوسعها.

وتمارس إدارة الرئيس الأميركي كلنتون أبشع أنواع أساليب الضغط والابتزاز على الدول العربية والقيادة الفلسطينية من أجل حمل الأطراف العربية على قبول المخططات الإسرائيلية وتجريد العرب من أسباب القوة العسكرية والاستمرار في فرض الحصار على ليبيا والعراق والسودان وإيران.

وترمي الإدارة الأميركية من جراء القيام بدور الوسيط إلى:

1- إبرام معاهدات واتفاقات سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لفرض الهيمنة الإسرائيلية على الاقتصادات العربية وتحويلها إلى اقتصادات السوق وتقليص دور القطاع العام وتشجيع القطاع الخاص.

2- المحافظة على استقرار مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وفي طليعتها النفط ومنابعه وممراته وأسواقه، وترسيخ الوجود العسكري الأميركي في العديد من البلدان العربية.

تحدث الإرهابي نتن ياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في كتابه”مكان بين الأمم” عن منطلقات وتوجهات توسعية وإرهابية وعنصرية واستيطانية تهدم عملية التسوية، وتقضي على السلام العادل والشامل، وتنشر النزاعات والاعتداءات والفوضى والحروب وعدم الاستقرار في المنطقة العربية بشكل خاص و”الشرق الأوسط” بشكل عام.

ويزعم كعادة اليهود في الكذب عبر تاريخهم الطويل أن العرب هم الذين بدأوا حرب حزيران عام 1967 ويقول بما أنهم بادروا إلى الحرب فليس من حقهم المطالبة باسترداد أراضيهم، لأن إسرائيل حسب زعمه انتزعت من العرب الأراضي والقواعد التي كانت تنطلق منها الهجمات عليها.

ولكن الحقيقة التي يعرفها العالم بأسره هي أن إسرائيل هي التي خططت وأشعلت حرب حزيران العدوانية. وانطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق والعهود الدولية الأخرى ومبادئ القانون الدولي يجب معاقبة إسرائيل المعتدية على حربها العدوانية وتجريدها من السلاح وإلزامها بدفع التعويضات عن الخسائر التي أنزلها العدوان بالدول العربية.

ويشرح نتن ياهو بأسلوبه اليهودي الوقح القائم على تزوير الواقع والحقيقة وممارسة الإرهاب والتوسع والضم والاستيطان والإبادة الجماعية وسياسة الأرض المحروقة كسياسة رسمية مفهومه للسلام حيث ينظِّر للقوة ويمجِّد السيطرة على العرب. ويتناول مفهومه للسلام المسلح، سلام القوة وإضعاف البلدان العربية، فالسياسة الوحيدة، برأيه هي في إضعاف البلدان العربية وتقوية إسرائيل. 

ويؤكد أنه لا يوجد في الشرق الأوسط ديمقراطيات غير إسرائيل، وعليه فإن السلام الملائم للعرب هو سلام الردع، السلام المسلح، سلام القوة.

وتبنت الولايات المتحدة هذه الإستراتيجية  الإرهابية منذ زمن بعيد، وذلك بمحافظتها على تفوق إسرائيل العسكري على جميع البلدان العربية.

ويؤكد نتن ياهو أن المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل زادت من قوتها العسكرية، وردعت العرب عن التفكير بمغامرات أخرى، وهي بالتالي قوَّت مسيرة المصالحة بين العرب وإسرائيل.

ويستعرض حروب إسرائيل العدوانية مع العرب من عام 1948 إلى عام 1982، ويخلص إلى القول أنه مع مرور الزمن، وكلما ازدادت قوة إسرائيل تناقص عدد البلدان العربية التي تحاربها. والسلام عنده لا يتقدم بأي حال من الأحوال عن الأمن، لذلك تحتاج إسرائيل إلى جدار واق لحدودها يتمثل بمرتفعات الضفة الغربية والجولان وسيناء المجردة من السلاح. ويطرح مقولة”الأمن مقابل السلام” وليس”الأرض مقابل السلام”، إذ لا معنى للسلام بدون الأمن، وذلك لتبرير الأطماع اليهودية في الأراضي العربية وعدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة، وبالتالي تبرير التوسع والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية.

نجحت الصهيونية نتيجة استسلام السادات وسمسرة الحسن الثاني وتخاذل ياسر عرفات، بدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية والمجموعة الأوروبية في ضرب المشروع العربي والعمل على فرض المشروع الصهيوني.

وأصبح الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي إرهاباً تتخلى عنه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وتدينه وتستنكره وتستخدم قوات السلطة ومؤسساتها وآلياتها لقمع نضال الشعب العربي الفلسطيني البطولي والتعاون مع قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية للدفاع عن أمن إسرائيل وأمن المستعمرين اليهود في الضفة والقطاع, وفي نفس الوقت تتابع إسرائيل مخططاتها في سحق المشروع القومي والشعب العربي الفلسطيني وتهويد القدس والخليل وبناء المستعمرات اليهودية ورفض حقوق العرب والمسلمين الوطنية والقومية والدينية في فلسطين والقدس العربية.

لقد أكد بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني أن العرب في نهاية الأمر سيقتنعون من تلقاء أنفسهم بالموافقة على السلام الإسرائيلي طبقاً للأهداف والرغبات والمخططات الإسرائيلية.

وأكد زعماء إسرائيل بعد حرب حزيران العدوانية عام 1967 أنه بما أن العرب قد وافقوا على الوضع القائم والحدود التي فرضتها إسرائيل بالقوة عام 1948 فلماذا لا يوافقون على الوضع الذي تريده إسرائيل مرة أخرى؟ ومرة ثالثة في المستقبل؟.

إن قادة اليهودية العالمية، يعرفون حق المعرفة أن فلسطين عربية وأنهم اغتصبوها بالقوة، وأن العرب يرفضون الاعتراف بإسرائيل والتعايش معها، لذلك لابد أن تكون إسرائيل قوية حتى تخضعهم لسيطرتها. واعتمدوا على الكذب المنهجي في تمرير أطماعهم وخرافاتهم.

وظهر بجلاء أن هدف إسرائيل من حروبها العدوانية هو فرض السلام الإسرائيلي على العرب بعيداً عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والدول الخمس الكبرى والمؤتمر الدولي.

ورأى زعماء الكيان الصهيوني أن لديهم أنْ يختاروا بين أمر من اثنين:

الأول: إما أن تظل إسرائيل قاعدة وأداة عسكرية تستخدم متى يريد الاستعمار فتتلقى أجورها لقاء ذلك.

والثاني: أن تصبح قوة إقليمية عظمى عن طريق “الشرق الأوسط الجديد” تهيمن على الاقتصادات العربية  وتحل أزماتها الاقتصادية بمشاركة الإمبريالية الأميركية في السيطرة على توجهات التنمية الاقتصادية في المنطقة وتكون بوابة الغرب إلى الدول العربية، واختارت هذا الاتجاه، وذلك لفرض السيطرة اليهودية  على العالم فوضعت مراكز البحوث والدراسات في أميركا وإسرائيل الدراسات حول القومية العربية وتاريخ العرب والعقل العربي والإسلام ومئات المشاريع والمخططات الاقتصادية لمستقبل المنطقة العربية، وذلك لإعادة تشكيل المنطقة والسيطرة عليها.

ورأت اليهودية العالمية أن المطلوب هو ترويض العقل والوجدان العربي ومحو الذاكرة العربية ونزع السلاح العربي ومصادر القوة العربية وطمس المفاهيم القومية والدينية من الثقافة العربية تجاه اليهود وإسرائيل وتغيير الكتب والمناهج المدرسية وتعديل البرامج الإعلامية وخلق صلات مصلحية عن طريق المشاريع الاقتصادية المشتركة.

وتعتقد إسرائيل أنه عندما يتم تعديل البرامج التعليمية والإعلامية والدينية سينشأ جيل عربي يختلف عن الأجيال السابقة، وبالتالي يسهل عليها تحقيق أطماعها وفرض الهيمنة والتبعية على الأجيال العربية القادمة. وتأمل من جراء ذلك فرض واقع مغلوط في تاريخ الوطن العربي لصالح الأساطير والخرافات والمزاعم والأكاذيب والأطماع اليهودية في الأرض والثروات العربية.

وترمى إسرائيل من وراء الشرق الأوسط الجديد، إلى فرض هيمنتها الاقتصادية والعسكرية على البلدان العربية وإقامة إسرائيل العظمى بدلاً من إسرائيل الكبرى، وتطبيع العلاقات مع العرب وإذابة الهوية العربية في الشرق أوسطية.

وتعتبر القمم والمؤتمرات الاقتصادية بمثابة جمعيات تأسيسية للنظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، حيث وضعت أولويات للعمل الإقليمي تتقدم فيه الاعتبارات الاقتصادية على الاعتبارات السياسية.

بدأ العمل الجدي لتحقيق المشروع الشرق أوسطي في إطار المفاوضات المتعددة الأطراف(قاطعتها سورية ولبنان) لتحقيق التعاون الاقتصادي قبل انسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وبدأت مشاريع”الشرق الأوسط الجديد” بالظهور إلى حيز الواقع والتنفيذ من خلال القمم والمؤتمرات الاقتصادية، لشطب معادلة”الأرض مقابل السلام” وتخلي إسرائيل عن جزء من الأراضي العربية المحتلة مقابل فرض هيمنتها الاقتصادية على البلدان العربية وحماية سيطرة الولايات المتحدة على النفط العربي.

سارت عملية التسوية التي انطلقت من مدريد في مسارين من المفاوضات:

المسار الأول: المفاوضات الثنائية المباشرة لتسوية احتلال إسرائيل الضفة والقطاع وجنوب لبنان والجولان.

المسار الثاني: المفاوضات المتعددة الأطراف لإزالة جميع مظاهر الصراع وتطبيع العلاقات.

وتمادت إسرائيل والولايات المتحدة أكثر وعقدتا القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية، ووضعتا الآليات والتمويل لتحقيق المخططات الإسرائيلية، لفرض التطبيع والهيمنة الإسرائيلية على الوطن العربي.

وتلكـأت إسرائيل في التوصل إلى تسوية سياسية وأسرعت الخطى لتحقيق الشق الاقتصادي والأمني. وعقدتا قمة شرم الشيخ ووضعتا الآليات واللجان والتمويل لمكافحة النضال العربي ضد الاحتلال الإسرائيلي. 

ويعتبر قادة إسرائيل أن الإسلام العدو الأساسي لإسرائيل، لأنه يربط الأمة الإسلامية جمعاء بقضية فلسطين لمكانة القدس والمسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف لدى العرب والمسلمين.

نجحت إسرائيل في إتفاق الإذعان في أوسلو بفرض الأيديولوجية الصهيونية والمكونات الأساسية للأساطير والخرافات الصهيونية على القيادة الفلسطينية والتي اعترفت بإسرائيل بمضمونها الصهيوني. وتسعى جاهدة من خلال التطبيع ومن خلال التعديل والتبديل في المعتقدات والقبول بالأيديولوجية الصهيونية وانتصاراتها العسكرية إلى  تغيير الفهم العربي للعروبة والإسلام.

واشترك رئيس دولة العدو عيزر وايزمان والجنرال رابين وبيرس وشارون ونتن ياهو في بدء الحملة العالمية المعادية للإسلام والتنظيمات الإسلامية وحث بعض الحكام العرب على مواجهة التنظيمات الإسلامية وتخويفهم منها، وتسخير ياسر عرفات وسلطة الحكم الذاتي لتصفية الجهاد الإسلامي وحركة حماس والتأكيد على دور المنظمات الإسلامية والعمليات الإستشهادية في عرقلة السلام والأمن والتطبيع.

في بادئ الأمر ركزت الصهيونية والكيان الصهيوني واليهودية العالمية على القومية والوحدة العربية ويركزون حالياً بدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة الأميركية على الإسلام والمنظمات الإسلامية .

إن غياب الموقف العربي الموحد وفقدان التنسيق بين البلدان العربية والضغوط والإغراءات الأميركية مكنت العدو الإسرائيلي من تحقيق العديد من برامجه ومشاريعة لإقامة النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية معتمداً على دعم دولي وإقليمي كبيرين: من حكومة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ويهود العالم.

إن الأجيال العربية القادمة ستجد نفسها أمام خرائط جغرافية وسياسية واقتصادية ونفسية تختلف عن الخرائط التي سلّمها لنا الآباء والأجداد، وبالتالي يتحمل بعض الحكام العرب وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية هذا الإرث السييء الذي خلفناه للأجيال القادمة. إن ما يسمى بالسلام الذي يجري حالياً استسلام وإذعان من هؤلاء القادة للسلام الإسرائيلي القائم على العدوان والإرهاب والعنصرية والاستيطان ومصادرة الأرض والحقوق  وعلى هجرة اليهود وترحيل العرب، والقائم على الخرافات والأساطير والأكاذيب اليهودية التوارتية والتلمودية فالسلام الراهن يضع البذور لحروب قادمة في المنطقة، لأنه لم يقم على العدل، وإنما على القوة والدعم الأميركي المطلق للخرافات والأطماع اليهودية في الأرض والثروات العربية.

إن التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط الذي وضعت اليهودية العالمية وإسرائيل مخططاته ويلقى الدعم والتأييد الكاملين من الولايات المتحدة الأميركية محاولةً يهودية لإعادة صياغة الوطن العربي جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً بشكل يمنع أو يعرقل الأمة العربية من تحقيق الوحدة العربية. وتقود الشرق أوسطية إلى فرض هيمنة إسرائيل واليهودية العالمية على الاقتصادات العربية وتزيد من حدة التناقضات بين البلدان العربية في إطار الهرولة على التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني مع العدو الصهيوني. وتهدف إلى سلخ أوساط واسعة من رجال الأعمال العرب عن محيطهم العربي ودمجهم في الأطر والمؤسسات الإقليمية وتمتين علاقاتهم بالاقتصاد الإسرائيلي وخدمة التوجهات الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وبقية مناطق العالم.

إن مخاطر القمم والمؤتمرات الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا تكمن في أنها تهدف إلى جعل إسرائيل القائد والمحور والمركز لجميع المشاريع الشرق أوسطية، وكشريك إمبريالي يعمل لخدمة مصالحه ومصالح الإمبريالية. وتتجلى خطورة النظام الإقليمي الجديد بالوعود الكاذبة والمخادعة حول خلق الرخاء والازدهار لشعوب المنطقة ولكنه لا يحقق إلاّ مصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية ومصالح فئات عربية صغيرة جداً وعلى حساب الوطن والمواطن العربي.

■■■

الفصل الأول

القمم والمؤتمرات الاقتصادية

أولاً قمة الدار البيضاء

عقد مؤتمر القمة الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط، وشمال افريقيا في مدينة الدار البيضاء في المغرب في الثلاثين من تشرين الثاني 1994 واستمر ثلاثة أيام. فمن الذي وقف وراء عقد المؤتمر وما هي أهدافه ونتائجه؟

نظّم مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في نيويورك والمنتدى الاقتصادي الدولي دافوس بسويسرا عقد المؤتمر. وتقف المخابرات المركزية الأميركية وراء مجلس العلاقات الخارجية الأميركي كما أنها هي التي أنشأت المنتدى الاقتصادي الدولي في دافوس عام 1950.

واشتركت في الإعداد للمؤتمر مجموعة من المؤسسات الإسرائيلية والأميركية والأوروبية، ومنها”مؤسسة المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط ومقرها في إيرلندا ويطلق عليها اسم”جماعة الوشاح الأزرق” وأنشأتها المخابرات المركزية في أيار 1993.

وساهم بنك ليومي الإسرائيلي  والبنك الدولي وغرفة التجارة العربية الألمانية في الإعداد للمؤتمر ، وذلك لإخراج النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية إلى حيز الوجود.

وجهت المغرب الدعوة لأكثر من ستين دولة عربية وأجنبية وإلى رئيس البنك الدولي، ورئيس الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية وحرية التجارة الدولية(الغات) وعدة مصارف عربية وإسرائيلية، والمصرف الأوروبي للتنمية وخبراء ورجال أعمال زاد عددهم عن ألفين لحضور المؤتمر.

وانعقد المؤتمر بمناسبة مرور الذكرى السنوية الثالثة لانعقاد مؤتمر مدريد وقبل التوصل إلى حل بين أطراف الصراع حول انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من القدس والجولان وجنوب لبنان.

حدد الملك المغربي، الحسن الثاني الغاية من انعقاد المؤتمر وهي”إزالة المقاطعة العربية لإسرائيل واستكشاف ما يتوافر في المنطقة من فرص النمو الاقتصادي والاستثمار، وتوكيل رجال الأعمال والاختصاصين المتواجدين بمهمة تبادل الخبرات وتشكيل الإطار الملائم لرصد وتحديد الآليات المتعددة التي من شأنها تعزيز السلام.(1)

وتحدث في جلسة الافتتاح خلافاً للأصول والنظام وتقاليد المؤتمرات الجنرال اسحق رابين وشمعون بيريس مما فاجأ الحضور.

وكان الملك الحسن الثاني قد اعترف أن غاية انعقاد مؤتمر الدار البيضاء هي إزالة المقاطعة العربية لإسرائيل. وأعلن أن المقاطعة العربية قد سقطت بشكل عملي بعقد مؤتمر الدار البيضاء الذي أفرغ قرار المقاطعة من معناه.(2)

وتحدث وارن كرستوفر، وزير الخارجية الأميركية في الجلسة الافتتاحية وأكد أن المؤتمر يهدف إلى تأمين دمج إسرائيل في الشرق الأوسط اقتصادياً وإعطاء عملية التسوية بُعداً اقتصادياً مما يجعل من الصعب على أطرافها التراجع عنها. ودعا إلى إصلاحات اقتصادية وإنهاء المقاطعة العربية واتخاذ خطوات عملية منها:

– دعم حرية انتقال العمل ورأس المال والسلع والأفكار.

– إنشاء بنك تنمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

– إنشاء هيئة إقليمية للسياحة ومجلس إقليمي لرجال الأعمال.

– عقد مؤتمر للمتابعة في عمان عام 1995.

وقال وزير الخارجية الأميركي”إن التقدم نحو سلام عربي إسرائيلي فتح الباب أمام تعاون اقتصادي لدعم السلام”.(3)

واتضح خلال عقد المؤتمر الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، وذلك بممارسة المزيد من الضغط والترغيب على الأطراف العربية لحملها على الإذعان للمخططات الإسرائيلية دون الأخذ بعين الاعتبار المواقف والحقوق والمصالح العربية.

اشتركت إسرائيل في المؤتمر بوفد كبير ضم تسعة وزراء من بينهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية وحوالي مئة شركة إسرائيلية ومسؤولي شركات كبرى ومؤسسات صناعية ومصارف تجارية.

ويعتبر عقد المؤتمر من أهم النجاحات التي حققها حزب العمل الإسرائيلي حول مخططاته لمستقبل المنطقة العربية من خلال الحروب العدوانية والتوسعية وفرض الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة والمفاوضات المنفردة والسرية والمباشرة برعاية الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل.

ويعبِّر عقد المؤتمر عن رغبة إسرائيل في حل أزماتها الاقتصادية على حساب البلدان العربية، ويكمّل الهجوم العسكري الذي قامت به في الخامس من حزيران عام 1967، والهجوم السياسي الذي شنته بعد مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاق الإذعان في أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة 1994، وبالتالي تكلل إسرائيل حروبها العدوانية بفرض مخططها الاقتصادي على الحكومات العربية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

لقد وصل الغرور والغطرسة برابين حداً وقف وأعلن فيه من على منصة قمة الدار البيضاء وأمام الملك الحسن، رئيس لجنة القدس وبنبرة تنمّ عن الاستفزاز والتحدي بأن مدينة القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.(4)

ولخص بيرس هدف إسرائيل من المؤتمر وقال:”الأولوية ستعطى لإخراج إسرائيل من عزلة استمرت نصف قرن عبر المشاركة في إنشاء اقتصاد إقليمي في الشرق الأوسط على غرار الاتحاد الأوروبي”(5).

المشاريع الإسرائيلية أمام القمة

جاء مشروع تأسيس بنك التنمية الإقليمي في مقدمة المشاريع التي عرضتها إسرائيل على المؤتمر ليقوم البنك بتنسيق السياسات الاقتصادية ويحدد الأولويات الإقليمية للسيطرة على المنطقة وتمويل مشاريع تخدم ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي وتطوره.

وتضمنت الوثيقة الإسرائيلية للمؤتمر مشاريع لإقامة قنوات بحرية من البحرين الأحمر والمتوسط إلى البحر الميت، وخطوط لنقل النفط والغاز من مصر وبلدان الخليج إلى إسرائيل، وميناء بحري ومطار جوي في العقبة، وطرق برية سريعة لربط إسرائيل بأوروبا من خلال الدول العربية، ومشروع عبّارات لربط إسرائيل مع مصر ودول الخليج، وشبكة كهربائية مشتركة لإسرائيل وسلطة الحكم الذاتي والأردن ومصر، ومشروع لنقل المياه من تركيا إلى إسرائيل وبعض البلدان العربية.

وتقسم الوثيقة منطقة الشرق الأوسط إلى خمسة مراكز حرصت فيها إسرائيل على عدم الجمع بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين سورية ومصر وهي:

1) المركز الشمالي ويضم سورية ولبنان مع إسرائيل.

2) مركز المنطقة العليا ويشكل سورية والأردن و الضفة الغربية وإسرائيل.

3) مركز المنطقة الواطئة ويضم الأردن والضفة الغربية مع إسرائيل.

4) المركز الجنوبي ويشمل مصر وقطاع غزة مع إسرائيل.

5) يربط المركز الخامس المراكز الأربعة الأخرى بطريق بري سريع .

وتشير الوثيقة الإسرائيلية إلى منطقة الشرق الأوسط والدور الذي يمكن أن تلعبه في أمن طرق التجارة العالمية واستقرارها وإلى الصراع العربي الإسرائيلي الذي تقول عنه إنه السبب في التطرف الديني الذي يهدد أمن المنطقة واستقرارها، مشيرة إلى أن النمو الاقتصادي والاجتماعي سيضمن السلام والأمن للمنطقة التي تمتلك حوالي 60% من موارد النفط في العالم.

وتؤكد أنه لابد من تنسيق إقليمي شامل لإقامة كيان إقليمي على غرار السوق الأوروبية المشتركة التي كانت بين دولها عداوات وكراهيات تفوق ما بين العرب وإسرائيل.

وتتناول الوثيقة: الشرق الأوسط الجديد، والتكامل الاقتصادي الإقليمي، والاستثمار في ظل السلام، ودور القطاع الخاص، والتخطيط الإقليمي الشامل، ومحاولات التعاون الممكنة والاحتياجات المالية.

وتقترح ثلاث مراحل لتنفيذ برامج التعاون الإقليمي:

المرحلة الأولى: وتشمل مشروعات ثنائية ومتعددة الأطراف.

المرحلة الثانية: قيام الشركات العالمية بتنفيذ المشروعات التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة مثل قناة  البحرين وتنمية التجارة الحرة والسياحة وتوليد الطاقة وتحلية مياه البحر.

المرحلة الثالثة: وتتضمن سياسة دمج مجتمعات المنطقة تدريجياً ودعم علاقات التعاون بين المؤسسات الرسمية في دولها.(6)

وأعطت الوثيقة الإسرائيلية أهمية خاصة للدول الصناعية تتمثل في إعطاء أدوار للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وتقول إن الولايات المتحدة هي قائدة عملية السلام وتمثل استثماراتها نصيب الأسد في المساعدات الأجنبية للمنطقة كما أن للدول الأوروبية مصالح فيها.

واقترحت إقامة سوق المشرق من مصر وسورية والأردن ولبنان وسلطة الحكم الذاتي وإسرائيل وتضم سوق المغرب: المغرب وتونس والجزائر.

وتحدثت عن اليابان والدور الرائد الذي تقوم به في مجال تنمية الإمكانيات السياحية وحماية البيئة في المنطقة وتتناول رأس المال اللازم لتنمية المنطقة وتقسمه إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: الأموال من داخل المنطقة. الفئة الثانية: رؤوس الأموال المقدمة من الشركات العالمية لأغراض الاستثمار. والفئة الثالثة: الموارد المالية الأجنبية المخصصة للأغراض الإنسانية.

وتطالب الوثيقة بمد أنابيب للنفط والغاز إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط مروراً بإسرائيل لنقل الزيت الخام والغاز الطبيعي من العراق ومصر والسعودية ودول الخليج.

وتشير إلى أن التجارة بين إسرائيل ودول الخليج والدول العربية الأخرى المجاورة تشكل المصدر الأساسي للتجارة الإقليمية.

وتقترح إقامة منطقة تجارة حرة مشتركة تشمل إيلات والعقبة وتضم مصر والسعودية.

وتؤكد أن قطاع السياحة يعتبر من القطاعات الهامة في العديد من دول المنطقة وتتركز عملية تنميته في ضرورة التعاون بين دول المنطقة من خلال فتح الحدود وتنوع السياحة: كسياحة الشواطئ على امتداد البحرين الأبيض والأحمر، والسياحة العلاجية في البحر الميت، والسياحة الصحراوية والشتوية وسياحة الغطس في البحر الأحمر.

الوثيقة المصرية إلى القمة والموقف العربي

قدمت مصر”وثيقة للتعاون والتنمية والاستثمار” تضمنت(58) مشروعاً اقتصادياً تبلغ تكاليفها(34) مليار دولار. وشملت مشروعات لإقامة طرق سريعة لربط المغرب العربي بالمشرق، وتسهيل انتقال البضائع والأفراد بين دول المنطقة، وخمسة مشروعات لربط الشبكات الكهربائية بالمغرب والمشرق، وسبعة مشروعات لبناء معامل لتكرير البترول، وستة مشاريع صناعية للملبوسات والصباغة وإنتاج مواد البناء والصناعات الحرفية ومشروعاً ضخماً للبتروكيماويات، وثمانية مشاريع سياحية لتنمية شاطئ البحر الأحمر، ومشاريع للمناطق الصناعية الحرة وسبعة مشاريع لاستخدام التكنولوجيا في ميدان المعلومات.

ووضعت مصر موقفها من التعاون الإقليمي في ثماني نقاط أساسية وهي:

1- تنمية سريعة للضفة الغربية وقطاع غزة.

2- التنسيق بين ما يتم في قمة الدار البيضاء وبين ما يجري في أطر أخرى  وإلاّ يؤدي مشروع إقليمي جديد إلى الإضرار بمشروع آخر قائم في المنطقة.

3- لا تستبدل مصر التعاون العربي بتعاون إقليمي، فكل منهما لن يكون بديلاً عن الآخر.

4- ترى مصر ضرورة أن تدعم عمليات التطوير الاقتصادي الإقليمي عمليات الإصلاح الوطني.

5- التركيز على دور القطاع الخاص في المنطقة في عملية التنمية.

6- التفكير الرشيد في آليات التنمية الإقليمية دون افتئات على ما هو قائم.

7- إطلاق الطاقات البشرية لاكتساب المعرفة الحديثة.

8- الاتفاق على صيغة مناسبة للتعاون العالمي لتدبير الأموال المطلوبة للمشاريع.

وطالبت الوثيقة المصرية بضرورة تحقيق عنصر الأمن لشعوب المنطقة وإخلائها من جميع أسلحة الدمار باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لإقامة نظام اقتصادي إقليمي ناجح وفاعل.

وأعلن وزير الخارجية المصري استحالة قيام السوق الشرق أوسطية مع استمرار إسرائيل  في احتلال أراضٍ عربية.

وشددت مصر على أولوية تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

واشتركت جميع دول الخليج بوفود رسمية وأبرزت مخاوفها في ثلاث نقاط أساسية.

1) تخشى دول الخليج أن تصبح الممول الكبير للمشاريع الإسرائيلية؟

2) تتردد بعض الدول بسبب السرعة الفائقة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل الانسحاب الإسرائيلي الشامل من القدس والجولان وجنوب لبنان. 

3) تخشى بعض الدول ان تلحق بعض المشاريع المقترحة الضرر بمشاريع مشابهة قائمة.

 واتخذ الوفد السعودي إلى المؤتمر موقفاً غير متحمس لإنشاء البنك بسبب الوضع الاقتصادي الراهن في السعودية وخشيتها من أن يطلب منها دفع حصة الأسد من أموال البنك، لذلك أكد الدكتور سليمان عبد العزيز وزير التجارة السعودي أن إجمالي المساعدات والمساهمات السعودية في مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية بلغت نحو(70) مليار دولار حتى عام 1993 وقال: “إن قضية التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا لا تمثل في الحقيقة مشكلة عدم توافر المؤسسات فلدى المؤسسات المالية الدولية والإقليمية والوطنية ما يفي باحتياجات التنمية في هذه المنطقة ودون حاجة لإنشاء مؤسسات إدارية جديدة تضيع الوقت والجهد”(7)

واقترحت البحرين أن تكون المنامة مقراً للبنك، بينما تجاهلته الإمارات العربية وسلطنة عمان.

وانتقد عدنان عمران، الأمين العام المساعد للجامعة العربية عقد المؤتمر مؤكداً “أن هذا الاجتماع أو غيره من مؤتمرات التعاون الاقتصادي لا يمكن أن تفيد الدول العربية إلاّ إذا تحقق السلام الشامل والعادل والدائم على جميع المسارات وانسحبت إسرائيل من الأراضي المحتلة”(8). وقال إن مؤتمر الدار البيضاء لا يحقق أي مصلحة عربية فإسرائيل تريد أن تأخذ دون أن تعطي حيث تنظر إلى المنطقة بشراهة.

اختلفت بعض الدول العربية المشتركة في المؤتمر حول بعض الآليات كبنك التنمية الذي أيدته مصر والأردن والمغرب وسلطة الحكم الذاتي وعارضته السعودية، حيث طالبت إسرائيل بتوفير رأس مال قدره (10)مليارات دولار تساهم دول الخليج بحوالي 40% منه. 

وكان الوفد القطري وكذلك الأردني من أكثر الأطراف العربية رغبة في التعاون المشترك مع إسرائيل وكانت المشروعات التي قدمها الوفد الأردني تعتمد على التعاون الوثيق معها. 

وتحدث القطريون عن أنبوب الغاز القطري إلى إسرائيل والذي تبلغ تكاليفه (5) مليارات دولار تدفعها قطر لكي تصدر الغاز إلى إسرائيل وغيرها. 

وغاب التنسيق العربي في المؤتمر بين الدول العربية. فكانت كل دولة عربية تعبّر عن مصالحها الوطنية فقط ولوحظ تهافت بعض الدول العربية الصغيرة نحو إسرائيل. لقد استضاف الملك الحسن قمة الدار البيضاء الاقتصادية تلبية لطلب إسرائيل ولإرضاء الولايات المتحدة الأميركية ويهود العالم. وكرسها لدمج إسرائيل في نسيج المنطقة العربية وخدمة مصالحها الاقتصادية حيث قال: “إن أبواب المغرب العربي ليست وحدها التي فتحت في الدار البيضاء (لإسرائيل) بل جميع أبواب العالم العربي”.(9) 

برز اتجاهان حول قمة الدار البيضاء في الساحة العربية: 

الاتجاه الأول: يرفض الاشتراك فيها ويرفض التطبيع مع إسرائيل، كما يرفض النتائج التي تمخضت عنها وينقسم هذا الاتجاه بدوره إلى تيارين: 

التيار الأول: يرفض التطبيع مع العدو الإسرائيلي. والتيار الثاني يربط التطبيع معه بالانسحاب الكامل من الجولان وجنوب لبنان والضفة والقطاع وذلك لأسباب إقليمية ودولية. 

والاتجاه الثاني: يوافق على التطبيع والنتائج التي تمخضت عنها القمة وينقسم بدوره إلى تيارين: 

التيار الأول: يتحمس للتطبيع والنتائج التي تمخضت عنها القمة ويبرر موقفه بأنه لا يريد أن يترك الكعكة لتنفرد بها إسرائيل. 

والتيار الثاني: يقابل عملية التطبيع ببرود ويطالب بتحسين العلاقات العربية -العربية. 

أرست القمة الأسس النظرية والعملية ووضعت الآليات والمشاريع لمستقبل التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وإسرائيل، وذلك لحل أزمات إسرائيل الاقتصادية وتحقيق التقدم والازدهار فيها على حساب البلدان والثروات العربية. وتشكل النتائج التي تمخضت عنها تحدياً لمؤسسات العمل العربي المشترك، كما أن الاستمرار في عقدها يجعل منها مؤسسة إقليمية هامة تقود إلى التدمير البطيء والمستمر للوحدة الاقتصادية والسوق العربية المشتركة. 

بيان القمة الختامي 

ينص البيان الختامي للقمة على أن المشاركين قرروا وضع أسس مجموعة اقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا تقتضي في مرحلة معينة تدفق البضائع ورأس المال واليد العاملة، وإنشاء مكتب إقليمي للسياحة ودعم إنشاء غرفة تجارة إقليمية ومجلس للأعمال. وإن مجموعة الخبراء ستدرس خيارات مختلفة لآليات التمويل بما فيها إنشاء مصرف للتنمية. وبالنسبة للمقاطعة العربية فقد سجل المشاركون في هذا الإطار بارتياح قرار مجلس التعاون الخليجي برفع الدرجتين الثانية والثالثة من إجراءات مقاطعة إسرائيل.(10) وأسفرت القمة عن نتائج هامة جداً لإسرائيل منها الاعتراف بدورها الإقليمي وإلغاء المقاطعة العربية وهرولة بعض الدول العربية لبحث كيفية التعامل والتعاون والتنسيق معها. وستقود نتائج القمة الاقتصادية إذا استمر عقدها وإذا استمر الوضع العربي في التدهور إلى إحلال دور إسرائيل محل دور مصر في قيادة البلدان العربي والمنطقة، وبالتالي تهميش دور مصر وتحويلها إلى دولة ثانوية والقضاء على دور العرب في القرن الحادي والعشرين. 

إن قمة الدار البيضاء لا يمكن أن تحقق أي مصلحة عربية ولا يمكن أن تفيد الدول العربية ما دامت إسرائيل تهدف إلى إجبار العرب على القبول بالمزاعم والخرافات والأساطير اليهودية والشروط والإملاءات الإسرائيلية. وتهدف إسرائيل منها ومن القمم الاقتصادية الأخرى مشاركة العرب في المياه والنفط والأموال والأسواق والاستمرار في اغتصاب الأرض والحقوق العربية. وتتجلى خطورتها بأنها أخرجت مخططات إسرائيل من مراكز البحث والتخطيط والدوائر الرسمية إلى حيز الواقع والتنفيذ وكرست التطبيع والمصالحة والتعاون ولا تزال إسرائيل تتمسك باحتلال القدس والجولان وجنوب لبنان وتمارس أبشع أنواع القمع والإبادة والعنصرية والتمييز العنصري. 

إن مشاركة الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي في القمة والموافقة على الإسراع في التطبيع والجنرال اسحق رابين يعلن فيها أن القدس الموحدة ستبقى عاصمة إسرائيل الأبدية يظهر بجلاء عنجهية إسرائيل وأطماعها التوسعية ومدى الإذلال والخنوع الذي وصلت إليه الأطراف العربية المشاركة فيها. إن إسرائيل هي المستفيد الأول من القمة والنتائج التي تمخضت عنها، لأنها في حاجة إلى الاستثمارات العربية والأجنبية والأيدي العاملة العربية الرخيصة والمواد الخام والمياه والنفط والغاز والأسواق وإلغاء المقاطعة والتطبيع وأعطتها القمة كل ذلك وأكثر منه، فقمة الدار البيضاء هي قمة شمعون بيرس واسحق رابين وقمة إسرائيل حيث وضعت مفاتيح الاقتصادات العربية في يد العدو الإسرائيلي وأنهت عزلته والمقاطعة له، وقضت على مخاوف رجال الاستثمار في أوروبا وأميركا ودول الخليج. وحضرها العرب وهم لا يدركون خطورتها وإنما تلبية لرغبة الولايات المتحدة الأميركية. 

ولكن الدور الذي ستعطيه إسرائيل للعرب المتعاونين معها هو دور الخدم والأجراء والسماسرة والعملاء. ويخطئ من يعتقد منهم أن إسرائيل تعتبره من الشركاء المتساوين معها، وإنما تعطيه فقط بعض المال من جيوب الآخرين لقاء فتح الأبواب المغلقة أمامها. 

إن القمة استسلام مهين من الدول العربية المشاركة فيها لإسرائيل، لأن بعض دول النفط ستجبر على فتح أبوابها وأسواقها وخزائنها أمام إسرائيل قبل التوصل إلى الحل العادل والانسحاب الكامل، مما يشكل خيانة للمصالح والمقدسات العربية والإسلامية، وخيانة لحقوق الأمة ومصالحها وشهدائها. 

■■■

ثانياً: قمة عمان الاقتصادية 

انعقدت القمة الاقتصادية الثانية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في عمان بتاريخ 29-31 تشرين الأول عام 1995. وبلغ عدد الدول المشاركة فيها (63) دولة، بينما اشتركت في قمة الدار البيضاء (60) دولة. وارتفع عدد الدول العربية المشاركة من (12) دولة في الدار البيضاء إلى (13)دولة في عمان، وذلك بانضمام موريتانيا بناء على رغبة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهوداً كبيرة لإنجاح القمة وتثبيت ما تم الاتفاق عليه في قمة الدار البيضاء وتأسيس آليات لتحقيقه. 

تحدث كلاوس شفاب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي عن طبيعتها وقال: “إن قمة عمان الاقتصادية خطوة مكملة لقمة الدار البيضاء، حيث أن قمة الدار البيضاء شكلت البداية وقمة عمان ستقوم الآن بالخطوات العملية” (11)

اتسم الموقف العربي في القمة بين مؤيد بدون تحفظ، يؤيد التعاون الإقليمي الشرق أوسطي بديلاً عن التعاون العربي، ويحاول الحصول على رضى الولايات المتحدة الأميركية وبعض المنافع الاقتصادية من جراء هرولته نحو إسرائيل، وبين مؤيد بتحفظ طمعاً في الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية. 

قاطعت سورية ولبنان قمة عمان من منطلق رفض أي تعاون اقتصادي مع إسرائيل إلى أن تنصاع إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومرجعية مدريد (الأرض مقابل السلام)، والمطالبة بوجوب التروي والحذر في التعاون مع إسرائيل إلى أن تنسحب من الجولان وجنوب لبنان والقدس العربية. 

وكانت سورية حاضرة في المؤتمر على الرغم من غيابها، وذلك لموقفها من السلام العادل والشامل المتميّز برفض الشرق أوسطية والمفاوضات المتعددة الأطراف والتمسك بالهوية العربية. وجسّد عقد قمة عمان المضي في التطبيع قبل إقامة سلام عادل وشامل يعيد جميع الأراضي المحتلة والأماكن الدينية والحقوق المغتصبة، كما يعني عقدها التنازل عن آخر ورقة في يد العرب والقبول بوجهة النظر الإسرائيلية في بدء التعاون الاقتصادي بغض النظر عما يجري على الجانب السياسي، وبالتالي تمكين إسرائيل من تحقيق مخططاتها السياسية والاقتصادية والقضاء على فرص تحقيق السلام العادل والشامل.

إن قمة عمان رمت، كقمة الدار البيضاء، إلى فك عزلة إسرائيل السياسية وتحقيق مرحلة متقدمة من التطبيع والنفاذ إلى كل سوق وبيت عربي تحت غطاء خادع ومضلل وكاذب وهو تأمين الرخاء والرفاهية لشعوب المنطقة، بينما هدفها الحقيقي الحصول على الأسواق والثروات والأموال والعمالة العربية تحقيقاً لمصلحة إسرائيل ويهود العالم وفرض الهيمنة الإسرائيلية على الوطن العربي. وتعتبر امتداداً لقمة الدار البيضاء ولكن الفرق بينهما هو أن القمة الأولى أعلنت المبادئ العامة للتعاون الإقليمي والشرق أوسطية، بينما وضعت قمة عمان الآليات لتنفيذها، أي أوجدت المؤسسات التي تعيد تشكيل المنطقة من جديد وفقاً للمخططات الإسرائيلية. 

الأردن والقمة 

تحدث الأمير حسن في جلسة افتتاح القمة عن طبيعة القمة الاقتصادية الأولى والثانية وقال: “لقد بينت قمة الدار البيضاء التي استضافتها المغرب قيمة التعاون بين دول المنطقة، كما أنها أوجدت لشعوب المنطقة فرصة للتعرف على بعضها البعض، ونحن نأمل من خلال قمة عمان الانتقال إلى المستوى التالي من هذه العملية فهذه القمة تشكل فرصة للبدء في عملية إعادة بناء اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأفضل الأساليب العملية الممكنة.”(12)

ومضى ولي العهد الأردني في القمة يقول: “يجب على حكومات الشرق الأوسط خلق. بيئة مناسبة للتعاون الإقليمي.. إن هدفنا بعيد المدى يجب أن يتركز على إزالة كافة القيود من المنطقة وتحررها سواء كان في إبعاد التجارة أو الاستثمار أو العمالة أو رأس المال أو الخدمات، فتجارة أكثر حرية في المنطقة تساهم في تعزيز السلام والازدهار”(13). 

وأبدى الأمير حسن تصوره وما يسعى الأردن إلى تحقيقه من خلال القمة قائلاً: 

“لقد تم طرح اقتراح (إسرائيل) بأن تبدأ هذه العملية باتفاقية تجارة حرة تضم دول المحور: 

الأردن ومصر والفلسطينيين وإسرائيل والتي يمكن أن تتطور إلى اتحاد جمركي وسوق مشتركة في نهاية الأمر.. إن إمكانية إنشاء منطقة مزدهرة ذات حجم معقول وتجارة مفتوحة وقاعدة مهارات متنوعة يمكن أن تساعد في خلق سوق جديدة تجذب رأس المال الأجنبي والاستثمار لكل الشركاء وهو ما تحتاجه المنطقة كثيراً”. 

وترأس الأمير الحسن جلسة العمل الرئيسية تحت عنوان “المجموعة الدولية في دعم ركائز الاقتصاد لبناء السلام وأعلن فيها كرئيس للمؤتمر التوقيع على تشكيل مجلس الأعمال الإقليمي، حيث وقعه عن الجانب الأردني، وزير الصناعة والتجارة علي أبو الراغب، وعن الجانب المصري وزير الاقتصاد محمود أحمد محمود، ووزير التجارة الإسرائيلي، وأحمد قريع عن سلطة الحكم الذاتي. وأعلن أيضاً عن مراسم التوقيع على تأسيس الهيئة الإقليمية للسياحة، ووقعها وزير السياحة الأردني عبد الإله الخطيب، ووزير السياحة المصري، ممدوح بلتاجي، ووزير السياحة الإسرائيلي عوزي برعام، ومدير التعاون الدولي في سلطة الحكم الذاتي، نبيل شعث، ووزير السياحة القبرصي اليكيس ميناليدس، ووزير الاستثمارات الخارجية التونسي، محمد غنوشي وأمين عام وزارة السياحة المغربي مصطفى علوي. وأكد الأمير الحسن، رئيس المؤتمر في مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية الأميركي وارن كرستوفر ووزير التجارة الأميركي رونالد براون “ان موضوع التجارة نال قسطاً كبيراً من مناقشات المؤتمر في اليوم الأول، وان مؤسسات بنك التنمية ومجلس قطاع رجال الأعمال وهيئة السياحة يمكن أن تعتبر نماذج للنهوض بالتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط”(14) 

وتحدث واصف عازار، أحد أبرز رجال القطاع المصرفي الخاص في الأردن عن أهداف القمة وقال: “إن من أهداف القمة توجيه اقتصادات المنطقة نحو التداخل لكي تصبح المنطقة مستقرة أمنياً”(15). 

وأبدى د. رؤوف أبو جابر، رئيس شركة الاستثمارات العامة الأردنية رأيه في المؤتمر وقال إنه سيكون للمؤتمر فرصة كبيرة في قيام الدول في المنطقة بفتح حدودها مضيفاً ” أن أسواق الضفة الغربية مغلقة بالكامل أمام المنتجات الأردنية وإن السوق الفلسطينية أسيرة لإسرائيل حيث الاقتصاديين ورجال الأعمال والمصانع الإسرائيلية يحصلون على حوالي 1.7 مليار دولار سنوياً من هذه السوق معرباً عن أمله في أن تسهم القمة باعتبارها تظاهرة كبيرة في تخفيف القيود المفروضة على التجارة في المنطقة وصولاً إلى حرية التجارة بشكل كامل(16). وتعتبر إسرائيل المستفيد الأكبر من المشاريع السياحية التي قدمها الأردن للقمة، لأنها في الأساس أفكار ومشاريع إسرائيلية وبشكل خاص ريفيرا البحر الأحمر على خليج العقبة، ومشاريع اخدود وادي الأردن وتوسيع مطار العقبة مما يزيد من التدفق السياحي إلى المنطقة والتي ستحصل منه إسرائيل على حصة الأسد. وتتطابق الكثير من المشاريع التي طرحها الأردن في القمة مع المخططات الإسرائيلية، فأعلن وزير النقل الأردني سمير قعوار أن مشاريع النقل تتركز في منطقة العقبة حيث سيتم طرح مشاريع لإقامة وتحسين خطوط السكة الحديدية لربط شمال الأردن بجنوبه وشرقه بغربه. أما في مجال ميناء العقبة فإن هناك العديد من المشاريع تشمل إقامة أرصفة متعددة الأغراض لشحن السلع بالإضافة إلى رصيف المسافرين. أما في مجال النقل الجوي فأشار الوزير إلى أن الحكومة الأردنية ستقوم بتوسيع مطار العقبة الحالي  وتحديثه ليخدم منطقة خليج العقبة حيث اتفق مع الحكومة الإسرائيلية على أن يكون هذا المطار مطاراً دولياً مشتركاً” (17). 

المواقف العربية في القمة 

وضع القائمون على قمة عمان عنواناً اقتصادياً لها، ولكنها في حقيقة الأمر قمة سياسية واقتصادية تسعى إلى إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل وفك  عزلتها وانفتاح العرب عليها لتحقيق أهدافها ومطامعها ومخططاتها في البلدان العربية. 

وكان من أهم نتائجها انتهاك جميع القرارات السياسية والاقتصادية التي اتخذتها مؤتمرات القمم العربية وخاصة مؤتمر القمة العربي الاقتصادي في عمان. 

تحدث الملك حسين عن أهداف قمة عمان فقال: “تهدف (القمة) إلى ضمان فكرة أن السلام الذي نبنيه سينمو ليحمل ثمار الرخاء والاستقرار لأنفسنا وللأجيال المقبلة”(18). 

لقد تباينت المواقف العربية في قمة عمان، ففي الوقت الذي ركز فيه الأردن على أهمية التعاون الإقليمي والمشاريع المشتركة مع إسرائيل، وطالبت المغرب  الدول العربية الإسراع في تطبيع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، وصلت الهرولة العربية غير المسؤولة حداً قال فيه وزير خارجية عُمان “إن ضغوط بعض الدول العربية لإبطاء عملية التطبيع مع إسرائيل مبالغ فيها ولا لزوم لها، وأضاف مؤكداً ضرورة التعاون مع إسرائيل لتشجيعها على المضي في المسيرة السلمية”.(19) وأكدت مصر في المؤتمر أن السلام هو الأساس لتحقيق التنمية والتعاون، وإن الحل النهائي يجب أن يتضمن قيام الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. 

وأعلن رجال الأعمال العرب عن موقفهم في المؤتمر قائلين إنهم جاؤوا من أجل (البزنس) وقال بعضهم “علينا أن نترك السياسة وراء ظهورنا ونعمل على تعظيم الربح(20)”، وبالتالي تبنوا الموقف الإسرائيلي القائم على المطالبة بفتح الحدود وإزالة الحواجز والعقبات أمام التجارة والموقف الأميركي المنادي بالإصرار على إنهاء المقاطعة العربية قبل تحقيق السلام العادل والشامل. 

كما أعلن يوسف بطرس غالي، وزير التخطيط والتعاون الدولي المصري أن مؤتمر قمة عمان الاقتصادي يؤدي دوره الأساسي ويضع حجر الأساس للكيان الاقتصادي المتكامل في المنطقة. وقال إن مؤتمر الدار البيضاء وضع الحجر الأول ومؤتمر عمان جاء لتكملة مسيرة البناء مشيراً إلى أن مثل هذه المؤتمرات ستحدد الرؤيا الإقليمية المستقبلية في إقليم الشرق الأوسط. وبيّن أن الاندماج الاقتصادي بين هذه الدول شيء طبيعي(21). 

كانت بداية قمة عمان سياسية جداً، حيث سمع العرب من الجنرال اسحق رابين وشمعون بيرس كلاماً أشد قسوة وفظاظة من الكلام الذي سمعوه عن القدس والتعاون الاقتصادي مع العرب في قمة الدار البيضاء، كلاماً ينم عن الاستعلاء والعنصرية ويقوم على الغطرسة والكذب والأطماع اليهودية. سمع العرب كلاماً قاسياً من رابين عن القدس والتاريخ والمستقبل وكلاماً أكثر قسوة من بيرس عن التعاون الاقتصادي ولم تصدر عنهم ردة فعل واحدة، بل قام ياسر عرفات وأعلن في القمة” أن سفاره أميركا لن تنتقل من تل أبيب إلى القدس، بعدما تلقى ضماناً من الرئيس الأميركي، أبلغه إليه شخصياً وزير التجارة الأميركي رون براون”.(22) وطالب عرفات بضمان حرية انتقال السلع والأشخاص والخدمات كشرط أساسي لتحقيق أي نجاح اقتصادي، وبالتالي عبّر عن تبنيه للموقف الإسرائيلي. 

وقال عمرو موسى، وزير خارجية مصر في المؤتمر: 

“وجوهر القول هنا إن مبدأ الأرض مقابل السلام يظل هو المبدأ الحاكم على الساحة الفلسطينية السورية أو اللبنانية وبهذا نأتي إلى تصور المستقبل فلا يمكن لمصري أو لعربي ولا لمهتم بالسلام ومستقبل الشرق الأوسط أن يتصور حلاً نهائياً ولا سلاماً شاملاً دون قيام دولة فلسطينية مستقلة أو دون انسحاب شامل من أراضي سورية ولبنان أو دون اتفاقيات وإجراءات تضمن الأمن للجميع يأتي في مقدمتها إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط”(23). 

وشهد المؤتمر خلافاً بين مصر والأردن حول كيفية التعامل مع إسرائيل وتطبيع العلاقات العربية معها، حيث أثارت كلمة هرولة التي وردت في خطاب وزير الخارجية المصري جدلاً سياسياً حامياً في المؤتمر عندما قال: “علينا أن نتفاعل مع التطورات وإن يكون تفاعلنا بكل عقل وثقة وحكمة وليس مظاهرة ولا هرولة”. 

وعقب الملك حسين على كلمة هرولة التي أطلقها وزير الخارجية المصري وقال: 

“إن الأردن كان أول المهرولين لأن هذه العبارة قد استخدمت أكثر من مرة عندما تبع الأردن الشقيقة مصر وسلمها قيادة جيشه ومصيره قبل 28 عاماً وكان في طليعة المهرولين بالنسبة إلى كل لقاء عربي وأضاف يقول: “أما إذا كان التوجه نحو السلام هرولة فقد سبقتنا الشقيقه الكبرى في الهرولة قبل (17) عاماً. وإذا كان في البال محاولة جادة مخلصة للتعويض عن كل ما فاتنا من وقت فنحن لا نهرول فقط وإنما نركض باتجاه تعويض الوقت لنعطي إنساننا الحياة التي يستحق حرة كريمة”(24) وكانت مصر وقطر قد تقدمتا بطلبين لاستضافة القمة الاقتصادية الثالثة في القاهرة والدوحة. وتابع الملك حديثه وقال: “فيما يتعلق باللقاء القادم أرجو أن يوفق المؤتمر في انتخاب الموقع والمكان لأن هناك دعوة إلى اللقاء في القاهرة، لكن أيضاً هناك دعوة من دولة شقيقة في الخليج وقد يكون من المناسب أن يكون اللقاء بعد أن كان في افريقيا والمتوسط أن يكون في الخليج”.

وجاء في البيان الذي ألقاه د. عاطف عبيد، وزير قطاع الأعمال والدولة للتنمية الإدارية باسم مصر التأكيد على التكامل داخل الاقتصاد العالمي والتعاون الاقليمي من أجل التنمية السريعة وتوافر الطاقة الكهربائية في مصر وكذلك الطرق والبترول وخطوط التلفونات اللازمة للمشروعات الاستثمارية، مشروعات الكهرباء والنقل والبترول والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والموارد البشرية والتكنولوجيا المتقدمة. وانطلقت وجهة النظر المصرية في القمة من أن عملية الهرولة الاقتصادية نحو إسرائيل غير مطلوبة في الوقت الحاضر لحين استعادة العرب أراضيهم المحتلة وتفكيك ترسانة إسرائيل النووية، بينما رأت الأردن أن تسرع إلى الاستفادة من الأوضاع الجديدة لتحقيق أكبر مكاسب اقتصادية ممكنة، واتهمت مصر بأنها كانت أول من هرول نحو إسرائيل عندما وقعت اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية. وكانت قطر وعُمان من أكثر بلدان الخليج هرولة نحو إسرائيل وتلبية شروطها وخدمة مصالحها ووقعت قطر اتفاقاً معها حول الغاز السائل. 

وأعطى المؤتمر مشروعية للتعاون العربي مع إسرائيل عبر البوابة الأردنية إلى دول الخليج العربية. 

“إن إسرائيل ليست دولة عادية، لأسباب عدة، ولا يمكن أن ينظر إليها العرب كدولة عادية، هي أولاً مشروع، ففي الوقت الذي يذهب فيه العرب إلى قمة عمان تأخذ إسرائيل القدس، ومن هنا لا يمكن افتراض أننا ندخل في تعاون اقتصادي مع إسرائيل وكأننا في تعاون مع دولة ما كبلجيكا مثلاً. ثانياً إن مشروع إسرائيل هو استيعاب مهاجرين جدد ولو على حساب أهل المنطقة، فمشروعها لن ينتهي وهي لا تخفي ذلك. ثالثاً إنها قوة قوية ولا تريد أن تتنازل عن ذلك. ورابعاً، إننا حيثما نتعامل مع إسرائيل إنما نتعامل في حقيقة الأمر، مع الولايات المتحدة”(25). 

الموقف الأميركي في القمة 

بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهوداً كبيرة لإنجاح القمة وتثبيت ما تم الاتفاق عليه في قمة الدار البيضاء. وتنطلق من فكرة أن السلام واتفاقيات أوسلو ووادي عربة لن تدوم دون منافع اقتصادية تجنيها شعوب المنطقة عن طريق فتح الحدود أمام التجارة والسياحة والعمالة والاستثمار. ويخدم تسويق هذه الفكرة الأميركية عدة أهداف إسرائيلية فهي تعمل أولاً على ترسيخ اتفاق الإذعان في أوسلو، وثانياً تجني إسرائيل من جراء ذلك الأرباح الاقتصادية الهائلة، لأن الفائدة الاقتصادية في المنطقة ستعود عليها وعلى يهود العالم بالدرجة الأولى والولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الثانية. وصاحب قمة عمان قرار الكونغرس الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس خلافاً للتعهدات الأميركية وقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي. وماطلت إسرائيل في تحقيق التقدم على المسارين السوري واللبناني وزادت من ممارسة الإرهاب والاغتيالات والعقوبات الجماعية. 

ألقى وارن كرستوفر، وزير الخارجية الأميركي كلمة باسم الرئيس الأميركي بيل كلنتون حددت سلفاً النتائج التي يجب أن تتمحض عنها القمة وقال: “إننا نعلم أن السلام يجب أن يصل إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية والوثائق، وأن الاتفاقات هي أساس السلام لكن حقيقة السلام موجودة في الأفعال وليس الكلمات، السلام هو طفرة البناء في غزة وزيادة الاستثمار أربع مرات في إسرائيل. إن هذه الرؤية لسلام مزدهر جمعتنا للمرة الأولى في الدار البيضاء وهنا في عمان سوف نوفي ما حققناه هناك. وسنعلن إنشاء مجموعة من المؤسسات الإقليمية التي تشترك في هدف واحد هو تحسين قدرة القطاع الخاص للتجارة في الشرق الأوسط وترويج تنمية المنطقة وتعاونها: أولاً سننشيء بنك التعاون والتطوير الاقتصادي. ثانياً: القمة ستنشيء مجلس الشرق الأوسط للسياحة والسفر ثالثاً: سيتم إنشاء المجلس الإقليمي للأعمال بمشاركة القطاع الخاص والحكومات وسيكون المجلس مقراً دائماً لتبادل المعلومات وتطوير فرص الاستثمار. وهنا في عمان يجب أن نطوِّر ما بدأناه في الدار البيضاء. ويجب أن نؤكد على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فعلى الحكومات وضع الأسس للسلام والازدهار لكن للقطاع الخاص الفرصة لبناء سلام معزز بالازدهار المتنامي”(26). 

ودعا كرستوفر الدول العربية إلى إلغاء مقاطعة إسرائيل وقال إنها تعيق الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تكامل اقتصادي في الشرق الأوسط وإن الوقت قد حان لإلغاء المقاطعة تماماً. 

وأكد رونالد براون، وزير التجارة الأميركي أن مشاركة (1600) شخص في افتتاح القمة ومن ضمنهم (160) شركة أميركية لهو دليل قاطع على مدى الاهتمام بها. 

وقالت روت هاركين، رئيسة المؤسسة الدولية للاستثمار” إن المؤتمر أتاح فرصة لرجال الأعمال الأميركيين لبدء نشاطهم الاقتصادي في هذه المنطقة على المدى الطويل”(27). 

وسعت الشركات الأميركية إلى حصاد أكبر الحصص وانتزاع أكبر نصيب من العقود مستغلة وجود نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ووزير التجارة والكثير من رجال الأعمال وممثلي الشركات الأميركية الكبرى. 

إسرائيل والقمة 

أصبحت القمم الاقتصادية آليات دائمة لتحقيق الشرق الأوسط الجديد كما خططت له إسرائيل. وفي الوقت الذي حققت فيه إسرائيل من خلالها التقدم على الصعيد الاقتصادي مع البلدان العربية، حدث تراجع على الصعيد السياسي. 

لقد ألحقت إسرائيل الخراب والدمار والتخلف باقتصادات البلدان العربية من جراء حروبها العدوانية واعتداءتها المستمرة. وحصلت على الأموال الطائلة من الولايات المتحدة وألمانيا ودول أوروبية أخرى دعمت بها حروبها العدوانية واغتصابها الأرض العربية وتوطين المهاجرين اليهود فيها. 

وتعمل حالياً بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية على ابتلاع الأموال والأسواق والثروات العربية مقابل اتفاقات ذل وإذعان كاتفاقيتي أوسلو ووادي عربة. 

ونشطت إسرائيل في قمة عمان لتصبح المركز الرئيسي للنقل البري والبحري والجوي مع البلدان العربية وبينها وبين أوروبا وافريقيا لشطب مؤسسات العمل العربي المشترك وفرض مواقفها ومصالحها على العرب المشاركين في القمة. 

عبر الوفد الإسرائيلي للقمة عن معظم أطماع إسرائيل التوسعية ومخططاتها الاقتصادية بدءاً من التمسك باحتلال القدس العربية ومروراً بفرض الاذعان السياسي على العرب وجني الأرباح الطائلة، فاعتبر الوفد الإسرائيلي أن السلام السياسي قد انتهى وأن حضوره المؤتمر هو من أجل صنع المال. ووضعت إسرائيل وبدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة الدول العربية أمام خيار من اثنين: فأما التبعية لها أو التهميش والعزل، وكلا الخيارين مُر  والواحد أكثر مرارة من الآخر. 

بدأ الجنرال رابين حديثه في القمة وقال: “وصلت إلى عمان قبل ساعات من القدس، عاصمة إسرائيل وسأعود إلى داري بعد دقائق: “(28) وأكد أن مؤتمر الدار البيضاء كان الخطوة الأولى المهمة ولكن لقاء عمان يعتبر أوسع وأكبر مؤتمر دولي يعقد في الشرق الأوسط وأن إسرائيل تسعى ليكون لها دور مع دول المنطقة. 

وشن شمعون بيريس من عمان هجوماً قاسياً على سورية واتهمها بأنها تعرقل عملية السلام. وهاجم بشكل وقح الدول العربية بسبب موقفها من القدس وقال بشكل مسرحي إنه ذهل من التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية المصري في الجلسة الافتتاحية لأنه انتقد القرار الأميركي حول القدس وقال بيرس بصلف منقطع النظير إن القدس ستظل عاصمة إسرائيل لمئات السنين ولن يتم تقسيمها أبداً. 

إن الموقف الإسرائيلي الذي أعلنه بيرس في عمان أمام حضور معظمه من العرب يدل دلالة واضحة على عدوانية إسرائيل وأطماعها التوسعية ووقاحتها وتصميمها على الاستهتار بالعرب ومقدساتهم. وشجعها على ذلك سكوت الأردن على أطماع إسرائيل في القدس والتي كانت العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية إلى أن احتلها الجنرال رابين من الأردن في السادس من حزيران عام 1967. 

ووصلت وقاحة قادة إسرائيل وأكاذيبهم ذروتها في المؤتمر الصحفي الذي عقده بيرس على هامش قمة عمان وقال إن إسرائيل ليست في حاجة إلى علاقات اقتصادية مع العرب وإنما تريد رفع مستواهم الاقتصادي وإنه ليس للدول العربية اقتصاد وإنما فقر وإن أحداً لا يرغب في الهيمنة على الفقر. 

وعلقت سيدة عربية مشاركة في قمة عمان على تصريحات بيرس وسواه من المسؤولين الإسرائيليين وقالت: “لم يتعلموا بعد احترام الرأي العام العربي” وأضافت إنْ نعمل من أجل ترسيخ السلام شيء وأن نتبنى وجهات النظر الإسرائيلية شيء آخر”.(29).

وعلق رجل أعمال مصري على تصريحات بيرس وقال إن بيرس تخلى عن دبلوماسيته وتخلى عن المنطق أيضاً وتابع بيرس تصريحاته الاستفزازية الوقحة في العاصمة الأردنية وقال إن إسرائيل ليست في حاجة إلى التجارة مع العرب بل مع الدول الغربية المتقدمة وإن الأدمغة الإسرائيلية ستدر هذا العام أكثر مما ستدر آبار النفط السعودية. 

إن بيرس يكذب عندما يقول مثل هذا الكلام “فاليهود أساتذة في فن الكذب”، كما أنه يناقض نفسه ويحمل هذا التصريح في طياته العنجهية والصلف والعنصرية اليهودية، وخاصة إذا ما عاد المرء إلى التصريحات الإسرائيلية حول الخسائر التي سببتها المقاطعة العربية والمحاولات والضغوط الأميركية لإلغائها، كما أن الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة في أمس الحاجة إلى الأسواق العربية. 

أما الأدمغة الإسرائيلية التي يتحدث بيريس عنها فهي في الأساس أدمغة أوروبية وأميركية جاءت إلى إسرائيل عن طريق الهجرة إليها إذ قام الموساد بسرقتها، ولم تدفع إسرائيل شيئاً في تعليمها. 

إن إدعاء بيريس أن الهدف من التعاون الاقتصادي مع العرب هو خدمة العرب، وإن لا مصلحة لإسرائيل من وراء ذلك يظهر التضليل والرياء الإسرائيلي وغطرسة بيريس واستعلائه على العرب، لأن إسرائيل وحروبها العدوانية ومجازرها الجماعية هي سبب الخراب والدمار والتخلف الذي حل بالعرب، وهي المسؤولة عن التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. 

وركزت الوثيقة التي وزعتها إسرائيل في القمة على موضوعين: الأول: ضرورة ان تعكس السوق الإقليمية نمط الحضارة الغربي وجو التنافس الحر بدلاً من وضع الحواجز في الطريق. والثاني: عدم ربط العلاقات الاقتصادية بعملية السلام، أي أن العلاقات الاقتصادية يجب أن تسبق الحل السياسي. وأكدت الوثيقة أن هدف إسرائيل الأساسي هو إنشاء سوق مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة. وتعطي منطقة الصدع الممتدة من سورية إلى البحر الأحمر لتتصل بمصر والسعودية أهمية خاصة. كما تولي شرق الأردن أهمية مميزة “من أجل إفشال إعادة بناء جبهة شرقية فعالة بمشاركة سورية وقوات يمكن إرسالها من العراق، أما عُمان فهي مهمة لإسرائيل كموقع على الخليج العربي والمحيط الهندي من أجل صد العراق وإيران”(30).

وكانت أهم المشاريع التي تم الاتفاق عليها في قمة عمان، هي مشاريع أردنية -إسرائيلية، ومنها إقامة مصنع لإنتاج البرومين من البحر الميت، ومصنع لإنتاج الأسمدة، ومشروع الربط الكهربائي، ومشروع “ريفيرا” الشرق الأوسط في العقبة وإيلات، على أن تكون الفنادق في إيلات والسياحة في المناطق العربية. 

وتعطي الوثيقة الإسرائيلية أهمية خاصة لمشاريع إسرائيل الاقتصادية مع الأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي من خلال مشاريع شبكات الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ والقنوات البحرية والمطارات. وتعكس إصراراً إسرائيلياً على هيمنة إسرائيل الاقتصادية على البلدان العربية والقضاء نهائياً على فكرة السوق العربية المشتركة. وجاء فيها عنوان القضايا الأساسية حول جوهر الموقف الإسرائيلي من التسوية ما يلي: 

“لا ينبغي أن نؤجل العلاقات الاقتصادية حتى تكتمل عملية السلام، وبالإمكان الشروع في تعاون اقتصادي في إطار تجريبي فقط لامتصاص المعارضة السياسية”(31).

لقد أدخلت قمة عمان التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا مرحلة نوعية، إذ لأول مرة في تاريخ المنطقة تقام مؤسسات اقليمية دائمة ذات أهداف محددة للمحافظة على استمرارية الشرق الأوسط الجديد وترسيخها. وتم الاتفاق فيها على إقامة المؤسسات الشرق أوسطية التالية: 

1-بنك التعاون والتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ومقره القاهرة برئاسة إسرائيلية لدعم تنمية القطاع الخاص ومشاريع البنية التحتية الإقليمية وتعزيز أواصر التعاون الاقتصادي الاقليمي. 

2-مجلس السياحة الإقليمي لتسهيل تسويق السياحة في المنطقة ويضم المجلس ممثلين عن القطاعين العام والخاص.

3-المجلس الإقليمي لدعم التعاون والتجارة لإزالة الحواجز والمعوقات لتدفق السلع والبضائع في إطار منطقة التجارة الحرة تحت السيطرة الأميركية والإسرائيلية. 

4-الأمانة العامة التنفيذية ومقرها الرباط،  ولجنة متابعة لمجموعة العمل الإقليمية. 

وورد في الوثيقة أن الإقليم يعتبر بوابة لعبور السياح إلى المواقع الأثرية في القاهرة والقدس وأريحا، وبالتالي تريد إسرائيل اغتصاب مكانة مصر وفلسطين والأردن السياحية باسم التنمية المشتركة. 

اغتصبت إسرائيل مكانة مصر السياحية في سيناء من خلال ما يسمى “فيزا خليج العقبة” التي اقترنت باتفاقية كمب ديفيد “وهذه الفيزا تتيح لكل القادمين من منفذ إسرائيل دخول سيناء دون تأشيرة أو رسم دخول لمدة أسبوع، مع حرية التنقل في سيناء حتى شرم الشيخ. ومن خلال فيزا خليج العقبة استمرت الأفواج السياحية الإسرائيلية في التدفق على سيناء، كما كان الحال في سنوات الاحتلال. واستفادت من هذه الفيزا في ترويج برامجها السياحية التي تضمنت زيارة سيناء ومواقع الشعب المرجانية في البحر الأحمر وخليج العقبة، حيث أتاحت الفيزا لكل القادمين من منفذ إسرائيل بغض النظر عن جنسياتهم، دخول سيناء”(32).

وتهدف الوثيقة الإسرائيلية إلى إقامة سوق إسرائيل العظمى المستفيد من جميع مزايا الدول العربية، دون الاكتراث بالمنافع المتبادلة بل بتهميش دور الأطراف العربية تحت ستار من العبارات المعسولة حول التنمية المشتركة والسلام والإزدهار. 

ولتحقيق ذلك كرر بيريس دعوته في قمة عمان للكونفدرالية وقال: “إن الكونفدرالية التي اقترحها بين الأردن والفلسطينيين تشمل إسرائيل في شقها الاقتصادي، إلاّ أنها ليست من شأن إسرائيل في شقها السياسي. وإن الوحدة الاقتصادية التي اقترحها هي وحدة على غرار دول البنيلوكس في شمال أوروبا للعناية بالقضايا السياحية والمائية والتجارية والكهربائية”.(33).

وحدد يوسي بيلين، نائب وزير خارجية إسرائيل مفهوم إسرائيل للشرق أوسطية وقال: “هذه هي رؤيانا للشرق الأوسط الجديد: حدود مفتوحة، تعاون اقتصادي يقود إلى نمو اقتصادي، حرية حركة الأشخاص والمنتوجات والخدمات عبر الحدود”(34).

لقد تخلت إسرائيل عن فكرة “إسرائيل الكبرى جغرافياً للمحافظة على النقاء العنصري لدولة اليهود ولإقامة إسرائيل العظمى انطلاقاً من حجم السوق الشرق أوسطية واتساعها وأهميتها للاقتصاد العالمي واستغلال الأسواق العربية والأموال الخليجية، وموقع مصر والأردن السياحي ومصادر المياه السورية واللبنانية والفلسطينية والأردنية. 

“إن المشروعات الإسرائيلية المقدمة في عمان كانت تستهدف إجراء جراحة جغرافية في المنطقة، بحيث تحدث تغييرات في البيئة الاقليمية والطبيعية لا يمكن الرجوع عنها مطلقاً، ونحن عندما نرصد مشروعات مثل ريفيرا البحر الأحمر، ونقل عقد المواصلات في إسرائيل، ومد خطوط للسكك الحديدية والبحرية والبرية، وتوحيد الموانئ والمطارات.. الخ، فإن هذه المشروعات مجتمعة إنما تعني عمل جراحة جغرافية في المنطقة تحدث تغييراً طبيعياً واجتماعياً كاملاً حتى في التوازن الاستراتيجي، وفي رأيي أن هذه الجراحة الجغرافية مخططة لصالح دمج إسرائيل في المنطقة أو هيمنتها عليها من النواحي كافة”(35).

تأسيس المصرف الإقليمي 

يعتبر شمعون بيرس أول من نادى بفكرة إنشاء “بنك الشرق الأوسط”. وتبنت الولايات المتحدة الفكرة وضمنتها في التقرير الذي  وضعته مجموعة هافارد الاقتصادية حول الشرق الأوسط بحجة أن البنك سيؤدي إلى توطيد دعائم السلام في المنطقة ونجحت في فرضها على قمتي الدار البيضاء وعمان. 

عارضت بعض دول الخليج العربي فكرة تأسيس البنك في قمة الدار البيضاء لسببين: 

 الأول: اقتصادي وهو افلاس دول النفط العربية من جراء دفع تكاليف حرب الخليج الثانية ونفقات صفقات السلاح الباهظة من الولايات المتحدة وأوروبا. 

 والثاني: سياسي يتعلق بعدم التوصل إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في القدس والجولان وجنوب لبنان، إلاّ أن القمة أوصت بضرورة تأسيس البنك وأحالت الموافقة إلى قمة عمان لتنفيذها. وتبلور في قمة عمان اتجاهان حول بنك التنمية.. 

 الأول: وتتزعمه الولايات المتحدة وإسرائيل وتؤيده الأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي ويطالب بإقامة البنك. 

والثاني:  يتكون من دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الخليجية. وترى هذه الدول أن المنطقة لا تحتاج  إلى مؤسسات مالية جديدة بسبب كثرة المؤسسات المالية القائمة وإفلاس دول النفط العربية. 

وتعتقد بعض الأوساط الأوروبية والخليجية أن هدف المصرف أمران: 

 الأول: إدخال إسرائيل بين الدول المنتفعة من التمويل الأوروبي والخليجي. 

 والثاني: تحقيق نوع من الهيمنة الأميركية على التمويل الأوروبي الخليجي، حيث يتذمر الأوروبيون من الاستمرار في دفع الأموال الطائلة لبعض دول المنطقة خدمة لعملية التسوية التي تسيطر عليها  الولايات المتحدة الأميركية، فالمطلوب منهم دفع الأموال فقط، أما المكاسب السياسية والاقتصادية فتجنيها الولايات المتحدة وإسرائيل. 

وكانت إسرائيل قد اشترطت على لسان وزير المالية إبراهام شوحات ألاّ تكون المساهمة الأميركية في البنك على حساب المساعدات الأميركية المباشرة لإسرائيل، وأن يتم هيكل البنك بموافقة إسرائيل. 

وأكد جدعون تسور نائب محافظ بنك إسرائيل على أن الحاجة للبنك ليست اقتصادية فقط، ولكنها سياسية. ويستنتج المرء المتتبع للأهداف التي تم تأسيس البنك من أجلها ووظائفه وشروط الاقتراض منه أن الهدف من تأسيسه هو إدخال إسرائيل بشكل مؤسسي داخل الإطار العربي دون فائدة  تعود على البلدان العربية أو الإسهام في تنمية حقيقية للمنطقة. 

 وعبّر فالتر ديكسورت، وزير الاقتصاد الألماني ورئيس الوفد الألماني في قمة عمان عن موقف ألمانيا من تأسيس البنك وقال: “إن ألمانيا ليست لديها النية في الاستثمار أو المساهمة في البنك الإقليمي، مشيراً إلى أن ألمانيا لا تمانع في إقامة مثل هذا البنك، وذلك لوجود مؤسسات عالمية وعربية قادرة على تمويل المشاريع المنوي إقامتها”(36). 

 وخلاصة القول إن الخلافات في قمة عمان حول تأسيس البنك تركزت في نقطتين: 

الأولى: ترى أنه لا جدوى من إقامة البنك لوجود العديد من البنوك العربية والعالمية في المنطقة. 

والثانية: حول أسلوب عمل البنك إذ يرى بعضهم ضرورة أن يقوم البنك على أسس تجارية، ويرى البعض الآخر أن يقوم البنك بالتمويل وفق أسس ميسَّرة:

ويرجع حماس الولايات المتحدة لتمويل البنك من الدول الخليجية والأوروبية إلى رغبتها ورغبة إسرائيل في الحصول على حصة الأسد من الصفقات التي تعقدها مع الدول المقترضة من البنك ولكي تدعم التسوية التي تقودها الإدارة الأميركية بالشروط الإسرائيلية. 

ويرى الأوروبيون أنهم يدفعون الأموال، بينما تحتكر الولايات المتحدة عملية التسوية وتستأثر بالامتيازات، كما يعتقدون أن البنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي والبنك الإسلامي بجدة والصندوق العربي للانماء يقومون بمهمة البنك، لذلك لا داعي لتأسيسه. ولكن قمة عمان وافقت على تأسيس البنك، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التعليق على إنشائه وقال إن إنشاء البنك ليس شأناً خاصاً بالاتحاد الأوروبي ككل وإن أمر المشاركة في  تمويله متروك لكل حكومة. 

 إن إسرائيل هي صاحبة فكرة تأسيس البنك والمستفيد الأول منه نظراً لكونها أكثر تأهيلاً واستعداداً لاستغلاله أكثر من غيرها وبسبب تطورها الصناعي والتكنولوجي وعلاقاتها الدولية وانحياز الولايات المتحدة وأوروبا لها. 

 إنني أرى أن قيام هذا البنك ومجيء الاستثمارات ورؤوس الأموال إلى المنطقة سوف يتأثر بالعوامل التالية: 

1-  إن تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال مرتبط بشكل  وثيق بالسلام والاستقرار والهدوء بشكل عام، ومع السلام العادل والشامل بشكل خاص، ولم يتحقق حتى الآن سلام مدريد بل أصبحت عملية السلام على حافة الانهيار بسبب سياسات وممارسات ومواقف الحكومة الإسرائيلية. 

2- إن الصراع لم ينته وسيتخذ أشكالاً أخرى، ومايجري في الخليل والقدس وغزة والجولان وجنوب لبنان أدلة واضحة على ذلك. 

3- إن أوسلو (1) وأوسلو(2) من وضع إسرائيل وصياغتها وقد أذعنت لها قيادة عرفات وقبلت بها وتحولت إلى أداة لقمع المناضلين واضطهادهم وأداة في يد إسرائيل للمحافظة على أمنها وأمن المستوطنين والمستوطنات. 

4- إن العرب والمسلمين لن يقبلوا أبداً مهما طال الزمن باحتلال القدس وجعلها عاصمة للكيان الصهيوني. 

5- إن الأمة العربية تصرّ على حق عودة اللاجئين وتحقيق الانسحاب الشامل وتفكيك المستوطنات. 

6- إن العرب والمسلمين يرفضون التطبيع مع إسرائيل ويصرون على مقاطعتها ومقاطعة منتجاتها لذلك تخشى الاستثمارات المجيء إلى المنطقة مما يؤثر على عمل بنك التنمية الاقليمي.. 

بيان القمة الختامي 

أدخلت قمة عمان التعاون الاقتصادي في المنطقة في مرحلة جديدة، إذ لأول مرة في تاريخها تقام مؤسسات إقليمية دائمة ذات أهداف محددة للمحافظة على استمرارية “الشرق أوسطية” وترسيخها. كما أن التوصيات والقرارات التي تم اتخاذها والمؤسسات التي أُنشئت كانت جاهزة قبل انعقاد المؤتمر، حيث أن إسرائيل بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة أعدتها سلفاً، وحملت الولايات المتحدة الدول المشاركة في القمة على تبنيها، فحضور القمة لم يكن إلاّ مجرد جلسات احتفالية للموافقة على ما أعدته إسرائيل وأميركا مسبقاً. 

 برزت العديد من الآليات الجديدة لتحقيق الأهداف التي وافقت عليها القمة، وتنظيم التعاون الاقتصادي في المنطقة. وترتكز هذه الآليات على تنفيذ المحاور الرئيسية التالية: 

* المشاريع المشتركة وخاصة في مجالات المياه، والسياحة، والنفط والغاز والنقل. 

* المؤسسات الإقليمية، كالبنك الإقليمي ومنظمة السياحة الإقليمية. 

 * التبادل التجاري. 

“إن الغرض من المؤتمر ليس مجرد تعاون اقتصادي مع إسرائيل، وإنما ترتيب المنطقة اقتصادياً لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. ويتم ذلك بالنسبة لإسرائيل من خلال مدها بسوق واسعة لمنتجاتها، وحل مشكلة ندرة المياه فيها، وتوفر لها مصادر المواد الأولية الرخيصة وخصوصاً النفط والغاز الطبيعي، وأيضاً مصادر جديدة لعمالة رخيصة، وتوفير الأموال، عن طريق البنك بنفقة رخيصة نسبياً وبأسعار فائدة مخفضة، وكل هذا يسمح لإسرائيل بمزيد من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية عند  فتح المنطقة أمامها كما يسمح لها باستيعاب موجات أخرى من المهاجرين”.(37). 

لقد أنشأت القمة خمس مؤسسات إقليمية، لربط الاقتصادات العربية بالاقتصاد الإسرائيلي، كما شكلت هذه المؤسسات الآليات لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على البلدان العربية، والتي ستكون معززة بقوة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية وبالوجود العسكري الأميركي في البلدان العربية وتفوق إسرائيل العسكري التقليدي والنووي على جميع البلدان العربية مجتمعة. 

وكرست القمة تجزئة الوطن العربي إلى منطقتين جغرافيتين واحدة في شمال افريقيا والأخرى في الشرق الأوسط، وذلك لنزع الهوية العربية عن المنطقة. 

وتميز اليوم الأخير في القمة بتوقيع صفقة أنبوب الغاز القطري مع إسرائيل. 

 وجاء في بيان القمة أن قطر ستستضيف القمة الاقتصادية عام 1997 وأعلن وزير خارجية قطر أن بلاده ستشارك في البنك الذي يعارضه حلفاؤها أعضاء مجلس التعاون الخليجي. 

 ووقع الأردن خلال القمة مع مصر وقبرص وتركيا وتونس والمغرب وسلطة الحكم الذاتي على ميثاق تأسيس منظمة الشرق الأوسط / البحر المتوسط للسياحة والسفر، وذلك للتعاون بين دول المنطقة وبينها وبين العالم. 

وركز البيان الختامي للقمة على خلق الأسس والحوافز لتشجيع التجارة والاستثمار، بغية الوصول إلى حرية تبادل البضائع والرأسمال واليد العاملة عبر الحدود، وعلى إقامة آليات تنفيذية ومشاريع محددة وعقد صفقات ثنائية. 

لقد كانت قمة الدار البيضاء وقمة عمان وسائل يهودية ذكية بمباركة أميركية لتمرير مشاريع إسرائيل ومخططاتها الاقتصادية، وفرضها على العرب وتحقيق مالم تستطع إسرائيل تحقيقه عن طريق الحرب. 

لقد ذهب العرب إلى قمتي الدار البيضاء وعمان وهم في حالة كبيرة من الانهيار والتمزق والضياع،  فاستغلت الولايات المتحدة هذه الأوضاع وحملتهم على الهرولة نحو إسرائيل. وخدم الحضور الكبير لها  وللاتحاد الأوروبي دعم الشرعية وإضفائها على التعامل بين العرب وإسرائيل. 

وتؤكد الاستنتاجات أن أية مشاريع إقليمية وافقت عليها قمة عمان لن تخرج إلى الوجود ولن يكتب لها النجاح مالم تكن إسرائيل مشاركة فيها، فإسرائيل تعمل جاهدة للتحكم في معظم الصادرات العربية والهيمنة عليها. 

■■■

ثالثاً: مؤتمر القاهرة الاقتصادي الثالث”(24)

مقدمة

انعقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في 12-14 تشرين الثاني 1996 في ظل تراجع الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أوسلو، وتصعيد الاستيطان والتهديدات المستمرة بإشعال الحرب على سورية، وفي ظل تخلي إسرائيل عن مبدأ الأرض مقابل السلام، وبالتالي انعقد المؤتمر في ظل تصاعد ممارسة إسرائيل الإرهاب والتوسع والاستيطان والتهديد بالحرب، مما أجبر بعض المسؤولين في الدول العربية على المطالبة بعدم عقده. 

 وتُعقد المؤتمرات الاقتصادية عادة تلبية لرغبة الولايات المتحدة التي تحدد مسبقاً المكان والزمان ومن يشترك فيها ومَنْ لا يشترك، وجدول الأعمال والبيان الختامي. 

وتعتبر واشنطن أن مجرد انعقاد المؤتمرات الاقتصادية انجاز كبير  على طريق تحقيق الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة العربية. وقد أشرفت على المؤتمر المنظمات نفسها التي أشرفت على انعقاد قمة الدار البيضاء وقمة عمان وهي منظمات معروفة بخضوعها للمخابرات المركزية، وهي: 

1- المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) بسويسرا‌. 

2- مجلس العلاقات الخارجية الأميركي. 

ويمكن تصنيف المشاركين في المؤتمر بناء على الدعوات التي وجهت إليهم إلى ثلاث مجموعات رئيسية: 

1- الوفود الحكومية، ووجهت الدعوة إلى تسعين دولة.  

2- رجال الأعمال المهتمين بالمنطقة وعدد الذين تلقوا الدعوات حوالي (1500) رجل أعمال. 

3- مجموعة من المفكرين والأكاديميين والكتاب وممثلي الصحافة والإعلام. 

وكان الرئيس مبارك قد ألمح في آب 1996 إلى احتمال إلغاء القمة لتوقف عملية السلام بسبب سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة الاستيطانية والتوسعية، وذلك معاقبة لإسرائيل على تعنتها وإنكارها للحقوق العربية ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. 

وأعلن الرئيس مبارك أن المؤتمر لن ينعقد إذا لم تنفذ الحكومة الإسرائيلية التزاماتها تجاه عملية السلام والاتفاقات التي وقعتها، إلاّّ أن إدارة كلينتون ردت على الفور وأعلنت أن المؤتمر سوف ينعقد في موعده. وانصاعت الحكومة المصرية للضغط الأميركي دون أن تتعهد الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ التزاماتها التي ضمنتها الولايات المتحدة ووقعت عليها. 

وبالتالي فإن مؤتمر القاهرة الاقتصادي عقد بضغط أميركي حيث أجبرت الولايات المتحدة الأميركية الحكومة المصرية على عقد المؤتمر في موعده المحدد لتسويق الشرق أوسطية وتركيز دعائمها وآلياتها وتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي. 

وأظهر تراجع الحكومة المصرية عن موقفها بإلغاء عقد المؤتمر أو تأجيله عدم مصداقيتها أمام شعبها والشعوب العربية. 

إن الاستمرار في عقد القمم الاقتصادية يصبُّ في خدمة المصالح الإسرائيلية، فانعقاد مؤتمر القاهرة الاقتصادي  ذاته يظهر بجلاء أن سياسات الحكومة الاسرائيلية المتطرفة وممارساتها التوسعية والاستيطانية لم تؤدِ إلى وقف التسوية وأن بإمكان إسرائيل اتخاذ خطوات أكثر تشدداً من الخطوات السابقة دون أن تخشى ردة فعل عربية قوية مؤثرة. 

 وجاء انعقاد المؤتمر الاقتصادي الثالث في القاهرة بشكل لم يواكبه تقدم في المسار السياسي  وخاصة الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبعد نكوص العدو الإسرائيلي حتى عن تنفيذ اتفاق الإذعان في أوسلو الذي صاغه بنفسه ووافقت عليه قيادة عرفات ولا يلبي الحد الأدنى من المطالب الوطنية للشعب العربي الفلسطيني. 

الموقف المصري الرسمي من عقد المؤتمر. 

 حاولت مصر في القمة الاقتصادية الثانية في عمان الحد من هرولة بعض العرب للتطبيع مع العدو الإسرائيلي وابلغت إسرائيل في عشية عقد المؤتمر الاقتصادي في القاهرة في الثاني من أيلول 1996 عقب لقاء وزير  الخارجية الإسرائيلي دافيد ليفي مع الرئيس مبارك في الاسكندرية على لسان وزير الخارجية المصري أنه :”لا يمكن التحدث عن التعاون الإقليمي إذا كانت مسارات السلام مشلولة أو معاقة. إن عقد القمة في نوفمبر  يتوقف على توفير الأجواء المناسبة والتطبيق النزيه والصحيح للاتفاقيات. المهم هو التنفيذ على أرض الواقع فمن غير المتصور أبداً أن يعقد المؤتمر الاقتصادي دون أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من الخليل، هذه مسألة مستحيلة غير معقولة ولا يكفي أن يكون هناك اتفاق على الانسحاب دون تطبيق”.(38). 

وفي العاشر من أيلول أكدت الخارجية المصرية أنه “لا يجوز أن يعقد المؤتمر الاقتصادي ثم نسمح له بالفشل، وإذا كانت مصر غير متيقنة من نجاح المؤتمر فإن الأفضل ألاّ يعقد”.(39). 

 وأعلن د. أسامة الباز، مستشار الرئيس المصري في اليوم التالي: “إن مصر لا تفكر في إلغاء القمة الاقتصادية، وإنما تدرس تأجيلها إلى الربيع القادم لإتاحة الفرصة لتقدم عملية السلام. فالتعاون الإقليمي لا يمكن أن يتم دون تقدم ملموس في عملية السلام”.(40).

وأكد دينس روس، المنسق الأميركي في عملية التسوية في لقائه مع الرئيس مبارك بتاريخ 18/ أيلول /1996 فك ارتباط القمة الاقتصادية عن عملية التسوية، ملمحاً إلى ربط تنفيذ اتفاق الشراكة مع مصر الموقع في أيلول 1994 بانعقاد القمة في موعدها، كما اتصل الرئيس كلينتون وطلب عدم تأجيل عقد المؤتمر الاقتصادي، مما اضطر الرئيس مبارك للتراجع عن فكرة الإلغاء أو حتى التأجيل. 

وسعت القاهرة في الوقت نفسه إلى الحيلولة دون أخذ  إسرائيل حصة الأسد والموقع المتميز في المؤتمر  وإضفاء الطابع السياسي عليه وأدرجت بندين: الأول يتعلق بالاقتصاد الفلسطيني، والثاني بالمخاطر التي تواجه عملية السلام. 

لقد نجحت إسرائيل في تعميق الخلافات بين المواقف العربية عن طريق التعامل السياسي والاقتصادي والأمني مع كل بلد عربي على حدة في القمتين الاقتصاديتين وكان ذلك من أهم الإنجازات التي حققها العدو الإسرائيلي. 

ولكن المؤتمر الاقتصادي في القاهرة، كان أفضل من سابقيه بسبب الموقف المصري الرسمي والشعبي. 

لقد ربطت مصر عقد القمة بالتقدم الحقيقي في عملية السلام على المسار الفلسطيني. 

ولكن عملية السلام وصلت إلى طريق مسدود بسبب سياسة الحكومة الإسرائيلية التي حشدت قواتها في الجولان وجنوب لبنان ولوّحت بأشعال الحرب ضد سورية، وصعدت اعتداءاتها في لبنان. وتابعت مصادرة الأراضي العربية وبناء المستوطنات اليهودية ورفضت تنفيذ اتفاق انسحاب جيش الاحتلال من مدينة الخليل العربية، وبالتالي فإن عملية السلام قد وصلت إلى طريق مسدود، وبالتالي نسفت إسرائيل بذلك ربط مصر عقد المؤتمر الاقتصادي بالتقدم في عملية السلام. 

إن الضغط الأميركي السافر هو الذي حمل مصر على تغيير موقفها وعقدت المؤتمر الاقتصادي الثالث في موعده المحدد. وكانت الولايات المتحدة قد هددت بأن تأجيل عقد المؤتمر قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية كبيرة على برنامج الشراكة المصرية الأميركية وعلى إعفاء مصر من جزء من ديونها. وقدمت في نفس الوقت وعوداً لدفع عملية السلام وزيادة الاستثمارات الأميركية في مصر. 

لقد ربطت مصر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية السلام، إلاّ أنها قررت عقد المؤتمر وتجنبت  في الوقت نفسه الترويج لمشاريع إقليمية كبرى وإنما حاولت جعله بمثابة منتدى للترويج لاستثمارات داخل مصر وفي كل بلد مشترك في المؤتمر على حدة. 

لقد انعقد المؤتمر في ظل عدم حماس مصري وتحت ضغط أميركي واضح بحجة إنقاذ مسيرة السلام، بينما يكمن السبب الحقيقي في عقده لتحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية. وحملت الإدارة الأميركية مصر على عقده في ظل استعداد إسرائيل للحرب والتلويح بها ضد سورية وفي ظل التنصل الإسرائيلي من الاتفاقيات التي وقعتها. لذلك انفجرت في مصر والبلدان العربية الدعوة لوقف التطبيع الفوري مع العدو التاريخي رداً على سياسته الإرهابية والتوسعية العدوانية والاستيطانية. وهنا يتساءل المرء لماذا تشترك الدول العربية في مؤتمر هدفه إنقاذ إسرائيل من أزماتها الاقتصادية؟‍!

لقد أصبح من الواضح حتى لبعض الدول العربية التي كانت تهرول إلى تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي أنه من غير المنطقي بحث مشروعات إقليمية مشتركة وإسرائيل تتمسك بالقدس العربية وتخرّب عملية السلام وتغلق أراضي الحكم الذاتي وتتعمد تجهيل الشعب الفلسطيني وإفقاره وتحويله إلى اجراء وعبيد يعملون في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي. 

ففي الوقت الذي جمدت فيه إسرائيل المفاوضات على المسار السوري- اللبناني، وأبطلت مفعول المفاوضات الثنائية وتخلت عن تنفيذ الاتفاقات التي وقعتها رحب رئيس الحكومة الإسرائيلية بعقد مؤتمر القاهرة وتابع في الوقت نفسه مصادرة الأراضي العربية وإقامة المستوطنات اليهودية وذلك اعتقاداً  منه أن الأطراف العربية لها مصلحة في عقد المؤتمر. 

إن متابعة التطبيع والاستمرار في العلاقات مع إسرائيل تزيد من تصلب إسرائيل وأطماعها التوسعية وستؤدي في المستقبل إلى الهيمنة على الثروات العربية. وتطمع حكومة إسرائيل في تحويل مرجعية مدريد إلى شعار السلام، مقابل السلام، بعد أن تخلت عن الشعار الذي رفعته بعد حرب حزيران العدوانية وهو “الأرض مقابل السلام”، وبعد أن كرسته الولايات المتحدة الأميركية في مرجعية مدريد. 

الموقف المصري الشعبي من عقد المؤتمر 

عقدت أحزاب المعارضة المصرية عشية افتتاح مؤتمر القاهرة الاقتصادي مؤتمراً مضاداً تحت عنوان:”مؤتمر المواجهة العربية لمخططات التعاون بين إسرائيل والدول العربية” تحدث فيه قادة أحزاب المعارضة وممثلوها، حيث أكدوا إدانتهم ورفضهم انعقاد مؤتمر القاهرة في الفترة التي يطلق فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية تهديداته بإشعال حرب عدوانية جديدة ضد سورية ولبنان والتنصل حتى من اتفاق الإذعان في أوسلو الذي صاغه سلفهُ شمعون بيرس. 

 وأكدت الأحزاب المصرية أن مشاركة الكيان الصهيوني في المؤتمر تعتبر مكافأة للمعتدي، حيث سيقضي انعقاده على السلاح الوحيد لدى العرب في مواجهة التوسع والاستيطان والغطرسة والتعنت الإسرائيلي، وهو سلاح المقاطعة العربية. 

 ودعت الأحزاب المصرية إلى قيام جبهة شعبية ضد كل أشكال التعاون مع العدو الصهيوني وإحياء المقاطعة العربية. 

وأوصى المؤتمر بممارسة الضغوط على الحكومات العربية التي تتعاون مع إسرائيل ووجوب الوقف الفوري لكافة أشكال التطبيع والتصدي للمطبعين ومقاومة الاختراق التطبيعي، والعمل على إحياء المشروع القومي، ومساندة أبناء الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان، وتفعيل العمل العربي عبر المؤسسات الشعبية والرسمية. 

وقد افتتح المؤتمر الذي انعقد بدعوة من اللجنة المصرية لمقاومة التطبيع حسين عبد الرازق أمين اللجنة السياسية في التجمع بكلمة أكد فيها رفض كل أشكال الهيمنة الصهيونية والأميركية على مقدرات الأمة العربية، داعياً جميع القوى السياسية المصرية والعربية إلى التصدي لهذا المخطط الصهيوني العالمي. وتطرق إلى خطورة السوق الشرق أوسطية (41). 

وتطرق الأمين العام للتجمع الدكتور رفعت السعيد في كلمته أمام المؤتمر إلى حالة التردي العربي وقال:” نحن نكافئ المعتدي الإسرائيلي على سفك دماء العرب يومياً وتحديه السافر لكل الاتفاقات والقرارات الدولية. وأعلن رفضه لمؤتمر القاهرة الاقتصادي” (42). 

ودعا ضياء الدين داوود، أمين عام الحزب الناصري أحزاب المعارضة المصرية إلى العمل على بناء جبهة شعبية تبتكر أساليب للمقاومة المستمرة لمواجهة إسرائيل والتردي العربي.

ودعا إبراهيم شكري رئيس حزب العمل إلى مقاطعة المنتجات الصهيونية والأميركية بعد أن أفقدنا المؤتمر الاقتصادي في القاهرة الورقة الأخيرة لمقاطعة التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، بينما دعا إبراهيم بدراوي، ممثل الشيوعيين المصريين أحزاب المعارضة إلى عمل جاد وسط الجماهير وصياغة مشروع نهضوي عربي شامل من أجل إفشال المخطط الإسرائيلي. 

وأصدر المشاركون في مؤتمر المواجهة العربية لمخططات التعاون مع إسرائيل بياناً  عرّى أهداف مؤتمرات القمم الاقتصادية ومضامينها في الدار البيضاء وعمان ومؤتمر القاهرة وتضمن عدداً من التوصيات، هي:

“دعم وتأكيد موقف  القوى الشعبية والسياسية والمنظمات الجماهيرية والهيئات المهنية الرافض للاشتراك في أية مؤتمرات أو تجمعات أو لقاءات تحضرها إسرائيل أو تدعو إلى التعاون معها واعتبار الخروج على هذا الالتزام تحدياً للمشاعر الوطنية والقومية يستدعي المواجهة والحساب. 

– ممارسة كل صور الضغط المتاحة على الحكومات والقيادات العربية التي تتعامل وتتعاون مع إسرائيل لكي توقف على الفور كل السياسات والأنشطة المتصلة مع العدو الصهيوني. 

 – التصدي الفعال للقلة من المثقفين الذين أصابهم مس التطبيع مع العدو الصهيوني، والداعين إليه صراحة أو بالالتفاف. 

– العمل على إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي الذي يستهدف تحقيق تنمية عربية مستقلة.

– تعبئة وتوحيد جهود الأحزاب السياسية العربية وكذا المنظمات الجماهيرية والهيئات والاتحادات المهنية والعمالية العربية لحث الحكومات على تفعيل كل المنظمات والمؤسسات العربية القائمة. 

– تكوين جبهة من القوى والفعاليات والحزبية العربية تقوم بوضع استراتيجية قومية تحقق الأماني والأهداف القومية في ظل المتغيرات والظروف الدولية الجديدة وتحدد الأساليب والوسائل العلمية لبلوغ هذه الغايات. 

– تأسيس حركة تضامن مع أبناء الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان. 

– الاستمرار في متابعة ورصد التطبيع في كافة المجالات باستخدام الأساليب والأدوات العلمية الحديثة وتشخيص المخاطر وتوظيف هذه المعلومات لخدمة الأهداف السابقة ولخلق حركة مقاومة واعية ورأى عام مدرك فداحة الخسائر الوطنية والقومية التي تنجم عن التهاون في مقاومة التطبيع”(43).

إن عقد  مؤتمر المواجهة العربية لمخططات التعاون بين إسرائيل والدول العربية في القاهرة، قبل يوم واحد من انعقاد مؤتمر القاهرة يظهر بجلاء شعور القوى السياسية في مصر بمدى خطورة المؤتمرات الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويتطلب بناء جبهة شعبية عربية لمواجهة إسرائيل والتطبيع معها ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية والأميركية وتعرية مضمون المؤتمرات الاقتصادية وأهدافها التي جاءت تطبيقاً لمخططات حزب العمل الإسرائيلي وتجسيداً للشرق الأوسط الجديد الذي وضعه شمعون بيرس، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق. 

 وعبر أحمد ماهر السيد، السفير المصري لدى الولايات المتحدة في محاضرة ألقاها أمام مركز الحوار العربي في واشنطن بحضور ممثلين عن الجالية العربية عن موقف مصر من المؤتمر وقال: 

“إن مصر قررت تحويل هذا المؤتمر من مؤتمر قمة اقتصادية إلى مؤتمر على مستوى أقل من مستوى القمة. وبذلك حرمت إسرائيل من فرصة جعل رئيس حكومتها النجم الساطع في المؤتمر بحكم أنه في حالة عقد المؤتمر على مستوى القمة كانت إسرائيل ستلعب دوراً مركزياً فيه.. 

 إن من الثوابت الإسرائيلية أن اليهود قوم عمليون وأنهم يريدون باستمرار أن يأخذوا دون أن يعطوا، ولهذا، تحكمهم في الظروف الحالية مجموعة من الأوهام لابد أن يتخلصوا منها. من بينها وهم الاعتقاد بإمكان تغيير مفهومهم من عملية السلام ومن الاتفاقات التي التزموا بها دون أن يقابل ذلك تغيير في موقف الأطراف العربية وبالأخص مصر. كذلك وهم الاعتقاد بإمكان الاستمرار في إخضاع الشعب الفلسطيني لسيادة إسرائيلية وإنكار حقه في إقامة الدولة المستقلة، ووهم الاعتقاد بإمكان التراجع عن الالتزامات المتعددة في اتفاقات أوسلو بما فيها التزام باعتبار القدس موضوعاً للتفاوض”(44).

واعتبر رئيس حزب العمل المصري، إبراهيم شكري أن عقد المؤتمر الاقتصادي “يضيّع على العرب فرصة ذهبية للضغط على إسرائيل”(45).

وتابع يقول إن أضرار المؤتمر على مصر والعرب أكثر من منافعه، وأن دولة اليهود هي الرابح الوحيد من المؤتمر الذي سيتيح لها فرصة للتغلغل الاقتصادي في البلدان العربية.

جاء انعقاد المؤتمر بعد حرب بيرس العدوانية على لبنان في نيسان 1996 وارتكاب مجزرتي قانا والنبطية، وفي ذروة تهويد القدس وتصعيد الاستيطان، وحرمان الشعب الفلسطيني من المقومات الأساسية لحياته وبناء المستوطنات على أرضه.  وكاد أن يؤدي فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتهديد إسرائيل لسورية ولبنان بالحرب إلى إلغاء أو تأجيل عقد المؤتمر لولا التدخل الأميركي الصارم. 

 وجاء انعقاده بعد أن حصل الكيان الصهيوني على كل ما أراده وطالب به من الولايات المتحدة الأميركية وضمانات القروض لعشرة مليارات دولار وإلغاء قرار الأمم المتحدة 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، وإلغاء المقاطعة العربية، وفتح مكاتب تجارية للمغرب وتونس وقطر وعمان في تل أبيب.. 

وزاد تنفيذ العرب والعالم لمطالب إسرائيل من أطماعها وتعنتها وبطشها، فزادت تعنتاً في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. 

ودخلت مشاريعها المشتركة وبضائعها إلى العديد من الدول العربية كالأردن وبعض دول الخليج وشمال افريقيا، كما قام بعض المستثمرين العرب بتوظيف الأموال  العربية لصالحها. إن المؤتمرات الاقتصادية خطأ استراتيجي ارتكبته القيادات العربية استجابة للضغوط الأميركية واليهودية. والمؤتمرات حلقة في سلسلة المخططات التي وضعتها إسرائيل لإقامة “الشرق الأوسط الجديد” لحل أزماتها الاقتصادية على حساب  الاقتصادات العربية. وتقلب المؤتمرات أولوية الصراع العربي الصهيوني رأساً على عقب حيث من المألوف أن أولويات التوصل إلى تسويات بعد  وقف القتال تبدأ بالقضايا العسكرية أولاً ثم السياسية ثانياً، وأخيراً قضايا التعاون الاقتصادي، وإن أي تجاوز لهذا الترتيب يضعف الموقف  التفاوضي للطرف الضعيف. فالقفز من الجوانب السياسية إلى التطبيع يقود إلى وقف مسار التسوية السياسية وتعطيلها ومتابعة التطبيع والتعاون الاقتصادي. 

 انعقد مؤتمر القاهرة في مرحلة تراجع الحكومة الإسرائيلية عن المبادئ الأساسية التي أبرمتها مع الجانب الفلسطيني ووقعت عليها الولايات المتحدة وروسيا. وأقدمت الحكومة الإسرائيلية على مجموعة من الممارسات العدوانية التوسعية والأرهابية من شأنها خلق واقع جديد يقود إلى تدمير المصالح والحقوق والثروات العربية، ومنها فتح النفق تحت المسجد الأقصى وتقسيم الخليل كمقدمة لتهويدها وإغلاق الأراضي الفلسطينية والتنقيب عن النفط  في الجولان والاستمرار في سرقة ثروته المائية. 

وجاء انعقاد المؤتمر كمكافأة للمعتدي الإسرائيلي على حروبه العدوانية حيث أصبح من التقاليد الإسرائيلية أن تكسب كلما أقدمت على الإضرار بالمنجزات والمصالح والأرض والحقوق العربية وتربح مرتين، مرة عند ممارستها القوة وتدمير القوات والمنجزات العربية ومرة أخرى بالسياسة  مقابل خسارة العرب في المرحلتين الأولى والثانية. وجني الأرباح الطائلة من التطبيع والتعاون الاقتصادي. 

ويعني عقد المؤتمر تقديم الاقتصاد على السياسة أي على استرداد الأراضي العربية المحتلة والحقوق المغتصبة ويمثل تخلي الجانب العربي عن ورقة السلاح الاقتصادي. 

تبنت الولايات المتحدة فكرة القمم الاقتصادية التي طرحها بيرس ورابين وحملت العديد من الدول العربية وبشكل خاص المغرب لتبنيها والتحمس لها. 

وجاءت الفكرة الإسرائيلية لفصل الاقتصاد عن السياسة وتقديمه عليها، قبل التوصل إلى تسوية وقبل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وبالتالي فصل قضية الأرض عن التعاون الاقتصادي مع العدو التاريخي للعروبة والإسلام، وذلك لإدراج الكيان الصهيوني في النسيج العربي وإعادة صياغة المنطقة العربية بثوب جديد هو “الشرق الأوسط الجديد”، وبالتالي فلا انسحاب من الضفة الغربية والقدس العربية والجولان وجنوب لبنان وإنما هيمنة العدو الإسرائيلي على الثروات العربية باعتباره أكبر قوة عسكرية في المنطقة يتفوق على جميع البلدان العربية ويتسلح بترسانة نووية، وبالتالي تقود القمم الاقتصادية إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والمهيمن على المنطقة لتحقيق حلم اليهودية العالمية بإقامة “إسرائيل العظمى” كمركز لها طمعاً في فرض سيطرتها على العالم.

إن أحزاب المعارضة المصرية كانت على حق في أدانتها عقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي لأن المؤتمر ليس في مصلحة الوطن والمواطن العربي، لا في مصلحته ولا في مصلحة وطنه، بل على حسابه لصالح الكيان الصهيوني واليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية. 

افتتاح المؤتمر

انعقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي وسط قناعة راسخة لدى المسؤولين ورجال الأعمال العرب بأن الضغط الأميركي هو الذي أدى إلى عقده في موعده المحدد.

واعتقدوا أن المؤتمر لن ينجح بسبب موقف إسرائيل الرافضة للسلام.

واتخذت الغرفة التجارية المصرية مواقف حذرة من عقده نابعة من التمسك بالحقوق والمصالح العربية وإيماناً منها بأنه لا يجوز مكافأة إسرائيل المعتدية على مواقفها المتعنتة. 

وزاد من التشاؤم أن المستثمرين الأجانب لا يستثمرون في مناطق مهددة بعدم الهدوء والاستقرار. 

افتتحه الرئيس حسني مبارك بتاريخ 12 تشرين الثاني 1996 بمركز القاهرة للمؤتمرات وبحضور وفود من (78) دولة و 52 منظمة دولية وعربية وإقليمية و (4600) مشارك، منهم (2600) من رجال الأعمال. وقال الرئيس مبارك في خطابه الافتتاحي:-

“إن المنطقة تمر بمفترق طرق صعب، يلزمنا بالاختيار بين أن نبقى أسرى للماضي وبين التقدم صوب المستقبل؟ وأضاف أن هذه المنطقة تحتاج إلى إعادة بناء بعض مؤسساتها، ومن أجل صياغة قوانين جديدة من أجل المشاركة في مسيرة الاقتصاد العالمي. وإن مصر اختارت السلام وهي تقود مسيرة السلام وتساعد الأطراف الأخرى. وأضاف أننا نشهد مولداً جديداً للشرق الأوسط وأن دول المنطقة تتوق إلى مستقبل مشترك”. (46)

وتابع الرئيس مبارك خطابه الافتتاحي قائلاً:

“إننا نشهد اليوم إعادة بعث وإحياء جديد لمنطقة الشرق الأوسط يقوم بتوليد ديناميكية جديدة في المنطقة، ديناميكية الرخاء والكفاءة والتعاون المشترك، ومامن شك في أن هذا الجمع الدولي الحاشد الذي يلتقي اليوم في القاهرة بعد لقائين مثمرين في الدار البيضاء عام 1994 وفي عمان كان 1995، يشارك المنطقة تشوقها العميق إلى غد أفضل لأبنائها”. (47)

وأكد الرئيس مبارك على ضرورة إرساء السلام الشامل من أجل جني ثمار التكامل الاقتصادي وأنه لا اندماج اقتصادي بدون سلام شامل. وأعرب عن توظيف موارد المنطقة لمصلحة الشعوب مما يتطلب إقامة سلام عادل وشامل وضرورة الالتزام بسلام قائم على الحق والعدل والحرية. وشدد أيضاً على ضرورة “إرساء السلام الشامل بجدية كاملة وعلى كل المسارات وبشكل لا رجعة فيه”. (48)

وألقى وزير الخارجية الأميركي كلمة الولايات المتحدة في افتتاح المؤتمر. وأشاد بمواقف الرئيس مبارك واستضافة مصر للمؤتمر. وأكد التزام الولايات المتحدة بتسوية النزاع في المنطقة على أساس المبادئ التي اتفقت عليها الأطراف، وقال إنه بدون أمن فلن يكون هناك سلام وبدون سلام لن يكون هناك أمن.

وأشار وزير الخارجية الأميركي إلى آليات التعاون الإقليمي مثل اتحاد غرف السياحة، واتحاد رجال الأعمال وبنك التنمية. وأشاد بإجراءات الإصلاح الاقتصادي في مصر وقال إن الولايات المتحدة ستزيد من تعاونها الاقتصادي مع مصر.

وقال وزير الخارجية الأميركي:

” هناك مكاسب تاريخية يجب الحفاظ عليها، مكاسب تستطيع الأطراف البناء عليها، هناك اتفاقان تاريخيان بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهناك محاولات لوضع حد للإرهاب، هناك اتفاقية سلام بين إسرائيل و الأردن وسلسلة جديدة من الاتصالات الدبلوماسية والتجارية بين إسرائيل وجيرانها العرب، وهناك فرصة لإحلال السلام الشامل الذي يعم سورية ولبنان”. (49)

لقد سعت الولايات المتحدة إلى التأكيد على عقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي معتبرة عقده مهمة أساسية في ظروف المنطقة الراهنة، فليس مهماً لها أن تتقدم عملية السلام وتلتزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات التي وقعتها.

المهم للإدارة الأميركية عقد المؤتمر بغض النظر عن نجاحه أو فشله لجعله آلية دائمة مستمرة لخدمة مصالحها ومصالح العدو الإسرائيلي. بالرغم من أن القاهرة قد أعلنت أنها لا تستطيع استضافة المؤتمر ما دامت الحكومة الإسرائيلية تزرع الألغام في طريق التسوية.

تحدث الصهيوني مارتن انديك، سفير الولايات المتحدة الأميركية في الكيان الصهيوني أمام غرفة التجارة الأميركية بالقاهرة عشية انعقاد المؤتمر وركز على تنمية سياسات التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل باعتبارها السبيل الأفضل لتحقيق السلام الكامل في المنطقة وقال: “إن الحكومة الإسرائيلية حكومة مسؤولة. إنني أعتقد أن كل من تعاملوا معها خرجوا بإيمان فعلي بأنها حكومة تحترم التزاماتها”. (50)

وأشار إلى أن الإسرائيليين قبلوا كل تلك المخاطر من أجل السلام، ومع ذلك لم تتحسن العلاقات مع مصر. وتابع انحيازه  للعدو الإسرائيلي مبرراً سياسة نتن ياهو الإرهابية والتوسعية والتي أوصلت العملية السلمية إلى طريق مسدود قائلاً:

“إن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتن ياهو هي الإبطاء من أجل تعزيز مسيرة السلام… 

إن إسرائيل لم تتخل عن السلام ولكنها تبحث عن السلام الأكثر أمناً”.(51)

إن مارتن انديك الذي رسم مخططات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، عندما كان عضواً في مجلس الأمن القومي الأميركي ومدير مركز واشنطون لدراسات الشرق الأوسط يهودي متطرف يؤيد اختزال رئيس الحكومة الإسرائيلي لقضية فلسطين وشعبها في عملية إعادة انتشار جيش الاحتلال اليهودي في الخليل كمقدمة لتهويدها كما حصل في مدينة القدس.

لقد حذّر ستيورات ايزينستات، وكيل وزارة التجارة الأميركية إسرائيل من أنها تجازف بخسران الازدهار الاقتصادي إن لم تواصل عملية السلام. وأكد المسؤول الأميركي أن اتفاقات السلام هي التي خلقت المناخ الدولي الذي أدى إلى إقبال دول العالم على شراء المنتجات الإسرائيلية. 

وأشار أنه نتيجة لذلك بات الإسرائيليون يتمتعون بمستوى معيشة أفضل يجب ألاّ يعتبروه أمراً مسلماً به. وانتقد الطوق الذي فرضته إسرائيل على الضفة والقطاع وقال إن تلك الإجراءات التي تقول إسرائيل إن الغرض منها التصدي للمخاطر التي تهدد أمنها أدت في واقع الأمر إلى خنق الاقتصاد الفلسطيني. (52)

إن تراجع مصر عن تهديدها بتأجيل عقد المؤتمر وعدم تنفيذ هذا التهديد الذي ينبع من خدمة المصالح المصرية والعربية زاد من الغطرسة والتصلب الإسرائيلي ومن  استخفاف إسرائيل بموقف مصر وبالموقف والحقوق العربية.

ولقيت كلمة وزير الخارجية الأميركي استقبالاً فاتراً في المؤتمر لأنه لم يتجرأ على توجيه اللوم إلى إسرائيل خوفاً من اللوبي اليهودي ولالتقاء مصالح البلدين في معاداة العروبة والإسلام، كما رفض المنسق الأميركي الحديث عن إسرائيل بأنها الطرف المتعنت في المفاوضات، لأنه يهودي أولاً وأمريكي ثانياً يهمه بالدرجة الأولى خدمة إسرائيل واليهودية العالمية.

كما أعلنت وزارة التجارة الأميركية عن المشروعات المطروحة للاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي تحتل المشروعات المشتركة بين الأردن وإسرائيل مكان الصدارة فيها، وعلى الأخص في مجالات المياه والري والاتصالات والسياحة، وذلك لتكوين رابطة إسرائيلية- أردنية تلحق بها سلطة الحكم الذاتي. وتتجه معظم المشاريع الأميركية لتدعيم مركز إسرائيل القيادي في المنطقة. ووجهت المشروعات الأميركية اهتماماً خاصاً بقطر والكويت في منطقة الخليج وبتونس والمغرب في شمال أفريقيا.

وأكد وزير الاقتصاد الروسي في كلمته أن روسيا تأمل في أن يوجد مثل هذا المؤتمر مناخاً مواتياً في المنطقة لتحقيق التسوية الشاملة وأن يسهم في تحويل المنطقة إلى منطقة تعاون مفيدة لجميع الأطراف وإيجاد الشروط الأساسية للتعاون الإقليمي.

وأكد ديك سبرنج وزير خارجية إيرلندا، ورئيس الاتحاد الأوروبي” أن الاستثمار والتعاون يتطلبان الاستقرار والأمن. وأن الوقت قد حان لأن يقدم الاتحاد الأوروبي الدعم لعملية السلام، مؤكداً أن الدعم الأوروبي يستند إلى التجاور الجغرافي، وشبكة من العلاقات مع دول المنطقة. وأضاف أن تحقيق السلام الشامل يتطلب التنفيذ الكامل للاتفاقيات الموقعة والقرارات الدولية، وإقرار مبدأ الأرض مقابل السلام. وألحّ على استعادة “روح مؤتمر مدريد من أجل سلام دائم وشامل استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومن دون تأخير”(53).

وأكد أن دور أوروبا استكمالاً للدور المهم الذي تقوم به الولايات المتحدة. وعبر عن قلق أوروبا من بطء المفاوضات. وتحدث في الجلسة الافتتاحية كلاوس شفاب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) وأوضح أن هناك ثلاث قواعد ذهبية يجب الأخذ بها، منها إضفاء الطابع الإقليمي وإيجاد البيئة الملائمة لبناء المستقبل، وتوفير مناخ ملائم للمستثمرين ونشر الأفكار الثقافية التي تدعو إلى تحقيق أفضل إنتاج، وإيجاد الثقة عن طريق عدم التدخل من قبل الحكومة.

وعقب انتهاء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر باشرت اللجان الفرعية وورش العمل المنبثقة عن المؤتمر أعمالها كلجنة السلام والتنمية الاقتصادية، ولجنة السلام وتقويم مخاطر الاستثمار. وتقرر تخصيص جلسة عمل مستقلة للاقتصاد الفلسطيني. وجرى بحث قضايا السلام والاستثمار والتعاون الإقليمي والدولي في مختلف اللجان.

وعبر عمرو موسى وزير خارجية مصر في المؤتمر عن طبيعته التي تختلف عن طبيعة القمة الأولى والثانية حيث أكدتا مركزية إسرائيل في التعاون الإقليمي ومنحتاها دوراً متميزاً وقال: “كان هناك مفهوم خاطئ منذ البداية، وهو أن كل مشروع يجب أن يمر بإسرائيل، إسرائيل ليست المحور ولا المركز، إنها دولة مثلها مثل سواها، والتعاون الإقليمي لكي يتحقق لابد من عمل إقليمي”. (54)

وفي مناخ سياسي غير صحي ملبَّد الغيوم، كما وصفه عمرو موسى لابد أن يتأثر المؤتمر الاقتصادي في جوه العام، بل أن يعبر أيضاً عن هذا الجو.

وكانت ثمانية اتحادات صناعية فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي قد أعلنت مقاطعتها للمؤتمر احتجاجاً على الممارسات الإسرائيلية الهادفة إلى عرقلة التطور الاقتصادي عن طريق إجراءات الحصار والإغلاقات المتكررة والحد من حرية تنقل الأفراد والسلع وإعاقة عمليات الاستيراد والتصدير.

وقالت الاتحادات الصناعية في بيان أصدرته في 4/11/1996: “إن اتفاقات اوسلو لم تؤد إلاّ إلى زرع الحدود بين مدننا وتعميق جذور التشتت بين أبناء شعبنا. وأصبح من الصعب التنقل بين المدن والمناطق مما أدى إلى زيادة تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة الذي تجاوز50%”(55).

المؤتمر والاستثمار في المنطقة

يرغب المستثمر في وجود استقرار لاستثمار أمواله وهذا غير متوفر في المنطقة، فالمنطقة لن تعرف الهدوء والاستقرار مادامت إسرائيل قوية وبسبب أطماعها في الأراضي والثروات العربية وتمسكها بمزاعم وخرافات وأساطير توراتية بالية معادية لأبسط المفاهيم الإنسانية  ومصالح شعوب المنطقة وحقوقها.

إن سياسية إسرائيل وممارساتها بدءاً من مصادرة الأراضي العربية وبناء المستوطنات واستقدام المهاجرين تجعل المنطقة كبرميل بارود قابل للاشتعال في أي وقت.

فأميركا تعمل على أن تساعد الشؤون المالية تحقيق أطماع إسرائيل في فلسطين العربية والثروات المائية في لبنان والجولان.

لقد قاطعت سورية ولبنان المؤتمر، وأقبلت عليه دول الخليج دون حماس باستثناء قطر. وتحفظت بعض الدول التي كانت تهرول في تطبيع العلاقات مع العدو. ولم تحضره ليبيا والعراق والسودان وإيران لعدم توجيه الدعوات لها، ولأسباب سياسية عند البعض  منهم حتى لو وجهت لهم الدعوات.

لقد قام الموقف السوري واللبناني على رفض المفاوضات المتعددة الأطراف ورفض الاشتراك في القمم الاقتصادية ورفض النتائج التي تمخضت عنها، بينما انصاعت مصر لعقده تلبية للطلب الأميركي، ولذلك فإن مواقفها في المؤتمر لم تكن مع تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل وإنما جلب الاستثمارات العالمية لمصر.

حيا وزير الخارجية الأميركي في المؤتمر رجال الأعمال العرب الذي أقاموا علاقات اقتصادية مع إسرائيل ووصف الدكتور إبراهيم فوزي، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار في مصر مؤتمر القاهرة بأنه “يعد تحويلاً نوعياً في سلسلة مؤتمرات التعاون الإقليمي في المنطقة وإن ذلك التحول يكمن في إلغاء فكرة كون إسرائيل محوراً لكل الأنشطة الاقتصادية ذات الطبيعة الإقليمية في المنطقة، كما كانت تحاول أن تروج لذلك في مؤتمر الدار البيضاء وعمان”. (56)

وأعلن عدد كبير من رجال الأعمال المصريين المشاركين في المؤتمر “رفضهم عقد صفقات تجارية مع نظرائهم الإسرائيليين. وأجمع رجال الأعمال المصريون على أن كل خطوة نحو تعاون إقليمي يشمل إسرائيل تعتمد على تحقيق السلام الشامل بالمنطقة”.

وأشار محمود عبد العزيز، رئيس البنك الأهلي المصري واتحاد البنوك المصرية إلى “أن رجال الأعمال لا يعقدون صفقات أو يدخلون في مشروعات مشتركة إلاّ إذا حظيت بموافقة القيادة السياسية وهو مالا يتوافر حالياً بالنسبة للمشروعات المشتركة مع إسرائيل”. (57)

وحدد د.كمال درويش، نائب البنك الدولي أمام المؤتمر ثلاثة عوامل تؤثر في جذب الاستثمار إلى المنطقة: الأول ضرورة دعم الاستقرار الاقتصادي وتهيئة المناخ المناسب. والثاني: إيجاد المزيد من الثقة لخفض معدل المخاطرة -والثالث: العمل على خفض المخاطر السياسية. وصرح شريف غالب، مدير المؤسسة الخليجية للاستثمار التي تملكها دول مجلس التعاون الخليجي حول المشاركة وقال: “أعتقد أن دوافع المشاركة سياسية وليست اقتصادية، وأوضح أن الدول الست تولي التبادل التجاري مع إسرائيل أهمية محدودة”. (58)

وأبدى المدير العام للصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التابع لجامعة الدول العربية عبد اللطيف الحمد رأيه حول العلاقة مع إسرائيل وقال:

“إن بنك التنمية للشرق الأوسط يجب أن يكون ثمرة السلام”. (59) ويجسد هذا الموقف موقف السعودية  والكويت، حيث تعتبران أن الأولوية هي للسلام الشامل في المنطقة وليس لإنشاء مؤسسات جديدة.

وتجلى الموقف السعودي بعدم الإضرار بمؤتمر القاهرة وفي نفس الوقت عدم الحماس له لأن السعودية تعارض إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل التسوية الشاملة في المنطقة. شاركت الدول الخليجية بتحفظ باستثناء قطر ولم تبد حماساً للاستثمار في مشاريع مشتركة أو تمويل بنك التنمية. ولعبت السعودية دوراً لدعم الموقف العربي سياسياً وليس لتنمية العلاقات مع إسرائيل، إلاّ أن كلاً من قطر وسلطنة عمان قد وقعتا اتفاقية مع إسرائيل لتبادل مكاتب التمثيل التجاري.

وعلق عبد الرحمن الزامل، رئيس مجلس إدارة شركة الزامل على مشاركة دول التعاون الخليجي في مؤتمر القاهرة موضحاً أن من الأفضل الاستثمار في منطقتهم وقال “إن الاسثتمار الخليجي فيه نوع من التضحية في تلك المنطقة، وإسرائيل لا تستحق التضحية ولا الاحترام والتقدير لأنها نقضت كل العهود والمواثيق التي وقعت عليها”. (60)

وأدى تعثر المسيرة السلمية إلى عدم رغبة الأطراف الإقليمية في المشاركة في بنك التنمية. 

وبالرغم من الجهود المصرية لتحجيم المكاسب الإسرائيلية في المؤتمر وخصوصاً الضغط على دول مجلس التعاون الخليجي لتجاهل محاولات التقارب من قبل الشركات الإسرائيلية “قام رجال أعمال معظمهم قطريون وإماراتيون بزيارة الجناح الإسرائيلي في المؤتمر، في حين تحدث رجال أعمال إسرائيليون عن صفقات أبرمت مع رجال الأعمال الخليجيين ولكن على قاعدة التكتم”. (62)

” وقد أثار موقف مصر حفيظة واستياء الوفد الإسرائيلي الذي عبر عدة مرات عن خيبة أمله من سوء استقبال المصريين وسوء تعامل الوفود العربية، الأمر الذي حدا بالوفد الإسرائيلي إلى إلغاء كلمته”.(63)

ويقول الاقتصادي المصري الدكتور إبراهيم أباظة عن مؤتمر القاهرة إنه “يأتي وسط تعثر سياسي لمسيرة السلام وهو يهدف إلى دعم الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية التي تتعمد تعطيل الخط السياسي الهادف للسلام… إن المؤتمر وفقاً لتطورات الأوضاع الاقتصادية في المنطقة وعلاقاتها بالعالم يحقق الرؤية الإسرائيلية لإقامة علاقات اقتصادية متميزة يكون لإسرائيل فيها نصيب الأسد وللعرب نصيب الفأر”. (63)

ولكن تصدر بين الحين والآخر تصريحات ومواقف لرجال أعمال مصريين تخدم هيمنة إسرائيل الاقتصادية حيث يقول المهندس طاهر الشريف، مدير اللجنة التنفيذية للقطاع الخاص “إن رجال الأعمال المصريين يضعون أيديهم في أيدي رجال الأعمال الإسرائيليين لأنهم يبغون السلام ويرفضون سياسة حكومة الليكود. ويضيف طاهر الشريف من وجهة نظره أنه ربما يكون التعاون الاقتصادي هو الطريق للتمهيد للسلام في الشرق الأوسط مما يؤدي  إلى التنمية”.(64)

واجتمع رجال استثمار يهود مع يوسف والي وزير الزراعة المصري ورجال أعمال من مصر. وتضمنت الورقة المصرية للمؤتمر أربعة أنواع من مشاريع التعاون الإقليمي. الأول: مشاريع بُدئ في تنفيذها في إطار متابعة نتائج قمة عمان الاقتصادية. والثاني: مشاريع قيد الدرس كمشروع لإنشاء مجمع للطاقة لدول حوض البحر الأبيض المتوسط. والثالث مركز رصد حركة الزلازل في خليج العقبة. والرابع يتعلق بمشاريع ذات طابع اجتماعي مثل إنشاء مركز إقليمي لرعاية المعوقين.

وخيمت الأجواء السياسية المتوترة في المنطقة على المؤتمر. وعقد وزراء دول مجموعة طابا اجتماعاً على هامشه. وأصدروا بياناً ذكروا فيه أهمية تنمية الاقتصاد الفلسطيني وأهمية إنهاء الإغلاق والحصار الإسرائيلي باعتبارها خطوة ضرورية  لتنمية اقتصادات المنطقة ككل.

وأكد المشتركون في الاجتماع وهم وزراء التجارة والاقتصاد والمالية في الدول الخمس الأهمية القصوى لتنمية الاقتصاد الفلسطيني.

وعقب الاجتماع صرح ماهر المصري وزير الاقتصاد الفلسطيني بأن الوضع السيء في الأراضي الفلسطينية هو نتيجة للممارسات الإسرائيلية. وأكد أن السلام لايمكن أن يأتي من خلال إجراءات الأمن وحدها ولكن من خلال إعادة الحقوق لأصحابها والمضي في الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل”. (65).

وكشف كلاوس شفاب عن الهدف من عقد المؤتمرات الاقتصادية وقال: “الهدف من المؤتمرات إبجاد فئات من المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام منعشة للاقتصاد الإسرائيلي بحيث بدأوا يتحدثون عن عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية. ويشدد على أن أي تنمية اقتصادية في المنطقة باتت في أيدي رجال الأعمال ولم تعد في أيدي الحكومات وحدها، وأن مجتمع الأعمال مستعد للاضطلاع بدور متقدم في المنطقة”. (66).

حكومة نتن ياهو والمؤتمر 

أعلنت مصر قبل انعقاد المؤتمر عن نيتها في تأجيل انعقاده نظراً لتخلي الحكومة الإسرائيلية عن مرجعية مدريد واتفاق أوسلو، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته وإسرائيل. ومارس الرئيس كلنتون أقصى الضغوط على مصر لعقده في موعده.

وانصاعت مصر لرغبة إسرائيل عن طريق الضغط الأميركي المباشر ولكنها أعلنت أن التعاون الإقليمي يأتي بعد الاتفاق النهائي، بينما ظل العدو الإسرائيلي محافظاً على أطماعه في التمسك بالتعاون الاقتصادي والتطبيع أولاً ثم حل المشاكل السياسية فيما بعد لكي يتسنى له تحقيق كامل المزاعم والخرافات اليهودية في الأرض والثروات العربية.

ونظرت حكومة نتن ياهو إلى مؤتمر القاهرة على أنه فرصة لتنفيذ مشاريع إقليمية مع البلدان العربية المجاورة، على “رغم تأكيد الحكومة المصرية تكراراً أن الاجتماع لن يقر أي مشروع تكون إسرائيل طرفاً فيه بسبب حال الجمود في مسيرة السلام في الشرق الأوسط”(67).

وحض نتن ياهو رجال الأعمال الإسرائيليين على المشاركة في أعمال المؤتمر مؤكداً أن وزير خارجيته سيترأس وفد إسرائيل الذي سيضم خمسة وزراء ومائة من رجال الأعمال. وخاطبهم قائلاً:

“اذهبوا إلى القاهرة لعقد الصفقات. هذا جيد لليهود وجيد للعرب والسلام”.(68)

وأكد بيرس صاحب فكرة المؤتمرات الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ” الشرق الأوسط الجديد الذي يرتكز على السلام والتنمية الاقتصادية الإقليمية لم يمت وقال إن عملية السلام يجب أن تسير على قدمين إحداهما سياسية والثانية اقتصادية”. (69)

احتوى الكتاب الإسرائيلي (الورقة الإسرائيلية) للمؤتمر على ثلاث كلمات: الأولى لرئيس الوزراء نتن ياهو وهي بعنوان التعاون الاقتصادي الإقليمي، مساندة السلام في الشرق الأوسط.

والثانية بعنوان: “السلام والتنمية البشرية في الشرق الأوسط لدافيد ليفي وزير الخارجية.

والثالثة بعنوان: “عملية السلام والتنمية الاقتصادية لدان ميريدور، وزير المالية. وتضمنت الورقة الإسرائيلية ثلاثة مواضيع زيادة على المواضيع العشرة التي تضمنتها الورقة السابقة وهي: الصحة والمحميات والموارد البشرية.

وجاء في مقدمة الورقة الإسرائيلية التي كتبها نتن ياهو مايلي:

“البعض يعتقد أن السلام هوالقاعدة الأساسية للتنمية الاقتصادية، وآخرون يعتقدون أن الروابط الاقتصادية توجد المناخ الصحيح للسلام، ونحن أضفنا أنه بدون الأمن لا يصبح الوضع ممهداً للاستثمار الأجنبي”.(70)

وقدمت إسرائيل للمؤتمر ورقة بعنوان “برامج للتعاون الإقليمي” وقسّموا مناطق التنمية إلى ثلاث: وادي الأردن، ومنطقة طابا وإيلات والعقبة وجنوب شرق المتوسط. وركّزت الورقة على الأردن وخاصة منطقة وادي الأردن والعقبة وجعل الأردن مدخلاً لإسرائيل إلى دول الخليج العربية.

وتضمنت الورقة مشروع ريفيرا البحر الأحمر كمشروع إسرائيلي -مصري -أردني مشترك، مع العلم بأن مساحة السواحل الإسرائيلية على خليج العقبة صغيرة جداً وتبلغ ثلاثة كيلومترات يشغلها ميناء إيلات، بينما تبلغ السواحل المصرية (167)كم والأردنية 17كم، وبالتالي تريد إسرائيل اغتصاب موقع مصر والأردن السياحي كما اغتصبت موقع القدس العربية وبيت لحم وطبرية والناصرة.

وتعتبر الأحزاب المصرية المعارضة “إن فيزا خليج العقبة وحصة البترول الإجبارية لإسرائيل مظاهر ماسة بالسيادة ينبغي أن تختفي كلها”. (71)

لقد قام التصور الإسرائيلي للمؤتمر على تقديم مشاريع مشتركة للتعاون مع الأردن  ومصر وسلطة الحكم الذاتي، وبرز فيها عدد من المشاريع الممكنة التنفيذ في مناطق ثلاث، حيث تطمح إلى تنفيذ (13) مشروعاً لربط شبكات الكهرباء ومد أنابيب الغاز، وإنشاء طرق للسكك الحديدية ومشاريع سياحية.

أما في منطقة الغور وخليج العقبة فعدد المشاريع الإسرائيلية (28) وأهمها شق قناة تربط البحر الأحمر والبحر الميت، ومشروع الريفيرا ومنطقة صناعية حرة في وادي الأردن.

ويتجلى الطمع والاستعلاء في نظرة إسرائيل المستقبلية للسلام وممارساتها في المنطقة بحيث تضع التعاون الإقليمي والأمن وانتهاك الحقوق والسيادة العربية ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية قبل السلام.

ويصر نتنياهو على شعار “السلام مقابل السلام” بديلاً عن شعار “الأرض مقابل السلام” معتقداً أن بعض الدول العربية ستؤيد إسرائيل وتتعامل معها أملاً في دعمها لاستقرار هذه الأنظمة عن طريق الموساد وفتح الأبواب لها في الولايات المتحدة الأميركية والتوسط لها لدى دوائر المال والأعمال العالمية ولدى الشركات العالمية المتعددة الجنسيات. وهكذا تحقق هذه النظم العربية بعض عناصرالأمن لها مقابل التنازل عن استرداد الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس والمقدسات الإسلامية. وفي الوقت نفسه تحقق إسرائيل أمنها عن طريق الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة والتوسع فيها وبناء المستوطنات عليها، وبالتالي تكون تلك الدول العربية قد ساعدت الحكومة الإسرائيلية على تحقيق الأمن الإسرائيلي مقابل أمنها وأمن العدو الإسرائيلي.

وكرر وزير المال الإسرائيلي دان ميريدور الشكوى من بطء التطبيع مع مصر مقارناً إياه بالتقدم مع الأردن.

لقد طلبت السعودية من المؤتمر توجيه رسالة إلى إسرائيل بأن التعاون الإقليمي مرهون بانسحابها من كل الأراضي العربية المحتلة. وهاجمت سياسات إسرائيل ومحاولاتها تكريس الاحتلال. 

وطالب وزير التخطيط الفلسطيني بعدم إبرام عقود مع إسرائيل في المؤتمر مالم تلتزم بعملية السلام وقال:

“مازلنا مؤمنين بعملية السلام ومن العدل أن تمارس كل الضغوط من أجله”.(72)

وأكد دان ميريدور أن وفد بلاده من الرسميين ورجال الأعمال لقي معاملة جيدة من الدولة المضيفة ومن جانب بقية الدول العربية، وأن إسرائيل مرتاحة لأعمال المؤتمر ونتائجه. واستطاع بسهولة الاجتماع مع العديد من المسؤولين العرب، وأن هذه الاجتماعات تمت بطلب من المسؤولين العرب. ونفى أن بلده تعرّض إلى عزلة إقليمية في المؤتمر. ورفض تأكيد التزام إسرائيل بمبدأ مقايضة الأرض  بالسلام.

وأكد دان ميريدور، وزير المالية الإسرائيلية أن حكومته تركز في المقام الأول على التعاون الاقتصادي الإقليمي، لأنه ركيزة أساسية في التسوية السلمية. ومن ثم جئنا بمفهوم الاقتصاد أولاً حتى تنتهي كل المشاكل السياسية… وأتمنى أن لا نجعل الاقتصاد أسير السياسة”. (73)

وأبدى بعض رجال الأعمال العرب رأيهم في بنك التنمية الذي طرحته إسرائيل وتبنته الولايات المتحدة الأميركية وأكدوا “أن البنك لن يقوم في النهاية، وأنه كان مرتبطاً بفكرة بيرس” أموال العرب وسواعد المصريين وعقول الإسرائيليين”، والآن لم يعد لبيرس ولا لفكرته ذات الوجود أو شبه القبول الذي كان”. (74).

وطالب عضو الوفد الإسرائيلي الرسمي كانلاج كوجلر أنه: “لا بد من أن ننأى بالأمور الاقتصادية بعيداً عن السياسة. وأعتقد أن مؤتمر القاهرة الاقتصادي أفضل من بقية المؤتمرات السابقة. فلقد تغيرت الظروف المحيطة بنا. في المؤتمرين السابقين كنا نبحث عن شركاء في شمال أفريقيا لكن اليوم نحن نريد شركاء مصريين. فهم أقرب الناس إلينا الآن. وفي الماضي كنا نعتمد على وسطاء أمركيين لتحقيق ذلك وأعتقد أننا لا نحتاجهم في مؤتمر القاهرة الاقتصادي بقدر ما نحتاج إلى رجال الأعمال المصريين. هذه فرصة للتحدث معهم حول عقد الصفقات وإقامة المشروعات المشتركة”. (75)

وهاجمت الصحف الإسرائيلية الرئيس مبارك ووزير الخارجية عمرو موسى. وكتبت هآرتس تقول:

“فعقد المؤتمر ومشاركة إسرائيل مشروطان بقبول إملاءات القاهرة بالنسبة للسلام، وبإمكان إسرائيل أن تساهم في الشرق الأوسط الجديد الذي تتزعمه القاهرة فقط، إن هي عادت إلى حجمها الطبيعي. وقال كاتب المقال بوقاحة لا يحسد عليها: “وكدجاجة تقف على كومة قمامة انتصب الرئيس المصري حسني مبارك وقام بالتنظير والتبشير بقوله: إن الأعداء المشتركين للمسلمين والمسيحيين واليهود هي الفقر والأمية وانعدام الصبر والتسامح والتعليم، وإن على إسرائيل أن تطبق مبدأ الأرض مقابل السلام، وإلاّ فإنها ستكون المتهمة بجريرة ضياع الحلُم”. (76).

وكانت إحدى الصحف الإسبوعية قد ذكرت أن الأميركيين قد عبروا لرئيس مجلس الوزراء المصري عن رغبتهم في ألا يروا عمرو موسى في التشكيل الوزاري القادم، وهذا منتهى التدخل الوقح في شؤون مصر الداخلية.

واعتبرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن مؤتمر القاهرة كان فاشلاً بسبب الدور الذي لعبته مصر. وقالت إن المؤتمر قد فشل في تحقيق هدفه الأساسي وهو أن يظهر للعالم أن منطقة الشرق الأوسط مفتوحة للاستثمار، وأحاطت مصر المؤتمر بأزمات شملت تهديدات بإلغائه، كما أنها جعلت عربة السياسة تسبق عربة الاقتصاد.

واختتمت الجريدة مقالها بقولها: “لقد حان الوقت للعالم العربي كي يفهم أنه لا يمكن أن ينال الثمار التي يريدها من الاقتصاد العالمي بينما هو يواصل نزاعه مع إسرائيل. وعلى العالم العربي أن يفعل ما بوسعه لعدم الربط بين التعاون الاقتصادي وعملية السلام لأن مثل هذا التعاون لا يمكنه بمفرده أن يجلب السلام ولا يمكنه في انتظار السلام الكامل”. (77).

ورفض المؤتمر تبرير الإغلاق والحصار الذي فرضته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية بمعزوفة الأمن الإسرائيلي الكاذبة. وأكد على أهمية رفع الحصار وتصحيح الانطباعات الخاطئة في قمتي الدار البيضاء وعمان بتكريس وجود إسرائيل كدولة مركزية ويتمحور حولها التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط. 

وأعاد المؤتمر تعريف مفهوم التعاون الإقليمي باعتباره يرتكز في الأساس على تعاون الدول العربية فيما بينها أو تعاونها مع العالم الخارجي، لأنه لا يمكن للعدو الإسرائيلي أن يغلق الأبواب أمام الشعب الفلسطيني ثم يطالب بعد ذلك بفتح أبواب البلدان العربية أمامه.

وتعتقد بعض الأوساط العربية أن نتن ياهو قد تخلى عن “الشرق أوسطية” التي بلورها بيرس إلاّ أنني أعتقد بأن إسرائيل لم تتخل أبداً عن النظام الشرق أوسطي بل تتمسك حكومة نتن ياهو بكل ما حققه بيرس وتعمل لزيادة مكاسبها على حساب الوطن والمواطن العربي. 

حملت الورقة الإسرائيلية إلى قمتي الدار البيضاء وعمان عنوان” مقترحات التعاون الإقليمي”  أما عنوان الورقة التي قدمها نتن ياهو إلى المؤتمر الاقتصادي الثالث في القاهرة فكان عنوانها “برامج للتعاون الإقليمي” أي أنها تؤكد على تنفيذ ما تم اقتراحه في القمتين السابقتين. وتركز حكومة نتن ياهو على حرية التجارة، لأنها تعتقد أن التعاون الإقليمي قد أقر ووافقت عليه الحكومات المشتركة في القمتين الاقتصاديتين الأولى والثانية وعلى إسرائيل أن تنتج وتصدر إلى الأردن ومنها إلى دول الخليج.

وجاء في رسالة نتن ياهو إلى مؤتمر القاهرة حول الورقة الإسرائيلية أن “هذا الكتاب الذي يحتوي مقترحات متعددة للتنمية يؤكد على الأهمية التي توليها دولة إسرائيل للتنمية الاقتصادية الإقليمية… السلام والأمن هما محور وجودنا والأمن الاقتصادي لشعوبنا يعني أيضاً الأمن  “والأمن يعني أيضاً الأمن الاقتصادي لشعوبنا”.

وأكدت كلمة نتن ياهو أن التنمية الاقتصادية ترتكز على مسارين كبيرين: مشروعات “المدى القصير، ومشروعات المدى الطويل التي تعتبر سياسة تأمينية وأنها خطاب نوايا “لشعوبنا” لنعكس مدى التزامنا بطريق السلام. وأن المشاريع الورادة في الورقة الإسرائيلية تهدف إلى تحقيق المنطقة الاقتصادية الإقليمية.

وعاد نتن ياهو وأكد في كلمته “أن القاعدة الأساسية للتنمية هي التعاون الإقليمي” واختتم كلمته قائلاً: “دعونا نستمكل المشوار الذي بدأه (رابين في افتتاح مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاقتصادي). دعونا نكافح لنكمل أعمالهم (السادات -رابين) من خلال التعاون الاقتصادي الإقليمي”.

البيان الختامي

اختتم المؤتمر الاقتصادي الثالث للشرق الأوسط وشمال افريقيا في 14/11/1996 أعماله ببيان حمل اسم “إعلان القاهرة” وتميز بلهجة دبلوماسية أكثر من اللزوم، إذ تعمد عدم ذكر الطرف الذي يعرقل التوصل إلى السلام وهو “إسرائيل”.  

كما  تجنب البيان تحميل إسرائيل مسؤولية إغلاق المناطق الفلسطينية واكتفى بالنص على “رفع الإغلاق” بوصفه أساساً لوقف تدهور أوضاع الفلسطينيين وتحسين الأجواء المحيطة بعملية السلام ككل”.(78). 

 وجاء فيه حول الاقتصاد الفلسطيني أيضاً” ويشدد المشاركون على الأهمية الكبرى لتطوير الاقتصاد الفلسطيني مع إبداء قلقهم لضعف الاقتصاد الفلسطيني بناء على القيود المفروضة والإغلاق مما يعرقل تحرك العمالة الفلسطينية وتجارتها”(79).

ويتضمن البيان دعوة واضحة إلى الالتزام بصيغة مدريد وقرارات مجلس الأمن الدولي وجاء فيه: “كما يعرب المشاركون عن التزامهم التام بتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط على أساس ماتم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام وعلى أسس قرارات مجلس الأمن خاصة رقمي 242 و 338” (80). 

ورحب البيان بتأسيس “اتحاد السفر والسياحة في الشرق الأوسط” في العاصمة تونس وإنشاء بنك التعاون الاقتصادي ومقره القاهرة. 

 “وأعاد المشاركون في المؤتمر التزامهم بالاستمرار في إنشاء مجلس تجارة إقليمي ودفع هذا المطلب إلى الأمام”.(81). 

وقرر المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي الاجتماع مرة أخرى في أواخر عام 1997 في مدينة الدوحة بقطر لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع هناك. 

ويعتقد بعض المحللين العرب أن مؤتمر القاهرة قطع الصلة بينه وبين قمتي الدار البيضاء وعمان، بإخراج رهانات الشرق أوسطية من التمحور حول إسرائيل وتوجيهها نحو احتمالات لتعاون عربي- عربي. 

واعتبر وزير الخارجية المصري أن المواقف الأخيرة لإسرائيل أغضبت الجميع، وندد بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية وآثاره الضارة على الاقتصاد الفلسطيني، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتحدث عن التعاون الإقليمي في الوقت الذي تغلق أبواب فلسطين، وهذا كلام متناقض وبهذه السياسة لا يمكن أن تكافأ إسرائيل. وأشار إلى أن المؤتمر  خصص جلسة رسمية للتعاون العربي- العربي وشدد عليه كركيزة أساسية للتعاون الإقليمي ثم التعاون بين أوروبا ودول المتوسط ورفض كلياً المقولة الإسرائيلية حول الأمن وقال: “نحن نرى أن مفهوم الأمن هو الأمن الشامل للجميع وليس الأمن الإسرائيلي فقط”(83). 

وقال وزير الخارجية المصري في هذا الخصوص: كان هناك انطباع في مؤتمري الدار البيضاء وعمان يجعل من دولة معينة (إسرائيل) أساساً للتعاون الإقليمي، وأضاف أنه في القاهرة” تم تصحيح هذا المفهوم الخاطئ ولم يعد التعاون الإقليمي منصباً على دولة بعينها وأصبح التعاون العربي- العربي هو أساس التعاون الإقليمي من دون استبعاد أي دولة أخرى” (84). 

وأشار عمرو موسى إلى أن الممارسات الإسرائيلية ولدت لدى شعوب المنطقة مشاعر من الإحباط واليأس تجاه مستقبل عملية السلام. وفي حال إصرارها على موقفها السلبي الحالي فسيكون لنا موقفنا الرافض للتعاون معها. 

وأعلن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شفاب أنه “إذا لم تسجل خطوات جديدة وأساسية في اتجاه تحقيق السلام في الشرق الأوسط فلن تكون لعقد المؤتمر أهمية. إنني أعتقد أن المؤتمر كان ناجحاً لمجرد أنه انعقد. إن الهدف من المؤتمرات إيجاد فئات من المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام منعشة للاقتصاد الإسرائيلي، بحيث بدأوا يتحدثون عن عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية”(85). 

لقد تضمنت اتفاقات أوسلو وباريس وطابا والقاهرة التي وقعتها إسرائيل مع عرفات بنوداً اقتصادية، ولكن إسرائيل خرقت معظم تلك البنود وفرضت الإغلاق والحصار والدمار على الصادرات الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية، مما عرّض المنتجات الزراعية للتلّف. وأغلقت في  الوقت نفسه أبواب الرزق والعمل للعمال الفلسطينيين، كما منعت الضفة الغربية وقطاع غزة من استيراد الحاجات الضرورية للبنية التحتية وأعادت الشاحنات الضخمة إلى الأردن ومصر. 

وواصلت الحكومة الإسرائيلية الإغلاق والحصار والتجويع ومنعت سلطة الحكم الذاتي من فتح مطار غزة ومن استكمال بناء ميناء المدينة . 

وتضع العراقيل أمام الدول المانحة وتسعى جاهدة إلى أن تستحوذ على معظم الأموال عن طريق اصرارها على المشاركة في جميع المشروعات التي تنوي سلطة الحكم الذاتي تنفيذها في مناطق الحكم الذاتي. وعملت أحياناً على وقف هذه المساعدات لخنق الاقتصاد الفلسطيني والعمل على تدهور حياة أبناء فلسطين، سكان البلاد الأصليين وأصحابها الشرعيين. 

وعملت مصر جاهدة خلال انعقاد المؤتمر الاقتصادي على كشف سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي للاقتصاد الفلسطيني وأكدت أن ممارسات إسرائيل هي استمرار للاحتلال بصورة أخرى، وأن الدول العربية لن تفتح الباب أمام إسرائيل التي تغلق الأبواب أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني وتقدمه؛ وذلك لفرض الفقر والجهل والتخلف على الفلسطينيين تحقيقاً لمقولة شعب الله المختار وعنصرية اليهودية والصهيونية. 

 لقد اختلفت التفسيرات العربية والإسرائيلية حول تقييم المؤتمر لاختلاف المصالح. ولكن البيان الختامي ركز على أهمية سرعة تنفيذ الاتفاقات المبرمة، ودعا إسرائيل إلى إنهاء إغلاق الأراضي الفلسطينية ومساندة الاقتصاد الفلسطيني، ونالت معاناة الشعب الفلسطيني حظاً وفيراً من المساندة العربية واعتبرت قضية أساسية في المؤتمر، وقال بعض الإسرائيليين إنهم عزلوا في المؤتمر. 

لقد مهدت القمتان الاقتصاديتان الأولى والثانية لإجراء التعاون بين العرب وإسرائيل. ووضعتا الآليات لدفعها إلى الأمام، وتحسين صورة إسرائيل ومكانتها لدى بعض الحكومات العربية. 

وسيطرت إسرائيل سيطرة تامة على القمتين، ولكن في مؤتمر القاهرة الثالث غابت زعامات إسرائيل عن المؤتمر وغاب الوجود الإسرائيلي المكثّف والفعّال والمميز. 

يقول البعض إن المؤتمر أهدى الحكومة الإسرائيلية فرصاً لتصعيد مناورة العلاقات العامة للعالم أظهرت فيها أنها مستعدة للحوار للوصول إلى تسوية سلمية وأن حضور الوفد الإسرائيلي للقاهرة منح الحكومة الإسرائيلية فرصة لصرف الانتباه عن عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، قالت وزيرة الاتصالات الإسرائيلية لإذاعة لندن في 17/11/1996: أعتقد أن حضور المؤتمر والاجتماع برجال الأعمال من كل بلدان العالم مفيد جداً لإسرائيل ومصر والأردن والفلسطينيين، كما اعتقد أن الاجتماع بين الأشخاص يقود للتفكير في التعاون بينهم، وهذا هو السبيل الأمثل للتطبيع وإحلال السلام في المنطقة. ورحبت الوزيرة الإسرائيلية بعقد الاتفاقات بين رجال الأعمال العرب والإسرائيليين. 

وكانت أبرز نتيجة سجّلت من وجهة نظر رجال الأعمال الإسرائيليين هي القرار الذي اتخذه حوالي (50) رجل أعمال من مصر وإسرائيل والقاضي بتشكيل مجلس لرجال الأعمال من الجانبين. 

وذكر أن المجلس يضم لجنة سياسية هدفها الضغط على الحكومة الإسرائيلية، من أجل مواصلة عملية السلام. وقال د. مصطفى السعيد، رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب المصري إن أي اتفاقية اقتصادية لابد وأن تمر عبر اتفاق سياسي لتحقيق السلام، وأن أهم النتائج أنه مرة أخرى جرى تأكيد أي محاولة لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وإسرائيل لابد وأن تمر من خلال اتفاق كامل لتحقيق السلام الشامل والعادل وتنفيذ كافة الاتفاقيات التي وقعت،وأن نتيجة مسيرة السلام إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني وحل مشكلة القدس. 

 وقالت الوزيرة الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت اتفاقات سياسية مع الدول العربية وإن العلاقات الاقتصادية أصبحت ملحة الآن.  توصلنا إلى اتفاق مع مصر قبل (17) عاماً لذلك كان يجب أن يعقد المؤتمر قبل الآن وقد آن الأوان لإقامة علاقات اقتصادية بين مصر وإسرائيل وأعتقد أنه إذا مشينا خطوة خطوة سواء في العملية السياسية أو التعاون الاقتصادي فإننا سنتوصل إلى تطبيع العلاقات وتحقيق السلام. وعلينا أن نتعاون وتكون لدينا مصالح مشتركة وتطبيع العلاقات. 

 وأكد د. مصطفى أن الجانب العربي أراد أن يوضح بأنه غير مسؤول عن عرقلة عملية السلام. 

 وقالت الوزيرة الإسرائيلية : “لدى إسرائيل الكثير مما يمكن أن تقدمه للمنطقة وخاصة في قطاع الاتصالات وأنه بإمكاننا أن ندخل في مشاريع مشتركة مع المصريين والأردنيين والفلسطينيين بهدف تطوير المنطقة ككل. إن مانريده هو العيش بسلام في ظل تعاون اقتصادي”. 

 وقال د. السعيد: “إن الحديث عن التبادل التجاري دون أي مزايا أخرى يخدم الجانب الإسرائيلي”، وقالت الوزيرة الإسرائيلية عن الانطباع الذي خرجت به من مقابلاتها مع رجال الأعمال العرب: 

“اكتشفت أن الأجواء كانت ودية وجيدة وقال البعض أنها أفضل من أجواء القمتين الأولى والثانية وأعتقد أن مؤتمر القاهرة كان أفضل مؤتمر اقتصادي عقد في هذه المنطقة حتى الآن. وأنه بيننا مصالح مشتركة واننا نتقاسم نفس المنطقة وأنه بإمكاننا أن نبرم الصفقات التجارية مع العرب وبإمكان العرب أن يبرموا الصفقات التجارية معنا. ورأيت أن الصحافة كلها في مصر ليست معادية لإسرائيل وأن رجال الأعمال في مصر يحبون التعاون وربط علاقات الصداقة معنا” .

وقال د. السعيد: “إنه يختلف معها لأنه  لاحظ تحفظ كثير من رجال الأعمال العرب في الدخول  بمناقشات جدية أو حوار بشأن مشروعات مشتركة مع إسرائيل في المرحلة الحالية”.

وأكد أن إغلاق المناطق الفلسطينية يتعارض مع الحديث عن التنمية في المنطقة. 

إن وجود العنف ضد الاحتلال… ليس مبرراً لمعاقبة شعب بأكمله واعزل وفي ظروف صعبة، وقال : الحكومة الجديدة في إسرائيل تريد أن تأخذ كل شيء دون أن تعطي أي شيء. 

اتسم الموقف المصري الرسمي بالعزف على نغمة النجاح الباهر لمصر وصواب قرار عقد المؤتمر في موعده المحدد، وإجماع المؤتمر على وجود فرص هائلة للاستثمار في مصر وتهميش دور إسرائيل الإقليمي. 

إن هذا الموقف الرسمي خداع للرأي العام المصري والعربي وبيع الوهم للناس تماماً كما جرى في تسويق القيادة الفلسطينية لاتفاق أوسلو والحكومة الأردنية لاتفاق وادي عربة. لقد حاولت الحكومة المصرية تحجيم مكانة إسرائيل ودورها في المؤتمر، فأبعدتها عن منصة الرئاسة ولم تدرج كلمة لها في الجلسة الافتتاحية. وأكدت على رجال الأعمال المصريين عدم إبرام صفقات مع الإسرائيليين خلال انعقاد المؤتمر. 

وركزت الحكومة المصرية على ثلاثة مواضيع جعلت مؤتمر القاهرة يختلف عن قمتي الدار البيضاء وعمان وهي كما أعلنت ذلك رسمياً: 

الأول: وضع إطار جديد للتعاون الإقليمي ليس محوره إسرائيل وإنما يقوم على التعاون العربي العربي، إلاّ أن التعاون العربي العربي لا يحتاج إلى مؤتمر القاهرة الاقتصادي وإنما إلى تطبيق قرارات قمة عمان الاقتصادية وقمة القاهرة العربية. 

الثاني: تهميش إسرائيل إقليمياً، إذ جرى التعامل معها كمجرد دولة من الدول المشاركة، ولم تحظَ بالوضع الخاص والمتميز الذي حصلت عليه في قمتي الدار البيضاء وعمان. 

الثالث: تدفق الاستثمارات الأجنبية على مصر. 

هكذا كان الموقف المصري الرسمي بعد انتهاء المؤتمر، ولكن القول بأن المؤتمر وضع إطاراً جديداً للتعاون الإقليمي  ليست إسرائيل محوره، أمر لا دليل عليه. 

إن مؤتمر القاهرة يصب في النهاية في التعاون الاقتصادي الإقليمي، حيث عقد تحت شعار: ” البناء من أجل المستقبل.. إيجاد بيئة مؤاتية للاستثمار”. وأشار البيان الختامي إلى أن المؤتمر  أتاح الفرصة لتشجيع الاستثمار الدولي والإقليمي، وإبراز إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري. 

إن آليات التعاون الإقليمي تخدم إسرائيل والتطبيع معها والنظام الشرق أوسطي ودور إسرائيل القائد والمهيمن في المنطقة، واحتلت إسرائيل ومخططاتها للشرق أوسطية مكاناً بارزاً في المؤتمر. فالمؤتمر اعتمد رسمياً الموقف الإسرائيلي القائم على “أولوية الاقتصاد على السياسة”، وتنمية المصالح المشتركة، مما يجعل التطبيع والعلاقات مع إسرائيل والشرق أوسطية سابقة، على التسوية السياسية، فالمؤتمر ناقش التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنصلها مما وافقت عليه ووصلت التسوية إلى حد الانهيار. 

واحتلت آليات التعاون الإقليمي مكاناً بارزاً في المؤتمر. وأقام المؤتمر مصرف التنمية، ومؤسسة “الشرق الأوسط والمتوسط للسفر والسياحة”. 

 وكانت إسرائيل أحد أعضاء لجنة التسيير في المؤتمر، وخصص الوفد الإسرائيلي جلسة خاصة في مقر المؤتمر في 13/11/1996 لطرح المشروعات الإسرائيلية، كما أعلنت جمعية رجال الأعمال المصريين عن تشكيل مجلس أعمال مصري- إسرائيلي. وعقدت المجموعة الوزارية لدول إعلان طابا وهي مصر وإسرائيل وسلطة الحكم الذاتي والأردن والولايات المتحدة اجتماعاً قررت فيه فتح الأسواق وضمان حرية للمستثمرين في أسواق هذه الدول. 

كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية إرضاء إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية المزمنة التي استنزفت الولايات المتحدة وألمانيا الاتحادية وجعل بعض الحكومات والشركات ورجال الأعمال يستفيدون حيث بنت الولايات المتحدة وإسرائيل قصوراً من الرمال للمهرولين من العرب إلى تل أبيب. 

ولقد نجحت مصر في تحجيم التعاون الإقليمي أي التعاون بين العرب وإسرائيل، وطرحت فكرة التعاون العربي-العربي. وعاملت الكيان الصهيوني معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، وبلا كلمة في الجلسة الافتتاحية  وربما لأن مؤتمر القاهرة جاء في مناخ مغاير للمناخ الذي ساد في مؤتمري القمة في الدار البيضاء وعمان. 

وعلى الرغم من ذلك أبقى المؤتمر على فكرة التعاون الإقليمي الشرق أوسطي واجتمعت دول إعلان طابا. واتفقت على رفع القيود التجارية بين هذه الدول مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل وخسارة للعرب باستمرار التعاون الاقتصادي بين هذه الدول كقاعدة أساسية “للشرق الأوسط الجديد”. 

لقد تجنبت الوفود العربية إلى حد ما الوفد الإسرائيلي وتناقص عدد المهرولين لعقد الصفقات والتطبيع معه، حيث لم يعد مفهوم الهرولة القائم على أساس أن المصالحة ستشجع العدو على استكمال مسار التسوية على الجبهات السورية واللبنانية يلقى صدى يذكر، بل إن المقولة التي تقوم على ضرورة الامتناع عن توفير الثمار الاقتصادية والتطبيع بوصفها آخر ماتبقى للضغط على إسرائيل هي التي بدأت تسيطر على الموقف العربي. 

وأظهرت ممارسات إسرائيل القمعية والاستيطانية وعدم رغبتها في الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة خطأ المهرولين الفادح بخصوص الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين وبيت المقدس، إذ لا يمكن على الإطلاق الجمع بين مصالح العدو الإسرائيلي والمصالح العربية، فإذا تعاونت دولة عربية مع إسرائيل فإن مثل هذا التعاون سيوجه لغزو البلدان العربية وسيسخر في خدمة الهيمنة الإسرائيلية على الثروات العربية. 

لقد أثبت مؤتمر القاهرة أن الاقتصاد لا يزال تابعاً للسياسة، وبالتالي فشلت السياسية الأميركية القائمة على عقد المؤتمرات الاقتصادية مع تجنب التسوية السياسية، حيث حاولت الولايات المتحدة دفع التعاون الإقليمي لينأى عن الحل السياسي. وربطت مصر في المؤتمر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية السلام. 

ولكن إسرائيل أرادت تغيير المعادلة بتقديم التعاون الاقتصادي على السياسة والتمتع بفوائد التعاون الاقتصادي قبل تحقيق السلام العادل والشامل. ونجحت بذلك في الدار البيضاء وعمان وفشلت في مؤتمر القاهرة، حيث تفوق دعاة تقديم السياسة على الاقتصاد. 

إن ماتم إحرازه في المنطقة من اتفاقات إذعان أجبرت الولايات المتحدة الأميركية العرب على توقيعها مع العدو الإسرائيلي بالترغيب والترهيب والتضليل والمناورة لم ولن توفر أي فرصة للتطور والتقدم والإزدهار في المنطقة، ولا توجد آفاق لتأمين الهدوء والاستقرار والعدالة فيها مادامت إسرائيل قوية. 

إن المرحلة الراهنة وحقيقة أطماع إسرائيل في الأرض والثروات العربية لم تعد تسمح لأحد بإطلاق الرهان على أحلام النمو والإزدهار الإقليميين. 

والمطلوب عربياً ألاّ نقبل باتفاقات الإذعان التي صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة،وأن نرفض الخضوع والذل والهوان، ونقاوم التسلط والهيمنة والغطرسة الإسرائيلية، ونقاوم التطبيع والتعايش ونعيد المقاطعة العربية. ونعمل على توحيد الكلمة والموقف العربي. فالاستسلام للعدو الإسرائيلي خيانة وطنية وقومية ودينية لا تغتفر. 

والمطلوب إزاء ذلك إقامة النظام العربي كبديل “للشرق الأوسط الجديد”. وإقامة السوق العربية المشتركة كبديل عن السوق “الشرق أوسطية”. والاستمرار في الصراع بأساليب وأشكال جديدة إلى أن تعود الأرض والحقوق المغتصبة لأصحابها. 

■■■

رابعاً مؤتمر الدوحة الاقتصادي الرابع

إصرار  قطر على عقد المؤتمر 

ركزت قطر على انعقاد المؤتمر بحجة “التزام دولي” لابد من تنفيذه وكأن تنفيذ الالتزامات الدولية محصور بالعرب. كانت الفرصة ملائمة جداً لقطر لتأجيل انعقاده أو عدم توجيه الدعوة للعدو الإسرائيلي وذلك بسبب تصعيد سياسته الاستيطانية والإرهابية وتخليه عن تنفيذ الاتفاقات التي التزم بتحقيقها. وهنا يبرز السؤال التالي لحكومة قطر: 

لماذا تلتزم بتنفيذ  الالتزام الدولي ولا تلتزم بتنفيذ الالتزام العربي الذي وافقت عليه في قمة القاهرة العربية في حزيران 1996، ووافق عليه مجلس الجامعة العربية في 30 آذار 1997 بوقف التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ وبالتالي تكون قطر قد ضربت بالالتزام العربي عرض الحائط، ونفذت تعهدها باستضافة مؤتمر الدوحة نزولاً لرغبة الولايات المتحدة. إن قطر كافأت إسرائيل باستضافتها في بلد عربي وجنباً إلى جنب مع الدول العربية ورجال الاستثمار العرب في نفس الوقت الذي تتنكر فيه إسرائيل لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الشرعية الدولية، وتروّج مقولة “الأمن مقابل السلام”. مما يشجعها على السير قدماً في مساعيها لفرض الهيمنة الاقتصادية على البلدان العربية وعدم الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة”.  

 إن القول بأن حضور إسرائيل لا يُعد تطبيعاً، وإن قطر لا تنتهك قرار قمة القاهرة العربية قول غير صحيح، إذ ان مشاركة إسرائيل في المؤتمر جزء لا يتجزأ من عملية التطبيع القسرية التي تفرضها الإدارة الأميركية على الدول العربية. 

 وبالتالي تكون قطر قد سحبت من الدول العربية الورقة الوحيدة التي تملكها للوقوف أمام الأطماع والمزاعم والأساطير والخرافات والمجازر اليهودية. فرفض التطبيع هو الورقة الوحيدة التي يملكها العرب. 

أما التبرير الذي يعتمد على القول بأن عقد المؤتمر ومشاركة إسرائيل فيه يشجعها على المضي في عملية التسوية فلا أساس له من الصحة. فلماذا تكون عملية دفع التسوية على حساب الحقوق العربية؟ 

وهل مؤتمر الدوحة كفيل بأن يسهم في عملية التسوية أم أنه يضع العراقيل في وجهها؟! 

“إن الظهور بمظهر الإصرار على عقد مؤتمر الدوحة على هذا النحو، لم يعد يحمل معنى التمسك بشيء منسوب إلى عملية السلام، وإنما أصبح يبدو وكأنما هو إسهام عن وعي أو غير وعي في التعجيل بتصفية عملية السلام تصفية شاملة. هذا مايتطلع إليه نتنياهو، وهاهي أميركا راعية عملية السلام، بصدد أن تيسر له تحقيق تطلعه، بإصرارها على عقد مؤتمر الدوحة الاقتصادي في موعده. إنها تهيئ لنتنياهو فرصة وضع مخططه موضع التنفيذ، بدلاً من التصدي لمحاولاته نسف مبدأ مبادلة الأرض بالسلام، وتوجيه ضربة في الصميم “للقرار 242″(86). 

كانت الحكمة والموقف الحكيم والسليم هو في تأجيل أو إلغاء المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، ولكن حاكم قطر ذهب بعيداً في التجاوب مع الإرادتين الأميركية واليهودية. فحجة “احترام الالتزامات الدولية” ليست كافية أو مقنعة وتسقط إذا كانت تعرّض المصالح الوطنية والقومية والدينية إلى مخاطر كبيرة.  

بالفعل الحق عقد المؤتمر الإضرار بمصالح قطر نفسها، وفي علاقاتها مع جيرانها وأشقائها العرب. واستضافت قطر المؤتمر كما أعلنت مراراً وتكراراً كالتزام دولي، وبناء على إلحاح أميركي. وقاطعته الدول العربية لأنها ربطت حضورها بإحراز تقدم في عملية التسوية. 

وعندما انعقد مؤتمرا لدوحة، تغيبت عنه مصر والسعودية وسورية (الرافضة للمفاوضات المتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية) والمغرب الذي احتضن القمة الاقتصادية الأولى في الدار البيضاء والسلطة الفلسطينية، وبالتالي لم يبق للمؤتمر أي معنى عربياً أو اقليمياً. 

إن موقف قطر أحدث المزيد من الانقسام بين الدول العربية، بدلاً من تضامنها وتعاونها، حول موقف عربي موحد، ووجه طعنة إلى صميم الإجماع العربي وهو تفريط بالحقوق العربية وهدية إلى نتنياهو على إرهابه وغطرسته واستيطانه. 

وجاء التصميم القطري على عقد المؤتمر بعدما أدت سياسة الحكومة الإسرائيلية وممارساتها إلى انهيار عملية السلام، وبعدما اقتنع العرب بأن مسلسل القمم الاقتصادية يجب أن يتوقف وأن البديل الوحيد للتعاون الاقتصادي الإقليمي هو التعاون الاقتصادي العربي. 

 إن المشاركة العربية في مؤتمر الدوحة تعني الموافقة العربية على الانخراط في التعاون الاقتصادي مع العدو الإسرائيلي قبل إحلال السلام العادل والشامل مع الأطراف العربية كافة. 

كانت إسرائيل الطرف الوحيد الذي حقق أهدافه ومخططاته من القمم والمؤتمرات الاقتصادية وامتدت نشاطاتها الاقتصادية والتجارية والأمنية إلى الأردن وقطر وعُمان والمغرب وتونس، لتصل إلى البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، كما حصلت على الاستثمارات الأجنبية الهائلة. 

فلماذا إذن تعطي قطر “إسرائيل” المجال لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الأرض والثروات والحقوق العربية؟ لماذا أصرت قطر على عقد المؤتمر بعدما وصلت التسوية السياسية إلى الطريق المسدود؟!  

لماذا تستفز قطر إيران التي عارضت عقد المؤتمر وتنظر بعين القلق إلى وصول النفوذ الإسرائيلي إلى حدودها؟ في بادئ الأمر اشترطت قطر تخلي نتنياهو عن بناء المستوطنات، واستئناف المفاوضات مع سورية من النقطة التي توقفت عندها، لكي توافق على استضافة المؤتمر. 

ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تحقق ذلك، بل صعدت من سياسة الاستيطان والقمع والتجويع والإرهاب. فلماذا تمسكت قطر بالرغم من ذلك بعقد المؤتمر في موعده المحدد؟! حتى المغرب عراب القمم الاقتصادية ألغت المؤتمر الوزاري الأوروبي – المتوسطي حتى لا تحضره إسرائيل. 

تذرعت قطر في الماضي بعقد المؤتمر، بحجة أن التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل يشجعها على استكمال مسيرة السلام. فأين هي مسيرة السلام الآن؟! 

إن الأحداث والتطورات أثبتت خطورة هذه المقولة، لأنها تشجع إسرائيل على المضي في سياستها الاستيطانية والإرهابية. 

هل تستطيع إمارة قطر بعدد سكانها وحجمها ووزنها أن تحمل إسرائيل على المضي قدماً في العملية السلميَّة  إذا عقدت مؤتمر الدوحة في موعده المحدد؟!

إن مواجهة الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام العادل لا يأتي من خلال القبول بهيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية وإنما من خلال موقف عربي موحد، يحمل الولايات المتحدة على التحرك الفعلي والجاد، إذ أنه بعد عملية مدريد، وبعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة لم تتبدل الصهيونية، ولم يتغير الكيان الصهيوني،  بل تابع سياسته المدمرة القائمة على التمسك بالاحتلال وتصعيد الاستيطان والهجرة والترحيل. 

 ولابد هنا من الإشارة إلى أن مشاركة اليمن في مؤتمر الدوحة، بحجة مكافأة قطر على دعمها للوحدة اليمنية يعبِّر عن التمويه والتضليل، لأنه لا يمكن تصوير الموقف الذي يخدم مصالح إسرائيل على أنه مكافأة لقطر. 

 إن الموقف اليمني خروج على الموقف العربي الموحد، ويضعف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل، ويعزز الشرذمة العربية، ويبارك مواصله العدو الإسرائيلي  لسياسته القمعية والاستيطانية، ومكافأة لحكومة قطر على تمردها على الإجماع العربي. 

مصر ومؤتمر الدوحة

أحجمت مصر عن الإعلان عن المشاركة أو عدم المشاركة في مؤتمر الدوحة الاقتصادي حتى اللحظة الأخيرة. واشترطت مشاركتها فيه بإحراز تقدم ملموس في عملية السلام. 

ويعني الموقف المصري تأكيد أن التعاون الإقليمي في المنطقة يرتبط بعملية السلام. فلماذا اتخذت مصر هذا الموقف؟! 

نظمّت الولايات المتحدة المفاوضات المتعددة الأطراف لتحقيق التعاون الإقليمي في المنطقة  وجاء اتفاق الإذعان في أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة عام 1994 للتخفيف من الحواجز السياسية والنفسية وإتاحة الفرصة لعقد المؤتمر الاقتصادي الأول في الدار البيضاء في تشرين الثاني عام 1994. 

فالمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية نجمت عن مؤتمر مدريد وكامتداد لعملية التسوية في المنطقة وكجزء لا يتجزأ منها. ولذلك كان من الطبيعي أن تتأثر المؤتمرات الاقتصادية بوصول عملية التسوية إلى الطريق المسدود. 

لذلك انعكس التعثر في عملية التسوية ووصولها إلى الطريق المسدود على كافة المسارات وعلى المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة. 

وأخذت بعض البلدان العربية التي كانت متحمسة جداً للمؤتمرات الاقتصادية كالمغرب في مراجعة موقفها تضامناً ودعماً لسورية ولبنان لاسترجاع أراضيهما المحتلة من العدو الإسرائيلي. 

وانطلقت مصر في تحديد موقفها من أن المشاركة تعني مكافأة إسرائيل على ممارساتها واعتداءاتها في حين أن عدم المشاركة يعني رفض المواقف والممارسات الإسرائيلية والاحتجاج عليها والتحذير منها. 

إن إسرائيل تسعى جاهدة بمساعدة الولايات المتحدة وبعض بلدان أوروبا الغربية إلى  أن تتعامل مع البلدان العربية من موقع المتفوق عسكرياً وتريد أن تفرض علاقات اقتصادية من موقع القوة والتفوق والتمسك بالاحتلال والتهديد بالحرب والاستمرار في سياسة الاعتداءات اليومية على الشعبين الفلسطيني واللبناني.

إن مغزى تعليق مشاركة مصر حتى اللحظة الأخيرة يعني “هو أن مصر لا تعترض على التعاون الاقتصادي الإقليمي من حيث المبدأ ولكنها تعترض على الشروط التي يتم فيها هذا التعاون، وطبيعة علاقته بعملية السلام. فالتعاون الاقتصادي الإقليمي من وجهة النظر المصرية مطلوب ومرغوب، ليس فقط لدعم السلام وإنما أيضاً لما يمكن أن يحققه من تنمية وتطوير لكافة بلدان المنطقة(87). 

ويعتقد المحللون السياسيون أن تأجيل  إعلان الموقف المصري حتى اللحظة الأخيرة يعني حرص مصر الشديد على عدم الضغط على أي بلد عربي لعدم المشاركة في المؤتمر. 

 “فكلا الموقفين (المصري والأميركي) ينطوي على ضغط معين! الموقف المصري يستهدف عقد المؤتمر والحضور فيه، كورقة للضغط على الإسرائيليين للمضي قدماً في عملية السلام. أما الموقف الأميركي  فينطوي على ضغط على الدول العربية لعقد المؤتمر وتأمين الحضور فيه، للمضي قدماً في مشروعات التعاون الاقتصادي الإقليمي بصرف النظر عن عملية السلام، بصرف النظر عن التعثر أو التراجع في عملية السلام”(88). 

ويمكن تلخيص المبررات التي دفعت مصر لعدم المشاركة على الشكل التالي: 

* إن مقاطعة المؤتمر تضاعف الضغوط الداخلية في إسرائيل على الحكومة وتزيد من التناقضات داخل تحالف الليكود وبينه وبين المعارضة العمالية. 

* إن مقاطعة المؤتمر تؤكد للأميركيين والإسرائيليين رفض مصر لسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تدمر عملية السلام ورفضها للسياسة الأميركية التي تكيل بمكيالين. 

* يعطي الحضور العربي للمؤتمر الانطباع بأننا أمة ضعيفة ورهن إشارة الغير، رهن إشارة الولايات المتحدة واليهودية العالمية. 

*أما قول بعض الأطراف العربية بأن الحضور يدفع “عملية السلام” إلى الأمام ويعري إسرائيل أمام العالم فإن هذه التعرية واضحة ولا تحتاج للمشاركة في المؤتمر. 

وتعمل الحكومة الإسرائيلية وبتأييد من قطعان المستوطنين وغالبية الشعب الإسرائيلي على فرض السلام الإسرائيلي الذي يستند إلى منطق القوة والردع ويركز على التفوق العسكري واستخدام القوة أو التهديد باستخدامها. 

وتعمل أيضاً على إجهاض ماتم التوصل إليه من اتفاقات إذعان صاغتها وأملتها حكومة حزب العمل السابقة وذلك من خلال عدم تنفيذ الاتفاقات المبرمة والتوسع ببناء المستوطنات، والاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية في الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى. 

وأدت السياسة الإسرائيلية التوسعية والاستيطانية والإرهابية إلى إحراج الدول العربية التي وقعت اتفاقات مع الكيان الصهيوني أمام شعوبها، وتأكيد مصداقية الموقف الشعبي الرافض للسلام الإسرائيلي وتطبيع العلاقات، وتراجع أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمار في مشروعات التنمية، وعدم الوثوق بالاتفاقات التي توقعها إسرائيل. 

 إن التعاون العربي- العربي يجب أن يكون جوهر وأساس ومحور التعاون الإقليمي، لذلك لا يجوز إطلاقاً أن يجلس بلد عربي ويتفاوض مع العدو الإسرائيلي ويبحث معه في التعاون الاقتصادي الإقليمي، فالمؤتمرات الاقتصادية الإقليمية ترمي إلى إفقاد النظام العربي هويته ودمجه في “الشرق أوسطية” التي تعمل الولايات المتحدة على إعطاء إسرائيل وتركيا قيادتها. كما يشارك في مؤسساتها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول الآسيوية مما قد يؤثر في الأحداث في غير مصلحة الدول العربية. 

 ويقوم الموقف المصري على التزاوج بين المصلحة العربية والالتزام باستراتيجية السلام واعتبار التعاون العربي-العربي محور التعاون الإقليمي والأساس في أي حوار شرق أوسطي أو متوسطي. إن ماحدث في الدوحة خرج تماماً عن الحرص على الحقوق والمصالح العربية والتضامن ووحدة الموقف العربي وتنفيذ التزامات قطر العربية. ويعتبر بداية مرحلة جديدة وخطيرة تكرسها قطر معادية للحقوق والمصالح العربية وضد السلام العادل والشامل. 

لقد أبلغ الرئيس مبارك بتاريخ 11/11/1997، أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قرار مصر عدم حضور مؤتمر الدوحة وقال: “إن لكل دولة قرارها الخاص النابع من سيادتها وتقديرها للمصالح والنتائج التي يمكن أن يحققها المؤتمر”.(89). 

وأعلن الرئيس مبارك أن مصر لن ترسل وفداً رسمياً لحضوره. 

كما أعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى أن المؤتمر يأتي في وقت غير مناسب لأن عملية السلام متوقفة وأكد الرئيس مبارك” إن المعيار الذي وضعته مصر في اعتبارها هو مدى مايحققه انعقاد المؤتمر من مصالح سواء على مستوى الدولة الواحدة أو مدى استفادة الأمة العربية من نتائجه”(90). 

وقال الرئيس مبارك: “إن الهدف من عقد مؤتمر اقتصادي هو خلق تعاون بين إسرائيل والمجتمع العربي وذلك أمر مرهون بالسلام والتزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات. وشدد على أن ليس في استطاعته تجاهل توجهات الرأي العام المصري بكل ميوله واتجاهاته والتي أجمعت كلها على رفض المشاركة في المؤتمر الاقتصادي. 

ورحبت الأحزاب والقوى السياسية في مصر بقرار الرئيس مبارك مقاطعة المؤتمر، واعتبرته استجابة للرأي العام الشعبي. 

وأكد السيد ضياء الدين داوود، الأمين العام للحزب الناصري ترحيبه بالقرار وقال: “إنه “جاء متأخراً” لكنه استجاب إلى مطالب الرأي العام المصري”(91). 

وقال إن عدم المشاركة يجب أن ينطلق من موقف مبدئي مضاد لمخططات ساعية إلى السيطرة على المنطقة وإلغاء هويتها، والمؤتمرات الاقتصادية جزء من هذه الأفكار. 

وأكدّ أيضاً الناطق الرسمي في حزب التجمع : “ترحيبه البالغ بقرار عدم المشاركة في المؤتمر”. واعتبر أنه جاء استجابة للرأي العام والأحزاب والقوى السياسية التي وقفت منذ البداية ضد النظام الشرق أوسطي. 

وأعرب دينس روس، منسق عملية السلام عن خيبة الأمل لقرار مصر التي اعتبرها “شريكة وصديقة وحليفة للولايات المتحدة الأميركية”، وقال: “إن مؤتمر الدوحة ليس خدمة لأحد”، وشدد مارتن انديك تعليقاً على مقاطعة مصر للمؤتمر وقال: ” نشعر بالخيبة لأن بعض أصدقائنا لا يشاركوننا هناك، ونشعر أننا لا نستطيع أن نسمح لمؤسسات عملية السلام أن تنهار لأنه سيكون من الصعب إحياؤها”(92).

الموقف العربي من عقد المؤتمر 

أكد وزير الخارجية السعودية أن بلاده لن تشارك في المؤتمر لأنه “لم يحصل تقدم في عملية السلام حتى تغيِّر من موقفها. إن السياسة الإسرائيلية الهوجاء هي التي تمنع أي تعاون إقليمي في المنطقة وتعطّل عملية السلام”.(93). 

وجاء الرفض السعودي بعد الزيارة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مارتن انديك إلى السعودية، وبعدما تعرضت السعودية لضغوط أميركية قوية للمشاركة في مؤتمر الدوحة. 

وانضمَّت الإمارات العربية والبحرين إلى مقاطعي  المؤتمر وكذلك المغرب. 

وفي أبو ظبي أكدت دولة الإمارات عدم مشاركتها في المؤتمر وأعلن مصدر مسؤول: “إن دولة الإمارات قررت عدم حضور المؤتمر لعدم حصول تقدم ملموس في عملية السلام في الشرق الأوسط وعلى المسارات المختلفة”(94). 

وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد حدد موقف دولة الإمارات في آب 1997 بعدم المشاركة في المؤتمر لأنه يضر بمصالح دول عربية شقيقة. وقال الشيخ  زايد: “إن الإمارات لا يمكنها حضور مؤتمر الدوحة إرضاء لدولة عربية شقيقة على حساب دولة عربية شقيقة أخرى”. 

وكانت الإمارات العربية قد ربطت مشاركتها في المؤتمر بحدوث تقدم على كل المسارات، بما فيها المسارين السوري واللبناني. 

وأعلنت البحرين مقاطعتها للمؤتمر بالرغم من أنها ترتبط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، فالبحرين هي مقر الأسطول الخامس الأميركي في الخليج، حيث أن بينها وبين واشنطن اتفاقية أمنية ودفاعية وتعتمد في تسليحها على الصناعات العسكرية الأميركية بصفة أساسية، إضافة إلى ذلك يعتقد بعض المحللين السياسيين أن أي انزعاج أميركي من البحرين يدفع الإدارة الأميركية إلى تبني معزوفة حقوق الإنسان أو بعض الشعارات التي يرفعها الشارع البحريني. 

كما يلعب النزاع البحريني- القطري حول الحدود دوراً في تحديد موقف البحرين من المشاركة في مؤتمر الدوحة. ومن الجدير بالذكر إن المناخ الشعبي في البحرين يعارض تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، إذ أن هناك معارضة قوية ومتزايدة تعارض أي شكل من أشكال التطبيع معه. 

ونوّهت الصحف السورية بالتزام مصر والسعودية والمغرب بقرارات الجامعة العربية في القاهرة وأكدت أن مواقف هذه الدول “تستحق التقدير وتؤسس لتضامن عربي حقيقي ولعمل عربي مشترك له فاعليته في الساحة، ويتصدى لمخططات الحكومة الإسرائيلية”(95). 

وانتقدت الصحف موقف الأردن والكويت واليمن التي أعلنت مشاركتها في المؤتمر في وقت تجاهر فيه الحكومة الإسرائيلية بعزمها على ابتلاع القدس ومعظم أراضي الضفة الغربية إلى جانب الجولان، مع تأكيد استمرار احتلال أجزاء من جنوب لبنان. 

وقال وزير خارجية اليمن، عبد الكريم الأرياني: “إننا نشارك في مؤتمر الدوحة مجاملة لقطر وليس للجلوس مع الإسرائيليين. وإن الوفد اليمني المشارك غير مسموح له بالاجتماع مع أي إسرائيلي في المؤتمر. ولكن اليمن اتخذت قرار المشاركة لإرضاء الولايات المتحدة بالدرجة الأولى حيث قال وزير الإعلام اليمني، عبد الرحمن الأكوع: “إن المبعوث الأميركي مارتن انديك الذي طاف بالعواصم العربية قد طالب العرب بضرورة المشاركة في مؤتمر الدوحة حتى لا تصاب وزيرة الخارجية الأميركية بالإحباط”.(96). 

لم تعلن الكويت موقفها من المشاركة في مؤتمر الدوحة إلاّ بعد أن قام مارتن انديك بزيارتها في إطار جولة شملت دول الخليج كلها ومصر واليمن، حاملاً رسائل من الرئيس الأميركي يحث فيها على المشاركة في مؤتمر الدوحة. 

وكان متوقعاً إلاّ تتخذ الكويت موقفاً يتعارض مع التوجه الأميركي مع الأخذ بعين الاعتبار موقف دول الخليج. 

وانطلاقاً من هذين الاعتبارين أعلن مسؤول كويتي: “إن المسألة بالنسبة للكويت ليست الحضور أم لا بل مستوى التمثيل”.(97). 

وتعود مشاركة الكويت في مؤتمر الدوحة إلى حرب الخليج الثانية والعلاقة الخاصة جداً بينها وبين الولايات المتحدة والتي توطدت من جراء الحرب والنتائج التي تمخضت عنها والتواجد العسكري الأميركي فيها. 

وفي مسقط أعلنت سلطنة عُمان مشاركتها في المؤتمر الاقتصادي وصدر بيان عن وزارة الخارجية العمانية جاء فيه أن السلطنة ستشارك بوفد يترأسه وكيل وزارة التجارة والصناعة. وعزّا البيان مشاركة السلطنة في المؤتمر إلى أنه سيعقد في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وإلى الجهود الأميركية التي تبذل لإعادة مسار المفاوضات. 

وفي الرباط أكد مسؤول مغربي رفيع المستوى أن بلاده لن تشارك في مؤتمر الدوحة وقال: “إن المغرب لن يحضر مؤتمر الدوحة لأنه لم يحدث أي انفراج في عملية السلام (98). وفي تونس صرح وزير الخارجية بأن تونس ستحضر المؤتمر لأنه يندرج في إطار إنقاذ عملية السلام رغم تعنت الحكومة الإسرائيلية. 

 وأكد عمرو موسى ، وزير خارجية مصر أن انعقاد مؤتمر الدوحة جاء في وقت غير مناسب، وأن مصداقيته غير مقبولة في المنطقة، وهناك رفض كبير لحضوره، وأنه كان من الأفضل إعادة النظر في هذا الموضوع في ظل الظروف الحالية.(99). 

وعلق وزير الخارجية القطري على الموقف المصري وقال “براحتهم”. وكرر أن مسألة انعقاد المؤتمر قضية مبدأ والتزام دولي. 

واعتبر وزير خارجية إيران كمال خرازي: “إن تطبيع بعض الدول العربية العلاقات مع الكيان الصهيوني ضربة كبيرة للجسد الإسلامي”.(100). 

اعتبر الرأي العام العربي أن عقد مؤتمر الدوحة في ظل تصاعد المواقف والممارسات العدوانية والإرهابية والاستيطانية الإسرائيلية كتهويد القدس، ورفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بمثابة مباركة عربية لجرائم إسرائيل واعتداءاتها وتهويدها للأرض والمقدسات العربية. 

ونظم المؤتمر الشعبي اللبناني اعتصاماً أمام سفارة قطر في بيروت، يوم افتتاح المؤتمر احتجاجاً على انعقاده في الدوحة. وطالب المتحدثون بالاعتصام” بتجميد عضوية قطر في الجامعة العربية وباعتبار المؤتمر باطلاً وقراراته باطلة، وبأن يسحب لبنان سفيره من قطر، ويطلب من السفير القطري مغادرة لبنان”.(101). 

وقال وزير الاقتصاد اللبناني ياسين جابر إن مؤتمر الدوحة سيفشل، داعياً إلى تحصين أنفسنا في المستقبل لمواجهة مايطرح في مؤتمرات شبيهة بمؤتمر الدوحة. وقال: “إن مواجهة التحديات في مؤتمرات الشرق الأوسط لا تتم إلاّ من خلال عمل عربي مشترك في كل المجالات وخصوصاً في المجال الاقتصادي. ومن هنا ترتدي المنطقة العربية التجارية الحرة المزمع البدء بتنفيذها في أول كانون الثاني 1998 أهمية خاصة كونها ستكون المدخل والبداية للوصول إلى السوق العربية المشتركة”.(102). 

ووجه فاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب التحية إلى الرئيس حسني مبارك على قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة، وقال: “إن هذا الموقف العظيم يعبر عن إرادة شعب مصر والأمة العربية التي ترفض أي تعامل مع إسرائيل حتى يتحقق السلام الشامل والعادل وتحرر كل الأرض العربية. 

 إن اتحاد المحامين العرب له موقف مبدئي ضد مايسمى بمؤتمرات الشرق أوسطية التي تهدف إلى تعزيز القوة الإسرائيلية”(103). 

ورأى شمعون بيرس أن مؤتمر الدوحة رسالة ناجحة، مبدياً ارتياحه إلى رد وزير خارجية قطر على مصر حين انتقدت المؤتمر. 

 لقد أغضبت قطر حلفاءها الأقوياء في دول مجلس التعاون الخليجي وفي بقية البلدان العربية لعقد المؤتمر، واتهمها هؤلاء الحلفاء الأقوياء بأنها تبث الفرقة بين البلدان العربية لإرضاء إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وحاولوا إقناعها بإلغاء المؤتمر أو تأجيله احتراماً لمشاعر الدول العربية والرأي العام العربي والإسلامي، لكن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أطاح بأبيه رفض الاستجابة للموقف العربي الذي أقرته الجامعة العربية لذلك وضع المؤتمر قطر على الجانب المعادي للعرب. 

عقد المؤتمر 

افتتح أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مؤتمر الدوحة في 16/11/1997 منتقداً في كلمته الافتتاحية الدعوات التي صدرت لتأجيل المؤتمر الاقتصادي  أو إلغائه. وذكّر بالظروف التي أحاطت بعقد المؤتمر وأدت إلى اتخاذ مواقف تجاهه وصلت إلى درجة المناداة بتأجيله أو إلغائه أو مقاطعته، وقال: 

“مع احترامنا لتلك المواقف نؤكد أن استضافة قطر هذا المؤتمر لا تنطلق من مصلحة خاصة بها دون غيرها وإنما كان قرارها تنفيذاً لالتزام دولي”. 

وباسم الرئيس كلينتون نوهت أولبرايت بجهود قطر في تنظيم المؤتمر، مشدّدة على أهمية الأمن والسلام والرفاهية لكل شعوب المنطقة وعلى أن بذور الكراهية لن تؤدي إلى السلام، وتحدثت أولبرايت عن هدف المؤتمرات الاقتصادية، وهو:”أن نتعاون مع بعضنا بعضاً”(104). وحاولت التغطية على فشل المؤتمر بالتحريض على العراق. وغاب عن المؤتمر الحديث عن مشروعات مشتركة وصفقات تجارية واتفاقات اقتصادية وآليات ومؤسسات لترسيخ نظام الشرق الأوسط الجديد. 

 وكان الاتفاق الوحيد هو الاتفاق الذي قدمه الأُردن لإسرائيل والولايات المتحدة وهو توقيع اتفاق أردني-إسرائيلي- أميركي لإقامة منطقة للتبادل التجاري الحر في إربد على مقربة من الحدود السورية. 

وأثارت مقاطعة الدول العربية للمؤتمر شكوكاً وتساؤلات حول الجدوى من عقد المؤتمرات الاقتصادية، بحيث لم تتقدم ولا دولة واحدة لاستضافة المؤتمر الاقتصادي الخامس. وتقرر تأجيل هذا الأمر إلى مطلع العام 1998. 

وباستثناء الأردن تمثلت الدول العربية بوكلاء وزارات أو وزراء دولة. وترأس ناتان شارانسكي وزير الصناعة والتجارة الوفد الإسرائيلي. ويذكر أن شارانسكي قال إن إسرائيل مستعدة لقبول عقد المؤتمر القادم في بيت لحم. 

وعلق وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على مؤتمر الدوحة وقال: “إن كل مؤتمر لا يجمع عليه العرب هو مؤتمر فاشل وبالنسبة للمشاركة العربية فهي ليست ذات شأن”(105). 

واختتم المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة في 18/11/1997 بتحقيق إسرائيل نجاحاً في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لسياستها التي تسببت في تعطيل عملية التسوية، فيما أجمع المعلقون والمسؤولون السياسيون والاقتصاديون الذين شاركوا في المؤتمر على فشله. 

ولكن وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد بن عبد الله المحمود أعلن نجاح المؤتمر وقلل من أهمية المقاطعة العربية له. 

وأصدر المشاركون بياناً ختامياً صاغته لجنة مؤلفة من إسرائيل وكندا والاتحاد الأوروبي واليابان والأردن وتونس وقطر والولايات المتحدة، وممثل لأمانة المؤتمرات الاقتصادية في الرباط، أكدوا فيه التزامهم الشديد بتحقيق السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط. 

واعتبر المشاركون في المؤتمر في البيان الختامي أن السلام يجب أن يقوم على قاعدة صيغة مؤتمر مدريد، أي الأرض مقابل السلام. وشددوا على تطبيق الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والفلسطينيين. 

ودعوا إلى رفع فوري لجميع القيود وإجراءات الاغلاق، وانتقدوا الاغلاق المتكرر من قبل إسرائيل لمناطق السلطة الفلسطينية.  

ووجهوا الشكر إلى قطر لاحترامها تعهدها الدولي باستضافة المؤتمر على الرغم من الظروف السياسية الصعبة. 

وأرجأ المشاركون تحديد موعد ومكان انعقاد المؤتمر القادم إلى حين انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس في نهاية كانون الثاني عام 1998. 

وأشار المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل وجهت رسالة إلى رئاسة المؤتمر تعرب فيها عن تحفظها على ذكر مبدأ الأرض مقابل السلام. 

واعترفت إسرائيل بأن الوفد الإسرائيلي إلى المؤتمر وجد نفسه معزولاً ولكنه نجح في الحد من الأضرار في البيان الختامي الذي كانت صيغته الأولى أشد قسوة مما جاء فيه. 

وقال أعضاء في وفود رسمية شاركت في المؤتمر إن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على تونس وتركيا وسلطنة عمان لاستضافة المؤتمر القادم. 

“وتوقع بيرس أن تعود الدول العربية إلى المشاركة في المؤتمرات المقبلة قائلاً:”إنها جاءت إلى المؤتمرات السابقة لذلك يمكنها أن تحضر إلى المؤتمرات المقبلة”. 

 ويقول رجال أعمال عرب حضروا القمم الاقتصادية السابقة بحماس وأعلنوا مقاطعتهم لمؤتمر الدوحة: “إن القمم الاقتصادية لم تحقق الهدف الذي أقيمت من أجله وهو خلق مناخ شرق أوسطي ملائم لدمج إسرائيل في العملية الاقتصادية في المنطقة بعد تحولها من عدو إلى شريك في عملية سلام يفترض أن تنهي النزاع العربي -الإسرائيلي بتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني(106).

ويقول رجل الأعمال العماني عبد القادر عسقلان: “إن أياً من الدول العربية لم تحقق إنجازات تذكر على أثر القمم السابقة. ليس هناك سوى مستفيد واحد من عملية التطبيع الجارية عبر هذه المؤتمرات الاقتصادية هو إسرائيل”(107).

 ويقول مستثمر فلسطيني يقيم في نيويورك: “إن العديد من الصفقات التي أُبرمت وسط التهليل في حينه لم تنفذ، والوضع على الأرض في المناطق الفلسطينية بات كارثياً والشرق الأوسط الجديد الذي وُعِدنا به بات أسوأ من الشرق الأوسط القديم، وعليه يخلص إلى أن العجلة الاقتصادية لا يمكنها أن تتخطى العجلة السياسية. 

 لقد أثبتت المقاطعة العربية للمؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، بعد الضغط الأميركي الهائل على الدول العربية للمشاركة فيها أن لا تطبيع للعلاقات مع الكيان الصهيوني وأنه لا مكان له في الوطن العربي، وأثبتت بجلاء خطأ دعاة التطبيع معه والحوار مع حركة السلام الآن لأنه لا فرق بين العمل والليكود ولا فارق بين نتنياهو وبيرس جزار مذبحة قانا أو ايهود باراك، الإرهابي الذي تلطخت يداه باغتيال الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار. 

لذلك عندما أعلن الرئيس مبارك قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة كان يعبر بصدق عن ضمير الأمة ومشاعر الشعب العربي كله، ويجسد فهم مصر العميق لدور مصر القومي.  فكيف تسمح حكومة عربية لنفسها أن تتمرد على الموقف العربي وتخرج عن وحدة الصف العربي وتعقد مؤتمراً فوق أرضها يخدم مصالح العدو الصهيوني وضد المصلحة العربية؟‍! كان الأجدر بقطر أن تبادر وتعلن عن تأجيل عقد المؤتمر المحكوم عليه بالفشل قبل انعقاده نصرة لعروبة القدس وانتصاراً للحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين، في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومدينة الإسراء والمعراج. 

ووصلت وقاحة اليهودية مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية حداً أصرّتْ فيه على عقد المؤتمر مهما كانت النتائج وأعلنت أنها ستذهب إلى الدوحة في الموعد المحدد ولو لشرب فنجان القهوة حتى ولو لم يكن أحد في قاعة المؤتمر. 

الولايات المتحدة ومؤتمر الدوحة

فشلت الولايات المتحدة في تحقيق نجاح مؤتمر الدوحة الاقتصادي وتلقّتْ ضربتين: 

الأولى: عندما فشلت في حشد أكبر مشاركة عربية للمؤتمر، حيث أرسلت وزيرة الخارجية ومنسق عملية التسوية ومعاون وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، وفشلوا في إقناع مصر والسعودية بالمشاركة، وبالتالي فشلت في إجبار الدول العربية على  الخضوع والإذعان لمشيئتها القائمة على خدمة مصالحها ومصالح العدو الإسرائيلي وعلى حساب المصالح العربية. 

 والثانية: فشل المؤتمر في تحديد زمان ومكان انعقاد المؤتمر القادم، الأمر الذي اعتبره المحللون السياسيون بمثابة الضربة الثانية للولايات المتحدة الأميركية وعملية التطبيع. 

وكان إعلان المغرب عدم المشاركة والذي لعب الدور الأساسي في إنجاح القمم الاقتصادية و التطبيع ضربة إضافية للسياسة الأميركية. 

ونسبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى مسؤول أميركي قوله إن “أولبرايت  أكدت في نقاش داخلي أنه إذا مافشل مؤتمر الدوحة فإن الذنب يقع بدرجة كبيرة على إسرائيل التي حالت بسبب عنادها دون حدوث تقدم في عملية السلام(108).

إن الأسباب التي أدت إلى فشل مؤتمر الدوحة هي:  

أولاً: تجميد حكومة بيرس للمفاوضات على المسارين السوري واللبناني. 

 ثانياً: وصول اتفاق أوسلو الذي فتح الأبواب العربية أمام الاختراق الإسرائيلي للوطن العربي والتطبيع معه إلى طريق مسدود. 

ثالثاً: تصاعد الاستيطان والإرهاب الإسرائيلي والعمل على تطبيق مقولة الأمن مقابل السلام. 

رابعاً:  تزايد الغضب والسخط العربي على الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل ومعاداة إدارة كلينتون المتصهينة لكل ماهو عربي، ومنع  مجلس الأمن من معاقبة إسرائيل على مجزرة قانا والكيل بمكيالين وتشديد الحصار على العراق وليبيا والسودان. 

وتدعم الإدارة الأميركية في الوقت نفسه ممارسة إسرائيل للإرهاب كسياسة رسمية. 

وسقط منطق المراهنة على حياد الولايات المتحدة الأميركية، حيث ظهر بجلاء أن ارتماء بعض العرب في أحضان أميركا والاستجابة إلى مطالبها لا يغير من دعمها وتأييدها وانحيازها لإسرائيل ومعاداتها للحقوق والمصالح العربية. ويستخلص رئيس تحرير جريدة الأهرام من ردود الفعل الأميركية على مقاطعة مصر لمؤتمر الدوحة النقاط الثلاث التالية: 

1- التأكيد على أن طبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة تسمح بالاختلاف بحكم أن لكل دولة منهما ظروفها، ومسؤولياتها دولياً وأقليمياً، وكذلك أوضاعها وارتباطاتها، سواء في المنطقة التي توجد فيها أو على المستوى الدولي. 

2- تأكيد الاعتراف بأهمية دور مصر في دفع عملية السلام والاحتياج إليه، وإن هذا الدور قائم قبل حدوث أي خلاف، ثم إنه قائم ومستمر بعد حدوث أي خلاف بما في ذلك حضور مؤتمر الدوحة أو عدم حضوره. 

3- إن الموقف الأميركي يستوعب استقلالية الدور المصري ويعترف بأنه قد يكون مفيداً له وليس على العكس، فعلى المستوى القومي تستطيع الجماهير العربية أن تثق في أن الاختيار المصري يستند إلى استقلالية إرادته وتفكيره، بالتأكيد تثق في تعبيره عن المصالح القومية المجردة، دون خضوع لأي ضغوط أو مؤثرات خارجية.(109).

إن فشل المؤتمر فشل أميركي بالدرجة الأولى. ويجسد الفشل الأميركي في عملية التسوية التي بدأتها الولايات المتحدة في ذروة انتصارها في حرب الخليج الثانية عام 1991، وبالتالي تعرَّضت أميركا لانتكاسة كبيرة في الشرق الأوسط، وفشلت حتى بالإيحاء أن عملية التسوية مازالت مستمرة ولكنها نسبت الفشل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية واعتبرت أن نتنياهو هو المسؤول عن الفشل. 

إن السبب الأساسي في فشل مؤتمر الدوحة يعود إلى السياسة الأميركية وتأييدها المطلق لإسرائيل، مما جعل الحكومات الإسرائيلية تقرر دائماً ماتشاء وهي على ثقة من التأييد الأميركي المطلق لها داخل الأمم المتحدة وخارجها. 

إن فشل المؤتمر فشل للسياسة الأميركية، وفشل للرئيس الأميركي بيل كلينتون ولوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وفشل للجولات التي قامت بها أولبرايت ودينس روس ومارتن انديك في المنطقة في عشية انعقاده. 

منطقة التجارة الحرة الأردنية- الإسرائيلية

وقع وزير الصناعة والتجارة الأردني هاني الملقي ووزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي ناتان شارانسكي في الدوحة وقبل انعقاد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاقتصادي الرابع وبحضور مادلين أولبرايت اتفاقاً لإنشاء المنطقة الحرة في إربد بين الأردن وإسرائيل.

وصدر بيان بعد التوقيع أشار إلى أهمية قيام المنطقة الصناعية الحرة وفوائدها الكثيرة في مجال التجارة، وان قيامها يعني فرص عمل جديدة وفوائد وميزات استثمارية بين الأردن وإسرائيل. وأكد البيان أن الاتفاق يلبي رغبة الولايات المتحدة في دعم جهود التعاون والسلام، وإن مثل هذه الاتفاقات يساعد على التوصل إلى السلام في المنطقة، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستبذل جهودها لتشجيع التعاون بين الأردن وإسرائيل.

ويتيح الاتفاق للبضائع المنتجة في المنطقة الحرة في إربد الدخول إلى الأسواق الأميركية بدون فرض رسوم جمركية عليها متمتعة بذلك باتفاق التجارة الحرة الموقع بين أميركا والكيان الصهيوني منذ أكثر من(10) سنوات.

وقالت أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية التي حضرت توقيع الاتفاق مع ويليام وايلي وزير التجارة الأميركي “إن الولايات المتحدة التي تدعم هذه المنطقة باستقبال منتجاتها في أسواقها تثبت أن المشاركة الأميركية الفعالة في عملية السلام ليست بالحديث ولكن بالأفعال وهذه الرؤية هي أساس تلك المؤتمرات الخاصة بالتعاون الاقتصادي الإقليمي(110).

وأشادت أولبرايت بالخطوة الأردنية – الإسرائيلية الخاصة بتبادل رحلات الطيران ووصول الطائرات الإسرائيلية إلى مطار العقبة.

واعتبر العديد من المحللين والمختصين بشؤون المنطقة أن توقيع اتفاق المنطقة الحرة في إربد في مستهل مؤتمر الدوحة يمثل مكافأة لإسرائيل في الوقت الذي تمارس فيه أسوأ الممارسات ضد العرب.

وعقد وزير التجارة الأميركي وليم وايلي مؤتمراً صحفياً في الدوحة قال فيه “إن التبادل التجاري مع دول الشرق الأوسط يعادل 25 بالمائة  من إجمالي الناتج المحلي الأميركي. وإن صادرات واشنطون إلى المنطقة توفر(11) مليون وظيفة للمواطنين الأميركيين”.(111)

❒❒❒

الفصل الثاني

قمة شرم الشيخ

مقدمة 

قامت إسرائيل على الإرهاب وتعيش عليه وتستخدم مكافحته لتحقيق أهدافها التوسعية والاستيطانية في الأرض العربية. وتمارس الإرهاب والعنصرية والاستيطان والهيمنة كسياسة رسمية. فاغتالت أبرز القادة الفلسطينين وقادة كتائب عز الدين القسام في الضفة والقطاع وبيروت وجنوب لبنان وروما ولندن وباريس وتونس وغيرها. واغتالت الأمين العام لحزب الله عباس موسوي وعائلته. وخطفت الشيخ عبد الكريم عيد ومصطفى ديراني من منزلهما في لبنان.

وأغارت على مطار بيروت ودمرت (15) طائرة مدنية. وأسقطت طائرة ركاب مدنية ليبية وقتلت جميع ركابها المدنيين وعددهم(107). وارتكبت الحروب العدوانية والمجازر الجماعية  منها مجزرة صبرا وشاتيلا. وتمارس أبشع صور الإرهاب في التاريخ البشري. فمن هو الإرهابي الذي عاش ويعيش على الإرهاب؟ ألم يكن المصلون العرب في الحرم الإبراهيمي الشريف ضحايا الإرهاب اليهودي؟

ألم يكن المصلون العرب الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف  ضحايا الإرهاب الإسرائيلي؟ أطفال مدرسة بحر البقر وعمال مصنع أبو زعبل في مصر وسكان بلدة داعل السورية، ألم يكونوا ضحايا الإرهاب الرسمي لإسرائيل؟.

اغتالت إسرائيل(أبو جهاد) خليل الوزير في تونس(وأبو علي) حسن سلامة وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت، والدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام للجهاد الإسلامي في مالطا، والمهندس يحيى عياش، قائد كتائب عز الدين القسام في غزة فماذا نسمّي هذا؟

اغتال الإرهابي الإسرائيلي عامير، عميل الموساد الجنرال رابين، بعد أن أقدم رابين على اغتيال الشقاقي. ولم يتحدث أحد في العالم سواء من السياسيين أو رجال الإعلام عن الإرهابي اليهودي عامير، وإنما قالوا عنه”المتطرف اليهودي”؛ فهل اليهودي اغلى من العربي وفوق البشر، يجوز له مالا يجوز لغيره من البشر؟

إن عدالة قضية فلسطين معروفة لدى جميع شعوب العالم وحكوماته. وبالرغم من مرور خمسة عقود على معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته التي سببتها إسرائيل، لم تجد حلاً عادلاً حتى الآن.

وعندما يمارس الشعب العربي الفلسطيني حقه الطبيعي في المقاومة التي يقرها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والعديد من العهود الدولية ضد المحتل الإسرائيلي تتحوّل هذه المقاومة النابعة من الترحيل والقهر والاضطهاد والتهويد ومصادرة الأرض والمياه والحقوق إلى إرهاب يجب سحقه واقتلاع جذوره بتعاون عرفات وسلطة الحكم الذاتي معه والعديد من المشيخات والمحميات والممالك وبتعاون دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لحماية التوسع والاستيطان اليهودي وتصليب عنجهية إسرائيل ويتحول الضحية بالمنطق اليهودي والأميركي إلى إرهابي يجب سحقه والقضاء عليه ومطاردته في كل مكان، ويتحول القاتل إلى ضحية وحمل وديع يحتاج إلى مساعدة سلطة الحكم الذاتي ومعظم النظم العربية وجميع دول العالم. وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في حمل معظم حكومات العالم على اعتبار كل عمل من أعمال المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية أبشع أنواع الإرهاب يجب اقتلاعه وسحق القائمين عليه.

لقد ارتكبت المؤسسة العسكرية في إسرائيل جريمة اغتيال يحيى عياش، مما أدى إلى تفجير الوضع بين حماس وإسرائيل فقامت حركة حماس بالثأر لاستشهاده.

الولايات المتحدة والعمليات الاستشهادية

هزت عمليات حماس الاستشهادية أركان الكيان الصهيوني وأعادت بحث اغتصاب الصهاينة للأرض العربية في فلسطين. وجاءت كرد فعل على الاحتلال وعلى عمليات قتل المدنيين العرب وعناصر حركة حماس المجردين  من السلاح على يد فرق الجيش الإسرائيلي السرية وفرق المستعربين والمستوطنين. جاءت العمليات الاستشهادية بعد نسف الجيش الإسرائيلي لآلاف الشقق والمنازل الفلسطينية بالبلدوزرات والصواريخ وبعد أن ظهر للعيان أن إسرائيل تعمل لتصفية حركة حماس بالتعاون والتنسيق الكاملين مع قيادة عرفات وسلطة الحكم الذاتي المحدود.

ولقد ظهر للعيان بعد العمليات الاستشهادية أن دور السلطة الفلسطينية لا يقل عن دور سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قمع المقاومة الإسلامية وذلك انطلاقاً من وظيفتها حسب اتفاق أوسلو والتي تتلخص في أمرين أساسيين:

الأول: التنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين والحقوق القومية  والدينية للعرب والمسلمين.

والثاني: المحافظة على أمن الكيان الصهيوني وأمن المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث اعترف عرفات في اتفاق الإذعان في أوسلو بشرعية الاحتلال ووجوب تأمين الأمن الإسرائيلي. ويجسد اتفاق الإذعان الأطماع والمزاعم والخرافات اليهودية وإهدار الشرعية الدولية حيث لم تعد قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية وإنما بنود الاتفاق التي وضعتها إسرائيل وبصم عليها عرفات.

إن مقاومة المحتل عمل مشروع طبقاً للقانون الدولي وتقرها الشرائع السماوية والأعراف الدولية ولا سيما وأن العدوان والاحتلال والاغتصاب الإسرائيلي مازالت قائمة. إن أرض فلسطين ملك للعروبة والإسلام، فهي أرضنا ووطننا ويقطن فيها شعبنا العربي منذ آلاف السنين، والعدو الصهيوني هو المغتصب للأرض والحقوق والمعتدي علينا، وعلينا أن نرد عليه ونسترجع الوطن المغتصب منه مهما طال الزمن، لأن مقاومة الغاصب والمحتل واجب وطني وفرض ديني فلا يجوز الاستسلام للعدو والسكوت عن ضياع الحق المغتصب.

وانطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى لا يجوز إطلاقاً أن نسمي العمليات الاستشهادية إرهاباً مادام هناك احتلال واغتصاب للأرض والحقوق والثروات.

لقد أقامت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية الدنيا ولم تقعدها بسبب العمليات الاستشهادية ومقتل(60) من اليهود. فماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين العرب في فلسطين؟ وماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين في لبنان، ومنهم ضحايا مجزرة قانا الوحشية! ماذا عن مقتل حوالي(60) من المصلين العرب في المسجد الإبراهيمي في الخليل وماذا عن مقتل(25) من العرب في مجزرة الحرم القدسي الشريف؟ وماذا عن مقتل حوالي ثمانية آلاف مدني في صبرا وشاتيلا؟ إن مسألة قتل الإنسان العربي، الفلسطيني واللبناني والسوري والمغربي ومسألة قتل المسلم وأطفاله وشيوخه وشبابه عند الولايات المتحدة هي مسألة لا تثير شيئاً، أما اليهودي فهو مميز وهو من أبناء شعب الله المختار لا يجوز المساس به مهما ارتكب من جرائم وحشية تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لقد أكد العديد من علماء الشريعة في فتوى أصدروها شرعية العمليات الاستشهادية على أرض فلسطين وجاء فيها:

“1- إن اليهود الجاثمين على أرض فلسطين اليوم في حكم الشرع الإسلامي كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون، اغتصبوا كل أرض فلسطين بما فيها القدس، وأقاموا عليها كيانهم المغتصب ودولتهم، واعتقدوا ولا يزالون بأن القدس عاصمة دولتهم اليهودية إلى الأبد.

2- المدنيون اليهود على أرض فلسطين هم كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون وهم جنود مقاتلون يلبون نداء الاعتداء والإرهاب من الحكومة اليهودية، وهم جنود احتياطيون في أي حرب أو قتال.

3- المدنيون اليهود على أرض فلسطين حاربوا أهل فلسطين وسفكوا دماء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال أو ساعدوا في ذلك بالمال أو الرأي.

4- المدنيون اليهود والعسكريون وهم جميعاً في حكم العسكريين أخرجوا أهل فلسطين المسلمين وغير المسلمين من ديارهم، واستولوا عليها وتملكوها غصباً وسكنوها واستثمروها.

5- اليهود سواء كانوا مدنيين أو عسكريين الآن في حقيقتهم غرباء على فلسطين جاؤوا من أصقاع الدنيا إلى فلسطين على أساس فكرة دينية يهودية خلاصتها أن فلسطين أرض الميعاد، وأنه لابد من هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، ولابد من احتلال بلاد المسلمين من النيل إلى الفرات لإقامة دولتهم عليها.

وبناء على هذه المعطيات الواقعية فإن الحكم الشرعي بشأن هؤلاء اليهود المحاربين الغاصبين المحتلين هو وجوب قتالهم وإخراجهم من فلسطين.

والإسلام يقرر مقاتلة الغازي والمعتدي وإن أدى إلى قتله سواء كان عسكرياً أو مدنياً، يقرر قتل كل مدني أسهم في الحرب برأي أو مال أو جهد……”(112)

إن قضية فلسطين والقدس الشريف عند المسلمين ليست قضية تراب ووطن فقط وإنما هي أيضاً قضية إيمان وعقيدة. وإن مقاومة المحتل والغاصب والمعتدي الإسرائيلي قضية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي. 

لقد بدأت إسرائيل الحرب المستمرة والدائمة ضد العروبة والإسلام منذ  تأسيسها ولا تزال مستمرة بها لأنها لا تزال تحتفظ باحتلال الأرض العربية ومصادرتها وتهويدها واضطهاد الإنسان العربي والحيلولة دون تطوره وتقدمه. فالتعايش بين العرب واليهود على أرض واحدة غير ممكن والحل الصحيح وقف الهجرة اليهودية وإزالة المستوطنات وعودة المستوطنين إلى أماكنهم الأصلية.

إن السلام الإسرائيلي والأميركي يقفز فوق مبادئ الحق والعدالة، ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية. ويبيح لإسرائيل استعباد شعب بكامله وسرقة ثرواته ومقدساته وزرع أرضه بالمستوطنين والمستوطنات. ويعمل على اغتصاب مدينة القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين ومدينة الإسراء والمعراج وجعلها العاصمة الأبدية لليهود. فالعمليات الاستشهادية هي نتيجة لسياسة القهر والاحتلال والاستيطان والتهويد والهيمنة. فأي سلام بلا سيادة وبلا وطن وبلا قدس وبلا عودة وحق تقرير المصير؟!

لقد طلب كلنتون من الرئيس الأسد إدانة العمليات الاستشهادية ولكن الأسد رفض إدانتها. وصرح وزير الخارجية الأميركي على أثرها قائلاً: “إن على جميع شعوب المنطقة ليس فقط إدانة التفجيرات بل أيضاً التعاون مع الجهود الرامية إلى عدم تكرار حماس هذه الأعمال”.(113)

وطالب باتخاذ إجراءات صارمة ضد حماس وطلب من عرفات مواجهة حماس قائلاً:

“دعمُنا لعرفات مشروط بمواجهته لحماس وقال إن الهجمات لا تستهدف إسرائيل ورئيس حكومتها بيريس بل إنها أيضاً موجهة ضد عرفات”(114).

واستجاب عرفات للمطالب الأميركية والإسرائيلية فأعلن بيريس معلقاً على ذلك قائلاً:

“انتظر من عرفات أن يلقي القبض على قادة الجناح العسكري في حركة حماس واعتبار المنظمات الإرهابية خارجة عن القانون، وفعل ذلك، وطلبنا منه تجريدهم من السلام وقد بدأ بذلك وزودنا الشرطة الفلسطينية بلائحة من ثلاث عشر مطلوباً”.(115)

ونجح بيريس في تجنيد عرفات وشرطته ومخابراته واتباعه في حربه ضد المناضلين الفلسطينين لقمع العمليات الاستشهادية.

ويمكن القول إن الأطراف التي تضررت من العمليات الاستشهادية في القدس وعسقلان وتل أبيب هي:

* حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه مجرم الحرب شمعون بيرس.

* انهيار نظرية الأمن الإسرائيلي والردع العسكري.

* سلطة الحكم الذاتي العميلة وزعيمها ياسر عرفات.

* الإدارة الأميركية وزعيمها المتصهين بيل كلنتون باعتباره راعياً ومدافعاً وداعماً للاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.

فالولايات المتحدة، القطب الوحيد المهيمن على العالم والمنحازة لإسرائيل والتي تكيل بمكيالين هي التي دعت إلى عقد القمة لإزالة الخوف الذي دب في نفوس الإسرائيليين وتهدئة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمحافظة على المصالح الأميركية وتنفيذ المخططات الأميركية في المنطقة.

وأرادت إسرائيل أن تثبت أن لها اليد الطولى في المنطقة وفي العالم، وأنها قادرة على إخضاع الفلسطينيين وتخويف العرب بمساعدة الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأطراف الفلسطينية والعربية.

فالعمليات الاستشهادية فجرت الخوف والقلق والانفعال في نفوس الإسرائيليين وجعلتهم يخشون على مستقبلهم ومستقبل الكيان الصهيوني ككيان غريب ودخيل جاء يغتصب الأرض العربية ويتوسع ويقيم المستعمرات اليهودية ويرحَّل السكان العرب، لذلك فأن المستعمر اليهودي لا يمكن أن يرتاح إلاَّ بالأمن المطلق. فهبت الولايات المتحدة لمساعدته على تحقيق هذا الأمن.

لقد وضع بيرس شروطاً على عرفات وطالبه بتنفيذها وهي:

– اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي خارجتين على القانون.

– تجريد الإرهابيين من السلاح.

– اعتقال زعماء المنظمات الإرهابية.

واستجاب عرفات للمطالب الإسرائيلية فوصف العمليات الاستشهادية بالإجرامية وأخذ يطلق التهديد تلو الآخر للمنظمات الفلسطينية واعتبرها جميعها بما فيها مجموعات النسر الأحمر والنجم الأحمر والفهود السود منظمات غير شرعية. وأصدر التعليمات لأجهزته الأمنية والشرطية بمطاردة المجاهدين والمناضلين. ودعا الجماهير الفلسطينية في غزة إلى التظاهر للتنديد بالإرهاب الفلسطيني.

هل فكر عرفات ولو ثانية واحدة لماذا يقوم الفلسطينيون بتفجير أنفسهم؟ ومن هو الذي أدخل العنف والإرهاب والمجازر الجماعية في المنطقة؟ فهل هو العربي الذي يدافع عن أرضه ووطنه وحياته؟ أم المستعمر اليهودي الذي جاء من نيويورك أو موسكو لينتزع الأرض من أصحابها ويقيم المستعمرات اليهودية عليها؟

فماذا ينتظر الرئيس الأميركي كلنتون ونتنياهو وعرفات من العرب وهم يرون الاحتلال الإسرائيلي ينهب الأرض والمياه والثروات ويعلن أن القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين عاصمة أبدية لكيانه المغتصب؟

فالاحتلال الإسرائيلي وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاعتداءات اليومية والمجازر الجماعية هي التي تدفع العرب إلى استخدام العنف.

ولذلك فإن العمليات الاستشهادية هي نتاج بطولي لتراكم الظلم والقهر واغتصاب الأرض والحقوق خلال نصف قرن من عمر الكيان الصهيوني، الدخيل على المنطقة والغريب عنها والذي عرقل ويعرقل تطورها وتقدمها وازدهارها واستقرارها.

وبالرغم من هذه الحقائق دعا رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني إلى قمة دولية لمكافحة الإرهاب.

وكانت حركة حماس قد هددت في أعقاب اغتيال أجهزة الأمن الإسرائيلية للشهيد البطل يحيى عياش تنفيذاً للقرار الذي اتخذه رئيس الوزراء شمعون بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال التي نفذتها، هددت بالرد والثأر لاغتيال قائد فصائل عز الدين القسام. وأعلنت أن السلطات الإسرائيلية قد اتخذت كافة الاحتياطات لمواجهة الرد وإحباطه وأرسلت الولايات المتحدة الخبراء الأميركيين والمعدات والأجهزة الحديثة لتعزيز قدرة إسرائيل في مجال الكشف عن المتفجرات. وبعثت الإدارة الأميركية رسائل إلى الدول العربية تطلب منها أن تدين بوضوح عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ومن المؤلم حقاً أن بعض العواصم العربية استجابت لرغبة أميركا وإسرائيل واتهمت رجال المقاومة بالإرهابيين ووصفت العمليات الفدائية بالجرائم وبأنها هجوم جبان.

التطلعات المصرية والإسرائيلية من القمة.

يتلخص الهدف الأساسي من انعقاد قمة شرم الشيخ هو”إقامة تحالف دولي ضد حركات المقاومة الوطنية والإسلامية تحت ستار مكافحة الإرهاب. وأرادت إسرائيل أن تكون القمة كإطار إقليمي ودولي للتصدي للمقاومة الفلسطينية بعد أن فشلت في القضاء عليها والتصدي للأطراف التي تدعمها ورفع معنويات الشعب الإسرائيلي بعد أن سيطر عليه الخوف والرعب بعد العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب وعسقلان.

لقد وجدت إسرائيل المدججة بأحدث أنواع الأسلحة في العالم بما في ذلك السلاح النووي نفسها عاجزة عن مواجهة العمليات الاستشهادية، فأسرعت تطلب المساعدة والدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود.

وأسرعت الولايات المتحدة وحملت زعماء العالم على الهرولة إلى إسرائيل مرة عندما قام الإرهابي اليهودي عامير باغتيال الجنرال رابين والمرة الثانية لعقد قمة شرم الشيخ لتسخير إمكانات بعض أجهزة الأمن العربية والفلسطينية والدولية لمساعدة إسرائيل في قمع عمليات المقاومة البطولية ولاتخاذ قرارات صارمة ضدها وحمل الدول العربية على اتخاذ خطوات حاسمة ترمي إلى شل نشاطها.

وانطلق الموقف الأميركي من تبني وجهة النظر الإسرائيلية بوجوب تركيز القمة على”الإرهاب” الذي تتعرض له إسرائيل ويستهدف عملية السلام وإن عمليات حماس تسببت في توجيه ضربة لمسيرة التسوية، وإن القمة تهدف إلى نبذ الإرهاب للاستمرار في التسوية، وذلك لتبرير عدم تنفيذ اسرائيل للاتفاقيات التي وقعتها سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود وتعليق المفاوضات مع سورية بأمر من شمعون بيرس. وأبدى الرئيس كلنتون اهتماماً بالغاً لانتشال الحكومة الإسرائيلية من أزمتها ودعم فرص حزب العمل للنجاح في الانتخابات. واعتبرت الإدارة الأميركية أن العقوبات الجماعية التي فرضتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وحملات الاعتقال والتعذيب والتجويع وتخريب الإنتاج الزراعي مشروعةَ دفاعاً عن الأمن الإسرائيلي، مما يخدم التصلب الإسرائيلي والتهديدات والضغوطات الإسرائيلية المتزايدة على سلطة الحكم الذاتي ويبرر الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقات المعقودة في أوسلو والقاهرة.

لقد لجأت الإدارة الأميركية إلى عقد قمة شرم الشيخ والمؤتمرات الدولية الأخرى للمحافظة على اتفاقات الإذعان العربية- الإسرائيلية التي أجبرت الولايات المتحدة الأطراف العربية على توقيعها في ظل الاحتلال الإسرائيلي وبواسطتها وبالشروط والإملاءات الإسرائيلية؛ أجبرت الإدارة الأميركية الدول العربية والعديد من دول العالم على الاشتراك في المؤتمرات الدولية للحيلولة دون تراجع بعض العرب عن اتفاقات الإذعان ولحمايتها وضمان استمراريتها وفرض التطبيع على العرب جميعاً للوصول إلى الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية.

ورأت الولايات المتحدة أن تسمي المؤتمر مؤتمراً لمكافحة الإرهاب، بينما رأت مصر أن يكون اسم المؤتمر”مؤتمر صانعي السلام”.

وانطلق الموقف المصري عشية انعقاد القمة والتحضير إلى انعقادها من وجوب عقدها لدفع عملية السلام التي وصلت إلى طريق مسدود وواجهت مشاكل معقدة بعد العمليات الاستشهادية حيث اعتبر عمرو موسى، وزير الخارجية المصري أن إعاقة مسار السلام بواسطة العنف من الجانبين مسألة غير مقبولة ووجه اللوم إلى إسرائيل لأنها فرضت الحصار على الضفة والقطاع واتخذت إجراءات لا تتفق مع التزامات إسرائيل الواردة في الاتفاقات.

إن الجانب العربي الذي يعرف حق المعرفة أن سبب العنف في المنطقة هو الاستيطان اليهودي واغتصاب فلسطين العربية لا يمكن أن ينظر إليه على اعتباره مجرد وسيلة تهدد أمن إسرائيل وأمن الإسرائيليين، فالعنف في المنطقة له أسبابه وتاريخه ونتج عن الاغتصاب والاحتلال والتهويد وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان كسياسة رسمية. ونجحت مصر في تحويل القمة من قمة لمكافحة الإرهاب وخدمة الأمن الإسرائيلي فقط إلى قمة لدعم السلام ومكافحة الإرهاب وذلك بالتسمية والعنوان فقط، مما أنقذ مصر من ورطة سياسية تسيء لدورها العربي وموقفها من الحق العربي في فلسطين.

بدأ التوريط المصري بالقمة خلال الزيارة التي قام بها إلى إسرائيل الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك للشؤون السياسية.

يقول دبلوماسي مصري عن زيارة الباز مايلي: “بدا واضحاً من المحادثات التي أجراها الباز مع المسؤولين الإسرائيليين أن المصاعب المحيطة بعملية السلام، خصوصاً على المسار الفلسطيني الإسرائيلي بعد عمليات التفجير في القدس وعسقلان وتل أبيب، بلغت درجة الخطورة وباتت تهدد العملية من أساسها.(116)

ولعب الباز دوراً هاماً بعد عودته من تل أبيب بإقناع الرئيس مبارك بعقد قمة شرم الشيخ، حيث حذره في التقرير الذي رفعه إليه من “أن المناخ السائد في إسرائيل بفعل التفجيرات أصبح هاجساً أمنياً، وأن المسار الفلسطيني- الإسرائيلي بات مهدداً بالانهيار مالم يتم إنقاذه بسرعة”(117).

لقد نجح بيرس بإقناع الباز ونجح الباز بإقناع الرئيس مبارك بفكرة بيرس وهي عقد قمة شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب. وجاءت الفكرة المصرية بعقد القمة لإنقاذ عملية السلام ومكافحة الإرهاب.

ساد اتجاهان في التحضير للقمة:

الأول: يقول إن الغرض الرئيسي من القمة ينبغي أن يكون دفع عملية السلام بعد العمليات الاستشهادية وكسر الجمود المسيطر على المسار السوري- اللبناني بعد أن أوقف بيرس المفاوضات. ودعمت مصر هذا الاتجاه.

والاتجاه الثاني: يطالب بإجراءات محددة وآليات عملية لمواجهة الإرهاب ودعم شمعون بيرس في الانتخابات 

وأكدت مصر أن نجاح بيرس شأن إسرائيلي داخلي وأن ما يعنيها هو إزالة كل ما من شأنه عرقلة السلام، وهذا يتطلب بحث موضوع الإرهاب والأسباب التي أدت إليه. وتبلور الموقف المصري على الشكل التالي:

“إن مصر ترفض العنف والعنف المضاد، ولا تقبل بترويع المدنيين، كما ترفض سياسة إغلاق إسرائيل للضفة والقطاع. وتعتبر الإرهاب مرفوضاً، والحرب عليه واجباً. وهذا ما يستدعي اتخاذ تدابير أمنية وسياسية عدة، منها إعادة النظر في حق اللجوء السياسي الذي تمنحه الدول الغربية للإرهابيين وأنصارهم، والبحث عن مصادر تمويل هذه الجماعات ومراقبة أنشطتها ورصد اتصالاتها وتحركات عناصرها.

لكن القضية الجوهرية في نظر مصر هي ضرورة إزالة المناخ الذي يشجع الإرهاب. وهذا يتم من خلال تسريع عملية السلام وتدعيمها، والتوصل إلى اتفاقات على المسارين السوري واللبناني، وإنجاح مفاوضات المرحلة النهائية على المسار الفلسطيني.

وعبر حاييم فورين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية عن أن لاخلاف على أهمية دعم عملية السلام، لكننا نعتبر أن ذلك لا يمكن أن ينفصل عن محاربة الإرهاب، لأن الهدفين مرتبطان عضوياً. فالإرهاب الحالي يهدف إلى تقويض السلام وتدمير إمكانات تحقيقه. ولذلك لا يمكن دعم السلام من دون مكافحة الإرهاب، والعكس أيضاً صحيح” (118).

وطالبت إسرائيل بضرورة عدم الاكتفاء بإعلان المواقف والتصريحات، بل وجوب الوصول إلى ممارسات عملية يتفق عليها المشاركون في القمة من أجل مكافحة الإرهاب والحيلولة دون تحقيق أهدافه.

ولخص حاييم فورين موقف حكومة العدو في القمة والنتائج التي ترغب في الوصول إليها قائلاً:

“طبعاً سيكون مهماً أن تطلع القمة بإعلان مشترك يوافق عليه الجميع ضد الإرهاب، وهذا ما نرغب فيه ونريده. لكن الأهم سيكون الاتفاق على الخطوات العملية التي يقرر جميع المشاركين في القمة تنفيذها ضد الإرهاب في إطار استراتيجية موحدة تقوم على التعاون والتنسيق. فمثل هذا الاتفاق سيكون المؤشر الحقيقي على نجاح القمة في تحقيق أهدافها”(119).

وأعرب زئيف شيف، الخبير الإسرائيلي الكبير في الشؤون الاستراتيجية عن أهمية قمة شرم الشيخ في تحقيق التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية المشتركة في القمة وقال:

“لابد من الاعتراف بأن مجرد جلوس الدول العربية على منبر واحد مع إسرائيل تحت شعار مكافحة الإرهاب هو في حد ذاته نقلة تحول أساسية ينبغي التركيز عليها، وهو أيضاً يشكل في نظرنا الإنجاز الأهم لاجتماع شرم الشيخ على المستوى السياسي والاستراتيجي العام. فهذا يعني أن العرب باتوا أخيراً على استعداد للإقرار بأن هناك مصالح أمنية مشتركة تجمعهم مع إسرائيل لكنني أعود وأكرر هنا أن الناحية الإيجابية المنبثقة عن هذا الاجتماع هي تكريسه حقيقة أنه بات هناك الآن عرب وإسرائيليون في خندق واحد مؤيد للعملية السلمية ضد عرب وإسرائيليين معارضين لهذه العملية”(120).

وكانت إسرائيل ترغب من القمة تعزيز الشراكة الأمنية بين الإسرائيليين والفلسطينين وبين الإسرائيليين وبعض الأطراف العربية. ونجحت إسرائيل في تجسيد هذه الشراكة الأمنية على أرض الواقع في الضفة والقطاع وداخل إسرائيل. ولكنها تعمل من خلال القمة لمد هذه الشراكة خارج إطار المناطق المحتلة وإسرائيل، حيث عبر ضابط إسرائيلي كبير في شؤون مكافحة الإرهاب عما تريده إسرائيل من القمة وقال:

“نعم نعرف جميعاً أن القمة هدفت إلى دعم الحملة الانتخابية لشمعون بيرس ومساعدة ياسر عرفات على تعزيز مواقعه في المناطق الفلسطينية. نحن ندرك تماماً مشكلة عرفات والسلطة الفلسطينية فحماس والجهاد جزء من المجتمع الفلسطيني، ولا يمكن للسلطة أن تتحمل الظهور بمظهر الأداة في يد إسرائيل، فهذا سيفقدها صدقيتها. لكن يتعين في المقابل المحافظة على صدقية السلام في نظر الإسرائيليين أيضاً.

وفي اعتقادي أن عملية المعالجة في الداخل بدأت فعلاً من خلال تعزيز التعاون وتبادل المعلومات والتنسيق بين أنشطة الأجهزة الإسرائيلية والفلسطينية. لكن المشكلة الحقيقية تظل في الخارج، وهي تحديداً في الدول التي تأوي الإرهاب وتوفر له الدعم المادي والغطاء السياسي. ولن يكون حل هذه المشكلة ممكناً من دون محاسبة هذه الدول على ما تفعله…… من هذه الزاوية تكون قمة شرم الشيخ حققت أهدافها السياسية. أما مكافحة الإرهاب والإجراءات الأمنية اللازمة في شأنه، فهذه لا تحتاج إلى مؤتمرات قمة لبحثها، بل يتم الاتفاق عليها داخل غرف مغلقة.”(121)

وتركز إسرائيل على تعميق مفهوم الشراكة الأمنية مع بعض الأطراف العربية وعلى مكافحة الإرهاب والمضي في المفاوضات والعملية السلمية بالشروط الإسرائيلية. وتربط بين مكافحة الإرهاب وعملية السلام ودعم سلطة عرفات وإقناع الدول المانحة بالوفاء بالتزاماتها المالية حيال السلطة الفلسطينية حيث يعاني الفلسطينيون ضائقة اقتصادية خانقة تدفع ببعضهم إلى التطرف والعنف. وتعتقد إسرائيل بأهمية الجهود التي تقوم بها السلطة الفلسطينية ضد حماس والجهاد لأنها تكرس مفهوم الشراكة الأمنية في مفهوم الرأي العام الإسرائيلي.

ومن الغريب حقاً أن يكون ما يسمى بالإرهاب”الإسلامي” وحده على جدول أعمال القمة ولم يتم التطرق إلى الإرهاب اليهودي الذي أدى إلى العديد من الحروب العدوانية والمجازر الجماعية وبالتالي تم التركيز عشية التحضير للقمة على”الإرهاب” الإسلامي لا الإرهاب اليهودي.

وأدلى شمعون بيرس رئيس وزارء العدو الإسرائيلي عشية عقد القمة بعدة تصريحات تشير بوضوح إلى رغبة إسرائيل في قيام إطار استراتيجي إقليمي جديد يجمع مابين إسرائيل والدول العربية وتركيا برعاية الولايات المتحدة الأميركية ومباركة أوروبا على أساس مجموعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المشتركة، وتحت شعار مكافحة الإرهاب ودعم السلام.

وخلاصة القول: إن قمة شرم الشيخ فكرة إسرائيلية، أطلقها شمعون بيرس، رئيس وزراء العدو الإسرائيلي وتبناها بيل كلنتون، وأقنع بيرس أسامة الباز بالفكرة، وأوصى الباز الرئيس مبارك بالأخذ بها. ونجحت الولايات المتحدة في حمل الدول العربية وزعماء العالم على المجيء إلى شرم الشيخ والمشاركة في القمة دفاعاً عن ممارسة إسرائيل للاستيطان والاحتلال والتهويد والعنصرية والإرهاب كسياسة رسمية، ودعم بيرس وعرفات وتكريس معاهدة أوسلو ووادي عربة وتعزيز موقع مصر كمرجع إقليمي ثابت في المنطقة.

ويعبِّر عقد القمة عن ازدواجية المعايير لدى الولايات المتحدة التي لم تدع إلى عقد قمة مماثلة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994 وإنما تعمل على فرض حلول على العرب لمصلحة إسرائيل وضد المصالح العربية وفرض مجالات جديدة في تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية، وبالتالي يمكن القول إن العرب الذين شاركوا في القمة قد تورطوا لأول مرة في التوقيع تحت الرعاية الدولية على مساواة مقاومة الاحتلال بالإرهاب وإدانة كل شكل من أشكال العمل العسكري ضد الاحتلال الأجنبي والرد على جرائمه وتحرير الأرض والحقوق والمقدسات من اغتصابه. وأقر المشاركون العرب في القمة بالدور العربي والفلسطيني في مواجهة هذه المقاومة وتسهيل مهمة إسرائيل في مكافحتها والتصدي لها. وجندت جهود وإمكانات عربية لمساعدة مجرم الحرب بيرس في سحق حركتي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وكل شكل من أشكال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وطالبت بتضافر الجهود واتخاذ مواقف أكثر جدية على صعيد كل دولة إزاء ما تحصل عليه الحركات الإرهابية على أرضها من مساعدات وتمويل وحرية واتصال، وبالتالي فتحت أخطر مجالات التطبيع مع العدو وهو التطبيع الأمني.

رفضت الدول العربية المشاركة في  القمة المطلب الإسرائيلي بإدانة الدول العربية التي لم تحضر القمة أو لم تشجب العمليات الاستشهادية. ورفضت فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى المساعي والمحاولات الأميركية لاستغلال المؤتمر وفرض إجراءات مقاطعة مشددة على إيران.

أرادت إسرائيل والولايات المتحدة من القمة أن تكون قمة عالمية لمكافحة الإرهاب وحصره بالإرهاب الإسلامي، إرهاب حماس والجهاد وحزب الله، وإدانة الدول المؤيدة للمقاومة وهي سورية وإيران. وأرادت مصر ومعها الدول العربية وبعض الدول الأخرى أن يسمّى المؤتمر مؤتمر صانعي السلام ومكافحة الإرهاب. وأظهر التطبيق العملي لقرارات القمة أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لا تهتم أبداً إلاّ بما يخدم الكيان الصهيوني في مواجهة المقاومة الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي وأما القرارات الأخرى فلا أهمية لها على الإطلاق وجرى تجاهلها مما وضع الموقف العربي والأوروبي وخاصة الروسي في موضع حرج. وجاءت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية صفعة قوية للتوازن في قرارات القمة التي سعت مصر وفرنسا إلى اتخاذها، وبقي فقط ما يهم إسرائيل وسياساتها.

افتتاح القمة

دعا الرئيس الأميركي إلى عقد القمة لإنقاذ بيرس وعرفات واتفاق الإذعان في أوسلو ومعنويات الإسرائيليين من الانهيار.

وكانت السفيرة مادلين أولبرايت (مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة) قد قالت عشية انعقاد المؤتمر”إن هذا المؤتمر هو الأهم في تاريخ القرن العشرين” (122) وبالتالي فإنه برأيها كيهودية إن قمة شرم الشيخ أهم من مؤتمر فرساي وبوتسدام وسان فرانسيسكو(المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة.). 

وانعقدت القمة في 13/3/1996 بحضور كبار قادة العالم من كلنتون وشيراك إلى ميجر وكول ويلتسين، وحضور عربي من أربع عشرة دولة بين ملك ورئيس دولة ووزير خارجية. وحدد بيرس عنوان القمة”التعبير عن الدعم الدولي لإسرائيل، ورفع التعاون الأمني بين أميركا وبين إسرائيل وبعض أجهزة الأمن العربية” (123).

وتعتبر أسرع قمة دولية جرى الاتفاق عليها خلال ساعات، وهرع ملوك ورؤساء العالم للاشتراك فيها، مما أظهر خضوع البلدان المشاركة فيها إلى الضغط والابتزاز اليهودي والأميركي، ودشنت بداية مرحلة جديدة ظالمة بحق شعوب العالم التي تتطلع إلى التحرر والاستقلال والسيادة من الاحتلال الأجنبي، مرحلة لا تخدم مبادئ الحق والعدل والقانون الدولي والشرعية الدولية، وإنما تخدم ممارسة إسرائيل للحروب العدوانية والإرهاب والعنصرية.

افتتح الرئيس مبارك القمة برسالة واضحة ضد الإرهاب والقوى الداعمة له مع الدعم والتأييد لإسرائيل وسطلة الحكم الذاتي والإصرار على فرض السلام.

وتحدث الرئيس كلنتون في المؤتمر قائلاً: “أقول لقوى العنف والكراهية إنكم تقتلون أنفسكم والآخرين بهدف قتل السلام، فالسلام باق لن تنجحوا ، لقد حانت ساعة نهايتكم.”. وجاء في كلمته: “وربما لا بد لنا من إلاّ ندع قوى الإرهاب والشر أن تنال من عملية السلام ومن ثم لابد أن تتضافر جهودنا وأن نعزز مواقفنا من أجل أن نحبط هذه الأهداف الشريرة”.(124).

وأعلن كلنتون في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس مبارك عن إنشاء مجموعة متابعة مفتوحة أمام جميع المشاركين في القمة”.(125).

واعتبرت أميركا وإسرائيل قمة شرم الشيخ قمة من أجل مكافحة الإرهاب، وعملتا على تجييرها لمصلحة إسرائيل بشكل كامل وتحقيق مكاسب أمنية وسياسية لها وتوفير جميع الوسائل والأجهزة والأموال لدعمها في الاستمرار في سياسة القبضة الحديدية.

وألقى غياب سورية ولبنان عن القمة بظلاله، لأنه شكك بأهدافها والنتائج التي تتوصل إليها، ولا سيما وإن سورية تنادي بالتفريق بين الإرهاب والمقاومة. وشككت بموقف بعض الدول من عملية السلام وطالبت بالعودة إلى عقد مؤتمر مدريد. وجاء عدم حضور سورية منسجماً مع موقف القائد العربي الكبير حافظ الأسد القائم على التفريق بين الإرهاب والمقاومة، وأن السلام هو الذي يحقق الأمن وينهي التوتر في المنطقة، وأن إزالة التوتر مرتبطة بإزالة أسبابه وهي الاحتلال، ولذلك لا يمكن لسورية أن تعطي دعماً لإسرائيل بحضور القمة، لأن سورية تعتبر أن إسرائيل المسبب الأول لأعمال العنف الناتجة عن احتلال الأراضي العربية ولأن سوريا تدافع عن الحق العربي ولا يمكن لها أن تدعم سياسة الاحتلال وحضورها يعني تأييد إسرائيل. وأكد وزير الخارجية السوري أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. واتفق الرئيسان السوري واللبناني على اعتبار قمة شرم الشيخ متسرعة وغير مدروسة، كما أن الدعوة لها والمواضيع المعروضة عليها لم يتم التحضير لها جيداً. ووجه الرئيس الهرواي رسالة إلى الرئيس الأميركي جاء فيها أن معالجة الأزمة السياسية تتطلب إنهاء العنف وأسبابه وما يجلبه من ردود فعل..

ووجهت حماس مذكرة إلى القمة تبرر فيها العمليات الاستشهادية وتعلن عن استعدادها لقبول وساطة المؤتمرين وطرحت الهدنة مع إسرائيل وأكدت أن العمليات هي دفاع عن النفس في مواجهة احتلال وقمع وإرهاب إسرائيل. واعتبرت الجهاد الإسلامي أن المؤتمر مؤشر لحرب صليبية جديدة، تقودها إسرائيل واميركا للتغطية على الإرهاب الذي تمارسه الدولة اليهودية وانقاذ بيرس وعرفات وأن المؤتمر حملة  عالمية ضد النضال الفلسطيني بمشاركة عربية وايد عربية. 

شدد الرئيس مبارك على أهمية السلام الذي يحقق الأمن والاستقرار ويقضي على مظاهر العنف. وشدد على تحقيق التقدم على جميع المسارات، بينما قال الرئيس كلنتون إنه أصبح من الضروري وقف دوامة العنف سواء من جانب إسرائيل أو الفلسطينيين. وتحدث عن أهمية تحقيق السلام والقضاء على العنف والإرهاب.

وتحدث بيرس أمام القمة قائلاً: “إن القرار الفعّال لابد وأن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجية وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب وذلك من قبل التعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه.”إن هذا الإرهاب له اسم ولديه حساب في البنك وله بنية أساسية وله شبكة وكذلك مثلما هي الحال بالنسبة للمؤسسات الخيرية”(127)..

ودعا الملك حسين إلى إيجاد آلية دولية تعمل على تعريف الإرهاب ووضع المبادئ والوسائل الكفيلة بوأده في مهده من حيث التمويل والتدريب والممارسة. وقال في القمة إنه لابد من مواجهة ظاهرة الإرهاب مواجهة دولية لا جهوية ولا إقليمية، وإنه يجب علينا أن نتخذ الإجراءات الرادعة ضد أي دولة تدعم الإرهاب أو تستضيف مؤسساته ومنظماته”.(128).

انعقدت قمة شرم الشيخ بسبب العمليات الاستشهادية التي أطاحت بنظرية الأمن الإسرائيلي وفشلت إسرائيل في التصدي لها، لذلك احتلت المقاومة والتصدي لها مكان الصدارة في القمة. وأراد الرئيس كلنتون وأصدقاء أميركا وإسرائيل من الدول العربية انقاذ بيرس من السقوط في الانتخابات تحت شعار”إنقاذ بيرس ينقذ السلام”، ولكن الحقائق أثبتت وتثبت أنه يمارس القمع والإرهاب والتطرف أكثر من الليكود الذي توصل إلى معاهدة السلام مع مصر.

وجاء الاشتراك العربي في القمة تلبية لرغبة الرئيس الأميركي لإنجاح بيرس وإنقاذ عرفات ودعم مركزه وتقديم الأموال والمعدات لأجهزته القمعية، وبالتالي نجحت القمةفي توريط بعض البلدان العربية في عملية دعم إسرائيل ومعاداة العرب والإسلام، و يمكن أن تؤدي إلى انتكاسه في عملية التسوية بسبب تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيرس وتشدده. وغفرت القمة لإسرائيل ما ارتكبته من ممارسة الإرهاب والإبادة وتكسير العظام والعقوبات الجماعية طوال نصف قرن.

إن القمة حدث لا مثيل له على ساحة الشرق الأوسط والساحة العالمية، حيث نجح الرئيس الأميركي في تجنيد العالم لمساعدة إرهاب إسرائيل ودعمها، فإسرائيل تأسست من رحم الإرهاب وشبّتْ عليه وتمارسه كسياسة رسمية وتصدره للخارج للمحافظة على اغتصاب الأرض والحقوق العربية وفرض الهيمنة على العرب، ولذلك فإنه لا يمكن لإسرائيل أن تفكر بغير عقلية الإرهابي والإرهاب.

واعتبرها بيرس بمثابة إعلان تضامن دولي مع إسرائيل ومحاربتها الإرهاب، فالرابح الوحيد من عقدها هو الإرهاب الإسرائيلي والتطرف والاستيطان اليهودي.

لقد تأثر المواطن العربي أشد التأثر عندما سمع ممثل قطر يتحدث في المؤتمر وكأن بيرس يتحدث ثم وجه الدعوة لبيرس لزيارة قطر. وسار ممثل عُمان على خطى ممثل قطر وقال إن الأحداث الإرهابية التي راح ضحيتها الأبرياء في إسرائيل أمر مستنكر، وطالب بإتخاذ إجراءات حازمة ضد الإرهاب، وبالتالي تكون قطر وعُمان قد أدانتا المقاومة أولاً وطالبتا بدعم مسيرة السلام ثانياً وتوجيه دعوة لمجرم الحرب شمعون بيرس لزيارتهما ثالثاً.

وشجع موقف قطر وعمان ورئيس سلطة الحكم الذاتي إسرائيل على المطالبة بـ”حق إسرائيل في الإطلاع على أسماء العائلات الفلسطينية التي تتسلم مساعدات مالية مقدمة من لجان عربية تعمل على دعم الشعب الفلسطيني.”.(129)

وطالبت السعودية بإعطاء عملية السلام دفعة حقيقية واتخاذ إجراءات جادة ضد العنف واجتثاث جذوره، وأدانت العمليات في القدس وتل أبيب كما أدانت ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف. وهاجمت العقوبات الجماعية التي فرضها العدو الإسرائيلي على الضفة والقطاع.

وطالبت الكويت بمواصلة العمل الدولي لإزالة العقبات التي تعترض مسيرة السلام وبتعاون دولي جاد لوضع حد لظاهرة الإرهاب والأسباب التي تؤدي إليها.

وأدانت اليمن الإرهاب مهما كان مرتكبوه سواء أفراداً أو سلطة. وطالبت بوجوب عدم إدانة شعب أو أمة أو دين دون آخر، وإقامة سلام عادل وشامل دون استضعاف أو استكبار.

ورحبت تونس بكل خطوة لإقرار سلام عادل ودائم وشامل والتصدي لكل أشكال الإرهاب ومساعدة السلطة الفلسطينية.

وعملت إسرائيل خلال القمة على الخروج بصيغة لإيجاد تعاون أمني عربي- إسرائيلي لمكافحة الإرهاب ومصادر دعمه وتمويله وتبادل المعلومات مع الدول العربية حوله. شجعها في ذلك موقف عرفات والأردن، حيث كان عرفات الوحيد داخل المؤتمر الذي هاجم حماس بالاسم وبعنف وتعهد بتصفيتها.

وكان الجنرال باراك، وزير خارجية إسرائيل قد زار الأردن قبل عقد قمة شرم الشيخ بيوم واحد لتنسيق المواقف بين الحكومة الأردنية والحكومة الإسرائيلية وكان الأمير الحسن قد قال إن المعاهدة تلزم الأردن بالتنسيق والعمل مع إسرائيل لمكافحة الإرهاب.

وأكد باراك في عمان أن إسرائيل تسعى إلى بناء تعاون إقليمي ودولي في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتبادل التكنولوجيا وسبل ضبط انسياب الدعم المالي الموجه إلى الأنشطة الإرهابية(130)..

ووصف باراك سورية في عمان بأنها احدى ثلاث قلاع للإرهاب في المنطقة إلى جانب إيران وليبيا(131).

وخلاصة القول أرادت إسرائيل الاتفاق مع البلدان العربية المشتركة في القمة على استراتيجية مشتركة لسحق المقاومة العربية بعد أن نجحت بإلزام عرفات وشرطته وأجهزته الأمنية ومؤسساته السياسية بتنفيذ كافة مطالبها الأمنية. ونجحت مع الأردن في المحافظة على حدودها قبل وبعد معاهدة وادي عربة .

لقد اتهم بيرس إيران بالوقوف أمام الإرهاب وأنها هي الدولة الوحيدة التي تتصدره وأصبحت طهران عاصمة الإرهاب. وليس للإرهاب حدود، ولذلك فلا يجوز أن تمنع الحدود العمل من أجل القضاء على أفعى الإرهاب.

وكان شيراك قد تحدث في المؤتمر حول ما طرحه بيرس وعرفات عن دور إيران وقال:

“عرفات وبيرس تحدثا عن تورط عناصر خارجية، وإذا ثبت لنا ذلك عليناأن نستخلص النتائج والأسرة الدولية ترفض التصريحات غير المسؤولة وعلى جميع الدول إدانة الإرهاب: وردت إيران على اتهامات عرفات وبيرس قائلة بأن المؤتمرين يعملون على ضرب الحركة الإسلامية في فلسطين. ووصفت القمة بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل لممارسة القمع ضد الحركة الإسلامية في فلسطين ولبنان. وانتقدت الحكومات العربية التي لبّتْ حضور المؤتمر، لأن الدول العربية أصبحت تابعة للحدث الإسرائيلي، إنه مؤتمر حماة إرهاب الدولة الإسرائيلي والتضامن مع المحتلين الإسرائيليين. وأعلن كلنتون في شرم الشيخ نقاطه الثلاث لدعم إسرائيل وهي: أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مدّ إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي. ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب. ثالثاً: سنعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين ومع حكومات أخرى شاركتنا الحرب ضد الإرهاب. وأشار إلى أن إسرائيل دولة ديمقراطية وأن العلاقات معها وثيقة جداً ومتينة.(132).

المواقف داخل القمة:

سعت الولايات المتحدة وإسرائيل في القمة إلى تسخير المجموعة الدولية بما فيها الدول العربية إلى الالتزام بالمحافظة على اتفاقات الإذعان التي أمليت بقوة إسرائيل العسكرية ودور الولايات المتحدة الأميركية في أوسلو ووادي عربة مخالفة بذلك الحقوق التاريخية الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين بتخليد الاستيطان وشرعنة الاحتلال على حساب قرارات الشرعية الدولية.

وتتجلى بشاعة قمة شرم الشيخ في التشهير بكرامة الأمة وسيادتها وتاريخها ونضالها وشهدائها ووصف مقاومة الاحتلال بالإرهاب والعمل المأجور والخارج عن إرادة الشعب وتقاليد الأمة والقادم من إيران.

إن تشويه صورة المقاومة الوطنية والإسلامية في مواجهة الإرهاب والاحتلال اليهودي هو إهانة للعروبة والإسلام ودماء شهداء الأمة العربية الذين رووا أرض فلسطين العربية بدمائهم الزكية، كما أن تزوير الحقائق وبث الأكاذيب والأضاليل اليهودية والعرفاتية حول دور القوى الخارجية في عمليات حماس والجهاد الإسلامي تحقير وإهانة للشعب الفلسطيني واللبناني والأمة العربية في مقاومة الاحتلال.

إن الولايات المتحدة التي نظمت القمة هي التي تدافع عن احتلال إسرائيل للأراضي العربية وهي التي مكنتها من احتلال هذه الأراضي والاستمرار في المحافظة على احتلالها لإملاء الشروط الإسرائيلية في أوسلو ووادي عربة، وهي التي تموّل الاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة، وهي التي أعطت الضوء الأخضر إلى مجرم الحرب بيرس لشن الحرب على المدنيين في لبنان  لتدمير المزيد من الاقتصاد اللبناني وفرض المزيد من الخنوع والاستسلام على العرب، وهي بالتالي الداعم والحامي والمدافع والمموّل والمسّلح للإرهاب اليهودي الذي تمارسه دولة اليهود، وهي الداعم للإرهاب في الشرق الأوسط وفي العالم.

لقد كانت قمة شرم الشيخ قمة الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلنتون لحماية حليفه الاستراتيجي الكيان الصهيوني وإخراج إسرائيل من المأزق الذي أوقعت نفسها فيه وتوظيف القمة من أجل إنجاح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في الانتخابات والتأكيد على أن إسرائيل تعمل من أجل السلام.

لماذا لم يدع العرب والعالم إلى مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب اليهودي عندما ارتكب الإرهابي اليهودي غولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف؟

لماذا لم يتحدث الرئيس الأميركي عن الإرهاب اليهودي في حين جمع العرب والعالم لإدانة التطرف والعنف الإسلامي؟

لماذا تسخّر واشنطون وتل أبيب ياسر عرفات لسحق حماس والجهاد الإسلامي؟

كانت القمة قمة فرض الخطط والمشاريع الإسرائيلية، قمة فرض الحلول المصنوعة لخدمة مصالح الصهيونية والإمبريالية لنهب ثروات وأراضي وإرادة وحقوق الأمة العربية. لذلك يرفض المواطن العربي ما تمخضت عنه القمة التي خدمت التصلب والغطرسة الإسرائيلية وصعدت من الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية على الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية مقاومة مشروعة وعادلة في مواجهة المزاعم والخرافات والأساطير وأبطالها ليسوا بمجموعة من الإرهابيين كما وصفتهم قمة شرم الشيخ التي صبت في خدمة الاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.

إن الإرهاب هو اتهام المقاوم بالإرهاب، وتأييد الإرهاب اليهودي بحجة مكافحة الإرهاب. لقد تجسّد الإرهاب في قمة شرم الشيخ باتهام النضال العادل ضد الاحتلال اليهودي وضد الإذلال والاضطهاد والقمع والوحشية اليهودية دفاعاً عن الوجود وفق مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية بالارهاب.

ظهرت ثلاثة مواقف في قمة شرم الشيخ:

أولاً: الموقف الإسرائيلي- الأميركي وطالب بتسمية القمة قمة مكافحة الإرهاب وسحق الإرهاب الذي تدعمه إيران وتغض سورية النظر عنه ولا تفعل شيئاً لمنعه، لذلك لابد من تحالف شرق أوسطي وعالمي لسحقه كشرط لاستئناف التسوية.

ثانياً: الموقف المصري- الفرنسي وتؤيده السعودية وبعض الدول الأوروبية، ويعتبر أن العنف مسؤول عن تعثر عملية السلام وهو أصولي وإسرائيلي ويرى عدم محاصرة السلطة الفلسطينية واحترام المواثيق التي تم توقيعها ومن الضروري متابعة المسيرة السلمية.

ثالثاً: الموقف السوري- اللبناني ويقوم على أساس أن المقاومة حق مشروع في التصدي للاحتلال وتحرير الأرض والدفاع عن الوطن والذات والثروات والمنجزات. ويقوم على وجوب التفريق بين المقاومة والإرهاب، ومتابعة العملية السلمية التي أوقفتها إسرائيل على أساس مرجعية مدريد وتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

ونفذت السلطة الفلسطينية مطالب إسرائيل والولايات المتحدة كافة في التصدي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي واعتقال جميع العناصر التي طالبت إسرائيل باعتقالهم وحظر نشاطات الجمعيات الخيرية التابعة لهما وحددت موعداً لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني لإلغاء الميثاق.

وأعلن عرفات داخل المؤتمر الحرب الشاملة على المقاومة الإسلامية وقرر استئصالها استجابة لمطلب إسرائيل بتدمير البنية التحية لها.

وأكد في كلمته تصميمه على اقتلاع الإرهاب في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وقال: إن”الإرهاب ينال منا جميعاً، وعلينا نحن أبناء إبراهيم أن نؤمن بأن من يدعو إلى القتل خارج عن إرادة الله وشرائعه السماوية”(133)..

ومن الجدير بالذكر أنه لم يرتفع صوت يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها والتوقف عن سياستها الاستيطانية وتفكيك المستعمرات اليهودية والتوقف عن مصادرة الأراضي العربية..

ودار الخلاف في المؤتمر حول استخدم العنف واللجوء إليه وظهر اتجاهان: الأول يعتبر أن الإرهاب سبب المشاكل وتتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. والثاني يرى أن العنف هو نتيجة لاغتصاب الأرض واليأس والإحباط والحصار الاقتصادي على الضفة والقطاع والفشل في تحقيق السلام العادل والشامل واستمرار الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الأمن الإسرائيلي على حساب الأمن العربي.

ورأت فرنسا داخل المؤتمر أنه من الخطأ أن ينحاز المشاركون فيه إلى إسرائيل، أو أن يظهر المؤتمر وكأنه جاء لحماية إسرائيل، وإن أمن إسرائيل لا ينفصل عن أمن الفلسطينيين.

وقال الرئيس جاك شيراك في المؤتمر”على المجموعة الدولية أن تدين الإرهاب وتعمل على دفع عملية السلام” كما وجه التحية إلى الشعب الإسرائيلي في محنته وقال إن: “الأولوية القصوى يجب أن تعطى لحماية أمن وسلامة شعبي اسرائيل وفلسطين” (134)

وأكد الرئيس الفرنسي أن عملية السلام لا رجعة فيها والسلام يمر من البوابة الاقتصادية، لذلك على المجتمع الدولي أن يزيد حجم معونته الاقتصادية للفلسطينيين.

وقال المستشار الألماني هيلموت كول إن التفجيرات لم توجه ضد إسرائيل وإنما ضد عملية السلام، وتمثل خطراً كبيراً على العملية. وتابع حديثه قائلاً:

“أقول لأصدقائي في إسرائيل إنني أشعر بأسى وحزن وأشاركهم الأحزان وأعلن في هذا المؤتمر أن عملية السلام هي عملية لابد أن تصل إلى نهايتها ولا خيار أمامنا إلاّ الوصول إلى السلام. 

ودعا كول إسرائيل ومنظمة التحرير إلى محاربة الإرهاب باتخاذ قرارات حاسمة، وليس بالإدانة وحدها.

وقال: “عقدنا العزم على محاربة من يريدون تعطيل السلام ومساندة من يناضلون ضد أعداء السلام، وتقديم الدعم الكامل لهم.”(135).

وأعلن عرفات أمام المشتركين في المؤتمر:

“إننا نواجه وسنواجه الإرهاب ونقتلعه من أرضنا، لأن حلمنا في الحرية والاستقلال وتقرير المصير لا يمكن أن يزدهر ويتحقق وسط بحر الدم والدموع، وإنما بالعمل الدؤوب في مواجهة ….. الإرهاب، لهذه الأجنحة المتطرفة والخطرة لحماس والجهاد الإسلامي”(136).

وأكد رئيس وزراء بريطانيا جون ميجر أن بلاده أعلنت مساندتها منذ وقت طويل لعملية السلام، والدول التي تكافح الإرهاب. وعبر عن حزنه العميق على العمليات الإرهابية ورحب بحرارة بالتعاون بين عرفات وبيرس.

وأظهرت بريطانيا انحيازها لإسرائيل وتبعيتها للسياسة الأميركية فيما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني، وجاء في الكلمة التي ألقاها بيرس أمام المؤتمر”إن القرار الفعال لابد و أن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجيته وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب بالتعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه”.

ووصلت الوقاحة الإسرائيلية حداً طالبت فيه”بحق إسرائيل في الاطلاع على أسماء الأُسر والعائلات الفلسطينية التي تتسلم تبرعات  مالية ومساعدات مقدمة من لجان عربية تعمل في مجال دعم الشعب الفلسطيني. ورد الجانب المصري على هذا الكلام وقال: “وماذا عن الأموال التي تتلقاها جماعات إسرائيلية متطرفة يمارس بعض أعضائها الإرهاب من الولايات المتحدة ودول أخرى في صورة تبرعات” (137).

وأكد أن مصر و الدول العربية حتى المعنية بعملية السلام بشكل مباشر لن تعمل لحساب إسرائيل. وشدد على أن أمن إسرائيل وظيفة إسرائيل، والأمن الإقليمي له عناصر كثيرة من بينها مكافحة الإرهاب. وتتضمن أيضاً الموضوع النووي.

بيان القمة الختامي 

سعت إسرائيل والولايات المتحدة   إلى أن يتضمن البيان الختامي للقمة خطوات عملية وآليات للقضاء على الإرهاب، إلاّ أن المؤتمرين توصلوا إلى حل وسط بالتركيز على مكافحة الإرهاب ودعم عملية التسوية السياسية. أما القرارات فجاءت كما أرادت إسرائيل مناهضة للعنف والإرهاب. واتخذت طابعاً عملياً بالإعلان عن إنشاء مجموعة متابعة عقدت أول اجتماع لها في واشنطون بتاريخ 27/3/1996 وبحضور حوالي(29) بلداً لوضع الخطوات العملية لمكافحة الإرهاب. وأكد البيان الإدانة الشديدة لكافة أعمال الإرهاب بكافة أشكالها النكراء مهما كانت دوافعها وأياً كان مرتكبوها بما في ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسرائيل.” وجاء في البيان الختامي أن القمة قررت ما يلي: –

“أ- دعم الاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية واستمرار عملية المفاوضات وتدعيمها سياسياً واقتصادياً وتعزيز الوضع الأمني للطرفين. ((ويصب هذا القرار في صالح إسرائيل لأنها هي التي وضعت الاتفاقيات وبصم عليها عرفات.))

ب- دعم استمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة(بدون تحديد الزمان والمكان وبالتالي يترك لإسرائيل حرية التصرف بعملية المفاوضات كما تريد وكما تشاء.)

جـ- العمل سوية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بتطوير إجراءات فعالة وعملية ومزيد من المساعدات.

ء- دعم تنسيق الجهود من أجل وقف أعمال الإرهاب على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لضمان وصول مرتكبي هذه الأعمال إلى أمام العدالة. (تهدف إسرائيل من جراء هذا البند  مساعدة العالم لها لتعزيز دور الشرطي الذي تقوم به لقمع النضال العربي وتخليد اغتصابها للأرض والحقوق العربية) .

هـ- بذل أقصى الجهد لتحديد مصادر تمويل هذه الجماعات والتعاون في وقف ضخها  وتوفير التدريب والمعدات وأشكال الدعم الأخرى للأطراف التي تتخذ خطوات ضد الجماعات التي تستخدم العنف والإرهاب. (ويجسد هذا الموقف موقف إسرائيل من وقف المساعدات العربية للمؤسسات الخيرية الفلسطينية وحصولها على الأموال والمعدات لسحق النضال العربي كما قال بيرس.).

و- تشكيل مجموعة عمل مفتوحة لكافة المشاركين في القمة لإعداد توصيات حول أفضل الأساليب لتنفيذ فقرات هذا البيان.

وجاء في البيان”دعم الاتفاقات واستمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة ووقف العمليات”الإرهابية” وكيفية التمويل والمتابعة، وبالتحديد نص البيان على أهداف ثلاثة: تعزيز عملية السلام ودعم الأمن ومحاربة الإرهاب. وعكس البيان مواقف رؤساء الوفود في المؤتمر حول تأييد العملية السلمية ومحاربة الإرهاب.

تضمن بيان القمة النقاط التالية:

* تأييد عملية السلام ودفع الأمن والاستقرار في المنطقة إلى الأمام.

* التنديد بكل أشكال الإرهاب أياً تكن الدوافع إليها.

* التصدي بحزم لظاهرة الإرهاب والعمل على وقف العمليات الإرهابية.

* تعزيز التعاون والتنسيق بين الحكومات وبين أجهزة الأمن والشرطة من أجل مكافحة الإرهاب.

* اتفاق دولي لمحاكمة مرتكبي الأعمال الإرهابية والذين يخططون لها.

لقد تحالف عرب وإسرائيليون وأميركيون وأوروبيون في القمة للقضاء على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. ورأت الإدارة الأميركية أن المهمة الدولية العاجلة لمكافحة الإرهاب هي مواجهة الإرهاب الذي تقوم به منظمات ترفع شعارات إسلامية في الشرق الأوسط ويلقى مساعدات من إيران ودعماً وأرضاً في سورية ولبنان.

ووصف الرئيس الأميركي بيل كلنتون القمة بأنها ناجحة جداً ومثمرة وبناءة وأعلن عن إنشاء مجموعة عمل للمتابعة ستضع تقريراً لها خلال شهر، في الأسابيع المقبلة. وقال الرئيس مبارك في مؤتمر صحفي مشترك مع كلنتون”إن المشاركين اتفقوا على إجراءات محددة وإنشاء آليات محددة وذلك مما يؤدي إلى تعزيز عملية السلام”.

علق بيرس على القمة وقال”يمكن للإسرائيليين أن يناموا باطمئنان أكبر الآن”(139).

واعتبر بيرس القمة تضامناً عربياً لا سابق له مع إسرائيل.

وكرر بيرس موقفه باتخاذ إجراءات عاجلة محلية وإقليمية ودولية لمواجهة عمليات حماس وسحقها. وتقدمّ مجدداً إلى عرفات طالباً منه حظر نشاط كل المنظمات الإرهابية وعدم السماح بحمل السلاح واعتقال القادة والكوادر، وأعطاه قائمة جديدة بمجموعة أسماء تم تحديدها لاعتقالهم، واستمر في فرض الطوق الأمني  على الضفة والقطاع. وكرر طلبه إلى الدول العربية اتخاذ مواقف حاسمة لا يقاف أي دعم مادي لحماس والمنظمات الأخرى.

واستثمر بيرس الدعم الأميركي المطلق ودعم عرب القمة لتشديد سياسة العقوبات الجماعية على الشعب العربي الفلسطيني.

وعند العودة إلى بيان القمة الذي ينص على دعم السلام يتساءل المواطن العربي ما هو هذا السلام الذي تدعمه القمة؟ هل هو سلام الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة وتسخير الإحتلال للتوصل إلى اتفاقات كاتفاق أوسلو ووادي عربة؟

أم السلام العادل والشامل والدائم والقائم على مبادئ الحق والعدالة، مباديء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى؟

وهل هو سلام الإملاءات الإسرائيلية، وتكريسها في معاهدات عن طريق الراعي الأميركي المنحاز للعدو أم السلام الذي توافق عليه وترضى عنه الأجيال العربية القادمة؟ وما هو مفهوم الأمن الذي تدعمه القمة؟ هل هو الأمن للمحتل والمعتدي ومكافأته على عدوانه؟ أم هو الأمن المتبادل للبلدان العربية وإسرائيل؟

هل هو أمن في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والسلاح النووي أم هو أمن يمنع المعتدي الإسرائيلي من إشعال حروب جديدة في المنطقة وفي إطار مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية؟.

ردود الفعل على القمة

إن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تفهمان أن العملية السياسية عبارة عن حمل الأطراف العربية الموافقة على مخططات إسرائيل “للشرق الأوسط الجديد” الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية وعبارة عن تسويق أشخاص كالسادات وبيرس وعرفات في ظل سيطرة الدولار واليهود على وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزيون ودور النشر والصحف والمجلات في العالم وفي ظل ارتباط وغباء العديد من السياسيين والصحفيين العرب.

لقد أكد الرئيس الأميركي بعد عودته إلى واشنطون أمام منظمة النداء اليهودي “إن قمة شرم الشيخ أول محاولة إقليمية لاستئصال أولئك المسؤولين عن إراقة الدماء والإرهاب.وإن إسرائيل يجب أن تظل قوية وحدودها آمنة ليحل السلام. لا أحد يعتقد أن من العدل مطالبة إسرائيل بالتخلي عن أمنها كي يتحقق السلام” (140).

وانعقد المؤتمر الإسلامي- الوطني في بيروت بتاريخ13/3/1996 للرد على قمة شرم الشيخ وجاء في البيان الختامي مايلي:

“إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لإنقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها. وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67- 73- 78- 82 والتي أدت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهرالصورة الواضحة للإرهاب الصهيوني المستمر. وثمن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض، وحيوا المواقف الشجاعة لسورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي والمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، وقدّروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي. 

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله. ودان المؤتمر عمليات الإعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاق سراحهم فوراً”(141).

وعلق رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري على قمة شرم الشيخ وقال: “إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا، ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولوبحبة تراب واحدة”(142).

واعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله أنها”قمة الانتخابات الأميركية والإسرائيلية. وأن الرئيس الأميركي كان أكثر عنفاً في رد فعله من رئيس وزراء العدو وأعلن الحرب على كل القوى الإسلامية الحرة لأن السياسة الأميركية كانت وما تزال ترتكز على أساس أن تحصل إسرائيل على كل ما تريد وأن لا يأخذ العرب إلاّ ما يريده الإسرائيليون”.(143)

واعتبرت لجنة فلسطين والأراضي العربية المحتلة في مجلس النواب الأردني”انه في الوقت الذي نرى فيه دولة إسرائيل تخاطب العالم كله محاربة الإرهاب، نرى أن ما ترتكبه هذه الدولة بحق شعبنا على أرض فلسطين من تجاوزات وجرائم تتمثل في عقوبات جماعية وحصار ظالم للمدن والقرى ومنع الغذاء والدواء من الوصول لأهلنا، ومداهمات للبيوت الآمنة وإغلاق المدارس والمعاهد العلمية والجامعات، تعتبر من الجرائم التي لا يحق لمرتكبها أن يتحدث عن إرهاب غيره لأن هذا هو الإرهاب بعينه”.(144)

لقد طالب عرفات في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني بعقد قمة دولية لمكافحة الإرهاب ونسي عرفات أو تناسى أن مطلب إسرائيل تصفية البنية التحية لحماس والجهاد الإسلامي من القمة هو ذاته الذي طالبت به وعملت على تحقيقه عندما غزت لبنان عام 1982 لتصفية البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وجاءت الحرب وتدمير المخيمات والقرى والمدن اللبنانية ومذابح صبرا وشاتيلا لتكون ذروة عمليات تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ودارت الأيام وتغيرت الظروف وإذا بياسر عرفات يتسجيب هو نفسه للمطلب الإسرائيلي ويأخذ على عاتقه تدمير البنية التحتية للمقاومة الإسلامية.

ووصف عرفات قمة شرم الشيخ بالإيجابية جداً والبناءة. وامتدح الرئيس الأميركي عرفات لاستخدام أجهزته الأمنية في قمع النضال الوطني الفلسطيني وأكد”أن هناك إشارات مشجعة على أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يلاحق الإرهابيين. وإن الولايات المتحدة أصرّت على أن يتخذ عرفات إجراءات تهدف إلى قمع الإرهاب. إن الهجمات الانتحارية والرجال الذين ينفذونها ليسوا أعداء لإسرائيل وعملية السلام فقط بل أعداء لعرفات أيضاً”(145).

وكان عرفات قد قرر عدة إجراءات تلبية للمطالب الإسرائيلية والأميركية منها:

* شجبه واستنكاره وإدانته للعمليات الاستشهادية.

* حظر جميع أنشطة حماس والجهاد الإسلامي.

* مصادرة السلاح والذخائر.

* إلقاء القبض على أكثر من(1000) من أنصارهما.

* إغلاق المؤسسات الخيرية والتعليمية التابعة لهما.

* تنفيذ اعتقال الأشخاص الذين طلبت إسرائيل والمخابرات المركزية اعتقالهم.

وتلقى عرفات تهنئة من بيرس على الدور الذي قامت به الشرطة الفلسطينية من اعتقالات في صفوف أنصار حماس، وطلب منه بذل المزيد من الجهد لاعتقال المزيد من قادة حماس.

وأبدى  عرفات حماساً للدور الذي رسمه له بيرس وقال”المهم أن نكافح جميعاً الإرهاب ونستمر في عملية السلام”(146).

لقد كان من المفروض أن يذهب عرفات إلى القمة بملف الظلم والاضطهاد والمجازر والعقوبات الجماعية وخصوصاً لأنه لم يذكر رئيس دولة أو أي مشترك في شرم الشيخ بإن ما يسمونه الإرهاب في المنطقة سببه الظلم والاضطهاد والاغتصاب والهجرة والاستيطان والأطماع اليهودية في الأرض والثروات العربية، بل بالعكس من ذلك قدّم عرفات رأس المقاومة العربية لإسرائيل مقابل أن يرضى عنه بيرس ويجتمع معه كلنتون في شرم الشيخ.

ونجحت إسرائيل من خلال القمة في إقامة مؤسسات وهيئات للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتشكيل لجنة متابعة على مستوى وزاري. وأكد الجنرال باراك “أن إسرائيل معنية بالتعاون مع دول الخليج، لأن زعماء الحركات الإسلامية من حماس والجهاد الإسلامي موجودة فيها”.(147).

وخرج بيرس من القمة لاستكمال “عملية السلام” على الطريقة اليهودية بعد أن أخذ الضوء الأخضر من القمة ليضرب من يشاء ومتى يشاء ويعمل ما يشاء، حيث قال له المشاركون في القمة اذهب ونحن معك في القتل والتدمير والعقوبات الجماعية والاعتقال.

وأعاد بيرس بعد القمة احتلال معظم أراضي سلطة الحكم الذاتي المحدود. وظهر للعيان أن اتفاق الأذعان في أوسلو قد تمخض عنه غيتو فلسطيني معزول غير قادر على الحياة إلاّ بقرار من إسرائيل.

وظهر استسلام عرفات بالموافقة على وجود القوات الإسرائيلية بشكل دائم على المعابر مع الأردن ومصر ووجود المستوطنات والقوات الإسرائيلية في الضفة والقطاع.

وأبعدت القمة الشعب الفلسطيني عن أي تفاؤل بالتسوية بسبب فرض العقوبات الجماعية والطوق الأمني وهدم المنازل والاعتقالات وإغلاق المناطق ومنع التجول.

لقد تصور الفلسطينيون أن القمة ستساعدهم في التخفيف من الحصار والطوق الذي فرضته إسرائيل على الغيتو الفلسطيني، لكنهم اكتشفوا عكس ذلك. ويمكن القول إن الفلسطينيين لم يحققوا أية فائدة من القمة بل على العكس صعدّتْ  إسرائيل حملاتها الإرهابية ضدهم..

عقدت القمة لممارسة أقصى أنواع العنف والإرهاب والحرمان المادي والاجتماعي والإنساني على مناهضي الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية، وأعطت المشروعية للاستمرار في إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل منذ قيامها، واطمأن بيرس للغطاء الدولي والعربي لتدمير الضفة والقطاع وجنوب لبنان، فالتطرف والطمع والصلف الإسرائيلي هو الرابح الوحيد من القمة وعملية السلام العادل هي الخاسر الوحيد منها.

أدانت القمة”الإرهاب”ولم تبحث عن أسبابه ودوافعه، وأجمعت على إدانته ولم تجتمع على تسمية مصدره، ونددت به ولم تبحث عن أسبابه. وأعطت بيرس وعرفات براءة ذمة في اجراءاتهما القمعية ضد رجال المقاومة العربية  ووعدت عرفات بتقديم المزيد من الدولارات لتلميع صورته وتعزيز مكانته ولم تقدم على أية خطوة لرفع الطوق الأمني ووقف الإرهاب الإسرائيلي. وقامت الأردن بحملة اعتقالات في أوساط حماس تطبيقاً لقرارات القمة وبررها رئيس الوزراء الأردني قائلاً:

“إن الأردن لا يؤمن بأن هناك إرهاباً شرعياً وآخر غير شرعي، وآخر مستحباً وآخر غير مستحب،  بل يؤمن بأن الإرهاب هو الإرهاب وهو مدان مهما كانت مبراراته ودوافعه”.(148)

لقد كان بيرس على حق عندما قيم نتائج القمة وهي حسب رأيه وقوف 13دولة عربية بالإضافة إلى عرفات إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حركة حماس وغيرها من القوى المعارضة لعملية السلام.

ويقول بيرس متباهياً”إن القمة التي عقدت لدعم إسرائيل أتاحت له لقاء العديد من المسؤولين العرب لأول مرة وبينهم من لا ترتبط بلاده بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل مثل البحرين واليمن والكويت. وحتى أنه صافح الأمير سعود الفيصل مطولاً وتلقى دعوة حارة لزيارة قطر ساعة يشاء”(149).

وأعربت إسرائيل عن سرورها بتنائج القمة لأن البيان الختامي حدد إجراءات عملية واضحة للقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وضرب أعداء إسرائيل وفتح المزيد من الأبواب العربية أمامها أمنياً واقتصادياً، ولأن الإجراءات التي اتخذتها سلطة عرفات حوّلتها إلى أداة في يد إسرائيل ربما ستؤدي نتائجها إلى اندلاع الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني.

واعتبر الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية”أن قمة صانعي السلام نجحت في إنقاذ السلام بعد دخول العملية إلى طريق مسدود”(150).

فأين هو السلام الذي أنقذته قمة شرم الشيخ ويتحدث عنه الأمين العام للجامعة العربية؟

وصرح الدكتور أسامة الباز أن القمة”أدت إلى تحسين الظروف المعيشية الصعبة التي فرضت على شعب فلسطين عقب الحوادث الانتحارية الأخيرة.(151)

ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً فالحصار والطوق وحملات الاعتقال والقمع والتجويع زادت عما كانت عليه في الماضي، بل أعطت القمة لإسرائيل الغطاء لتنفيذ التجاوزات والانتهاكات القانونية والإنسانية والأخلاقية، بحيث فاقت وحشية وهمجية الاحتلال النازي.

لقد صبّت قمة شرم الشيخ بكل نتائجها وما تمخض عنها في صالح إسرائيل، لأن الدافع لعقدها كان ومازال هو دعم إسرائيل والتضامن معها ورفع معنويات شعبها المنهارة.

إن السيدين عصمت عبد المجيد وأسامة الباز يعرفان حق المعرفة أنها أدت إلى تصليب الموقف الإسرائيلي أكثر تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه سورية ولبنان، وهو أمر لايخدم السلام وعملية السلام والسؤال: ما هي الفوائد التي جنتها مصر من تنظيم القمة ورعايتها وهي بالأساس لدعم إسرائيل وحمايتها؟.

لماذا يُظهر العرب والعالم الضعف والاستسلام أمام مطالب إسرائيل ويهود العالم؟ 

إن بيرس ورابين هما اللذان فجرا موجة العنف الأخيرة، رابين فجرها باغتياله فتحي الشقاقي، وصعّد بيرس من تفجيرها في أعقاب اغتيال أجهزة المخابرات الإسرائيلية للمهندس يحيى عياش بقرار من بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال. 

إن المواطن العربي لا يفاجأ بالموقف الأميركي والأوروبي المنحاز للإرهاب الإسرائيلي، لكنه فوجئ واستغرب وصُدم من الموقف العربي الجديد والتصريحات الغريبة والعجيبة والمخالفة لمصالح الأمة العربية والدين الإسلامي التي صدرت عن بعض العواصم العربية واتهمت رجال المقاومة الأبطال بأنهم إرهابيون ووصفت عملياتهم البطولية بأنها جرائم وهجوم جبان ومستنكرة ومدانة. 

هل نسي هؤلاء العرب مجازر إسرائيل وحروبها العدوانية التي لاقت الدعم والتأييد والإعجاب في أميركا وأوروبا الغربية؟ 

هل نسي هؤلاء العرب مجازر دير ياسين وكفر قاسم والدوايمة وغزة وخان يونس ورفح واللد والرملة وناصر الدين وقبيا ونحالين وصبرا وشاتيلا؟ 

وهل نسي هؤلاء العرب الذين يهرولون متوجهين إلى إسرائيل وكسب رضاها مجزرة الأحد الأسود ومذبحة المسجد الأقصى عام 1990 ومجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994؟ حيث لم يطالب هؤلاء العرب والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بحل المنظمات اليهودية الإرهابية وتدمير بنيتها التحتية ونزع السلاح من المستوطنين، مع العلم بأن الولايات المتحدة الأميركية وبعض البلدان الأوروبية تعتبر الممول الأساسي للمنظمات الفاشية في إسرائيل. لماذا يتفهم الرئيس الأميركي بيل كلنتون الإرهاب الإرلندي ويجمع العالم في شرم الشيخ لسحق المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي؟ 

إن الاعتبارات الانتخابية هي التي تحمل الرئيس الأميركي على تفهم الإرهاب الإرلندي وتحمله في الوقت نفسه على التصدي للمقاومة العربية وتقديم جميع أنواع الدعم والمساعدات والمعلومات لإسرائيل لكي تتمكن من سحقها. 

هل يمكن أن نسّمي مقاومة الشعوب الأوروبية للاحتلال النازي إرهاباً وهل يمكن أن نسمي ديغول إرهابياً؟ 

إن وكالات الأنباء والصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزيون في البلدان الغربية تمتنع عن ذكر “الإرهاب اليهودي” لانحيازهم للصهيونية وهيمنتها عليهم ومعاداتهم للعرب، حيث يقول الاستاذ الأميركي عبد الله شلايفر “إن باروخ غولد شتاين الذي ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي كان يشار إليه بـ “المتطرف الإسرائيلي” ونادراً ما كانت الصحف الغربية تطلق عليه “المتطرف اليهودي” ويضيف شلايفر إن اثنين من رؤساء وزراء إسرائيل السابقين وهما بيغن وشامير كانا من قادة الحركة الصهيونية الإرهابية، لكن أحداً في الصحافة الغربية لم يطلق عليهما لقب إرهابي. وعلى الرغم من أن بن غوريون قال إن بيغن فاشي وإرهابي، إلاّ أن الإعلام الغربي لا يستخدم هاتين الكلمتين اليوم” (152).

وجاءت القمة بهدف دعم بيرس في معركته الانتخابية ضد الليكود، وجاءت ليرضي الرئيس الأميركي اللوبي اليهودي في أميركا من أجل حملته الانتخابية ولتحقيق أهداف إسرائيل وأميركا بإقامة التعاون الأمني  الاقليمي الجديد بزعامة إسرائيل ولمصلحتها ومصلحة الولايات المتحدة. 

ويعتبر الليكود أن القمة تهدف إلى توفير الدعم إلى بيرس وعرفات وأن العالم بمن فيه العرب اعترفوا بمحاربة المقاومة. لقد ظهر نتن ياهو على شاشة التلفزيون الإسرائيلي ليلة انعقاد القمة “معبراً عن خيبة أمل كبيرة من انعقاد القمة، ملخصاً كل هذا الحدث في جميع أبعاده على أنه حدث انتخابي ومحاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للجمهور الإسرائيلي من خلال التأثير فيه لمصلحة حزب العمل” (153). 

ورأى العديد من المعلقين والمحللين السياسيين أن المؤتمر دعم لبيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة. 

واعترف بيرس أمام وكالات الصحافة العالمية بتاريخ 25/3/1996 أن إسرائيل وحدها لا تستطيع أن تقوم بدور الشرطي للقضاء على الإرهاب وأنها تريد مساعدة الدول الأخرى للقيام بهذه المهمة. 

لقد اثبتت عمليات حماس والجهاد وحزب الله الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مزعزعاً ومهدداً مهما أجبرت إسرائيل الأطراف العربية على توقيع اتفاقات إذعان لذلك أرادت إسرائيل أن تجبر العرب في قمة شرم الشيخ على التعهد بالتزامات أمنية وكل ما من شأنه أن يؤمن حماية أمنها، تماماً كما تفعل سلطة الحكم الذاتي والأردن. وإن الحل هو برأيها التعاون بين أجهزة الأمن العربية والدولية وتسخيرها لخدمة الأمن الإسرائيلي. 

الرئيس الأميركي في إسرائيل بعد القمة 

في خطوة لا سابق لها، لا في تاريخ الولايات المتحدة ولا في تاريخ إسرائيل ولا في تاريخ العلاقات الدولية شارك الرئيس الأميركي كلنتون مباشرة بعد  قمة شرم الشيخ في اجتماع مصغر لمجلس الوزراء الإسرائيلي للتأكيد على التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتعزيز فرص فوز بيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة، حيث سيقدر اللوبي اليهودي في أميركا إلى كلنتون انحيازه لإسرائيل الذي لا مثيل له على الإطلاق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة وسيدعمه في حملته الانتخابية. 

حضر الاجتماع بالإضافة إلى الرئيس كلنتون، وزير الخارجية وارن كرستوفر، ومدير الاستخبارات المركزية ومسؤولون في أجهزة الأمن الأميركية. والتزم كلنتون بتقديم (100) مليون دولار لمساعدة إسرائيل في مواجهة الإرهاب وتعقب الإسلاميين المتشددين. 

وفيما كان كلنتون يشارك في اجتماع الحكومة الإسرائيلية كانت السلطات الإسرائيلية تستثمر الدعم الأميركي المطلق في تشديد الحصار والطوق الأمني والعقوبات الجماعية على الضفة والقطاع والتي اعتبرها الرئيس الأميركي دفاعاً عن النفس والأمن الإسرائيلي. 

وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع بيرس “قررنا أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل على الفور مفاوضات لإبرام اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب وإن الولايات المتحدة ستزيد من تعاونها مع إسرائيل في مجال الاستخبارات لتعقب المتشددين” (154).

وذكر كلنتون أن وارن كرستوفر وجون دويتش مدير وكالة المخابرات المركزية سيمكثان في إسرائيل لاستئناف المحادثات في شأن الاتفاق الأمني. 

وأكد بيرس أن الاتفاق الأمني الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل والولايات المتحدة أهم ثالث اتفاق توقعه إسرائيل بعد اتفاق أوسلو ووادي عربة. وقال كلنتون إن الاتفاق ينص على تقوية الحرب ضد الإرهاب في ثلاثة مجالات: 

أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مد إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي. 

ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب. 

ثالثاً: ستعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين وأيضاً مع حكومات شاركتنا الحرب ضد الإرهاب.(155) وزار كلنتون قبر نحشون فاكسمان “وهو جندي إسرائيلي اختطفته حماس في العام 1994 وأعطى عرفات المعلومات عن مكان وجوده إلى الجنرال رابين والذي أرسل الوحدات الإسرائيلية الخاصة واقتحمت المكان”  والتقى مع مجموعة من الشباب في مركز ثقافي في تل أبيب وطلب منهم عدم الاستسلام للخوف وإلاّ يتخلوا أبداً عن الأمل في السلام. وأكد أن “أخطر نتيجة للإرهاب هي استمرار الخوف وزار مدرسة في حي القطمون في القدس قتل أربعة من طلابها في اثنتين من العمليات الاستشهادية وقال: “جئت لأعبر لكم عن دعمي وتعاطفي وأضاف أن قمة شرم الشيخ أظهرت أن إسرائيل باتت مقبولة أكثر فأكثر من جيرانها العرب وأنها ليست وحدها في مكافحة الإرهاب الدولي والعمل من أجل السلام.(156) وتوجه كلنتون إلى قبر الجنرال اسحق رابين ووضع باقة من الزهور وظل خاشعاً أمام الضريح مدة طويلة وبدا عليه التأثر وهو يمسك بيد أرملة رابين الذي اغتيل في تل أبيب بتاريخ 4 تشرين الثاني 1995 على يد ارهابي يهودي. 

لقد نجح كلنتون نجاحاً كبيراً في توظيف قمة شرم الشيخ وزيارته لإسرائيل ووقوفه إلى جانب بيرس “واجتماعه مع زعيم المعارضة الإسرائيلية واستعداده للتعاون معه إذا نجح حزبه في الانتخابات القادمة” في حملته الانتخابية لكسب دعم وتأييد ومساعدة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية. ووصفت يديعوت احرونوت كلنتون بأنه آخر الصهاينة، بينما كتبت عنه إحدى الصحف الباريسية في صفحتها الأولى تقول: “كلنتون الإسرائيلي” لأن إسرائيل تعمل على فرض مفهومها للسلام على العرب بمساعدة الرئيس كلنتون. 

أثبتت الدبلوماسية الأميركية كفاءة عالية في تجميع هذا العدد الكبير من الزعماء وممثلي الدول، لأنه لولا المظلة الأميركية وضغوط الرئيس كلنتون لم يكن بالإمكان عقد هذه القمة بسبب الهدف من عقدها وسرعتها والمصالح المختلفة للدول التي اشتركت فيها. جاءت قمة شرم الشيخ وزيارة كلنتون لإسرائيل وتوقيعه عدة اتفاقيات أمنية ودفاعية معها لتحسم الموقف الأميركي بإعطاء إسرائيل الدور القيادي في نظام الأمن الإقليمي الجديد، وبالتالي ستقوده إسرائيل، لأنها هي وواشنطون خططتا لذلك، ولأنها هي الأقوى على قيادته لتأمين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأميركية على حساب البلدان العربية. 

إنني أناشد الإنسان العربي سواء كان من المسؤولين أو من المواطنين العاديين وجوب عدم الهرولة نحو إسرائيل والتروي والحذر بالتعامل معها والامتناع عن فتح الأسواق أو شراء بضائعها نظراً لأطماعها المعادية للعرب واغتصابها لفلسطين بما فيها مدينة القدس، ونظراً لتأييد الولايات المتحدة المطلق لسياستها العدوانية والتوسعية والاستيطانية والعنصرية وهرولة دول الخليج إلى التعاون معها. واعبر عن فخري واعتزازي بالموقف السوري واللبناني من قمة شرم الشيخ الذي يرفض أي نوع من المساومة وتقديم التنازلات للعدو الإسرائيلي والإصرار على قرارات الشرعية الدولية والتفريق بين الإرهاب والمقاومة. 

الحقائق التي أبرزتها القمة 

أبرزت قمة شرم الشيخ مجموعة من الحقائق منها: 

أولاً: العمل على انقاذ بيرس وتقوية مكانته عشية الانتخابات وانقاذ عرفات وتقوية مكانته ليبطش بالفلسطينيين. 

ثانياً: ضعف وهزالة اتفاق أوسلو لأنه لا يرتكز على أسس السلام العادل الذي يتطلب الانسحاب الإسرائيلي الشامل وعودة القدس العربية وتفكيك المستوطنات اليهودية وتطبيق حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني وأظهرت العمليات الاستشهادية أن الاتفاق هدفه حماية أمن إسرائيل وفرض هيمنتها على سلطة الحكم الذاتي. 

ثالثاً: استخدمت سلطة عرفات ما لديها من أجهزة أمن وشرطة لتلبية التعليمات الإسرائيلية والأميركية والبطش بالمجاهدين الفلسطينيين وأثبتت أنها أداة في خدمة الاحتلال الإسرائيلي تضع مصالحه ومتطلباته الأمنية فوق حقوق الشعب الفلسطيني وحياة وحرية أبنائه. وأصبح عرفات من المستخدمين عند إسرائيل، لأن استمرار وجوده في الزعامة (السلطة) يأتي بالدرجة الأولى من دعم إسرائيل وأميركا له، ويتصرف كشرطي ومخبر يتلقى الأوامر والتعليمات عن بيرس ورئيس الأركان الإسرائيلي ومن المخابرات المركزية. 

رابعاً: أظهرت القمة وزيارة الرئيس الأميركي لإسرائيل وحضوره اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر، والمساعدات المالية والاستخباراتية التي قدمها لإسرائيل انحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل والتحالف الاستراتيجي بين البلدين، وبالتالي فلا يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط المحايد والنزيه في الصراع العربي -الصهيوني. 

خامساً: أظهرت القمة هرولة بعض النظم العربية في الخليج كقطر وعمان وغيرها  لخدمة إسرائيل وتلبية المطالب الأميركية على حساب الحقوق العربية والتعاون والتنسيق والتضامن العربي. 

سادساً: بينت القمة للعالم بأسره مبدئية وشجاعة وصلابة موقف سورية لأن موقفها يعبرّ عن التمسك بمبادئ وأهداف جميع شعوب العالم المناضلة ضد الاحتلال الأجنبي وتمسكها بالثوابت الوطنية والقومية. وأظهرت مواقف وممارسات إسرائيل بعد القمة أن حديث القمة عن السلام لا قيمة له على الإطلاق، حيث جمدت إسرائيل عملية السلام، وانتهكت الاتفاقات التي صاغتها ووقعتها مع السلطة الفلسطينية. ووصل التضليل الأميركي حداً قال فيه اليهودي دينس روس المنسق الأميركي لعملية السلام “إن الرئيس الأسد أضاع الفرصة للسلام لعدم حضوره إلى قمة شرم الشيخ وقال إنه رأى قادة عرباً يشجبون الإرهاب (المقاومة) ويطالبون باتخاذ خطوات لمكافحته”.

وأثمرت قمة شرم الشيخ الحرب العدوانية التي أشعلها مجرم الحرب شمعون بيرس ضد لبنان تحت اسم “عناقيد الغضب” مما أنهى تسمية القمة بقمة صانعي السلام ومكافحة الإرهاب وشطب بيرس على اسم قمة صانعي السلام” ولم تبق إسرائيل والولايات المتحدة من القمة إلاّ ما حاولتا فرضه عشية وخلال انعقادها وهي أنها قمة مكافحة الإرهاب. 

وبينت النتائج والتطورات التي حصلت في المنطقة بعد عقد القمة عداء الولايات المتحدة الأميركية الأبدي للعروبة والإسلام وحصلت في المنطقة الوقائع التالية:

*الاستمرار في إغلاق الضفة والقطاع ومحاصرة الشعب الفلسطيني. 

*قام مجرم الحرب بيرس بتحقيق الزيارتين اللتين وجهتهما له قطر وعُمان خلال انعقاد القمة دون أي تعديل في مواقفه، بل لم تطالبه مسقط والدوحة بأي تعديل فيها. 

*الإعلان عن الاتفاق العسكري بين إسرائيل وتركيا  والموجه ضد سورية وضد الأمن القومي للعرب والمسلمين. 

*وصول الطائرات الأميركية إلى الأردن لتهديد سورية وممارسة المزيد من الضغط والابتزاز على العراق. 

*محاولة وزير الدفاع الأميركي انتزاع مواقف من مصر ضد ليبيا ولكن مصر لم تستجب للإدارة الأميركية. ويمكن القول إن المساعي الأميركية تركزت لاستخدام إسرائيل وتركيا وبعض الأطراف العربية لتهديد سورية وممارسة أقصى أنواع الضغوط عليها لهندسة شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل لإذلال العرب وإخضاعهم واستغلال ثرواتهم وتلعب فيه واشنطون وتل أبيب وأنقرة الأدوار الرئيسية بالإضافة إلى أدوار ثانوية لبعض الجهات العربية. 

وانطلاقاً من تأكيد الرئيس الأميركي أن لقمة شرم الشيخ استمرارية، والاستمرارية تتزعمها الولايات المتحدة وموقفه من إقامة آليات لمتابعة تنفيذ قرارات القمة، وجهت الإدارة الأميركية الدعوة إلى عقد اجتماع في واشنطون وكانت ” مكافحة الإرهاب”  البند الوحيد على جدول الأعمال، وأسقطت مشكلة الحصار الإسرائيلي المفروض على أراضي سلطة الحكم الذاتي وعملية السلام. وانخفض مستوى التمثيل في الاجتماع على مستوى السفراء العرب ووكلاء وزارات وضباط أمن. 

اعترضت بعض الدول العربية والأوروبية على جدول الأعمال لكن الولايات المتحدة أصرت على إبقاء مكافحة الإرهاب جوهر الاجتماعات. وتركزت الاجتماعات على المسائل الفنية لمكافحة الإرهاب، أي كيفية مواجهته. وانقسمت إلى مجموعتي عمل: الأولى تبحث في سبل تحسين تبادل المعلومات والعمل على تشكيل آلية تتبادل فيها الدول المعلومات الاستخباراتية فيما بينها. والمجموعة الثانية تدرس تدعيم التعاون الأمني بين الدول في مجال مطاردة المطلوبين للعدالة. 

وناقشت الاجتماعات منع تمويل الإرهاب وتسليحه وتعزيز السيطرة على الحدود. 

وعلق مجرم الحرب بيرس على الاجتماعات وقال إن هدفها البحث في خيارات المجموعة الدولية لمحاربة الإرهاب ولخنق الدعم للإرهابيين من جانب دول في المنطقة. 

وأيدت الولايات المتحدة كعادتها الموقف الإسرائيلي تحت ستار وجوب “استعادة إسرائيل الثقة بنفسها قبل أن تنتقل إلى المسائل الأخرى”. 

وبعبارة أخرى فإن إسرائيل والولايات المتحدة لم تنفذ من قرارات القمة إلاّ الجزء المتعلق بمكافحة المقاومة للاحتلال الإسرائيلي والسعي إلى سحقها وقطع مصادر دعمها وتمويلها وأظهرت الوقائع فشل الطرح الذي قدمه الرئيس الأميركي ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي بتصوير أن ما يجري من مقاومة في الضفة والقطاع وجنوب لبنان هو السبب في عرقلة العملية السلمية: 

*إن إسرائيل هي مصدر الإرهاب والمصدّرة للإرهاب، فلو التزمت بمبادئ الحق والعدل وقرارات الشرعية الدولية لما قامت العمليات الاستشهادية ولحل السلام والازدهار في المنطقة، ولو أنها تؤمن بالسلام وانسحبت من الأراضي العربية المحتلة بما فيها الجولان وجنوب لبنان والقدس العربية لما وقعت التفجيرات. 

إن التعايش لا يمكن أن يتم إلاّ عبر سلام عادل ترضى عنه الشعوب ولا يقتصر على رضى الحكام الذين يهمهم فقط المحافظة على كراسيهم ومصالحهم وامتيازاتهم وإرضاء إسرائيل لنيل رضى الولايات المتحدة الأميركية. 

وشكلت القمة أكبر تجمع لمكافحة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأكبر قمة تواجد فيها الزعماء العرب مع إسرائيل لدعم بيرس وإسرائيل بالدرجة الأولى وعرفات الذي ربط مصيره مع إسرائيل والرئيس كلنتون بوصفه راعي عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، وتعميق التحالف الاستراتيجي بين البلدين على أساس التزام واشنطون بالمحافظة على التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي على الجيوش العربية ومنح إسرائيل التكنولوجيا العسكرية الحديثة وتشكيل قوة أمن إقليمية بمشاركة دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية للمحافظة على النظام الإقليمي الجديد. وبالتالي فإن قمة شرم الشيخ تتجه نحو حلف أمني اقليمي تكون إسرائيل مركزه الاستراتيجي وقوته الضاربة. وقوبلت القمة بتحفظات من سورية ولبنان لأنها لا تفرق بين المقاومة والإرهاب واعتبرت سورية أنه من الخطأ إظهار بيرس وحده في القمة بمظهر حامي السلام مما يشجع إسرائيل على استئصال جذور حماس والجهاد الإسلامي وتصعيد اعتداءاتها في العمق اللبناني واغتيال بعض قادة حزب الله واختطاف بعض المسؤولين فيه. 

وانتقدت سورية القمة لأنها تبحث في نتائج العنف دون معالجة الأسباب التي أدت إليه، ولم تبحث في إيجاد الحلول العادلة للأسباب التي تؤدي إلى العنف. 

وظهرت مصداقية موقف سورية في ارتكاب شمعون بيرس حرب عناقيد الغضب ومجزرة قانا. واعتبرت سورية ولبنان والأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية العربية أن قمة شرم الشيخ والكلمات التي ألقيت فيها والمواقف التي أعلنت والنتائج التي تمخضت عنها بمثابة ضوء أخضر لحكام إسرائيل للقيام بحروب عدوانية جديدة على لبنان وربما على سورية وحتى إيران. وأثبتت الأحداث أن القمة كانت قمة حرب وليست قمة سلام. 

وكرست قمة شرم الشيخ إسرائيل كجزء لا يتجزأ من المعادلة الإقليمية وبمركز محوري خصوصاً إذا أخذ في الاعتبار التمثيل الخليجي البارز، والدعوة التي وجهتها قطر إلى شمعون بيرس لزيارتها. لقد وقفت 13 دولة عربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في القمة وقادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليعلنوا عن ألمهم وحزنهم على ضحايا إسرائيل ويعلنوا تعاطفهم ودعمهم لها وللسلام بينها وبين الأطراف العربية. 

وقف هؤلاء جميعاً إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وأي شكل من أشكال المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي. 

ووصل انحياز القمة لإسرائيل حداً جعلها لا تطالبها بالتخفيف من عقوباتها الجماعية بحق الفلسطينيين وإنهاء الطوق الذي فرضته على الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية ” إنه لا الرئيس المصري حسني مبارك ولا الرئيس الأميركي بيل كلنتون، طلب منه تخفيف الحصار والإجراءات التي طالت حتى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ العام 1948(157). وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية، أنها تتفهم الإجراءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وتجلى انحياز القمة في البيان الختامي بالقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وتصفية أعداء إسرائيل. 

وكان عقد القمة من أكبر الانتصارات التي حققتها إسرائيل، حيث اجتمع زعماء العالم على عجل لإعلان الدعم لها  من أرض مصر العربية وتحديداً من شرم الشيخ وبمشاركة معظم الدول العربية والدول الكبرى، مما أدى إلى تصلب إسرائيل وتعنتها تجاه سورية ولبنان. وازداد الاطمئنان في نفوس الإسرائيليين. 

ردود الفعل على القمة 

دعت مصادر سورية مسؤولة إلى إعادة النظر بتطورات عملية السلام ونتائجها  وقالت “إن عملية السلام في الشرق الأوسط هي الخاسرة الأولى من قمة شرم الشيخ إذ أن قضايا العرب ستتعرض للضرر ويبقى التطرف الصهيوني الرافض للسلام هو الرابح الوحيد”.(158). 

وهاجمت دمشق القمة بشدة واعتبرتها انحيازاً كاملاً وعلنياً لإسرائيل، لأنها تدخل إسرائيل للمرة الأولى في منظومة الأمن في الشرق الأوسط. 

وعلق المدير العام لوكالة الأنباء السورية فقال: “إن هذا الكم من الدعم الإسرائيلي لا يلغي حقاً مشروعاً يختزنه شعب بأسره في وجدانه وتراثه وذاكرته”(159). 

واعتبرت دمشق أن مؤتمر شرم الشيخ ما هو إلاّ حسب قول بيرس “تعبيراً عن الدعم الدولي لإسرائيل.” وإن حكام إسرائيل يريدون أن يورطوا العالم أو من يستطيعون من دول العالم في الانسياق وراء مزاعمهم حول الإرهاب. 

وأكد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إٍسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. وإن بلاده رفضت المشاركة فيها لأن منظميها لم يخصصوا لها الوقت الكافي الذي يتيح للمشاركين النقاش الموضوعي. وأشار أن بلاده كانت “سباقة منذ أكثر من عشر سنوات في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب وفق مبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة.” (160).

وأكد فارس بويز، وزير الخارجية اللبناني أن لبنان أبدى من خلال عدم مشاركته في القمة تخوفه من أن تتطرق فقط إلى ما تعانيه إسرائيل من دون النظر إلى ما يعانيه غيرها. وقال: “كنا نخشى أن تتجاهل هذه القمة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل والذي هو في بعض الأحيان مصدر ردات فعل لا يمكن اعتبارها إلاّ دفاعاً مشروعاً عن النفس”(161)

وأكد الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله أن تهديدات الرئيس الأميركي كلنتون ضد حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي هي وسام شرف، وهو عندما يهددنا ننام ملء جفوننا لأننا نكون على ثقة من أننا نفعل الصواب. وأشار إلى أن حزب الله سواء قبل قمة شرم الشيخ أوبعدها يتوقع من أميركا وإسرائيل العدوان، وهو يؤكد أن التهديد لا يغير شيئاً بل سيزيدنا عزماً على متابعة المقاومة. وقال نبيه بري، رئيس المجلس النيابي اللبناني إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولا بحبة تراب واحدة. 

وأعلن محمد حسين فضل الله أن أولئك الذين تنادوا للاجتماع في شرم الشيخ يشكلون قمة الإرهاب والتعدي مؤكداً على أن مقاومة الاحتلال والصهيونية والإرهاب هي حق من حقوقنا المشروعة حتى تحرير كامل أرضنا. 

ووصف آية الله أحمد جنتي، الأمين العام لمجلس الرقابة على الدستور الولايات المتحدة وإسرائيل بالدولتين الإرهابيتين وعدد احداثاً كثيرة أكدت قوله. وانتقد سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع إسرائيل والقضايا العربية والإسلامية من جانب أميركا. واعتبر أن إسرائيل تفعل ما تشاء بشعوبنا وأراضينا ومقدساتنا وتنتهك القوانين الدولية ولا أحد ينعت ذلك بالإرهاب. واعتبر وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي أن قمة شرم الشيخ كانت محاولة أميركية وإسرائيلية لصرف أنظار العالم عن مشاكلهما الداخلية، وأن إيران من أكبر ضحايا الإرهاب، وهي ملتزمة القوانين الأممية والمبادئ الإنسانية لمكافحة الإرهاب. 

بيان المؤتمر الوطني الإسلامي حول القمة 

في نهاية المؤتمر الوطني الإسلامي الذي انعقد في بيروت في يوم افتتاح قمة شرم الشيخ بتاريخ 13/3/1996 أذاع الشيخ حسان عبد اللّه البيان الختامي الذي جاء فيه “إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لانقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها”.

وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67 و 73 و 78 و82 والتي ادت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهر الصورة الواضحة للارهاب الصهيوني المستمر.

وشدد المؤتمرون على أن كل المحاولات التي يلجأ إليها العدو الصهيوني بدعم أميركا وأوروبا وقوى الشر في العالم لن تثني شعوبنا عن استمرار جهادها وكفاحها. 

وثمّن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض وحيوا المواقف الشجاعة لسوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي وللمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ وقدروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي. 

وندد المؤتمرون بكل أنوع الحصار القائم على شعوب أمتنا خاصة في ليبيا والعراق والسودان وغيرها، معتبرين ذلك من أبرز وجوه الإرهاب الدولي. 

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله. 

ودان المؤتمرون عمليات الاعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاقهم فوراً “منعاً لأية فتنة على صعيد الساحة الداخلية الفلسطينية التي هي اليوم بحاجة للوحدة أكثر من أي وقت مضى”. 

ودعوا الهيئات الدولية والإنسانية وتنظيمات حقوق الإنسان للعمل على إطلاق الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين من السجون الإسرائيلية وسجون عملائه في الخيام.(162).

الأمن الإسرائيلي وقمة شرم الشيخ 

جاءت قمة شرم الشيخ لا لدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيرس ضد منافسه نتنياهو ولإرضاء الرئيس كلنتون للأصوات اليهودية في معركته الانتخابية فحسب بل أيضاً لإيجاد تطبيع أمني عربي -إسرائيلي لم تستطع إسرائيل فرضه إلاّ على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود. 

لقد أظهرت عمليات حماس الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مهتزاً ومعرضاً للهجوم مهما وقعت إسرائيل من اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية والحكومات العربية. 

لذلك أرادت إسرائيل أن تحصل من قمة شرم الشيخ على التزامات ومساعدات وتعاون أمني من الدول العربية لحماية أمنها لعدم اقتناع العرب والمسلمين بعملية صنع السلام الذي تفبركه   وتطبخه وتفرضه الولايات المتحدة على البلدان العربية. 

فالتطبيع السياسي والاقتصادي الذي انعقدت من أجله المؤتمرات لم يحقق الأمن لإسرائيل ولا للمستعمرين اليهود في الضفة والقطاع. 

وتعتقد إسرائيل أن تحقيق الأمن لها يأتي فقط عن طريق التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الدولية وأجهزة الأمن العربية. وكانت قد فشلت في إقامة تعاون أمني مع مصر لكنها نجحت مع السلطة الفلسطينية و مع الأردن. لذلك أرادت إسرائيل من قمة شرم الشيخ أن تكون بداية التطبيع الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وبعض أجهزة الأمن العربية. 

ويقوم نظام الأمن الإقليمي وفق المفهوم الإسرائيلي بمهمة تثبيت النظام السياسي الجديد، من خلال الحيلولة دون اندلاع حرب لا تريدها إسرائيل وتوقف العمليات الفدائية، ولإحكام السيطرة على الصراعات الموجودة في المنطقة، وعقد تحالفات أمنية مع بعض النظم العربية وتعميق التحالف العسكري مع تركيا. 

وتستخدم معزوفة الأمن الإسرائيلي “والحدود الآمنة” كستار لتحقيق أطماعها التوسعية في الأرض والثروات العربية وإقامة إسرائيل العظمى وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية. وتنطلق حالياً بعد اعتماد الدول العربية استراتيجية السلام معها وبعد الاعتراف بها من أن السلام مع العرب يجب أن يكون سلاماً مسلحاً. توجهت لفرض السلام على العرب لقناعتها وقناعة يهود العالم بأنها غير قادرة على حسم الصراع العربي -الإسرائيلي بالقوة العسكرية فقط. وتقول في الوقت نفسه إنها “لا تستطيع أن تقدم تنازلات أو أن تظهر ضبطاً للنفس في تعاملها مع العرب خوفاً من أن يفسروا ذلك كمؤشرات على التردد أو الضعف”.(163). 

وانطلقت استراتيجية الأمن الإسرائيلي من الردع ومعاقبة العرب وإذلالهم وإجبارهم على دفع ثمن باهظ في أية عمليات أو مواجهة عسكرية معها. وحققت بعض النجاحات منها: 

*إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية للصراع العسكري معها والاعتراف بها والقبول بالكثير من مخططاتها وإلغاء الميثاق الوطني، والتعاون الأمني معها لسحق المقاومة العربية. 

*نزع سلاح مناطق الحكم الذاتي  وتولي إسرائيل مسؤولية الأمن على المعابر الفلسطينية مع الأردن ومصر وحتى في  البحر والجو. 

وتربط أطماعها في المياه العربية بمزاعم الأمن الإسرائيلي وأمن مصادرها المائية، وذلك لتكريس نهب المياه العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن والجولان وجنوب لبنان. وتسعى لتحويل بعض الدول العربية إلى أجهزة شرطة لقمع -المواطن العربي والمحافظة على التوسع والاحتلال والاستيطان اليهودي بحجة الأمن الإسرائيلي. 

وتطلب من لبنان تجريد المقاومة اللبنانية قبل انسحابها من الجنوب، ودمج جيش لبنان الجنوبي العميل لها في الجيش اللبناني تماماً كما فعلت مع ياسر عرفات الذي عيّن العديد من الضباط العملاء لأجهزة المخابرات الإسرائيلية في أجهزة الشرطة والأمن الفلسطينية. وتنطلق من معزوفة الأمن الإسرائيلي لتحقيق أهدافها التوسعية والسيطرة على المياه العربية، ونزع سلاح السلطة الفلسطينية، والتمركز العسكري الأبدي على طول الحدود الفلسطينية مع مصر والأردن وترفض عودة اللاجئين باعتبار ذلك من صلب احتياجاتها الأمنية. 

وتعلن رغبتها في وضع النظام الأمني الإسرائيلي -الفلسطيني- الأردني تحت إدارتها وسيطرتها وتوظيفه مع تفوقها العسكري والدعم الأميركي العسكري والسياسي غير المحدود لها في المفاوضات على المسارين السوري واللبناني. 

ويقول جوزيف الفير، الجنرال الإسرائيلي في الدراسات الاستراتيجية وشؤون الأمن إن الأمن هو القضية الأولى والرئيسية التي تهم إسرائيل وأغلبية الإسرائيليين. ويطالب بإقامة نظام أمني إسرائيلي -أردني- فلسطيني “ويشدد على أن ما يهم أكثرية الإسرائيليين هو نجاح الحكومة الفلسطينية أو فشلها في تحقيق الأمن، لاما  إذا كانت الحكومة الفلسطينية ستحقق الديمقراطية وتحمي حقوق الإنسان لشعبها أم لا، أو ما إذا كانت ستقدم لشعبها انجازات على الصعيد الصحي أم لا، فالفشل سيقود بصورة مؤكدة إلى وقف العملية.” (164).  وتدعم الولايات المتحدة كافة الأهداف والمخططات الأمنية لإسرائيل وتحافظ على تفوقها العسكري التقليدي وتضمن بقائها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة العربية، وتمنع العرب من امتلاك السلاح للوقوف في وجه التهديدات والاعتداءات والحروب والمجازر التي ترتكبها إسرائيل، وذلك للتوصل إلى معاهدات غير متكافئة لمصلحتها ومصلحة إسرائيل ويهود العالم. فاحتل الأمن الإسرائيلي مكاناً بارزاً في اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة كضم أراضي فلسطينية وأردنية بحجة الأمن الإسرائيلي، وتجريد الضفة والقطاع ومناطق عربية أخرى من السلاح، وفرض تخفيض عدد الجيوش العربية والحد من قدراتها الهجومية، وإقامة نظام أمن إقليمي تقوده إسرائيل. 

وتعمل ليس فقط على تخليد أبدية نزع سلاح المناطق الفلسطينية وبعض المناطق العربية وإنما أيضاً على تحويل الأردن كبلد عازل بينها وبين البلدان العربية، وعدم السماح للأردن بوجود قوات عربية على أراضيه. ونجحت بإقناع العديد من دول العالم بأن قوتها العسكرية هي التي أجبرت الدول العربية على اعتماد المفاوضات المباشرة والخيار السياسي لحل الصراع معها. 

وتعمل الولايات المتحدة على المحافظة على تفوقها العسكري، وعدم فرض قيود على تسلحها والحيلولة دون إجبارها على التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. 

التفريق  بين المقاومة والإرهاب في القانون الدولي

تعتبر الحروب في القانون الدولي المعاصر من أكبر الجرائم ضد السلام ترتكبها الدولة المعتدية ضد سيادة وسلامة وحرمة أراضي الدولة المعتدى عليها. 

وتحظر المواثيق والعهود الدولية الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن، حيث أقرت الأمم المتحدة عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وكان الفتح سبباً مشروعاً من أسباب اكتساب الإقليم حتى الحرب العالمية الأولى، وذلك لعدم منع أو تحريم اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدولية، وبالتالي الاعتراف بالآثار التي تنتج عن الحرب ومنها ضم الدولة المنتصرة للأراضي التي احتلتها أو لجزء منها. 

 ولكن على إثر الحرب العالمية الأولى وماجلبته من خسائر بشرية ومادية فادحة وإلحاق الأذى والضرر بالسكان المدنيين تقرر في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 إنشاء عصبة الأمم لتعمل على استتباب الأمن الدولي. ونص ميثاق عصبة الأمم على مشروعية الحرب في مجموعة من الحالات ولكن لم ينص على تحريمها. وكانت الحرب ممكنة انطلاقاً من ميثاق العصبة في حالتي الدفاع عن النفس واستنفاد الإجراءات التي ينص عليها الميثاق. 

 وبما أن ميثاق عصبة الأمم لم يمنع الحروب، قررت بعض الدول أن تخطو خطوة متقدمة بتلافي هذا النقص فقامت بتوقيع ميثاق بريان كيلوج عام  1928 والذي نص في مادته الأولى على استنكار الدول الموقعة على الميثاق للجوء إلى الحرب لتسوية الخلافات الدولية. 

وورد بعد ذلك في مبدأ سيمبسون، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية عام 1932، بخصوص منشوريا عدم الاعتراف بالتغييرات الإقليمية التي نتجت عن استخدام القوة. 

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة أصبح منع الحرب وتحريمها من أهم سمات القرن العشرين ونصراً لقوى السلم على قوى الحرب والعدوان والتوسع والاستيطان. 

يتضمن ميثاق الأمم المتحدة نصوصاً صريحة وواضحة حول تحريم الحروب العدوانية ومنع الدول الأعضاء من استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، حيث تنص ديباجة الميثاق على عدم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة. 

 وتطالب المادة الثانية من الميثاق بفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وتمنع الدول  الأعضاء من التهديد بالقوة أو استخدامها، وبالتالي فإن ميثاق الأمم المتحدة لا يمنع استخدام القوة فحسب بل  يطلب من جميع الدول الأعضاء عدم اللجوء إلى التهديد باستخدامها وبحل جميع الخلافات الدولية بالوسائل السلمية. 

إن ميثاق الأمم المتحدة يحرم استخدام القوة، وبالتالي يحرم الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الآثار التي تترتب عليها، وأجاز في الوقت نفسه حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51). وخطت الدول الأربع الكبرى بعد تأسيس المنظمة الدولية خطوة متقدمة عام 1945 ووقعت على اتفاقية لندن التي تضمنت إنشاء محاكم عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين ومجرمي الحرب اليابانيين. 

وأقرت الأمم المتحدة بتاريخ 11/11 1946نظام وقرارات محكمة نورنبيرغ كجزء لا يتجزأ من القانون في القرار رقم (95). 

تنص المادة السادسة من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ على الجرائم الداخلة في صلاحية المحكمة وهي: 

أ- الجرائم ضد السلام: وهي التخطيط والإعداد والقيام بشن الحروب العدوانية. 

ب- جرائم الحرب: وهي انتهاك قوانين وتقاليد الحرب كقتل وإساءة معاملة السكان المدنيين. 

جـ- الجرائم ضد الإنسانية: أي القتل والإفناء والإبعاد وغيرها من الأعمال المنافية للإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين قبل وخلال الحرب واضطهاد الناس لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية. وانطلاقاً من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ وقراراتها أجرت الدول الحليفة محاكمة حوالي (30) ألف من مجرمي الحرب العالمية الثانية في محكمتي نورنبيرغ وطوكيو. 

حاول ممثل الدفاع خلال المحاكمات تبرئة المتهمين من مجرمي الحرب الألمان بحجة أنهم تصرفوا كممثلين لسلطة الدولة وأن القانون الدولي لا يعرف وقائع تدين الأشخاص الذين يطبقون إجراءات حكومية. ولكن قضاه محكمة نورنبيرغ رفضوا محاولة ممثل الدفاع واتخذوا قراراً جاء فيه. 

 “ترتكب الجرائم ضد القانون الدولي من قبل أناس وليس من قبل كائن مجرد، ولا يمكن تطبيق مبادئ القانون الدولي إلاّ بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم”. 

وجرت معاقبة مجرمي الحرب الألمان سواء من أصدروا الأوامر أو نفذوها أو اشتركوا في تنفيذها  لارتكابهم جرائم ضد السلام، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 

وخطت الأمم المتحدة خطوة متقدمة أخرى وأقرت في 12 آب 1949 اتفاقيات جنيف الأربع، حيث عالجّت الاتفاقية الرابعة حماية السكان المدنيين حتى في خضم الأعمال الحربية، مما أعطى هذه الاتفاقيات مكانة هامة في القانون الدولي المدون في المجال الإنساني. 

وتحتوي الاتفاقية الرابعة على (159) مادة وثلاثة ملاحق. وترمي جميعها إلى تأمين احترام كرامة الشخص الإنساني وقيمته، وذلك بحماية حقوقه وحرياته التي تمثل جوهر وجوده من أي اعتداء. 

 ويعالج الباب الثاني من الاتفاقية (المواد من 13-26) الحماية العامة للسكان من بعض عواقب الحرب. وتشمل أحكامه  جميع سكان البلدان المشتركة في النزاع دون أي تمييز مجحف بسبب العرق أو الجنسية أو الدين أو الآراء السياسية (المادة 13). 

وتؤكد المادة (18) على أنه “لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية، وتنص المادة (21) على أنه يجب احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء”. 

 وتتطرق المادة (27)، إلى وجوب معاملة السكان المدنيين في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد. 

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في كانون الأول 1948 معاهدة تحريم إبادة الجنس البشري والمعاقبة عليها. وتعتبر هذه المعاهدة بمثابة تقنين دولي يحذر ويحرم جريمة إبادة الجنس ويعاقب عليها. 

وتنص المادة الأولى من المعاهدة على أن إبادة الجنس جريمة بموجب القانون الدولي يجب منعها والتزام الدول المتعاقدة بإتخاذ الإجراءات الكفيلة للتحذير والعقاب عليها سواء في وقت السلم أوالحرب.

وتتضمن المادة الرابعة وجوب معاقبة الأشخاص الذين يرتكبون جريمة الإبادة سواء كانوا حكاماً أو مسؤولين دستورياً أو موظفي دولة أو أشخاصاً عاديين، وينطبق عليها أيضاً عدم سريان تقادم الزمن. 

واقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 26/11/1968 اتفاقية بخصوص عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبذلك تكون الأمم المتحدة قد أكدت على أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي وهو أن تقادم الزمن لا يسري على الجرائم التي ترتكب  ضد السلام وضد الإنسانية. 

 وانطلاقاً من هذه المبادئ والعهود والمواثيق الدولية كان من الواجب على الدول العربية أن تصر في مؤتمر مدريد على وجوب معاقبة حكام إسرائيل على الحروب العدوانية التي أشعلوها في 1948، 1967، 1978، و1982 وعلى الجرائم الجماعية التي ارتكبوها والاعتداءات اليومية على السكان المدنيين في فلسطين وجنوب لبنان كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين والإصرار على إجبار إسرائيل على دفع التعويضات عن الخسائر التي أنزلتها بالشعوب والبلدان العربية. 

 إن سكوت الدول العربية والأجنبية على هذه النقلة الهامة جداً في الصراع العربي- الصهيوني حمل الحكومة الإسرائيلية على التمادي في حروبها واعتداءاتها ومجازرها وجرائمها وغطرستها وأطماعها.  فأشعل الجنرال اسحق رابين في تموز 1993 حرب لبنان كما أشعل مجرم الحرب بيرس في نيسان 1996 حرب “عناقيد الغضب” الهمجية والوحشية. 

وتابعت إسرائيل ممارسة العنصرية والأرهاب والاستيطان، وفرض العقوبات الجماعية كسياسة رسمية، ولا تزال تحتل الأراضي العربية وتعمل على تهويدها وسرقة ثرواتها وترحيل سكانها، مما جعل اللجوء إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالعنف المسلح من الواجبات المقدسة على العرب والمسلمين. 

وقامت إسرائيل واليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية على نعت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب للقضاء عليها وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية. 

لقد ميّزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال والعنصرية،وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون أول 1972. كما اتخذت في كانون أول 1974 القرار رقم (3214) حول تعريف العدوان والذي يجيزحق الشعوب في النضال بجميع  الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب وإجازت مقاومة الشعوب للاحتلال الأجنبي وينطبق ذلك على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. 

نجحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التي شكلتها الأمم المتحدة في  عام 1972 في تشخِّيص الأسباب  الرئيسية لظاهرة الإرهاب في عام 1989، وأوردت الأسباب السياسية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية للإرهاب. وجاء في الأسباب السياسية للإرهاب مايلي: 

* الاستعمار والتشبث بالسيطرة الاستعمارية. 

* إنكار حق الشعوب في تقرير المصير. 

* العنصرية والتمييز العنصري والفصل العنصري. 

* حروب الإبادة والعدوان. 

* استخدام القوة وانتهاك السيادة والاستقلال والوحدة الإقليمية للدول. 

* احتلال أراضي الغير والهيمنة على الشعوب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول. 

* استخدام الإرهاب للسيطرة على الشعوب وإجبار السكان على النزوح. 

* الفاشية وسياسة التوسع والمنازعات بين الدول. 

* الاضطهاد الديني وإثارة الفتن الطائفية وإشعال الحروب الأهلية. 

* الاستبداد والظلم والقهر وكبت الحريات وانتهاك الحقوق. 

إن حق الشعوب في تقريرالمصير قد أصبح حقاً أساسياً من حقوق الشعوب والأمم تقره الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من العهود والمواثيق الدولية. وانطلاقاً من هذا المبدأ الأساسي فإن من حق الشعب العربي الفلسطيني أن يقرر مصيره بنفسه وبالطريقة التي يراها مناسبة. وينبع من هذا الحق حق الشعوب بالكفاح من أجل ممارسة حق تقرير المصير، لاسيما وإن إسرائيل تنتهك هذا الحق، وهذا المبدأ الأساسي من مبادئ الشرعية الدولية بأبشع الأساليب الوحشية والهمجية والتي فاقت وحشية النازية وهمجتها. 

ويتفرع عن حق تقرير المصير المعترف به عالمياً حق الشعوب بممارسة الكفاح السياسي والعسكري من أجل ممارسته وتطبيقه. 

إن لكل شعب من شعوب العالم كبيرها وصغيرها الحق المشروع في الدفاع عن حقوقه الأساسية وفي مقدمتها الاستقلال والسيادة وتقريرالمصير ومقاومة المحتل واللجوء إلى المقاومة المسلحة لمواجهة قوات الغزو والاحتلال الأجنبية. وإن من حق كل شعب من شعوب العالم الذي يتعرض للعدوان والغزو والاحتلال والاستيطان والكولونيالية والصهيونية استخدام الوسيلة التي يراها مناسبة للدفاع  عن حقوقه الأساسية  واستخدام العنف باللجوء إلى المقاومة المسلحة. إن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال معترف به بموجب القانون الدولي وأكدته وكرسته العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية وقرارات المحاكم وكتابات الفقهاء والجمعية العامة للأمم المتحدة. 

 وأكدت اتفاقيات جنيف لعام 1949 شرعية المقاومة وأقرت لأعضائها حقوق المحاربين النظاميين واعترفت محكمة نورنبيرغ بحركات المقاومة وصبغت نشاطاتها بالنشاط الحربي ونظمت لها حماية القانون الدولي. 

وأقرت محكمة نورنبيرغ لحركات المقاومة المبدأين التاليين: 

– اعتبار أعمال المقاومة نشاطات حربية. 

– اعتبار انتهاك الحقوق الدولية والإنسانية لحركات المقاومة وأعضائها جريمة يعاقب عليها القانون الدولي. 

ويتلخص موقف العديد من فقهاء القانون الدولي من المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي بما يلي: 

“إذا كان حق تقريرالمصير قد أصبح حقاً يعترف به القانون الدولي والأمم المتحدة، لذا فإن من حق الشعب الذي حرم منه ومنع بالقوة من ممارسته أن يرد القوة بالقوة. إن استخدام القوة للوصول إلى حق مغتصب عمل مشروع.”

 وخلاصة القول إن حق الشعوب والأمم في الدفاع عن حقوقها الأساسية والنضال من أجل استعادتها وحقها في المقاومة المسلحة ضد انتهاك هذه الحقوق هو حق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق تقرير المصير. 

لقد حالت الامبريالية والصهيونية دون ممارسة الشعب العربي الفلسطيني لحقه في الاستقلال وتقرير المصير مما أجبر الشعب العربي على اللجوء إلى المقاومة المسلحة لممارسة حقه في الدفاع الشرعي عن حقه في تقرير المصير. فالوجود الإسرائيلي في فلسطين العربية يشكل اغتصاباً واحتلالاً أجنبياً لأرض عربية. وانطلاقاً من ذلك تكون المقاومة حقاً لكل عربي فقد وطنه وواجباً عليه وعملاً مشروعاً في القانون الدولي. 

 ويعتبر حق الشعب العربي الفلسطيني في المقاومة المسلحة في وجه العدوان والاحتلال والعنصرية الصهيونية والاستيطان اليهودي أمام المزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع اليهودية أحد المرتكزات الأساسية لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال وتقرير المصير والسيادة على أرض وطنه. وأقرت رابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية في أيار 1971: “إن الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وحرم عليهم بالقوة العودة إليها وقد سيموا عذاب الإرهاب الإسرائيلي وكافة أنواع التفرقة، اضطروا باستعمالهم حق الدفاع عن النفس إلى الالتجاء إلى المقاومة المسلحة مؤكدين بذلك وجود شعب فلسطين كحقيقة واقعة”. 

 وانطلاقاً من هذه المبادئ لجأت المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية إلى الكفاح المسلح ضد العدوان، والاحتلال والاغتصاب والاستيطان اليهودي في فلسطين وجنوب لبنان دفاعاً عن الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير ومفاهيم الحق والعدالة ومقاصد وأهداف الأمم المتحدة والشرعية الدولية. 

إننا نرفض إرهاب الفرد والجماعات وإرهاب الدولة وفي الوقت نفسه نعتبر أن المقاومة الوطنية مقاومة مشروعة وواجبة على كل عربي ومسلم للتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع اليهودية. 

 إن المفاهيم الوطنية والقومية والدينية لا تسمح لأحد أن ينعت المجاهد الذي يفجِّر نفسه في وجه العدو الإسرائيلي بالإرهابي. 

 يقول شيخ الأزهر الدكتور محد سيد طنطاوي عن العمليات الاستشهادية: “هذه العمليات إن كانت من أجل الدفاع عن الدين والأمة والوطن ومقاتلة المعتدين بما يكبح جماحهم ويجعلهم يرتدون عن اعتدائهم فأهلاً وسهلاً بها، وهذا نوع من أنواع الجهاد طبعاً.. من قال في هذه الحالة أنهم إرهابيون – اللي بيعمل انتفاضة هذا جهاد في سبيل الله مادام هناك عدوان فعلينا أن نرد العدوان بالعدوان… فأهلاً وسهلاً بكل من يدافع عن أخيه المظلوم، فهذا جهاد في سبيل الله وواجب عليه أن يدافع بالمال وإمداده بالسلاح والوقوف معه. ولا نقول عمن يفجر نفسه أبداً أنه منتحر. فهناك جيش جاء واعتدى وقتل إخواننا والذي يفجر نفسه في هذه الحالة لا يكون منتحراً، بل هو شهيد بذل الدم والروح في سبيل الله والوطن”. 

إن ازدواجية المعايير و الكيل بمكيالين والانحياز الأعمى لإسرائيل تدفع الولايات المتحدة إلى تأييد قصف إسرائيل للقرى والمدن والمخيمات العربية والمنشآت الحيوية وتزعم ليل نهار وتقول إن إسرائيل ضد الإرهاب ويجب حمايتها من إرهاب حماس وحزب الله. 

إن مبادئ القانون الدولي تدين جرائم إسرائيل واعتداءاتها بالإرهاب، وتمارس إسرائيل الإرهاب، والحروب العدوانية والمجازر الجماعية كسياسة رسمية للجيش والشرطة والدولة والمستوطنين والمجتمع الإسرائيلي بأسره والأحزاب الصهيونية. 

 إن مجرد استمرار الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وجنوب لبنان هو ذروة الإرهاب. فالإرهاب الإسرائيلي المدعوم من اليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية لا يخيفنا ولا يرهبنا لأننا أصحاب قضية عادلة وسنواجهه بكافة أنواع الأسلحة بما فيها الكفاح المسلح لذلك يجب إدانة وشجب كل بلد -يدين المقاومة الفلسطينية واللبنانية المسلحة، لأن المقاومة تناضل من أجل تحرير الوطن المحتل من الاحتلال الإسرائيلي. 

إن اتهام المقاومة العربية بالإرهاب يعتبر أخطر أنواع  ممارسة الإرهاب الرسمي، ويعني إجبار العرب على الخضوع والركوع أمام المحتل الإسرائيلي والموافقة على احتلاله وأطماعه فالإرهاب شيء والكفاح المسلح من أجل تحرير الوطن شيء آخر. 

إن الغزو والاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات الإسلامية وقتل المدنيين الأبرياء وتدمير المنجزات الاقتصادية والثقافية العربية ذروة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل وأخطر الأعمال الإرهابية في القرن العشرين. 

 إن مبادئ الشرعية الدولية تؤكد شرعية مقاومة الاحتلال، كما أنه لا يوجد قانون أو منطق  يعتبر مقاومة الاحتلال من الأعمال الإرهابية إلاّ الأخلاق والمفاهيم اليهودية. فالإرهاب هو احتلال إسرائيل  لفلسطين والجولان وجنوب لبنان وترحيل العرب من منازلهم وإحلال مهاجرين يهود محلهم وتهويد الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس والخليل وبيت لحم. 

إن الكفاح المسلح ضد إسرائيل التي تحتل الأراضي العربية كفاح عادل وشرعي وواجب تقره الأديان  السماوية ويقره ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. فالدول التي تصبغ عمليات المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب تريد المحافظة على الاحتلال الإسرائيلي وإبقاء العرب تحت عبودية إسرائيل وعنصريتها. 

لقد وافقت الأمم المتحدة في التاسع من كانون الأول عام 1981، على الإعلان الخاص بعدم جواز غزو أراضي الغير والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويؤكد الإعلان على التزام الدول بالامتناع عن اللجوء إلى ممارسة الإرهاب كسياسة للدولة ضد الدول الأخرى، أو ضد شعوب ترزح تحت السيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي، أو تحت نير أنظمة عنصرية. 

 وانطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي طرحت سورية في منتصف الثمانينات عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب والاتفاق على سبل مكافحة  الإرهاب الحقيقي والتفريق بين الإرهاب والمقاومة. واقترح الرئيس حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1986 تشكيل لجنة دولية لتعريف الإرهاب وتحديد الخطوط الفاصلة بينه وبين نضال الشعوب من أجل تحرير أراضيها. 

 إن ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية تدمغ جميع الأعمال العدوانية بالإرهاب كالغزو المسلح والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتؤيد وتدعم حق الشعوب  في مقاومة الاحتلال ونيل الاستقلال وممارسة حق تقرير المصير. وأدانت المنظمة الدولية الامبريالية والعنصرية والصهيونية. وأكدت عدم شرعية احتلال أراضي الغير.

ولكن فشل الأمم المتحدة في منع إسرائيل من الاستمرار في إشعال الحروب العدوانية، ومنها “حرب عناقيد الغضب” عام 1996،’ وعدم معاقبتها على هذه الحروب وعدم تجريدها من السلاح النووي والتقليدي وعدم إجبارها على دفع التعويضات أدى إلى انبعاث المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وعملياتها الاستشهادية. 

إن عنف المقاومين ينتج عن وحشية وهمجية وإرهاب المغتصب والمحتل الإسرائيلي، فسياسية إسرائيل العدوانية والتوسعية والاستيطانية دفعت وتدفع بالشعب العربي إلى الرد على القتل والإبادة كما أن السياسة الأميركية المنحازة والمؤيدة لإرهاب الدولة الإسرائيلية والتي تكيل بمكيالين، وفقدت مصداقيتها ولّدت شعوراً كبيراً من الاحباط الوطني والقومي والديني لدى العرب والمسلمين. 

 وقاد الشعور بالإحباط والغبن وانتهاك السيادة وتدنيس المقدسات ونهب الأرض والثروات وقتل المدنيين الأبرياء إلى اللجوء إلى العنف، إلى المقاومة المسلحة، إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. 

❒❒❒

الفصل الثالث

الكيان الصهيوني والتطبيع

يعتبر ابا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أول من أطلق كلمة “التطبيع” وتعني بمفهومه إقامة علاقات طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب والقتال وفي جو من التعاون والسلام.

وكانت قيادة فتح (اللجنة المركزية )، ممثلة بزعيمها ياسر عرفات وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود من أكثر الجهات العربية حماساً واستعداداً للتطبيع، على الرغم من أن إسرائيل قامت على أنقاض فلسطين العربية وعلى أنقاض الحقوق الوطنية والقومية والدينية للفلسطينيين والعرب والمسلمين فيها، وبالرغم من أن التطبيع سيقود في حال نجاحه إلى شطب اسم فلسطين وطمسه من الصور والخرائط والكتب المدرسية ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات العربية. 

وتسخر إسرائيل التطبيع بمساعدة الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل العقل العربي لحمله على:

أولاً: القبول بالوجود اليهودي على حساب الحق والوجود العربي. 

ثانياً: تبني الخرافات والأساطير والمطامع والأكاذيب اليهودية. 

ثالثاً: القبول بالشروط والاملاءات الإسرائيلية لإقامة إسرائيل العظمى اقتصادياً من النيل إلى الفرات. 

رابعاً: التخلي عن ثوابت النضال العربي والتشكيك بجدوى التمسك بالهوية العربية. 

خامساً: التخلي عن مقاومة التوسع والاستيطان ووصف المقاومة المشروعة بالإرهاب ونبذها. 

سادساً: الاعتراف بخطأ العداء لإسرائيل المعتدية والمغتصبة والغريبة عن المنطقة وتاريخها وتراثها وحضارتها. 

لذلك أرى أنه من المؤلم حقاً أن تهرول بعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام، والذي يعلن باستمرار أطماعه في المقدسات والحقوق والأراضي والثروات العربية. 

خططت إسرائيل استثمار انتصاراتها العسكرية لفرض مخططاتها الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية على المنطقة العربية والانتقال إلى فرض الهيمنة من خلال التعاون الاقتصادي والتطبيع. فالتطبيع يحقق لها التفوق والهيمنة ويضع حداً لأزماتها الاقتصادية وينقذها من المساعدات الخارجية ويزيد الناتج القومي لها أكثر من 22% خلال عشر سنوات من التطبيع. وستُحل مشكلة نقص المياه المتزايدة لديها من جراء استمرار الهجرة اليهودية والتوسع الصناعي في إطار التطبيع وعلى حساب الأطراف العربية. 

 وتسخر إسرائيل الولايات المتحدة الأميركية لإجبار الدول العربية على الموافقة على مخططات التطبيع التي تضعها. وتعمل الولايات المتحدة على أن تنفرد إسرائيل بمزايا التطبيع وأخذ المصالح الاقتصادية الإسرائيلية بعين الاعتبار وتنفيذ التصور الإسرائيلي للتطبيع بواسطة المؤسسات الأميركية. 

وتتوقع إسرائيل أن تصبح من خلال التطبيع قاعدة للشركات المتعددة الجنسيات وجسراً للتجارة بين البلدان العربية والبلدان الصناعية، ويصل حجم هذه التجارة إلى (200) مليار دولار سنوياً. 

 بدأت إسرائيل بعد زيارة السادات للقدس تكشف عن مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية. ووصلت أطماعها حداً أعلنت فيه في المفاوضات استعدادها للتنازل عن ثروات مصر الطبيعية في سيناء مقابل تطبيع العلاقات بينها وبين مصر وكأن لها الحق في أرض مصر وثرواتها. 

ونجحت إسرائيل بإخراج مصر من دائرة الصراع العسكري معها بتوقيع اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية. وربطت الولايات المتحدة الاقتصاد المصري بالاقتصاد الرأسمالي ومؤسساته ورفعت الدولة يدها عن الاقتصاد واعتمدت اقتصاد السوق مما هيأ الأجواء لعملية التطبيع. 

ويعتبر التطبيع جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية لخدمة مصالح إسرائيل ويهود العالم الاقتصادية وتأتي السيطرة على النفط والغاز والموارد المائية والزراعية والأسواق العربية في مقدمة مشاريع التعاون وذلك لحاجتها إلى المواد الخام لتشغيل صناعاتها الحديثة. 

وترمي من جراء التطبيع مع كل بلد عربي على حدة إلى الحصول على أكبر الأرباح والامتيازات ويمكن أن تصبح هي المركز والقائد للاقتصاد في المنطقة مع أنها لا تملك شيئاً من هذه الموارد. وتستخدم التطبيع للاستفادة من العمالة العربية الرخيصة لزيادة أرباح اليهود واستغلالها في التجسس على البلدان العربية ولترويج المنتجات الإسرائيلية وتحويل العرب إلى خدم وأجراء لليهود، مما يلحق الأضرار بالأمن القومي العربي. 

 بدأت المخططات الإسرائيلية بالظهور حول الشرق أوسطية بشكل علني بعد إخراج مصر من دائرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وربطها بالولايات المتحدة. وأخذت تستجيب بالتدريج إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل حيث قال إبا إيبان عام 1987: “إن تعميق اتفاق السلام الإسرائيلي – المصري ليشمل دول المنطقة بأسرها، والذي يتضمن بنوداً صريحة بشأن التطبيع ونشوء علاقات التعاون، سيكون عاملاً مهماً في تعظيم دور إسرائيل الإقليمي وسيكون هذا الدور على غرار الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية على الصعيدين السياسي والاقتصادي”.(165).

وأخذت أوساط إسرائيلية من السياسيين والمثقفين تقول إن السلام يجعل إسرائيل تحتل مكانة سياسية واقتصادية واستراتيجية هامة في العالم لتفوقها التكنولوجي وتخلف البلدان العربية وتوفر المواد الخام فيها التي تجتاحها إسرائيل ويحتاجها العالم. وأخذ بعضهم يقول إن عملية السلام تصنع صناعة أي مثلها مثل السلعة يمكن تفصيلها وضعها حسب المقاس الإسرائيلي وبالشروط والاملاءات الإسرائيلية. 

وأدى التحالف الرسمي بين مصر وإسرائيل، والتحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى تعاون المؤسسات الأميركية والإسرائيلية في تحديد أهداف وبرامج الأبحاث المصرية في اتجاهات معينة تفيد إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ولا تفيد الزراعة المصرية. 

ووجدت إسرائيل من خلال التجارة المتبادلة مع مصر والأردن أسواقاً لها في بعض بلدان الخليج والسودان. 

وأخذت بعض الدول العربية تهرول إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل فقام الجنرال رابين بزيارة سلطنة عُمان في 27 كانون الأول 1994 والتقى يوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني مع بيرس في العقبة بتاريخ 25 شباط 1995 ومع يوسي بيلين في القاهرة في 21 آذار 1995، ومع بيرس في واشنطن في 31 أيار 1995. 

وفتحت عُمان مكتباً للتمثيل التجاري لها في تل أبيب وآخر لإسرائيل في عُمان في الاول من تشرين الأول 1995. 

وكانت مسقط قد استضافت مجموعتي العمل الخاصتين بالمياه والبيئة في 23 حزيران 1995. 

وفتحت المملكة المغربية في 27 آذار 1995 مكتباً لها في تل أبيب وأرسلت بعثة مؤلفة من ثلاثة أشخاص. 

واعتبر الملك الحسن الثاني: “أن فتح مكتبي الاتصال بين المغرب وإسرائيل يعد بمثابة اعتراف بإسرائيل من الناحية الدبلوماسية”. 

وأبدت قطر حماساً كبيراً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأعلن الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية في 4 تشرين الأول 1995، أن قطر تؤيد إلغاء المقاطعة الاقتصادية المباشرة لإسرائيل حتى لو لم يتحقق السلام الشامل. وفتحت لها مكتباً في تل أبيب. 

ولحقت تونس بهذه الدول وفتحت مكتباً تجارياً لها في تل أبيب وآخر إسرائيلي في العاصمة التونسيةووقعت موريتانيا على هامش مؤتمر برشلونة المتوسطي في 26 تشرين الثاني 1995 اتفاقاً يقضي بفتح قسمين لرعاية مصالح كل منهما في تل أبيب ونواكشوط. 

وسارع الأردن بعد توقيع وادي عربة إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وفتح سفارته في تل أبيب في 11 كانون الأول 1994، وفتحت إسرائيل سفارتها في عمان في التاريخ نفسه. 

وأخذت الزيارات والاجتماعات وعقد الاتفاقات تتوالى  في عام 1995، وتبين أن الأردن يهرول في تطبيع العلاقات أكثر من أي بلد عربي آخر ويعطي الدفء في العلاقات لإرضاء إسرائيل ويهود العالم والولايات المتحدة الأميركية على حساب الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين وبيت المقدس. 

وأظهرت استجابة السلطات الأردنية لكل ماطلبته إسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والمائية والاقتصادية والسياحية مدى هرولة الأردن إلى التطبيع والاستعداد لتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي، ويؤكد استجابة الأردن للمطلب الإسرائيلي بجعل السلام  بينهما دافئاً. 

وظهر ذلك بوضوح في التأبين العاطفي الذي ظهر في جنازة رابين  وفي التعزية التي قدمها الملك حسين لأسر الفتيات الإسرائيليات، وفي الطلعات المشتركة لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء عمان والأردني في سماء تل أبيب، وموافقة الأردن على تدريب طياريه وتحديث طائراته الحربية في إسرائيل. 

وأخذ بيرس ورابين يوهمان الأردن (كعادة اليهود في تاريخهم القديم والحديث)، بأعطائه الدور الإقليمي الهام في الشرق العربي وخاصة في العراق لقاء تمويل مشاريع الشرق الأوسط الجديد مما أثار القلق في مصر وسورية والسعودية. 

ثارت ثائرة اليهود العالمية والدولة اليهودية لعقد القمة الثلاثية بين الرئيس الأسد والرئيس مبارك والملك فهد في أواخر عام 1994، في مدينة الاسكندرية. ودعمت الولايات المتحدة هذا الموقف اليهودي مما أدى إلى عقد قمة رباعية بين الرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال اسحق رابين في الثاني من كانون الثاني 1995 لتهدئة اليهود وأميركا كرد على قمة الاسكندرية العربية. 

وعقد الملك حسين في الرباط بتاريخ 28 أيار 1995 قمة أخرى بينه وبين ياسر عرفات وشمعون بيرس  للاسراع في عملية التطبيع.. 

وتابعت إسرائيل عقد القمم التي تقررها فتم عقد قمة خماسية في واشنطن بتاريخ 28 أيلول 1995 ضمت الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلينتون والرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال رابين. 

 وأصدرت بياناً أكد على الإصرار في مواجهة أعداء السلام أي سحق المعارضة لاتفاق الإذعان في أوسلو. 

المفاوضات المتعددة الأطراف والتطبيع 

استجابت جميع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسيطينة للاشتراك في المفاوضات المتعددة الاطراف باستثناء سورية ولبنان حيث قاطعتا اجتماعات جميع لجانها. وعلل وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع مقاطعة سورية لها قائلاً: 

 “إن الموقف الذي اتخذته سورية بعدم المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف، إنما انطلق من هذه المعطيات الواقعية ومن القناعة المبدئية أيضاً بأن بحث مسائل التعاون الاقليمي بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن اعتباره إلاّ محاولة لاسترضاء المعتدي ومكافأة له على عدوانه واحتلاله. إن هذا الموقف السوري هو في حقيقته ترجمة لحرص سورية على حماية حقوق العرب ومصالحهم”.(166).

وتوالت اجتماعات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الإطراف في إسبانيا وكندا والنمسا واليابان وتونس والمغرب وقطر وعمان والبحرين تلبية لرغبات إسرائيل ولتحقيق ماعجزت العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقه وهو إجبار العرب على فتح حدودهم مع إسرائيل، والسماح لها بالتغلغل في ميادين الحياة كافة، في بلدان المشرق والمغرب العربي، مما أدى إلى  تطور العلاقات بين هذه البلدان وإسرائيل بشكل يلحق أفدح الأضرار بموقف سورية ولبنان من استعادة أراضيهما المحتلة واستعادة القدس العربية والحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني. 

وحدد الرئيس بوش التصور الأميركي في كلمته الافتتاحية في مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وتمكين إسرائيل من قيادة المنطقة في المجالات التجارية والاقتصادية والأمنية وقال عن السلام إنه “ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب وإبدالها بحالة عدم اعتداء، إن هذا ليس كافياً ولن يدوم لكننا نسعى للسلام الحقيقي، المعاهدات، الأمن، العلاقات الدبلوماسية، العلاقات الاقتصادية، التجارة، الاستثمار، التبادل الثقافي، وحتى السياحة” (167). 

 وانطلاقاً من كلمة الرئيس بوش الافتتاحية في مؤتمر مدريد ظهر بجلاء أن الولايات المتحدة قد تبنت الأفكار والمخططات الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية وقررت العمل على إجبار العرب على تحقيقها. 

 وأكد ممثل الاتحاد الأوروبي في مؤتمر مدريد هانس فان دن بروك، وزير الخارجية الهولندي دعم الاتحاد الأوروبي للمفاوضات المتعددة الأطراف. وقال: 

“إن المفاوضات السياسية يجب أن تعزز بمفاوضات متعددة الجوانب في شأن التعاون الإقليمي في مجالات الاهتمام المشترك.. ومن البديهي أن التعاون الإقليمي لا يمكن أن يسير أسرع من التحرك نحو التسوية السياسية إلا أن القضيتين السياسية والإقليمية يجب أن تتزامنا وأن تعزز كل منهما الأخرى”(168).

 تولى الاتحاد الأوروبي رئاسة مجموعة عمل التعاون الاقتصادي في المفاوضات المتعددة الأطراف وطالب في أول اجتماع للمجموعة في موسكو في كانون ثاني 1992 بإقامة علاقات اقتصادية وطبيعية بين دول المنطقة. وطالب الاتحاد في اجتماع لجنة التنمية الاقتصادية في بروكسل في أيار 1992، بالإنهاء الرسمي للمقاطعة العربية لإسرائيل، وتقدم بخطة حول التعاون الاقتصادي الإقليمي أكد فيها أن التعاون الإقليمي موازٍ للتسوية السياسية، وإن النواة الرئيسية للتعاون هي إسرائيل والأردن وفلسطين مع انضمام سورية ولبنان ومصر، وإن التعاون يجب أن يقود في المدى الطويل إلى التكامل الاقتصادي، وإن التعاون خطوة نحو الاندماج الاقتصادي في المنطقة ثم انخراط اقتصادات المنطقة في الاقتصاد العالمي، وأكدت الخطة على أولوية التعاون في مجالات السياحة والنقل والزراعة والمواصلات. 

وتطرق اسحاق شامير، رئيس حكومة العدو الإسرائيلي في كلمته أمام مؤتمر مدريد إلى المفاوضات المتعددة الأطراف وقال: 

“إن المفاوضات المتعددة الأطراف، التي ستواكب المفاوضات الثنائية، هي عنصر حيوي في العملية، ففي هذه المحادثات ستناقش العناصر الأساسية للتعايش والتعاون الإقليمي، ولا يمكن قيام سلام في منطقتنا من غير أن تعالج هذه الموضوعات الإقليمية وتحل”(169). 

وعندما انعقد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف في موسكو بتاريخ 28/1/1992 أعرب شامير عن ارتياحه لانعقاده وقال: 

 “تحصد إسرائيل الآن الثمار الدبلوماسية والاقتصادية لمحادثات السلام الخاصة بالشرق الأوسط التي ساعدتها في الخروج من عزلتها الدولية”.(170). 

وعبر وزير الخارجية الإسرائيلي عن ارتياحه لانعقاد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف  وأشار إلى أن مشاركة وفود من بلدان الخليج تبعث على الارتياح. ووصف المؤتمر بأنه انتصار لإسرائيل وقال: “لقد اكتملت كل توقعاتنا وصمدنا في المهمة التي أخذناها على عاتقنا”.(171). 

يقول يوسي بيلين، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق في كراس قدمه إلى الدول المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف عن تصور إسرائيل لمستقبل المنطقة: 

“إننا نتصور انبثاق شبكة من الصلات الإقليمية. وتبدأ هذه الصلات بالبنية التحتية: الطرق العريضة، الممرات الجوية والبحرية، أنابيب المياه ومحطات الكهرباء التي تمتد في شبكة توحدنا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.. سيكون في إمكان سكان المنطقة التنقل والتجارة والقيام بمشاريع مشتركة. كما سيجري الاستخدام المشترك لطاقات المنطقة…… ستقود التنمية المشتركة إلى نمو ثوري في سياحة الشرق الأوسط، وإلى نمو في التجارة المتبادلة بين دول المنطقة، وإلى توسع في التجارة مع بقية العالم”(172). 

أظهرت حرب الخليج أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول من دول النفط وهي التي تمسك بزمام الأمور في هذه الدول، مما يجلب لها الكثير من الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. كما أنها بعثت برسالة إلى أوروبا واليابان من جراء الانتصار الذي حققته في حرب الخليج تتضمن إحكام سيطرتها على منابع النفط وأسواقه وأمواله وأن العلاقات بينها وبين الدول النفطية يجب أن تكون عبر أميركا وبواسطتها. 

ونجحت في تجويف الأمم المتحدة وحرفها عن القيام بمهماتها والدور المناط بها وسخرتها لخدمة المصالح الأميركية. 

لقد احتوت عملية التسوية السياسية وفق صيغة مدريد على نوعين من المفاوضات. الأول: المفاوضات الثنائية المباشرة لتسوية جوهر الصراع وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الذي نتج عن حرب حزيران العدوانية. 

والثاني: المفاوضات المتعددة الأطراف لإزالة أسباب الصراع وتسوية القضايا المختلف عليها وإقامة روابط التعاون بين الأطراف العربية وإسرائيل. وانعقدت الجولة في موسكو بتاريخ 28 و 29 كانون الثاني 1992 وانبثق عنها خمس لجان: 

1– لجنة الحد من التسلح والأمن الاقليمي. 

2- لجنة التنمية الاقتصادية. 

3- لجنة الموارد المائية. 

4- اللاجئون. 

5- البيئة. 

تمسكّت إسرائيل وبدعم كامل من الولايات المتحدة بالفصل بين المسارين. وأظهرت الولايات المتحدة الأميركية انحيازها لإسرائيل تحت ذريعة كاذبة وهي أن التقدم في المفاوضات المتعددة الأطراف يمثِّل إغراءً لإسرائيل للسير في المفاوضات الثنائية، وذلك لإلغاء المقاطعة العربية وفرض التطبيع على العرب وحل أزمات إسرائيل الاقتصادية، بدون تحقيق الانسحاب الشامل وتفكيك المستعمرات اليهودية. وأصرّت سورية ولبنان على الربط بين المسارين وأكدتا على أنه على إسرائيل الالتزام بالانسحاب أولاً من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من حزيران ومن ثم يجري البحث في إزالة مظاهر الصراع وتدشين علاقات التطبيع، ورفضتا المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف إلى أن يتحقق الانسحاب الشامل. 

قام الموقف المصري على دخول المفاوضات المتعددة الأطراف للوصول إلى اتفاقيات حول التعاون في المجالات الخمسة. ولكن التنفيذ يبدأ بعد الاتفاق على المرحلة النهائية في المفاوضات الثنائية فالموقف المصري انطوى على انفصال شكلي بين المسارين، وذلك بسبب توقيع مصر لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة الصلح والاتفاقات العديدة التي انبثقت عنها وبسبب التدخل الأميركي الفج والمنحاز لإسرائيل. 

ونظراً لأطماع إسرائيل ورغبتها في فرض هيمنتها على البلدان العربية، ونظراً لانحياز الراعي الأميركي للأطماع الإسرائيلية وصلت المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف في أيار 1997 إلى طريق مسدود لأن إسرائيل تريد أن تفرض شروطها على جميع الأطراف العربية. 

قامت دول الطوق العربية في الفترة التي أعقبت انعقاد مدريد في تشرين الأول 1991 وحتى توقيع اتفاق أوسلو في 13/9/1993 بتنسيق المواقف والتشاور والتعاون خلال المفاوضات. 

وجاء توقيع اتفاق أوسلو ليشكل ضربة قوية للتنسيق العربي وليكرس مرحلة سيئة جديدة من المفاوضات في ظل غياب التنسيق العربي ونجاح إسرائيل في التلاعب بمسارات المفاوضات للحصول على المزيد من التنازلات عن الأرض والحقوق والحياة العربية وتعميق الخلافات العربية والضغط على المفاوضين السوري واللبناني وفتح المجال أمام الهرولة إلى تطبيع العلاقات. 

وجاءت معاهدة وادي عربة في 14 تشرين الأول 1994 بعد أوسلو لتمثل ضربة جديدة للتنسيق العربي وخروج الأردن رسمياً من التحرك العربي تجاه إسرائيل وتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي. وأخذ الأردن يهرول في تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالرغم من إن إسرائيل لم تلتزم حتى بالقول بالانسحاب من القدس العربية والجولان وجنوب لبنان. 

وأخذ الأردن يمارس دوراً في خدمة المخطط الإسرائيلي – الأميركي في المنطقة العربية. ويمارس الضغوط على سورية ولبنان من خلال الاتفاق على قضايا تمس المصالح الجوهرية لسورية والأمن القومي العربي. 

والحق اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أضراراً فادحة في الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين والقدس العربية، ودفعا بعض دول الخليج إلى الهرولة لتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، ومكنا إسرائيل من صياغة سابقة للتسوية ينبغي على سورية ولبنان اتباعها إن كانتا تريدان السلام حقاً.

وحققت إسرائيل في معاهدتي أوسلو ووادي عربة العديد من السوابق الخطيرة على الأرض والحقوق والسيادة للبلدان العربية، كسابقة تعمل جاهدة بمساعدة الراعي الأميركي المنحاز وغباء وتخاذل بعض الحكام العرب على فرضها على المسارين السوري واللبناني وتطالبهما بـ: 

* دخول مفاوضات سرية للموافقة على الأسس والمخططات التي تضعها إسرائيل. 

* عدم المراهنة على أي دور أوروبي أو أميركي لأن إسرائيل تنطلق من مخططاتها للهيمنة على العرب. 

* استبعاد صيغة مدريد وبالتالي قرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به الحكومات العربية والموافقة على الأسلوب والشكل والمضمون الذي تريده إسرائيل. 

* تطبيق المبدأ الجديد الذي كرسته معاهدة وادي عربة بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الأردنية لإسرائيل، بذريعة التأجير المجاني لمدة (25) سنة. 

نجح السادات في حمل إسرائيل على الانسحاب من جميع الأراضي المصرية وتفكيك جميع المستعمرات اليهودية مقابل الخروج من الصف العربي والاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. 

أما التسوية على المسارين الفلسطيني والأردني فأنها قدمت لإسرائيل سوابق خطيرة وهي الموافقة على عدم الانسحاب الكامل والتنازل عن أجزاء من الأراضي وعدم تفكيك المستوطنات والتحول إلى حراس لحماية إسرائيل وأمن المستوطنين اليهود، وقمع النضال والجهاد العادل ضد الاحتلال. 

رفضت سورية ولبنان بمبدئية وعلمية وكرامة وعزة وطنية وقومية وإنسانية سوابق المسارين الفلسطيني والأردني. 

تراجعت الحكومة الإسرائيلية  عن اتفاق أوسلو ونجحت في ابتزاز القيادة الفلسطينية بتهويد مدينة الخليل. كما تراجعت عن الاتفاق الذي وضعته حول حصة الأردن من  المياه. وتقوم بالتلاعب بين الطرف الفلسطيني والأردني حول قضية القدس لتخليد توحيد المدينة وتهويدها. 

لقد مهدّ اتفاق الإذعان في أوسلو الطريق للأردن لتوقيع معاهدة وادي عربة وأخذ يهرول في تطبيع العلاقات على المستويين الرسمي والشعبي. 

وأصبحت الأردن بمثابة بوابة عبور إسرائيل إلى دول الخليج والعراق، وذلك في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق أي تقدم ملموس في موضوع القدس، واللاجئين والمستوطنات والانسحاب الشامل والمياه ونزع سلاح إسرائيل النووي. 

وبالرغم من ذلك كله ركزت إسرائيل والولايات المتحدة على “التنمية الاقتصادية”. 

أولت إسرائيل وأميركا لجنة التنمية الاقتصادية اهتماماً كبيراً لأسباب عديدة وفي مقدمتها حل أزمات إسرائيل الاقتصادية لكي تتخلص الإدارة الأميركية من تقديم المساعدات الاقتصادية الكبيرة لإسرائيل بحجة مضللة وهي أن تنامي المصالح الاقتصادية يجعل فكرة الحرب واستمرار الصراع مكلفة الثمن، وذلك لحمل العرب على تناسي حقوقهم التاريخية في فلسطين وتناسي حروب ومجازر اليهود الوحشية والهمجية. 

إن استمرار اغتصاب اليهود لأرض فلسطين العربية واستمرار سياسة التهجير والاستيطان اليهودي واحتلال الأراضي العربية وسرقة الثروات والمياه العربية تجعل من العامل الاقتصادي غير أساسي في معالجة أسباب الصراع. كما أن تناسي الولايات المتحدة نشأة وطبيعة الصراع العربي اليهودي وأساليب إسرائيل الإرهابية في التعامل مع المحيط العربي وأطماعها لا يمكن أن ينهي الصراع ويعيد الأرض والحقوق لأصحابها العرب.فالعامل الاقتصادي ليس بأداة سليمة للقبول بإسرائيل في المنطقة وإنما الحل العادل والشامل وتجريدها من السلاح النووي والتقليدي ومعاقبتها على سياستها العدوانية والتوسعية والإرهابية يقود إلى السلام العادل. 

إن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان من العامل الاقتصادي حلول العرب محل ألمانيا وأميركا في دعم الاقتصاد الإسرائيلي ورفع مستوى حياة اليهود فيها، ولذلك فأن معزوفة التنمية المشتركة، تهدف إلى تحقيق التطبيع الرسمي والشعبي كمقدمة للهيمنة على الاقتصادات العربية. 

إن العامل الاقتصادي (أي التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل) يبقى غير ذي أهمية بالنسبة لقضايا رئيسية في الصراع كالسيادة واسترجاع كامل الأراضي المصادرة وهدم كافة المستوطنات اليهودية وعودة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى السيادة العربية ومن هنا فإن الصراع صراع ديني وقومي ومصيري وصراع حياة أو موت. ركزت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة على العامل الاقتصادي لتحقيق العديد من الانتصارات منها إلغاء المقاطعة العربية ونسف التنسيق العربي وتطبيع العلاقات مع دول المغرب العربي والخليج لعزل الدول العربية الرافضة للاملاءات الإسرائيلية والأميركية ثم محاصرتها لإجبارها على القبول بالمخططات والمشاريع والشروط الإسرائيلية. 

وتعزز الولايات المتحدة الأميركية في الوقت نفسه حصارها الظالم على ليبيا والسودان والعراق وإيران وكوبا لخدمة مصالح اليهودية العالمية والامبريالية الأميركية. 

مخططات الهيمنة الإسرائيلية

خططت الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى السيطرة على المنطقة العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، ولا يزال هذا الهدف هو الجوهر الأساسي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان ووضعت مرحلتين لتحقيق هذا الهدف: 

المرحلة الأولى: تهجير اليهود إلى فلسطين العربية وترحيل العرب منها، وتحقيق التوسع والاستيطان بالعنف والإرهاب والمجازر الجماعية والحروب العدوانية. 

المرحلة الثانية: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة بتسخير الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة لتحقيق السيطرة الاقتصادية على البلدان العربية، أي الانتقال من مرحلة الغزو  والتوسع الإقليمي إلى مرحلة الغزو الاقتصادي والثقافي باستغلال الاحتلال لفرض السلام الإسرائيلي. 

خططت إسرائيل والولايات المتحدة لحرب حزيران العدوانية عام 1967، ولأهدافها العسكرية والسياسية، وحالت واشنطن دون إجبار الأمم المتحدة اسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة تطبيقاً لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية. 

وأنشأ المليونير اليهودي  روتشيلد بعد الحرب مباشرة معهداً بالقرب من جنيف أطلق عليه اسم “معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط” جعل مهمته الأساسية دراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط بعد تسوية الصراع العربي الصهيوني والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين إسرائيل والبلدان العربية. ونظمت إسرائيل عقد ثلاثة مؤتمرات لأصحاب الملايين اليهود لوضع المخططات لاستغلال ثروات الأراضي العربية المحتلة وأحكام سيطرتها الاقتصادية عليها وعلى بقية البلدان العربية. 

وتأسست في إسرائيل عام 1968 جمعية اسمها “من أجل السلام في الشرق الأوسط” مهمتها وضع مخطط لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الوطن العربي. 

ويتضمن المخطط الذي وضعته تخصيص 10% من عائدات النفط للمشاريع الإقليمية المشتركة، وتحديد الصناعات التي ينتجها كل بلد عربي، كما خططت لإنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة. 

وطرح حزب العمل الإسرائيلي إقامة اتحاد إسرائيلي -فلسطيني- أردني على غرار اتحاد البنيلوكس. لقد اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة العسكرية لفرض أوضاع جديدة في المنطقة واستغلال هذه الأوضاع التي نتجت عن استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها قامت باستخدام القوة، وبالتالي تستغل النتائج العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عن طريق دمج العاملين العسكري والسياسي لتصفية قضية فلسطين وتحقيق المخططات الصهيونية. 

وتستغل إسرائيل انتصاراتها العسكرية في الحروب العدوانية التي شنتها، والمجازر الجماعية التي ارتكبتها، والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي أنزلتها بالعرب، واستمرار الاحتلال والاستيطان لتفرض على الفلسطينيين والعرب اتفاقات مذلة، اتفاقات إذعان وإملاء تحقق من جرائها كافة أهدافها السياسية والاقتصادية، والمزاعم والأساطير والخرافات والأكاذيب والمطامع اليهودية. فالهدف من حروبها وسلام الإذعان القائم على استغلال نتائج الحروب العدوانية هو زيادة أرباحها وأرباح يهود العالم مقابل تنازلات سياسية ومكاسب اقتصادية هائلة من الأطراف العربية تنهي بها أزماتها الاقتصادية المزمنة. 

وتتناول المخططات الإسرائيلية كافة المجالات بدءاً من التجارة والمواصلات والطاقة والمياه ومروراً بالزراعة وحتى السياحة، كما تشمل جميع البلدان في المشرق والمغرب والخليج العربي. 

وضع جاد يعقوبي، وزير المواصلات في حكومة رابين في نهاية 1975 مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر. ويشير المخطط إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في المنطقة هو أمر ضروري للطرفين. ويتضمن التعاون بين مطاري ايلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين إسرائيل والأردن، وربط الأردن، بميناء حيفا بواسطة سكة حديد الغور، وتطوير شبكة خطوط حديدية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر برى بين مصر ولبنان. 

ويتضمن المشروع أيضاً تطويراً إسرائيلياً أردنياً مشتركاً لإيلات والعقبة في المجال السياحي. 

ووضع يعقوب ميريدور، وزير الاقتصاد في حكومة بيغن بعد شهر واحد من زيارة السادات للقدس عام 1977 مشروعاً للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط ولتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية. 

واقترح شمعون بيرس في نيسان 1986 خلال زيارته للولايات المتحدة اعتماد مشروع مارشال للشرق الأوسط لدمج إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها وحل الأزمات الاقتصادية المزمنة فيها. ووعدت الإدارة الأميركية بدراسة اقتراحات شمعون بيرس بعناية مع حلفائها. 

وجاء في المخطط الذي وضعه صندوق ارمندهامر في جامعة تل أبيب، في كانون الأول عام 1986 حول مشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي مايلي: 

“عندما تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي التي تصنع مضمون السلام وتضمن استقراره، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها: 

أ- تشكل في حد ذاتها، أداة تفاوضية مؤثرة في الضغط نحو السلام. 

ب- تقود إلى ترسيخ السلام وحمايته”.(173). 

وطرح بيرس تصوراته حول الشرق أوسطية في تشرين الثاني 1992 أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة. وطالب العرب بنسيان الماضي والتركيز على المفاوضات ووضع حد للنزاع لبناء الشرق الأوسط الجديد. 

وطرح يائير هيرشفيلد (بطل مفاوضات أوسلو السرية) موقف حزب العمل الإسرائيلي في اجتماع لجنة التنمية المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف في بروكسل في أيار 1992، وشملت مقترحاته المشاركة في الموارد الطبيعية والبشرية وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب الاستثمارات من الدول الأجنبية ودول النفط العربية ومؤسسات التمويل الدولية وإقامة صندوق إقليمي للتنمية.

 نشر بيرس تصوراته للنظام الإقليمي الجديد في كتابه الذي صدر عام 1993 وانطلق فيه من أن التطبيع مع العرب قائم، وإن إسرائيل ستقوم بدور المركز والقائد والقوة الأساسية لتحويل النظام الإقليمي الجديد إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي وبالتعاون والتنسيق معه. وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة القائم على أساس الأرض والنفط والقومية، ووصفه بأنه عصري يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي. وجاء في الكتاب أن “هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية.”

وحدد بيرس معالم السلام القادم على أنه “أولاً وقبل كل شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي، ويعترف بأن فكرة السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل. ويرى أن فتح الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد الحجاز وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز النظام الإقليمي الجديد. 

وتحدث بيرس بكراهية منقطعة النظير عن الإسلام وقال إن الأصولية هي الخطر الداهم الذي يهدد سلام المنطقة واستقرار دولها. وبحسب رأيه فإن التهديدات والمخاطر القادمة من الإسلام تفوق الخطر الشيوعي السابق، وبالتالي يطالب بيرس بالقضاء على دور الإسلام بعد أن نجح الغرب في القضاء على دور الشيوعية في العالم. ويتناسى بيرس عن عمد أن الغبن والظلم واغتصاب الأرض والحقوق العربية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والحروب والمجازر الجماعية كسياسة رسمية هي السبب المباشر في ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي، في الضفة والقطاع، وحزب الله في جنوب لبنان. 

وتتجلى عنصرية وعنجهية بيرس بأجلى مظاهرها في عدائه للإسلام، وعدم تطرقه على الإطلاق إلى المنظمات والعصابات اليهودية الإرهابية التي تقتل العرب وتستولي على أرضهم وممتلكاتهم وحاولت اغتيال رؤساء بلديات نابلس والبيرة ورام الله واغتالت حتى الجنرال رابين. كما أنه لم يتطرق إلى فرق القتل السرية التي ينظمها الجيش الإسرائيلي وفرق المستعربين وعصابات المستوطنين. باختصار يتناسى بيرس تفشي الفاشية والعنصرية والإرهاب في نفوس اليهود داخل المجتمع الإسرائيلي ويصبّ جام غضبه على الإسلام والمسلمين. 

وكان بيرس من مهندسي امتلاك إسرائيل السلاح النووي. ويطرح الشرق الأوسط الجديد لتحويل إسرائيل إلى قوة عظمى تهيمن على الاقتصادات العربية. 

إن الكوارث والمصائب التي ألحقتها إسرائيل بالبلدان العربية ترجع إلى ممارستها الإرهاب والعنصرية كسياسة رسمية ولاغتصابها فلسطين العربية وإشعال الحروب العدوانية وارتكاب المجازر الجماعية وإحضار المزيد من المهاجرين اليهود وترحيل المزيد من العرب وتدمير المنازل ومحطات الكهرباء ومصافي النفط والصناعة والزراعة كما حدث في الحرب التي أشعلها الجنرال رابين في تموز 1993 على لبنان وحرب “عناقيد الغضب” التي أشعلها بيرس في نيسان 1996، وارتكب خلالها مجزرتي قانا والنبطية. 

وبلغت الخسائر البشرية التي ارتكبتها إسرائيل في حروبها العدوانية واعتداءاتها المستمرة أكثر من (260) ألف شهيد فلسطيني، و (90) ألف شهيد لبناني، و (39) ألف شهيد مصري، وحوالي (50) ألف شهيد سوري بالإضافة إلى الشهداء الذين قدمهم الأردن والعراق، ومئات الألوف من الجرحى والمعاقين وملايين اللاجئين والنازحين والمشردين. 

إن هذه الخسائر البشرية الكبيرة والخسائر المادية الهائلة التي ألحقتها إسرائيل بالدول العربية لا تبرر على الإطلاق قبول بعض الحكام العرب السلام الإسرائيلي وتوقيع اتفاقات الذل والإذعان والاستسلام للإرادة والهيمنة الإسرائيلية عن طريق الراعي الأميركي. 

ويقترح بيرس في كتابه إقامة المجموعة الإقليمية عبر ثلاث مراحل: 

 المرحلة الأولى: إقامة مشاريع ثنائية ومتعددة الأطراف. 

المرحلة الثانية: اشتراك هيئات دولية مالية في إنجاز مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة. 

المرحلة الثالثة: وضع سياسة موحدة للمجموعة الإقليمية. 

إن مخطط بيرس للشرق الأوسط الجديد يجسد لعبة سياسية وإعلامية مضللة وموجهة بالأساس لتضليل المواطن العربي ومحاولة يهودية لإعادة رسم مستقبل العلاقات العربية- الإسرائيلية في ظل الهيمنة الإسرائيلية والابتعاد عن قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي الرئيسية المتعلقة باحتلال الأرض العربية وتهويدها وتطوير الاستيطان اليهودي فيها وحرمان العرب من حق العودة وحقوق الإنسان وتقرير المصير والاستقلال الوطني. 

إن بناء “الشرق الأوسط الجديد” لا يقوم على أساس التكافؤ والمنفعة المتبادلة وإنما ينطلق من حل أزمات إسرائيل الاقتصادية وسد الثغرة الهائلة الناجمة عن توقف التعويضات الألمانية والمساعدات الأميركية دون الأخذ بالاعتبار مصالح الدول العربية في ظل تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية وامتلاكها السلاح النووي، والعمل بمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبيةعلى إضعاف الدول العربية عسكرياً. بمايتيح لإسرائيل أن تصبح قوة عظمى في المنطقة ويقود إلى هيمنة اليهودية العالمية على العالم. 

الولايات المتحدة الأميركية والتطبيع

تبنت الولايات المتحدة الأميركية المخططات الإسرائيلية حول التطبيع والتعاون الإقليمي. وأقرّ الكونغرس الأميركي مخططاً للتطبيع تحت عنوان : “التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط أعدته ومولته الوكالة الأميركية الدولية للتنمية كمدخل لتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل لتنفيذ المخططات الإسرائيلية. ووردت فيه الأفكار التالية: 

* سيكون الدور الأميركي حاسماً في مجال التعاون الإقليمي، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط. 

* تقوم فكرة التعاون الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي. 

* إعطاء أهمية لدور الأكاديميين ورجال الأعمال في بداية التعاون الإقليمي وتطويره. 

ووضعت الوكالة الأميركية المخطط على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي لتجاوز الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك ولكي تنخرط فيه إسرائيل وتهيمن عليه. 

ويتطرق مخطط التطبيع الأميركي إلى الموارد المشتركة كنهر الأردن والبحر الميت وخليج العقبة، والتعاون العلمي والتكنولوجي والمواصلات والتجارة والسياحة. 

 ويوصي المخطط الأميركي في مجال النقل بربط خطوط المواصلات لتعمل على تعزيز التجارة والسياحة في المنطقة وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل عن طريق: 

* مد خط سكة حديد من السويس حتى إيلات. 

* ربط شمال سيناء بإسرائيل عن طرق قطاع غزة. 

* مد طريق من إيلات ووصله بطريق لربط القدس وعمان بالطريق الدولي. 

* إنشاء خط حديدي يربط البحر الميت بالضفة الغربية وإيلات. 

ويوصي المخطط فيما يتعلق بموضوع المياه، بالبحث عن المياه الجوفية في سيناء، وبيع مياه النيل لإسرائيل واستخدام نظم الري الحديثة وتحلية مياه البحر. 

ويتضمن بالنسبة للصناعة إقامة مشروعات صناعية مشتركة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة عن طريق: 

 أولاً: تنمية الموارد المشتركة وحل مشاكلها… 

ثانياً: التركيز على المعاملات التجارية لفتح الأسواق الإقليمية للسلع والمواد الخام. 

ثالثاً: إقامة مستودعات مشتركة..

ويؤكد المخطط على الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في المرحلة الأولى من البدء في تنفيذه بالاعتماد على مصر وتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل. 

ونجحت الولايات المتحدة وإسرائيل، وضع أسس التطبيع والعلاقات الطبيعية بين مصر وإسرائيل بتوقيع البلدين معاهدة السلام حيث يتضمن الملحق الثالث الذي سمي “بروتوكول بشأن العلاقات بين الطرفين” مايلي: 

* إقامة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وتبادل السفراء. 

* إزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائمة في وجه العلاقات الاقتصادية العادية. 

* إلغاء المقاطعة العربية. 

* إقامة علاقات ثقافية، وتبادل ثقافي في كافة الميادين. 

* السماح لمواطني ولسيارات كل طرف بالمرور والانتقال بحرية بين البلدين. 

* إعادة فتح الطرق وخطوط السكك الحديدية بين البلدين، والنظر في إقامة طرق وسكك حديدية إضافية. 

* إقامة طريق بري يربط مصر وإسرائيل والأردن قرب إيلات. 

وأكد المحضر الخاص الملحق بالبروتوكول حق إسرائيل في شراء النفط المصري. ونص البروتوكول على عقد ثلاث اتفاقات في المجالات الاقتصادية والثقافية والتجارية والطيران. 

وتعمل الولايات المتحدة على استغلال المنطقة والسيطرة عليها لخدمة مصالحها الاقتصادية عن طريق القواعد العسكرية الأميركية في بعض البلدان العربية، وعن طريق إسرائيل كأداة عسكرية لاستنزاف العرب ودفعهم أكثر فأكثر إلى الحظيرة الأميركية، والمحافظة على تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية،ونزع السلاح غير التقليدي من أيدي العرب، والحد من التسلح العربي، وبيع كميات هائلة من الأسلحة للكويت والسعودية لتحسين وضع الاقتصاد الأميركي، وإنهاء المقاطعة العربية، وإقامة نظام إقليمي اقتصادي وأمني وتصفية قضية فلسطين. 

واقترح البروفسور الأميركي روبرت تاكر” أنه لمنع أميركا من أن تنزف حتى الموت من جراء نفط الشرق الأوسط عليها فرض السيطرة الأميركية على المنطقة الممتدة من الكويت نزولاً على طول الإقليم الساحلي للمملكة العربية السعودية حتى قطر”. 

وطرح زينغو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر إقامة وجود أميركي في المنطقة بمشاركة إسرائيل وبعض الدول العربية الصديقة لأميركا للمحافظة على المصالح الأميركية فيها. 

ونادى اليهودي هنري كيسنجر بإمكانية التعاون بين مصر وإسرائيل والسعودية وأميركا من أجل حماية أمن المنطقة. 

ودعا الجنرال الكسندر هيج، وزير الخارجية الأميركي في زيارته إلى تسعة بلدان في الشرق الأوسط في نيسان 1981 إلى إنشاء حزام أمني في المنطقة يضم عدداً من الدول من باكستان إلى مصر ويستوعب السعودية وإسرائيل. وتحدث الجنرال هيج أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس عن “الحاجة إلى جمع تركيا وإسرائيل وعدد من الدول العربية في حلف مشترك”. 

وتابعت الولايات المتحدة وضع مخططاتها للشرق الأوسط، فوضعت مجموعة الدراسات الاستراتيجية في معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأدنى في صيف 1992 تقريراً حول الاستراتيجية الأميركية المقترحة في مفاوضات الشرق الأوسط تحت عنوان “مواصلة البحث عن السلام”، وجاء فيه أن: “نهاية الحرب الباردة أوجدت فرصة واحدة للسير في اتجاه إقامة تسوية سلمية شاملة بين العرب وإسرائيل، والمصالح الأميركية لا تزال مرتبطة بشكل حيوي بتلك المنطقة المضطربة، والاتفاقات العربية الإسرائيلية يمكن أن تساعد على حماية تلك المصالح وتوسيعها.. لدى الولايات المتحدة حليفان مهمان، مصر والسعودية، يمنحانها إضافة إلى إسرائيل وتركيا غلبة في السيطرة على المنطقة.. أوروبا واليابان وبلدان أخرى في المنطقة يمكن أن تقدم دوافع سياسية ومالية للتقدم”(174). 

ونشرت مجلة “فورن افيرز” الأميركية في خريف 1992 مخططاً للشرق الأوسط وضعه البروفسور برنارد لويس تحت عنوان:”إعادة النظر في الشرق الأوسط”، انطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية الذي طال تقديسه والمتعلق بدولة عربية موحدة أو حتى بكتلة سياسية متماسكة(175) ويقول برنارد لويس، الخبير الأميركي في شؤون الشرق الأوسط إن العالم العربي يسير بحالة تشبه أميركا اللاتينية. ويرسم شرق أوسط جديداً تصل حدوده الجغرافية إلى الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً، ويقول باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها إسرائيل وتركيا. 

وتشجع الولايات المتحدة إقامة سوق شرق أوسطية للمحافظة على استقرار مصالحها. وتعتبر الشرق الأوسط شريكاً تجارياً هاماً لها حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول العربية عام 1992 حوالي 32 مليار دولار. 

ووضعت جامعة هارفارد تقريراً حول “اقتصاد السلام في نهاية الثمانينات” وتقريراً آخر في حزيران 1993 حول العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية- الفلسطينية- الأردنية وتتطابق المقترحات الموجودة فيه مع المخططات التي وضعتها إسرائيل لمستقبل علاقاتها مع الدول العربية. وتلتزم واشنطن بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري والدفاع عن ممارساتها الإرهابية، ومن الواضح أن المشروع انتقل، عبر المؤسسات الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، إلىالمؤسسات الأميركية المماثلة، ومنها أعيد تصديره إلى المنطقة باعتباره مشروعاً أكاديمياً أميركياً. 

وتشدد الولايات المتحدة على أن التسوية السياسية وتوسيع العلاقات الاقتصادية في المنطقة يخدمان الاقتصاد الأميركي. 

وطرحت الولايات المتحدة الأميركية في المباحثات متعددة الأطراف في نيسان 1994 مشروعاً أميركياً دعا الدول العربية وإسرائيل إلى السعي من أجل تحقيق علاقات كاملة ودائمة من السلام والمصالحة والصراحة والثقة المتبادلة والأمن والاستقرار والتعاون والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في كل أنحاء المنطقة(176). 

واعتبر المشروع الأميركي أن هدف المباحثات المتعددة الأطراف هو تعزيز التعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية بمشاركة إسرائيل والعرب من خلال مشاريع ملموسة تشارك فيها الأطراف في المنطقة. 

إن الموجه الأساسي للسياسة الأميركية هو ضمان استقرار مصالحها وتشمل تدفق النفط بالأسعار والكميات التي تريدها الولايات المتحدة. وتشمل مصالح سياسية وأمنية واستراتيجية تدور حول الحفاظ على الأنظمة الموالية لها والحريصة على مصالحها وإضعاف وتغيير الأنظمة المعادية لها. ودعم أميركي مطلق لإسرائيل والمحافظة على تفوقها العسكري وتأييد ممارساتها الإرهابية والعنصرية. 

وتعمل الولايات المتحدة على إقامة أمن إقليمي تقوده إسرائيل وتركيا لتقوية مكانتها الاقتصادية في المنطقة والمحافظة عليها أمام العملاقين الاقتصاديين أوروبا واليابان وتحسين أوضاع إسرائيل المالية والاقتصادية للتوقف عن تحمل أعباء إسرائيل المالية بسبب أوضاع الاقتصاد الأميركي المتردية. 

إن الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تتماشى جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تعتبران المنطقة مجالاً حيوياً للمصالح الأميركية والإسرائيلية، وتعملان على تصفية قضية فلسطين والحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين فيها وإخضاع المنطقة للهيمنتين الأميركية والإسرائيلية. 

وقاد اعتماد الاستراتيجيتين على القوة العسكرية الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق التحالف الاستراتيجي بينهما، وإلى حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية واستغلال نتائجها ونتائج حرب الخليج الثانية للتحرك نحو التسوية بالشروط الإسرائيلية. وتبنت الولايات المتحدة المخططات والمشاريع الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية، ودمجها في استراتيجيتها لخدمة مصالحها في المنطقة وتأمين السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وأسعاره وأمواله وأسواقه. 

مصر والتطبيع 

وقعت مصر في 26 آذار 1979 في واشنطن المعاهدة المصرية- الإسرائيلية وملحقاتها وترتب عليها العديد من الآثار بعيدة المدى حول التطبيع والصراع العربي – الإسرائيلي واستقلال مصر وسيادتها والتزاماتها العربية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. 

أكدت المعاهدة أنه في حالة تعارض الالتزامات الواردة فيها لأي طرف مع الالتزامات الناشئة عن المعاهدة فإن الالتزامات المترتبة على المعاهدة تكون ملزمة ونافذة، وبالتالي فإن المعاهدة تلزم مصر بنقض التزاماتها العربية السابقة مع الدول العربية وتجاه قضية فلسطين. 

ويتضمن الملحق الثالث للمعاهدة بروتوكولاً لتطبيع العلاقات بين البلدين في المجالات الدبلوماسية والقنصلية والاقتصادية والتجارية والثقافية والنقل والمواصلات وحرية التنقل. 

واتفق البلدان على إنشاء لجنة عليا للتطبيع انبثقت عنها عدة لجان فرعية وقعت عدة اتفاقات بشأن تطبيع العلاقات بين البلدين. 

وكان السادات قد وقع على إنشاء الغرفة المصرية الأميركية للتجارة، ولكنها تأسست في تشرين الأول 1981، بعد مقتله بأقل من أسبوع، وبدأت نشاطاتها في أوائل التسعينات بالرغم من أن تسجيلها قد تم في 1982. 

وأخذت تلعب دوراً في التطبيع أبعد بكثير من الهدف الذي أُنشئت من أجله وهو تشجيع حركة التجارة بين البلدين. ويعتبرها بعض المراقبين “غرفة ضغط ورعاية مصالح خاصة ووكر للأعمال الغامضة والمريبة”.

ويقول تعريف الغرفة المدون في وثائقها: “إنها صوت هام لنمو القطاع الخاص، وإنها تستقطب معظم الشركات عابرة الجنسية التي تعمل في مصر، وإنها واحدة من أنشط التكوينات عابرة المحيطات لغرف التجارة الأميركية”.(177). 

وتضم الغرفة 14 لجنة منها: لجنة الزراعة، المقاولات والهندسة، البيئة، التسويق، التنمية البشرية، الصناعة والاستثمار، النفط، السياحة، التجارة والتصدير، ولجنة شؤون العضوية والبرامج. ويتولى رجل السياحة المصري رمزي رشدي شؤون العضوية والبرامج وأعلن أن كتلة الأعضاء الثابتة بالغرفة حوالي (350) عضواً، هم ممثلو ووكلاء الشركات الأميركية الكبرى. وافتتحت الغرفة فرعاً لها في الاسكندرية، ومكتب تمثيل في واشنطن. 

وأكد روبرت بيللترو، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط “إن الغرفة الأميركية للتجارة في مصر” تجمع قوي لجهودنا المشتركة من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد وتعبيد الطريق إلى سوق مفتوحة أكثر. 

“وتضم الغرفة خليطاً متجانساً من الأعضاء، منهم من له ارتباطات قوية بالسوق الوطنية أو بالسوق العربية، ومنهم من قطع هذه النوعية من الارتباطات القومية ومال إلى الخارج، ومنهم من يعمل وفق رؤية اقتصادية أو اقتصادية سياسية، ومنهم من لا يشغله سوى زيادة الكسب”.(178).

ولعبت الغرفة دوراً في التمهيد للتحولات الاقتصادية باتجاه حرية السوق، وفي إصدار معاهدة ضمان الاستثمارات الأميركية وتأييد قوانين السوق المالية والاقتصادية والقضائية. 

وتعمل الغرفة لدفع أعضائها إلى تأييد مخططات الشرق أوسطية وزيادة النفوذ التجاري للشركات الأميركية في مصر والسير وفق تعليمات المصرف الدولي والصندوق الدولي. 

وأعلن محمد شفيق جبر، رئيس الغرفة “إن التطلعات الاقتصادية الأميركية تؤكد أن هناك أهمية كبرى للتعاون الاقتصادي مع مصر والشرق الأوسط، وأن هذه الأهمية ستزداد في الفترة المقبلة، فالتقارير الأميركية تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكبر الأسواق الواعدة في تطوير وزيادة التجارة الدولية”(179). 

ولكن الدكتور محمود عثمان، الأستاذ بكلية التجارة في جامعة القاهرة يقول إن “الغرفة الأميركية فشلت حتى الآن في تحقيق أية نتائج لصالح تنمية التجارة المصرية مع أميركا، وتحوّل الوضع في بعض الحالات إلى خدمة المصالح الاقتصادية والتجارية الأميركية في مصر”. 

ويؤكد محمد فريد خميس، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أن الجانب الأميركي يصرُّ على فرض قيود عديدة وتحت مسميات وأشكال متعددة، فيرفض نقل التكنولوجيا الصناعية إلى مصر، بويضع شروطاً مجحفة لتقليل حجم تواجد السلع والمنتجات المصرية في الأسواق الأميركية، الأمر الذي سبب أضراراً ببعض الصناعات مثل صناعة الملابس القطنية”. 

وتخفي جمعية رجال الأعمال المصريين-الأميركيين مواقفها وآرائها بدواعي “البزنس” وتتناول فقط الأوضاع الاقتصادية وفرص الاستثمار، وتركز على الشرق أوسطية، إلاّ أنه برزت رغبة ملحّة وسط دوائر رجال الأعمال ترى في البعد العربي أولوية ملحة لمصر، بهدف بلورة سند يوازنون به ثقل الاتجاه الشرق أوسطي. 

وفي منتصف عام 1995 تم إنشاء المجلس الرئاسي المصري-الأميركي. وأعطى تأسيسه دفعة لجمعية رجال الأعمال المصريين التي يرأسها سعيد الطويل، المؤيد بشدة للشرق أوسطية وقام الطويل بعدة زيارات لإسرائيل وأعلن: “أنه لا أمل في النمو السريع  من دون فتح الباب للشركات عابرة الجنسية، والإسراع أكثر في الخصخصة من دون خوف من بعبع العمال”(180). 

وتدعم الغرفة التجارية المصرية- الأميركية، والغرفة التجارية العربية- الألمانية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمجلس الرئاسي المصري بشدة الشرق أوسطية. 

 ويسود في مصر اتجاهان: الأول: العروبي، والثاني: الشرق أوسطي، ويقود رجل الأعمال أشرف مروان الاتجاه العروبي والذي يضم رئيس اتحاد الصناعات، ورئيس المصرف الأهلي ورئيس اتحاد مصارف مصر وبعض رجال الأعمال المصريين في الدول العربية والذين برز منهم محمد مختار، الذي شن هجوماً كاسحاً على أعداء القطاع العام وقال: “إن القطاع العام هو الفعال الشريف الذي لولاه لانهزمت مصر في الحرب والسلام، داعياً المسؤولين إلى الوقوف ضد محاولات تصفية القطاع العام وإهانته”(181).

كانت الحكومة تدعم رجال الأعمال الشرق أوسطيين، لكن الوضع بدأ يختلف بعد تبني الحكومة إقامة السوق العربية المشتركة وأصبح الاتجاه العروبي لا يستهان به، لأن رموزه هم أصحاب أهم وأكبر المشروعات الاستثمارية في مصر ويتمتعون بتأييد عربي كبير. 

 وتلتزم الصحف الرسمية المصرية بموقف السلطة السياسية في تناول مواضيع التطبيع وتتأثر معالجتها بموقف السلطة.

فعندما تتحمس السلطة للتطبيع ينعكس ذلك في الصحف الرسمية التي كانت تبالغ بإيجابيات التطبيع وسلام الشجعان. وعندما ضربت إسرائيل المفاعل الذري في بغداد كانت ردود الفعل الرسمية في مصر هزيلة ولا تتناسب إطلاقاً مع الجريمة النكراء التي اقترفتها إسرائيل، وعكست الصحافة الرسمية الموقف المصري. 

وعندما أعلنت إسرائيل ضم الجولان ووقعت معها الولايات المتحدة اتفاق التحالف الاستراتيجي لم تتخذ الصحف الرسمية موقفاً يتناسب مع خطورة هذين الموضوعين بل التزمت السطحية في معالجتها تجسيداً لموقف الحكومة المصرية. 

وتناولت الصحف التطبيع في مرحلة السادات من 1979-1981 بكثير من التفاؤل والإيجابية، وركزّت على: 

* كيل المديح لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام. 

* انتقاد ومهاجمة الموقف العربي الرافض للمعاهدة. 

* الدعوة إلى التعايش بين الشعبين المصري والإسرائيلي. 

وأكدت على أن التطبيع قرار صائب.

ولكن عندما جاء الرئيس مبارك وتصاعدت ممارسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية وبلغت ذروتها بغزو لبنان عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا والتمسك بطابا ورفض المؤتمر الدولي بدأت هذه الصحافة تغيّر لهجتها إلى حد نعتت إسرائيل بالعنصرية والنازية. 

 ويمكن القول إن ضرب المفاعل الذري في بغداد وأزمة طابا وغزو لبنان والاستمرار في بناء المستوطنات قد أثرت على عملية التطبيع مع مصر. 

 ومن الجدير بالذكر أن الصحف الرسمية لم تتح المجال لوجهة النظر المصرية التي ترفض التطبيع بالظهور على صفحاتها بل أيدت التطبيع وروجت له. وكانت بعض المقالات تؤكد أن الهدف من التطبيع ترويض الأمة العربية وتطويعها والقضاء على الهوية الفكرية والثقافية للشعب العربي من خلال مخطط وعملية غزو ثقافي مدروسة. وأكدت أن نجاح عملية التطبيع يتطلب: سلوك إسرائيلي مؤيد للسلام، ودور أميركي فعال للضغط على إسرائيل، وتضامن عربي، وموقف عربي موحد. 

وتناولت الصحف الحزبية عمليات التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي. وتجلت معالجتها لهذه القضايا بالرفض المبدئي للتعامل مع العدو الإسرائيلي. وأكدت بعضها كصحيفة الأهالي على وجوب حصر التطبيع في المجال الحكومي وأكدت بعضها كصحيفة العمل رفضها التام لمعاهدة السلام والتطبيع. 

وتناولت صحيفة الشعب رفضها لجميع أشكال التعاون الثقافي والتطبيع التجاري والزراعي والسياحي واتسم موقفها بالرفض الكامل للتطبيع الاقتصادي وطالبت بمقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية. 

وجاء في تقرير وفد غرفة الصناعة المصرية عن دور مصر وإسرائيل في السوق الشرق أوسطية: “إن استخدام مصر كمعبر إلى البلاد العربية وخاصة دول الخليج وهو مايلزم إسرائيل في المدى القصير ثم تنطلق العلاقات مباشرة مع دول الخليج دون وسيط… وإنه من المفترض أن يبدأ التعاون الاقتصادي مع مصر بالتكامل وعدم خلق كيانات أو مشروعات اقتصادية كبرى تتعارض مع المشروعات القائمة حالياً بين البلدين”.

إن رجال الأعمال المصريين على استعداد لأن يكونوا بمثابة جسر لعبور المنتجات الإسرائيلية إلى بلدان الخليج بغض النظر عن إمكانية غلق أسواق هذه البلدان أمام منتجاتهم. “وإذا كان بمقدور رجال ومؤسسات الأعمال المصريين أن يفتحوا أو يشاركوا في فتح أسواق الأقطار العربية الأخرى أمام إسرائيل فلماذا لا يفتحونها أو يوسعونها لأنفسهم… 

وإذا كان في مقدور هؤلاء أن يحققوا تكامل الاقتصاد المصري مع الاقتصاد الإسرائيلي فلماذا لا يسعون إلى تحقيق مثل هذا التكامل مع الاقتصادات العربية؟!(182). 

ويقترح التقرير إقامة سوق شرق أوسطية تقودها مصر حيث جاء في التقرير: 

 “إن تقرير التنمية لصالح شعوب المنطقة يتطلب قيام قوة اقتصادية تقودها مصر (سوق اقتصادية شرق أوسطية) لتبادل المنافع بين جميع دول المنطقة وترسيخ السلام”. 

ونجحت إسرائيل في حمل بعض الاقتصاديين العرب على الهرولة إليها عن طريق إذكاء نار التنافس بين المصريين والأردنيين تماماً كما فعلت إسرائيل مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن بخصوص القدس لكي تصبح تل أبيب مكة العرب السياسية والاقتصادية. 

وتجلى ذلك بجلاء في التوصية الأولى التي تضمنها تقرير وفد رجال الأعمال المصريين وهي: 

“التوصية بإقامة منطقة صناعية حرة في الأراضي المصرية على الحدود المشتركة لإقامة مشروعات صناعية وتوصي أن يعلن عن ذلك فوراً والبدء في التنفيذ.وذلك لإجهاض مشروعات أخرى تتبلور حالياً منها منطقة حرة للصناعة والسياحة والتجارة الدولية مشتركة بين الأردن وإسرائيل على الحدود في أراضي مشتركة فيهما، وفي قناعتنا فإن سرعة البدء لدينا ستحدد الخريطة الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وستقلّل من احتمالات المخاطرة بإنشاء منافس له”.(183). 

وأوصى التقرير بـ  “تسهيل انتقال كثيرٍ من الصناعات التصديرية من إسرائيل إلى  مصر من خلال مشروعات استثمار مشتركة. “

فماذا تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟! حيث تبنى بعض رجال الأعمال المصريين مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية وطرحوها وكأنها من مخططاتهم وتوجهاتهم. 

وورد في تقرير اتحاد الصناعات المصرية بشأن المباحثات المصرية الإسرائيلية التي انعقدت في طابا بتاريخ 23-25 / 11/ 1995، إن رئيس الجانب المصري، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أعلن “إن الموقف الرسمي في مصر وعلى جميع المستويات يشجع ويدعم التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل”. 

ويشير التقرير إلى أن رغبات واهتمام الأطراف في مجال التعاون المشترك تركزت على: 

* المشاركة في التصنيع القائم. 

* المشاركة في التسويق الدولي للمنتجات. 

* المشاركة في مشروعات جديدة على أساس الاستغلال الأمثل لكل المميزات التي يتمتع بها كل طرف في عناصر وعوامل الإنتاج. 

ووافق الطرفان في طابا على تنمية زراعة وتسويق الزهور إلى الأسواق الأوروبية وأن تعمل الجهات المصرية مع الاتحاد الأوروبي على إعفاء الزهور المصرية من الرسوم الجمركية. 

وهنا تتجلى حنكة اليهود في الحصول على الأرباح الكبيرة على حساب مصر، حيث تتولى إسرائيل تصديرالزهور المصرية وتستفيد من الامتيازات أو المزايا التي قد تمنح لمصر جراء مساعيها، لو قامت هي بتصدير السلع التي تنتجها. 

واقترح التقرير “تكوين لجنة للتأثير على حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل الموافقة على قضية الامتيازات التراكمية للسلع التي تنتج بالاشتراك بين مصر وإسرائيل”. 

وأبدى التقرير اهتماماً خاصاً بعمليات التسويق الإسرائيلية وأكد على أنه “يوجد اثنا عشر شركة مصرية تقوم بعمليات تصنيع للشركات الإسرائيلية ليتم بيع المنتجات لأطراف ثالثة.(184). 

وتعمل جمعية رجال الأعمال المصريين على الإسراع في تطبيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل حيث أعلن رئيس الجمعية سعيد الطويل عن اتفاق مع إسرائيل لتقوم بتسويق المنتجات المصرية من الخضار والفواكه في أسواق أوروبا وأميركا، “وأنه تم الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على التعاون في مجال المشروعات النسيجية والصناعات الغذائية، والمشروعات المعدنية ومشروعات أخرى تسويقية”(185). 

إن الأمانة العلمية تتطلب أن يذكر المرء أنه يسود بين قطاع رجال الأعمال في مصر اتجاهان: الأول ويمثله سعيد الطويل رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ويعمل على الهرولة باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل واتجاه آخر يمثله الاتجاه العام للغرف التجارية  المصرية ويتلخص “في رفض الدخول في كيانات ثنائية أو متعددة تكون إسرائيل طرفاً فيها وفي الإحجام عن إقامة أي علاقات اقتصادية معها”. 

وبلور اتحاد غرف التجارة المصرية موقفه من مؤتمرات القمم الاقتصادية والشرق أوسطية حيث يرى الاتحاد أن الهدف غير المعلن للتوجه الشرق أوسطي هو: 

“أولاً: دمج دولة بعينها في المنطقة (إسرائيل) في الوقت الذي تمارس فيه هذه الدولة العنف والاخلال بتعهداتها هذا عدا الممارسات العدوانية والتوسعية في جنوب لبنان ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس بصفة خاصة… 

 ثانياً: اذابة الهوية العربية وفكرة السوق العربية المشتركة في الشرق أوسطية…  ومن هنا فإن الاتحاد يرفض من حيث المبدأ إنشاء أو الدخول في مجلس الأعمال المقترح ويفضل العمل على المستوى العربي ويسعى جاهداً لإحياء فكرة السوق العربية المشتركة وإنقاذها من دعاوى الشرق أوسطية. 

 والاتحاد العام للغرف التجارية المصرية الذي يمثل جميع رجال الأعمال والمال والتجارة والصناعة في مصر يهيب بكم أن نتكاتف معاً لصد الهجمة الشرسة ضد الهوية الاقتصادية العربية والعمل على دعم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وانضمام باقي الدول العربية غير الأعضاء إليه ليقوم بدوره لتحقيق فكرة الوحدة الاقتصادية العربية تدريجياً وعلى مراحل”186. 

إن رفض الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو إقامة أي شكل من أشكال التعاون التجاري معها يعبر عن ضمير الشعب المصري الشقيق. لقد شهدت فترة مابعد توقيع اتفاق أوسلو توجه أوساط عديدة من رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات العربية نحو إسرائيل والتسابق للارتباط معها من موقع التبعية بغية الحصول على بعض الأرباح لأسباب سياسية. 

وانخرطت في هذه الهرولة سلطة الحكم الذاتي والأردن وبعض دول الخليج والمغرب العربي.

وقاد بعض رجال الأعمال المصريين هذا التوجه في بادئ الأمر وخاصة اتحاد الصناعات المصرية بعد زيارته لإسرائيل في 28/8/1994. وجاء في التقرير الذي وضعه عن الزيارة مايلي: 

 “إن هناك تطوراً اقتصادياً سيحدث في المنطقة لايمكن تجاهله وستلعب فيه كل من إسرائيل، الأردن، لبنان، سورية دوراً هاماً.. وأين مصر؟! 

هناك مؤشرات تنبئ بأنه خلال فترة من سنة إلى ثلاث سنوات ستكون هناك منطقة حرة بين إسرائيل وفلسطين والأردن، وأين مصر؟!

ماهي إسرائيل اقتصادياً؟! هي ليست إسرائيل التي بجوارنا، ولكن هي المنظم للأموال والبنوك في كافة أنحاء العالم، وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية العالمية وشركات الاعلام العالمية.. الخ..”

يورد تقرير غرفة الصناعة المصرية رغبة إسرائيل في استخدام مصر لخدمة التغلغل الإسرائيلي في البلدان العربية والإفريقية ويرى “أن يتعدى الوضع الثنائي إلى الانطلاق دولياً ومشتركاً، وإسرائيل على استعداد لتنمية هذا الأمر في كل من أميركا والاتحاد الأوروبي، وتطلب من مصر تنمية هذا الأمر في العالم العربي والإفريقي”. 

وجاء في تقرير غرفة الصناعة أن الجانب الإسرائيلي يرغب في إيجاد مشروعات مشتركة في صناعة الملابس الجاهزة والصناعات الغذائية وتحدث عن دور إسرائيل في تسويق المنتجات المصرية مايلي: “إن إسرائيل لديها مؤسسات يهودية- إسرائيلية كشبكات توزيع على مستوى العالم ستساعد على تسويق منتجات هذه المشروعات تصديرياً”. 

تصوّر الحكومة المصرية للتعاون الإقليمي

تحمل الورقة المصرية إلى قمتي الدار البيضاء وعمان عنوان: “وجهة نظر مصر: التعاون والتنمية الاقتصادية الإقليمية”، وتحتوي على مقدمة وأربعة فصول

ويحمل الفصل الأول عنوان: “المنظور السياسي-السلام والتنمية في الشرق الأوسط”.

ويحمل الفصل الثاني عنوان: “التنمية الاجتماعية الاقتصادية واستراتيجية النمو.”

ويحمل الفصل الثالث عنوان: “مشروعات التنمية الاقليمية.”

ويحمل الفصل الرابع عنوان: “تمويل التعاون الإقليمي.”

وتتناول الورقة رؤية مصر السياسية الشاملة للمشكلة وتربط التسوية السياسية بالسلام الشامل والعادل، وحل قضية القدس وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وترتيبات أمنية لتأمين المخاوف المشروعة لكل الأطراف على ألاّ تكون على حساب مبادئ لها حرمتها وقدسيتها. وتؤكد على نزع أسلحة التدمير الشامل، ولكنها للأسف لم تتعرّض إلى الماضي، أي إلى تاريخ الصراع العربي الصهيوني وانتزاع اليهود أجزاء كبيرة من فلسطين العربية وتهويدها، ولم تتحدث عن الماضي لا من قريب أو بعيد، وبالتالي يقوّي هذا الإغفال المتعمد دور الطرف الإسرائيلي.

وتربط الورقة المصرية” بين السلام والتنمية، بعدها بين التنمية والمشروعات، ثم بين المشروعات والأعمال، ثم أخيراً بين الأعمال والآليات التمويلية” (المصدر: مصباح قطب، مشروع الانتحار القومي، ص 17).

وخلت الورقة من الحديث عن التعاون الاقتصادي العربي. وأكدت على تقوية مكان القطاع الخاص ودعمه، بالرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي اقتصاد دولة، إذ ينتج القطاع العام والقطاع التعاوني أكثر من 80% من مجموع الإنتاج الإسرائيلي.

ويؤخذ على الورقة المصرية أنها لم تنص على أن مصر لن تكون معبراً للمنتجات الإسرائيلية إلى بلدان أسيا وإفريقيا، مما يخشى أن تستخدم مكانة مصر وعلاقاتها مع أطراف ثالثة، تعجز إسرائيل عن الدخول إلى أسواقها.

قام التصوُّر المصري للتعاون الإقليمي في قمتي الدار البيضاء وعمان انطلاقاً من التحولات السياسية التي حدثت في المنطقة العربية منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة، حيث يجسد هذا المنطلق بداية تحقيق المشروع الصهيوني على مستوى الوطن العربي وتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لحرب حزيران العدوانية عام 1967.

وتعتقد الحكومة المصرية في الورقتين المقدمتين إلى القمتين أنها كانت أول من يبذر بذور السلام في المنطقة، وأن عملية الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي بدأت في مؤتمر مدريد في تشرين أول 1991 والقائمة على تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام.

“وأول التحديات(برأي الحكومة المصرية) يتمثل في أنه يتعين قبل كل شيء آخر إنهاء الفصل المأساوي للصراع العربي الإسرائيلي، على أساس الأرض مقابل السلام، وبما يؤدي إلى سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، بمنح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة في 1967، وتوفير السلام الكامل والحقيقي للجميع، وهنا يتعين علينا مباشرة بحث وتنقيب جديد عن السلام والأمن والتنمية”.(187)

وتؤكد الورقة المصرية وجوب إقامة علاقات جديدة بين دول المنطقة ترتكز علىأربع دعامات تشكل فيما بينها نهجاً اندماجياً ومتداخلاً وهي:

1)التسوية السياسية. 2)الأمن الإقليمي وضبط التسلح. 3)التنمية الإقليمية. 4)متطلبات التعاون الإقليمي.

وتضمنت الورقة الرؤية المصرية للشرق الأوسط الجديد حيث جاء فيها:

“إن تحقيق سلام قابل للبقاء وتعاون اقتصادي على المستوى الإقليمي يقتضي الالتزام بمجموعة من القواعد والأسس المحددة، ذلك أنه:

1- يجب أن تحتكم الأطراف الإقليمية في علاقاتها بالقانون الدولي وجوهره متمثلاً في أغراض ومبادئ الأمم المتحدة.

2- يجب أن يكون التعاون الإقليمي في سياق السلام والأمن الشاملين لكافة الأطراف المعنية.

3- يتعين أن يقلل التعاون الإقليمي من التباينات والتناقضات الاقتصادية قدر الإمكان.

4- لابد من توازن المكاسب التي تحرزها كافة الأطراف المشتركة في العملية وأن تحرز منافع متبادلة على نحو متساوٍ متكافئ.

5- لابد من أن يرفع ذلك التعاون من درجة اندماج المنطقة في الأسواق العالمية.

6- لابد من أن يؤدي التعاون الإقليمي إلى ترقيه ورفع مكانة القطاع الخاص وأن يشمله بصورة فعالة.

7- إنه من المحتم تأسيس إطار عمل مؤسسي اقليمي لمواجهة القضايا والأمور المختلفة ذات الأهمية الحيوية لإحداث تنمية قابلة للبقاء في المنطقة، وذلك بإقامة عدد وافر من المؤسسات التي تدعو الحاجة إليها لمواجهة كافة القضايا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية”(188).

وتمضي الورقة المصرية وتقول: “وتعتمد استراتيجية مصر للتنمية في المستقبل على خمسة عناصر رئيسية كل منها سوف يخدم الغايات والأهداف الإقليمية الخاصة بالنمو السريع والسلام والمساواة.

ويتمثل أول هذه العناصر: في دعم تنمية القطاع الخاص بالإسراع في تخفيض وتقليص دور الدولة وتحويلها إلى حكم ومنظم للنشاط الاقتصادي فقط.

العنصر الثاني: يكمن في تحويل الاقتصاد وتوجيهه نحو الإنتاج بغرض التصدير للخارج للسلع المصنعة عن طريق اتباع إجراء المزيد من تخفيف القيود الجمركية والتعريفية…..

المقوم الثالث: في استراتيجية مصر هو التركيز على التنمية البشرية باعتبارها مجالاً يمثل الأولوية في الاستثمار العام(الإنفاق العام) خلال العقدين القادمين. فقد حدث تحسن ملحوظ في مجالات الصحة والتعليم وتنظيم النسل خلال العقود الماضية.

ومن المتوقع حدوث المزيد من التحسن نتيجة تنفيذ برامج كبيرة لمحو الأمية والتوسع في الرعاية الصحية ومقاومة الأمراض ومد شبكات المياه والصرف الصحي وتأمين الفقراء بمظلة جيدة للضمان الإجتماعي.

العنصر الخامس والأخير: من استراتيجية مصر للمستقبل يتمثل في التحول من اقتصاد قائم على الصناعة إلى اقتصاد مرتكز على المعرفة.

إن القوة الرئيسية لمصر خاصة، وللمنطقة عامة تكمن في”رأسمالها الفكري” والذي إذا ما أُحسن استخدامه بالأسلوب المناسب، فإنه يتيح إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة فائقة في مجالات مثل إنتاج برامج الكومبيوتر والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الصناعي وخدمات المعلومات والاتصال. وستكون بمثابة المحرك الذي يدفع عجلة التسريع بالتنمية في المنطقة إلى الأمام من خلال تأثيرها على الإنتاجية الفردية والمؤسسية والإدارية.”(189)

جمعية رجال الأعمال المصريين والتطبيع

زار وفد من جمعية رجال الأعمال المصريين إسرائيل في الفترة الواقعة من 4-11 تشرين الثاني عام 1994. وضم الوفد(35) من أعضاء الجمعية وبعض رجال الصحافة من جريدتي الأخبار والأهرام.

وقابل الوفد عزرا فايتسمان، رئيس دولة الكيان الصهيوني، وشمعون بيرس، وزير الخارجية وشمعون شتريت، وزير الاقتصاد والتخطيط.

شارك الوفد في مؤتمر القدس الثالث حول السوق الشرق أوسطية الذي حضره حوالي ألفين من رجال الأعمال من مختلف دول العالم. وأكد المؤتمر على إنهاء المقاطعة العربية بكافة أشكالها مع إسرائيل. وحضر حفل الافتتاح الجنرال رابين وتانسو تشيلر، رئيسة وزراء تركيا. وطالبا برفع الحواجز النفسية بين شعوب المنطقة، وتنمية منطقة الشرق الأوسط وترسيخ السلام.

وأكد المؤتمر بما فيه وفد الجمعية المصرية أن ليس هناك بديل عن قيام السوق الشرق أوسطية حتى يمكن لشعوب المنطقة مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية.

وأعلم بيرس وفد الجمعية الذي زاره في مكتبه بمقر وزارة الخارجية أنه لا يمكن نجاح الجهود السياسية دون نجاح الجهود الاقتصادية. وأشار إلى أهمية التنمية الاقتصادية لترسيخ عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط ودور مصرف التنمية في تمويل مشاريع حيوية في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة. واخبر الوفد عن مشروع سياحي هام يربط منطقة طابا وإيلات والعقبة،  ثم يمكن ضم مناطق سعودية للمشروع بعد استقرار عملية السلام. وطالب أعضاء وفد الجمعية نسيان الماضي والعمل للمستقبل.

وجاء في خلاصة تقرير وفد الجمعية الذي وضعه بعد عودته إلى القاهرة مايلي:

* يوجد لدى مجتمع الأعمال الدولي إقبال على التعاون مع إسرائيل في كافة المجالات الإقتصادية والتجارية.

* إن هناك في إسرائيل تطورات اقتصادية وتنموية غير محدودة تتزايد بزيادة فرص السلام في المنطقة.

* إن هناك رغبة من مجتمع الأعمال الإسرائيلي والقيادات الإسرائيلية في التعاون مع مجتمع الأعمال المصري.

* من المتوقع أن تتضاعف حركة النمو الاقتصادي وضخ الاستثمارات داخل إسرائيل مما سيضاعف أهميتها الاقتصادية في المنطقة أمام التكتلات الاقتصادية العالمية ومؤسسات التمويل الدولية.

* تتخوف الشركات الإسرائيلية المنتجة لكثير من السلع والخدمات التي يحتاجها السوق الإسرائيلي والأسواق المحيطة به من إقبال الشركات المتعددة الجنسية إلى إسرائيل ودول المنطقة، مما سيؤثر على القدرة التنافسية للسلع والخدمات الإسرائيلية.

وأوصى تقرير الجمعية بمايلي: 1)الاتفاق بين الحكومتين لإلغاء تراخيص الاستيراد للسلع المصرية إلى الأسواق الإسرائيلية والفلسطينية أسوة بما قامت به الحكومة المصرية. 2)إعادة النظر في التعرفة الجمركية لتكون متساوية على مستوى السلع بين البلدين، وإلغاء الرسوم الإضافية على الواردات المصرية إلى إسرائيل.

3)السماح بشحن البضائع المصرية والإسرائيلية براً إلى أسواق البلدين مباشرة دون تفريغ البضائع على الحدود. 4)توقيع اتفاقيتي ضمان وحماية الاستثمار، وعدم الإزدواج الضريبي بين البلدين. 5)التعاون في مجال إقامة المناطق الحرة على الحدود المشتركة بين مصر وفلسطين وإسرائيل لخدمة أغراض استراتيجية في تلك الدول. 6)الاهتمام بالتنمية السياحية على المستوى الاستراتيجي لدول مصر وإسرائيل والأردن وتنفيذ مشروع …..البحر الأحمر. 7)فتح قنوات اتصال سريعة مباشرة مع الشركات الكبرى الإسرائيلية للتعاون في مجالات إقامة مشروعات البنية الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية والاتصالات ومشروعات الزراعة والمياه والتعاون في مجالات- أسواق ثالثة- وأوصى  التقرير بإعادة النظر في السياسة الإعلامية والثقافية للبلدين لكسر الحواجز النفسية المتواجدة حالياً.

التطبيع في مجال الزراعة

تشكل الزراعة أهم النشاطات الاقتصادية في معظم البلدان العربية، ولا تزال غير متطورة وتعتمد على أساليب متخلفة في الري واستغلال الأراضي، وتوفر فرص العمل والغذاء للأغلبية العظمى من المواطنين. وتخطط إسرائيل زيادة أرباحها عن طريق ربط الأقطار العربية بمشاريع زراعية مشتركة معها لكي تتسلل إلى عصب الحياة فيها لاختراقها، لأن نشاطها في مجال التعاون الزراعي مع البلدان العربية سيبرمج ويخطط بحيث يخدم بصورة مباشرة الأهداف الإسرائيلية.

ذكر سيمحا إيرليخ، وزير الزراعة الإسرائيلي السابق بعض الأهداف الإسرائيلية في مجال التعاون الزراعي مع العرب وقال: “إن المشاريع والنشاطات الزراعية العربية ستعتمد على الخبرة والتجربة والتكنولوجيا الإسرائيلية. وإن أية محاولة لإنهاء دور إسرائيل في هذا المجال مستقبلاً ستكون متعذرة، لأن معنى ذلك التسبب في خسائر اقتصادية كبيرة قد تنجم عن توقف هذه المشاريع”.(190)

وترمي إسرائيل من نشاطها في مجال الزراعة إلى  التغلغل في هذا القطاع الاقتصادي الهام وتوجهه لخدمة الأهداف الإسرائيلية وذلك عن طريق التحكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالسياسات الزراعية العربية لتأمين حاجة إسرائيل من المواد الأولية اللازمة للصناعة فيها.

وتخطط إسرائيل على أساس المقايضة بتنفيذ مشاريع زراعية ضخمة في سيناء تعتمد على وسائل الري الحديثة مقابل جر مياه النيل إلى النقب، ومشاريع زراعية أخرى في الأردن وسورية ولبنان مقابل الانتفاع بحصة كبيرة من منابع الأردن واليرموك وبانياس والحاصباني والليطاني.

وتعتقد إسرائيل أن التعاون في مجال الزراعة سيقود إلى خلق علاقات بين المزارعين العرب وبينها من خلال الاستعانة بالخبرة الإسرائيلية والخبراء الإسرائيلين والمعدات الإسرائيلية مما يؤدي حتماً إلى خلق رابطة مصلحية، حيث “أن هذه الرابطة قد تؤدي إلى انبهار المزارعين المحليين بما حققته إسرائيل في مجال الزراعة وإعجابهم بمنجزاتها ويجعلهم يشعرون أنهم لا يستطيعون أن يستغنوا عن هذه الخبرة والخبراء”.(191).

وحددت الدراسة التي وضعتها مؤسسة أرمند هامر نقل الخبرة الإسرائيلية في مجال استصلاح الأراضي ونظم الري الحديثة إلى مصر، وحددت التعاون المشترك في مجالات:

* التبادل التجاري في مجال المنتجات الزراعية.

* نقل المعرفة التكنولوجية الخاصة بالأبحاث وتصحيحات المشروعات المتطورة.

* المشاركة في الصناعات الغذائية التي تعتمد على القطاع الخاص.

* إمداد الحكومة بأنظمة التدريب الإسرائيلية وتوظيف نظام البحوث للتدريب والذي سيتم تطويره في إسرائيل.

وتخطط إسرائيل لبيع الأسمدة والمبيدات والهرمونات والاستفادة من منح مصر تسهيلات وامتيازات ومنح كثيرة.

وتتذرع إسرائيل بوقاحة منقطعة النظير بحاجتها إلى نقل مياه النيل إليها لحل المشاكل المائية في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي التي تسرق وتنهب المياه في هذه المناطق العربية وتمنع أصحابها العرب من استغلالها والاستفادة منها..” وترى إسرائيل أن مصر تتولى مشروع ايصال مياه النيل إلى سيناء، وأن المشروع لن يحتاج إلا توسيعه لينقل هذه المياه المطلوبة في إسرائيل…… 

والمعروف أيضاً أن إسرائيل تقوم بسحب(50) ألف م3 يومياً من مياه جوفية عميقة في سيناء لصالح مستعمراتها في النقب”(192).

وقعت مصر كأول دولة عربية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني اتفاقية للتعاون الزراعي في تل أبيب بتاريخ 24/3/1980 وشملت الاتفاقية أوجه التعاون الفني الزراعي التالية:

* تبادل البعثات الدراسية للخبراء الزراعيين وإعداد دورات تعليمية مشتركة.

* التعاون في مجال تطوير الزراعة للخضراوات والفواكه والتوابل والنباتات الطبيعية.

* التعاون في مجال البحث التطبيقي في جميع فروع الزراعة وتبادل الخبرات العلمية.

* التعاون في مجال الخدمات البيطرية ووقاية النباتات والإدارة المشتركة لمزارع تربية الدواجن وحظائر المواشي والتلقيح الصناعي.

* تنظيم تعاونيات زراعية لإنتاج وتسويق منتجات زراعية.

* التعاون المشترك في إقامة ثلاجات ومعامل تعبئة وتغليف. ومسالخ آلية.

وكان قد تأسس في عام 1977 الصندوق الأميركي الإسرائيلي المشترك للبحث والتطوير وأنفق خلال عشر سنوات أي حتى عام 1987 حوالي(63) مليون دولار على 374 مشروعاً لإدارة المياه ووسائل تحسين الإنتاج الزراعي وتطوير أنواع من النباتات ذات قدرة على مقاومة الجفاف.

وأقر الكونغرس الأميركي(وهو الكنيست الثاني) برنامجين للمساعدات لتمويل المشروعات العلمية في مجال استصلاح الأراضي الزراعية والنباتات والمحاصيل الزراعية بين إسرائيل والدول العربية.

وتضمن التقرير الذي وضعه وفد غرفة الصناعة المصرية بعد عودته من زيارة قام بها لإسرائيل موقف إسرائيل في مجال الزراعة مع مصر أنه”يمكن بناء تعاون زراعي بين البلدين مبني على الخبرة الإسرائيلية. ويرغب الإسرائيليون في التعاون مع مصر في توزيع منتجاتهم الزراعية إلى دول الخليج التي تستورد بمليارات الدولارات من هذه المنتجات وترغب إسرائيل في إقامة مشروعات زراعية مشتركة في مصر تقوم على أساس استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتمتع بها إسرائيل بدرجة عالية.”(193).

ووضعت إسرائيل إمكاناتها التكنولوجية في مجال الزراعة بصيغة فريدة من نوعها ولكنها غير حقيقية لأن التكنولوجيا الزراعية وأنظمة الري الحديثة موجودة في العديد من بلدان العالم.

“كما أن الخبرة الإسرائيلية التي كانت وراء مشروع الصالحية بمصر قد أدت به إلى خسائر فادحة سرعان ما أوصلته للإفلاس، وكذلك مشروع الألبان بنفس المشروع والذي اعتمد تقريباً على كل شيء من إسرائيل فإنه لقي نفس المصير”. (194).

“كما أن تجارب المصريين مع التطبيع الزراعي الرسمي وهو تسليم مزرعة مستوطنة ينعوت سيناي عند تسليم العريش. ورغم أن الاتفاق هو تسليمها تعمل إلاّ أن مصر قد تسلمتها خراباً ونقلوا كل ما يمكن نقله وقاموا بحرق مالم يمكن نقله ومن بينها المزروعات كما قاموا بنسف آبار الري وخزانات المياه في مستعمرة ياميت. وابقوا الأنفاق التي كانت تربط المستعمرة بإسرائيل لتسهيل هروبهم في تهريب المزروعات ومئات الأطنان من المبيدات المحظورة دولياً والتقاوي الفاسدة والتي بها إشعاع والأسمدة الورقية غير الصالحة والهرمونات المحظور استخدامها دولياً. وأكدت مصادر مؤتمر التنمية الزراعية الذي عقد في الإسكندرية في عام 1992 أن مصر شهدت تسرب 85 نوعاً من البذور والأسمدة والمبيدات والهرمونات الضارة من إسرائيل”.

كما قامت إسرائيل بإدخال العديد من الأمراض للإنسان والحيوان والنباتات والنحل وكان آخرها مرض صانعة الأنفاق في الموالح الذي دمر70% من إنتاج مصر من الموالح. كما قامت بسرقة العديد من الجينات الوراثية للنخيل وطماطم تتحمل الملوحة وشعير بري وخيار بري وأغنام من واحة الفرافرة وماعز الزرابي المشهور  ودواجن مصرية عارية الرقبة كل ذلك استعداداً لتنفيذ اتفاقية الجات.”(195).

التطبيع في مجال المياه

أصبحت قلة المياه عاملاً أساسياً يعرقل التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي في البلدان العربية، مما يعرقل تحقيق الأمن الغذائي العربي، لذلك تدرك الحكومات العربية مدى الحاجة الماسة لتطوير وتنمية الموارد المائية والاستخدام الرشيد لها.

وضعت مراكز البحث العلمي والجمعيات والوزارات الإسرائيلية مخططات لاستغلال المياه العربية. وزعمت أن لها حقوقاً في مياه الأنهار العربية والمياه الجوفية. ونجحت بتشكيل لجنة للمياه انبثقت عن المفاوضات المتعددة الأطراف.

وتطمح تركيا عن طريق تحالفها العسكري مع العدو الإسرائيلي في لعب دور إقليمي كبير يحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية في إطار الصراع للسيطرة على النفط العربي وأمواله وأسواقه والسيطرة على المياه في الوطن العربي والتحكم فيها.

ويعتقد حكام إسرائيل وتركيا أن الحرب القادمة في الشرق الأوسط قد تنشب بسبب المياه، حيث تتحكم تركيا بشكل تعسفي يخالف مبادئ القانون الدولي في مياه نهري دجلة والفرات وتملك فائضاً هائلاً من الثروة المائية. وتطرح المياه التركية مقابل النفط العربي: برميل مياه مقابل برميل نفط. ومن ضمن المشاريع المائية التي تطرحها تركيا وإسرائيل: مشروع أنابيب السلام التركي، حيث  سيتم سحب المياه من نهري سيحون وجيحون، جنوب تركيا في خطوط للأنابيب تصل إلى العدو الإسرائيلي وبعض دول الخليج العربية.

وتنوي تركيا تحقيق أرباح مالية هائلة مقابل بيع المياه لدول الخليج دون أن تتحمل تركيا النفقات الباهظة للمشروع. وتكمن خطورته في كون أن له طبيعة استراتيجية وسياسية واقتصادية لتركيا وإسرائيل، حيث يتعلق بالسيادة العربية على مياه الأنهر العربية وبهيمنة إسرائيل وتركيا على شرايين الحياة الاقتصادية في البلدان العربية.

وتحاول تركيا عن طريق تحالفها مع إسرائيل أن تلعب دوراً كبيراً في النظام الإقليمي الشرق أوسطي عبر مشاريع المياه ونقل النفط والتعاون الأمني والعسكري، خصوصاً بعد أن أقفلت في وجهها أبواب البلقان والدول الإسلامية في آسيا الوسطى وعلاقاتها متوترة بشكل دائم مع قبرص واليونان والعراق وسورية.

وتشير وثائق ومحادثات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف إلى رغبة تركيا وإسرائيل القيام بدور هام ومتحكم في قضايا المياه والنقل والمبادلات التجارية.

لقد طالب شمعون بيرس في كلمته إمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بتاريخ 9 آذار 1993 ببناء شرق أوسط جديد، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة، على أساس من المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على أساس من الفحم والحديد.

وتناول بيرس في كتابه” الشرق الأوسط الجديد” مشكلة المياه وأشار إلى أن سياسات الدول في المنطقة لا تأخذ في الاعتبار احتياجات الدول المجاورة والأجيال القادمة وأوضح أن المياه في المنطقة هي ملك للمنطقة كلها وليس لبلد من البلدان.

وورد في كتاب أصدرته مؤسسة أرمند هامر عام 1992 حول”المياه والسلام” “أن وفرة المياه في بعض المناطق، مقارنة بشحها في مناطق أخرى، تستدعي حلاً إقليمياً مشتركاً. وينبغي أن ينتج من الحل الإقليمي هذا إعادة توزيع الموارد المائية وفق اتفاق يقوم على نقل المياه إلى المناطق التي لا تحصل عليها بصورةً طبيعيةً”.(196).

ويؤكد مؤلفا الكتاب” الموارد المائية في المنطقة هي نتيجةأوضاع جغرافية عشوائية. وهذه العشوائية تطرح تساؤلات بشأن مفاهيم مثل الملكية والشرعية للاستخدام المحلي الخاص.” وبتعبير آخر: “إن مصلحة إسرائيل هي التي تحدد، بالملموس، الأساس الذي يُعتمد في كل مجالات العلاقة مع المحيط.”(197).

وتنهب إسرائيل بشكل بشع مياه الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان ولبنان. وتعمل بمساعدة الولايات المتحدة على ضمان حقوق استغلال المياه الممارسة حالياً بقوة العدوان والاحتلال والتي تعتمد على التدفق المائي من الجولان إلى الجليل ونهر اليرموك. ونظراً لنقص المياه في الضفة والقطاع والأردن تطرح المشاريع الإسرائيلية فكرة استيراد المياه من الليطاني واليرموك والنيل وتركيا.

ولقد نجحت إسرائيل في فرض تصوراتها وشروطها على الأردن فيما يتعلق بموضوع المياه بدءاً من مشكلة سد الوحدة ومروراً بالمياه الجوفية في الأراضي التي تنازلت عنها الأردن بموجب اتفاق وادي عربة ووصولاً إلى مياه اليرموك، وأمور أخرى سرية لم يعلن عنها حتى الآن.

وتقترح إسرائيل على مصر بيع مياه النيل ونقلها إلى النقب، بينما تقترح على لبنان تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبرية والاستغلال المشترك لمياه نهر الحاصباني.

وقامت جامعة تل أبيب بإعداد دراسة تناولت وفرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة في لبنان. وترى أنه يمكن التعاون في مجال المشروعات الزراعية واستصلاح الأراضي وتقول الدراسة: “إن وجود سياسة حكيمة لتوحيد وضم الأراضي عبر الحدود الإسرائيلية واللبنانية يمكن أن يؤدي إلى توزيع أكثر كفاءة للمياه، وأن ذلك يحتاج إلى تكثيف عمليات الاستيطان، كما ترى إسرائيل أن لبنان يمكن أن يصبح معبراً لمنتجاتها الزراعية إلى الدول العربية عبر تجار لبنانيين وبدون علامات تجارية إسرائيلية.”(198).

وتنهب إسرائيل مياه الجولان منذ حرب حزيران العدوانية التي أشعلتها عام 1967 وتسرقها بالكامل وخاصة المتدفقة منه إلى بحيرة طبريا بالإضافة إلى العيون والآبار الإرتوازية الموجودة في الهضبة السورية المحتلة. كما يقوم المستوطنون اليهود بزراعة الأراضي السورية التي كان يفلحها المزارع السوري قبل عدوان عام (1967).

منعت إسرائيل الشعب الفلسطيني من حقه في السيادة على مياهه وأرضه وسمائه في الضفة والقطاع. وأبقت السيطرة على المياه والتحكم فيها بأيديها وليس بأيدي سلطة الحكم الذاتي. وحددت كمية المياه للفلسيطيني وتسرق معظم المياه الفلسطينية للمستعمرات اليهودية ولاسرائيل. وحددت الأراضي الفلسطينية التي تزرع وفتحت الأسواق الفلسطينية أمام المنتجات الإسرائيلية وأغلقت أبوابها أمام المنتجات الفلسطينية الزراعية.

ووصلت الاطماع والوقاحة الإسرائيلية حداً أكد فيه مركز يافه للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب”أن تخلي إسرائيل تخلياً واسع النطاق عن سيطرتها على مصادر المياه في الضفة الغربية يمكن أن يلحق باقتصاد إسرائيل وزراعتها وبيئتها كوارث. إن الوضع النهائي للتسوية ينبغي أن يضمن سيطرة إسرائيلية طويلة المدى على الخزانات الجوفية، وهي المناطق التي استوطنتها إسرائيل بكثافة نسبياً منذ 1967.”(199).

وتعلن إسرائيل بصلف لا نظير له وبتضليل منقطع النظير أن مشروعات التطبيع في مجالي المياه والزراعة تعتمد على المصالح المشتركة لإسرائيل والأطراف العربية وتوفر عامل الثقة(التي لا يمكن لها أن تتوفر في نفسية اليهودي) لإيجاد أسس حقيقية في استمرار السلام(الإسرئيلي).

إن المشروعات الإسرائيلية سواء كانت خاصة أو مشتركة تنطلق من مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً. وتضيف لها موارد جديدة من المياه والطاقة عن طريق مياه نهر اليرموك والليطاني والحاصباني والوزان والنيل. وتوفر التمويل الدولي بشروط تزيد من فرص تحقيق المخططات الإسرائيلية. بينما لا تستفيد الأطراف العربية من هذه المشروعات سوى استفحال أزماتها المائية وخاصة الأردن وسورية ومصر.

وتؤمن إسرائيل من هذه المشروعات حاجتها لاستيعاب المهاجرين اليهود كما تكرس سيطرة إسرائيل على الموارد المائية العربية.

ونجحت إسرائيل من خلال الاحتلال ومن خلال اتفاقات الإذعان في أوسلو وملحقاتها في الاستمرار في نهب الموارد المائية الفلسطينية حيث بلورت وزارة الزراعة الإسرائيلية موقفها في وثيقة تضمنت:

“1- ليس في الإمكان الفصل بين مرفقي المياه في إسرائيل والإدارة الذاتية.

2- إدارة مرفق المياه في مناطق الإدارة الذاتية تتم بواسطة هيئة مشتركة.

3- أن ينص أي اتفاق يوقع بين إسرائيل والفلسطينيين على عدم تقليص حصص المياه المخصصة للمستوطنات اليهودية.

4- فتح الحدود بين إسرائيل والإدارة الذاتية سيكون بالتدريج من أجل الحيلولة دون انهيار الزراعة في إسرائيل”.(200).

وأقرت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة هذه الشروط وحق إسرائيل في السيطرة على المياه الفلسطينية. كما اعترف الأردن بحق إسرائيل في مياه الأردن واليرموك ملغياً حقوق الفلسطينيين ومتجاهلاً حقوق سورية في مياه النهرين.

إن مشاريع إسرائيل المائية المطروحة تظهر بجلاء أطماع إسرائيل في تغطية احتياجاتها المائية الراهنة والمستقبلية والتي تزداد باستمرار بكميات كبيرة نظراً لاستمرار الهجرة اليهودية والتوسع في المجال الصناعي. وتنطلق المشاريع المائية من مصلحة إسرائيل متجاهلة مبدأ الحقوق والتكافؤ وموقف القانون الدولي وتتجاهل بشكل فاضح حقوق العرب ومصالحهم ولا تنطلق ولا تهتم إلاّ بمصلحتها على حساب مصالح العرب المائية الحيوية كما يحدث حالياً في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن والجولان وجنوب لبنان.

ولا أستبعد أن تلجأ إسرائيل في حال نجاحها مع الدول العربية في فرض تصوراتها ومخططاتها المائية عليهم وقبولهم لها أن تقوم بتعميم هذا المبدأ على النفط والغاز، كما لا أستبعد أن ترفض في المستقبل سداد ثمن النفط والغاز ولتبلِّط قطر على سبيل المثال البحرين البحر المتوسط والبحر الأحمر .

“إن المقترحات والمشاريع الإسرائيلية، فيما يتعلق ببعض مشاريع البنية التحتية على الأقل، تقود إلى دمج إسرائيل في المنطقة دمجاً غير متكافئ ويمنحها ميزات مهمة.”.(201)

وتؤدي المشاريع المطروحة إلى توسيع الفجوة في توزيع المياه والتي نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية لمصلحة إسرائيل وعلى حساب البلدان العربية.

وورد في وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية ووزعت في حزيران 1994في بروكسل لتحديد موقف إسرائيل من مشكلة المياه في المفاوضات المتعددة الأطراف ما يلي:

“يشكل نقص المياه قضية أساسية في عموم أنحاء الشرق الأوسط. وعلى العديد من الدول أن تتقاسم، بشكل عام، الموارد الموجودة، لأن الحدود السياسية تفقد كل دلالاتها عندما يتعلق الأمر بالإستعمال المشترك للموارد الموجودة، لذا يصبح ممكناً أن تكون المياه عاملاً مساعداً في إقامة تنسيق لاحلال السلام في المنطقة وتطويرها،، بدلاً من أن تكون عامل نزاعات وأزمات وتوتر.”

وتعني هذه العبارة أن موقف إسرائيل من المياه العربية يقوم على إجبار البلدان العربية المجاورة لفلسطين على اقتسام مياهها مع اسرائيل وتطرح نفسها مركزاً لتجميع المياه العربية في بحيراتها وبحارها(البحر الميت) وأنهرها، وبالتالي وضعها تحت سيطرة إسرائيل لتتحكم بتوزيعها وهي المتفوقة عسكرياً وتملك الأسلحة النووية والعلاقات الحميمة مع الولايات المتحدة حتى يمكن القول إن القرار الأميركي في قضايا الشرق الأوسط وبشكل خاص الدول العربية والإسلامية قرار إسرائيلي.

ويبين استغلال إسرائيل البشع للمياه في الضفة الغربية وجنوب لبنان الموقف الإسرائيلي القائم على أخذ احتياجاتها المائية المتزايدة بالقوة ونهبها بشكل منظم. وتستهلك المطابخ والمزارع الإسرائيلية ثلث احتياجاتها المائية من مياه الضفة الغربية، ناهيك عن نهب إسرائيل لمياه الحاصباني والوزان والليطاني والمياه الجوفية في الجنوب اللبناني والجولان، حيث قامت بحفر(4) آبار في مجدل شمس، تنقل مياه ثلاثة منها إلى إسرائيل. وتبيع مياه البئر الرابعة لأهالي البلدة..

وتظهر أطماع إسرائيل في المياه العربية بالمخططات الإسرائيلية التي تتناول مشكلة المياه الإسرائيلية في إطار التطبيع حيث تؤكد أن أي اتفاق سلام إقليمي ستكون مشكلة المياه بنداً من بنوده لتقاسم مياه المنطقة وخاصة خزانات المياه الجوفية المرتبطة بنهر اليرموك ووادي عربة والتي تشترك فلسطين والأردن فيها وخزانات المياه الجوفية في الضفة والقطاع.

وتعتبر إسرائيل أن مشكلات المياه يمكن أن تشكل خطراً على السلام لضمان أكبر نصيب ممكن من المياه العربية للمهاجرين والمستوطنين اليهود وخاصة نقص المياه المتزايد في الضفة والقطاع الذي تقوم إسرائيل بسرقته يومياً. وتقترح أن تحل مشكلة المياه من خلال:

1- اتفاقات مع مصر من خلال التعاون الثنائي في استخدام الموارد المصرية من أرض ومياه في الأراضي المصرية.

2- نقل مياه النيل إلى إسرائيل.

ومن خلال اتفاقات مع الأردن تقوم على إدارة الأحواض المشتركة بين الدولتين وتخزين مياه اليرموك في بحيرة طبريا، وإقامة قناة البحرين لجر مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت.  وتقوم بتخزين مياه اليرموك التي تستغلها الأردن في بحيرة طبريا فيتوفر لإسرائيل حوالي(300) مليون م3 لاستهلاكها و(19) مليون م3 لصالح الأردن ومن خلال اتفاقات مع لبنان تقوم على نقل مياه الليطاني إلى إسرائيل واستغلال مياه الحاصباني في الري وتوليد الكهرباء وتزويد المستهلكين الإسرائيليين بالمياه اللبنانية. والعمل على تحلية مياه البحر.

وبالمقابل تقترح تزويد الضفة والقطاع بمياه من مصادر خارجية لكي تستمر في نهب وسرقة مياه الأراضي الفلسطينية.

وتنظر إلى التعاون المصري في مجال المياه إلى استغلال مياه النيل في مشروعات زراعية مشتركة في مصر تعتمد على الأرض والمياه والعمالة المصرية ورأس المال والتكنولوجيا الإسرائيلية وإدارة إسرائيلية لزيادة أرباحها.

التطبيع في مجالي النفط والغاز 

تستغل إسرائيل موقع فلسطين الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وقربها من منابع النفط في الخليج العربي وأوروبا وتوسطها في القارتين آسيا وافريقيا لتطبيع العلاقات في مجالات النفط والغاز والطاقة. 

وتعمل لكي تكون المركز لتجميع النفط والغاز وتصديره للخارج  منافسة بذلك دور مصر ومحاصرته لتنفرد بالتعاون مع يهود العالم في نقل وتسويق وتجارة النفط والغاز والمنتجات البترولية. وتتكون الاستراتيجية الإسرائيلية في هذا المجال من عدة عناصر: 

الأول: إقامة شبكة من خطوط الأنابيب لنقل النفط العربي والإيراني (مستقبلاً) إلى إسرائيل. 

الثاني: إقامة مركز لتجميع الغاز لسد حاجاتها منه بشكل مجاني وتسويقه في العالم. 

والثالث: إقامة مجموعة من مصافي البترول المشتركة مع الدول العربية. 

وساعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو على إخراج الدراسات من مراكز البحث والوزارات الإسرائيلية المختصة إلى العلن وتحويلها إلى مشروعات مشتركة مع بعض الدول العربية كمصر وقطر. 

وتخطط إسرائيل من خلال مجموعة من خطوط نقل النفط العربي لكي تكون مركز التجمع الرئيسي للنفط العربي القادم من الخليج بما فيه العراق وتصديره إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.. 

ووضع المركز الإسرائيلي لتكنولوجيا المستقبل معلومات وخرائط جغرافية وطبوغرافية عن شبكة أنابيب النفط المزمع إقامتها. وأعد منها الإسرائيلي جدعون فيثلسون دراسة عن احتياطي النفط العربي ومساراته وحجم الإنتاج اليومي. وجاء فيها: “إن البترول العربي  هو أهم مادة خام موجودة في الشرق الأوسط من حيث الإنتاج اليومي والاحتياطي، وتمثل عملية نقل النفط من الخليج العربي إلى أسواق أوروبا وأميركا الشمالية حجماً كبيراً من سوق النقل ومن ثم فإن عائد النفط يجب تقسيم فوائده على الدول الموجودة في منطقة الشرق الأوسط”(202). 

وتقترح الدراسة إقامة شبكة من خطوط نقل النفط إلى إيلات: 

* خط يبدأ من رأس تنورة السعودي إلى العقبة /إيلات. 

* خط من الكويت إلى العقبة/ إيلات. 

* خط من الإمارات العربية إلى الخط السعودي ومنه إلى العقبة/ إيلات. 

*  إعادة تشغيل خط التابلاين القديم القادم من العراق عبر سورية إلى حيفا. 

وترمي إسرائيل فيما بعد إلى نقل النفط من إيلات إلى الموانئ الإسرائيلية في اسدود وعسقلان ومن ثم إلى أوروبا وأميركا. ويحقق هذا المشروع لإسرائيل فكرة إنشاء مشاريع إقليمية مشتركة تغطي حاجات إسرائيل من النفط والغاز العربي بشكل مجاني وتجلب لها الارباح الطائلة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود والاستمرار في المحافظة على قوتها العسكرية الضاربة، كما توفر لها الأموال العربية اللازمة لإنشاء شبكة جديدة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية لنقل الأفراد والسلع. 

وسينشط هذا المشروع حركة الشحن والنقل ومصافي تكرير النفط الإسرائيلية، ويضعف دور قناة السويس ويوجه ضربة قوية إلى المشروع العربي المشترك لنقل النفط (سوميد). ويقضي على فكرة إقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني وعلى أي دور للأردن في تجميع النفط العربي والاستفادة منه. 

وكانت إسرائيل قد أقامت مع شاه إيران عام 1976 خط أنابيب إيلات- عسقلان كبديل لقناة السويس ولنقل البترول الإيراني إلى بعض مصافي النفط الأوروبية، ويبلغ طوله 254 كم. 

وبعد اتفاق الإذعان في أوسلو بدأت إسرائيل بتوسيعه لزيادة طاقته إلى 33% وذلك: 

* لمرور أكبر حجم من النفط الإيراني بدلاً من قناة السويس وخط سوميد العربي. 

* لتزويد مصافي تكرير النفط الإسرائيلية باحتياجاتها الإضافية من النفط الخام. 

* ولإنشاء مستودعات لتخزين النفط لحساب الزبائن وطرحه في الأسواق حين الطلب. 

وقد أشار رئيس الوحدة الاقتصادية بهيئة قناة السويس، فاروق أبو طالب، إلى أن تشغيل وتوسيع خط أنابيب إيلات/ عسقلان”، منافس خطير لخط سوميد ولقناة السويس خاصة لو اعتمد عليه الإيرانيون في نقل وتسويق بترولهم لدى أوروبا وأميركا الشمالية(203). 

وانطلاقاً من مساحة إسرائيل الصغيرة ورغبتها في المحافظة على نقاء البيئة وحمايتها من التلوث اتفقت إسرائيل مع مصر لإقامة مصفاة مشتركة لتكرير النفط في مصر عرفت باسم “ميدور”. وكان قد ألح الجنرال رابين وبيرس في زيارتهما الأولى للقاهرة بعد توقيع اتفاق أوسلو على الإسراع في تنفيذ بناء المصفاة كمؤشر عملي على البدء في إقامة السوق الشرق أوسطية. وتبلغ تكاليف إقامتها مليار دولار. 

واشترك فيها بعض رجال الأعمال المصريين ومنهم حسين سالم والهيئة المصرية العامة للبترول. وقدم بنك الاستثمار الأوروبي تمويلاً للمصفاة قدره (300) مليون دولار. 

 وتخطط إسرائيل لإقامة مصافي مشتركة لتكرير النفط مع الأردن وأرتيريا… 

وتبين الأرقام أن ثلث احتياطي الغاز في العالم يوجد في منطقة الشرق الأوسط ولا يستخدم بطريقة تجارية كما أنه لا يلوث البيئة لذلك فإن إسرائيل تسعى لتكون المركز الأساسي لتجميع الغاز في المنطقة وتسويقه بشروطها. 

فاقترحت على مصر عام 1989 تطبيقاً للدراسة التي وضعها حاييم بن شاهار تجميع الغاز المصري من حقول شمال الدلتا في خط يبدأ من بور فؤاد ثم شمال سيناء حتى مستعمرة “كريم شالوم”. ومدينة بئر السبع لتشغيل المصانع في مستعمرة روش بينا. ويتجه الخط إلى مدينة اسدود لتزويد محطة الكهرباء في المدينة. وجرى تخطيط مشروع أنبوب الغاز على أن يعبر أولاً الكيان  الصهيوني ومنه إلى أراضي سلطة الحكم الذاتي في غزة. 

“ومن فوائد المشروع أن الفرق في تكلفة النقل عبر أنبوب الغاز أو نقلة بواسطة البواخر يحقق خفضاً قدره 23 دولاراً في الطن الواحد. وقد أعلنت إسرائيل أن المشروع يستهدف المرور بالغاز إلى لبنان ومنه إلى تركيا ثم يعبر البوسفور نحو جنوب أوروبا (204). 

وتأخرت الموافقة على المشروع بسبب عدم الاتفاق على السعر الذي ستبيعه مصر لإسرائيل، ولكن إسرائيل فاجأت مصر في القمة الاقتصادية في عمان بالتوقيع على اتفاق إسرائيلي- أميركي- قطري تحصل إسرائيل بموجبه على الغاز القطري. 

 وتعقدت مشاريع الغاز الإسرائيلية مع مصر وقطر بسبب الإصرار على تهويد القدس العربية وتصاعد سياسة إسرائيل الاستيطانية والإرهابية ومجيء نتنياهو إلى الحكم وتعيين مجرم الحرب الجنرال شارون وزيراً للبنى التحتية بما فيها وزارة الطاقة. وعرقل إصرار إسرائيل على شراء الغاز المصري بأقل من السعر العالمي بكثير المفاوضات. 

ودخلت إسرائيل في مفاوضات مع روسيا لإحضار الغاز الروسي عن طريق تركيا وتصعيد التنافس بين روسيا ومصر- وقطر على بيع الغاز لكي تحصل على أفضل الأسعار. 

دارت مفاوضات سرية بين قطر وإسرائيل حول صفقة الغاز أكثر من 4 سنوات قبل الإعلان عنها في قمة عمان الاقتصادية لنقل الغاز السائل بالبواخر إلى إيلات ثم نقله عبر خط أنابيب إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط ومنها إلى أوروبا. 

وقامت الولايات المتحدة بدور كبير في إخراج الصفقة إلى حيز الوجود حتى أن جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي السابق لعب دور الوسيط بين شركة اينرون الأميركية وبين قطر وإسرائيل. 

وتخطط إسرائيل تطوير هذا المشروع بعد التوقيع على التسوية النهائية حيث تقترح إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز السائل من المملكة العربية السعودية إلى العقبة بالبواخر ثم ضخه في الخط الإسرائيلي لتقوم إسرائيل بتسويقه. 

وتبلغ تكاليف المشروع 4 مليارات دولار. وتقوم شركة دانكنر وشركة ماشاف الإسرائيليتان ببناء خط أنبوب للغاز القطري من العقبة حتى عسقلان. 

وبالرغم من الرفض العربي الشعبي للمشاريع المشتركة مع العدو الإسرائيلي وفي طليعتها مشاريع النفط والغاز إلاّ أن مشروع الغاز القطري أضر بالموقف المصري في التفاوض على سعر ملائم. ويأتي الضرر الذي يلحقه مشروع الغاز القطري بمصر من عاملين: 

* الاتجاه الأول: استقواء موقف المفاوض الإسرائيلي تجاه مسألة تسعير الغاز المصري المتجه لإسرائيل. 

* الاتجاه الثاني: حرمان مصر من مرور بواخر الغاز القطري عبر قناة السويس، لأن البواخر ستقوم بتفريغ حمولتها في محطة التجميع والتفريغ في العقبة / إيلات، وتلك خسارة كبيرة لقناة السويس(205). 

وتجري إسرائيل منذ عام 1995، مفاوضات سرية مع شركة بوتاش التركية، وهي المؤسسة الحكومية لإقامة أنبوب من الغاز ليجري فيه الغاز الروسي ويخترق عدة مدن تركية إلى أن يصل إلى الخط المصري- الإسرائيلي الذي ينطلق عبر لبنان وسورية وتركيا. 

وتبدي إسرائيل أطماعها في غاز منطقة تبوك بالسعودية ونقله إلى محطة التجميع في ميناء العقبة، وحققت إسرائيل بعض النجاحات في علاقاتها النفطية مع بعض الدول العربية، حيث تحصل من مصر على مليون طن سنوياً من النفط الخام وعلى مليونين آخرين عن طريق التجار الذين يحصلون على حصص سنوية من الهيئة المصرية العامة للبترول. واتفقت مع مصر على مشروع خط أنابيب الغاز ومصفاة ميدور لتكرير النفط ومشروع الربط الكهربائي. 

ووقعت مع الأردن مشروع بناء محطة الغاز في العقبة وإقامة عدة محطات مشتركة للكهرباء وتسعى إسرائيل لإقامة شبكة من خطوط أنابيب نقل النفط من قطر والكويت والبحرين والسعودية وعمان لتصبح أهم المراكز لتجميع النفط العربي ونقله عبرها وتسويقه في أوروبا. 

وباختصار تخطط إسرائيل لتوظيف سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والأردن والعديد من دول الخليج العربية لتحقيق مصالحها وجني الأرباح الطائلة للمحافظة على قوتها العسكرية ولاستيعاب المزيد  من المهاجرين اليهود وإقامة المزيد من المستعمرات اليهودية وتهويد المزيد من القدس العربية. وتخطط لإقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى العقبة ومن ثم إلى إسرائيل وتشغيل خط التابلاين العراقي في حيفا. 

وتسعى جاهدة لتكون المركز الأساسي وتلعب الدور الفعال في تجارة النفط والغاز العربي وحركة النقل والشحن والمشتقات البترولية بحيث تصبح بورصة الشرق الأوسط لهاتين السلعتين الهامتين في زمن السلم والحرب وجني الأرباح الخيالية. 

وترمي المشاريع الإسرائيلية إلى تقوية الاقتصاد الإسرائيلي وتوفير النفط والغاز والكهرباء لإسرائيل بأرخص الأثمان والتغلغل في البنى التحتية والأساسية للاقتصادات العربية لفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها. 

وتهدف المشاريع أيضاً إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والقلب والموزع والمسيطر على النفط والغاز والمياه والنقل في المنطقة دون المساس بتفوقها العسكري وامتلاكها للسلاح النووي، والذي سيقود حتماً في المستقبل إلى فرض شروط إسرائيلية جديدة لا يمكن التنبؤ بها حالياً، وذلك انطلاقاً من أطماع اليهود في الثروات العربية وانطلاقاً من نهب وسرقة إسرائيل للمياه والثروات والأراضي العربية بحجج ومزاعم وأساطير خرافية توراتية وتلمودية. 

وتعمل للانتقال من مرحلة التطبيع الثنائي إلى مرحلة توظيف أدوار الآخرين للهيمنة على ثروات المنطقة العربية في مجالات النفط والغاز والمياه. 

ويطرح عمرو كمال حمودة مجموعة عناصر لمواجهة مساعي إسرائيل في استغلال النفط والغاز. 

* ضرورة إيجاد حوار فعال مع إيران حتى لا يتجه النفط الإيراني لخط إيلات/ عسقلان. 

* البحث عن بديل عن مشروع الغاز المصري- الإسرائيلي عن طريق التحول غرباً والربط مع خط الغاز الليبي ثم الجزائري إلى أوروبا. 

* الاتصال مع العراق لإقناعه بتمرير جزء من إنتاجه النفطي عبر خط أنابيب سوميد.

* دفع مشروع الكوبري المعلق بين المملكة العربية السعودية ومصر وربط خط لنقل البترول السعودي ووصله مع الخط المصري سوميد. 

* إعلان هيئة قناة السويس “حرب أسعار” بالنسبة لنقل الغاز والبترول حتى يتوقف المشروع الإسرئيلي – القطري للغاز، والتفاوض مع قطر لنقل الغاز عبر قناة السويس بأسعار مخفضة. 

* تشجيع المشروعات العربية التي تمت دراستها وإقرارها من قبل بواسطة منظمة الأوبك في مجال خطوط الأنابيب وناقلات البترول والتخزين. 

* إحلال رجال الاستثمار العرب مكان إسرائيل في مشروع مصفاة التكرير “ميدور” طالما أن التمويل قد دخل المشروع من بنك الاستثمار الأوروبي. 

* إنشاء بنك عربي متخصص في تمويل العمليات البترولية، ليتولى تمويل تجارة ونقل البترول وتمويل عمليات البحث والتنقيب وكذلك المشروعات الضخمة مثل نقل الغاز والنفط  والبترو كيماويات وشراء وتأجير وبناء ناقلات السفن البترولية ومصافي التكرير. 

التطبيع في مجال السياحة

تولي إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية التجارة الإسرائيلية مع الدول العربية أهمية خاصة، حيث تضغط الولايات المتحدة الأميركية باستمرار على الدول العربية لإنهاء المقاطعة وإقامة علاقات تجارية مع إسرائيل في نفس الوقت الذي تشدد فيه الولايات المتحدة حصارها على ليبيا والعراق والسودان وكوبا وكوريا الشمالية. 

وترمي الولايات المتحدة إلى دخول السلع والمنتجات الإسرائيلية إلى جميع الأسواق العربية ومنها إلى كل بيت عربي، وذلك لأسباب اقتصادية وسياسية ونفسية، وكجزء أساسي من تحقيق الاستراتيجية الصهيونية، باعتبار  إسرائيل دولة صناعية متطورة تعيش على المساعدات الأميركية والألمانية وبحاجة إلى الأسواق والأموال والمواد الخام والأيدي العاملة العربية لحل أزماتها الاقتصادية. 

وتمارس الولايات المتحدة الضغط والابتزاز والترغيب على الدول العربية للإسراع في فتح أسواقها أمام التجارة مع إسرائيل، وذلك للفوائد العديدة التي سيجنيها العدو الإسرائيلي ومنها: 

* قرب الأسواق العربية من أماكن التصدير الإسرائيلية مما يخفف من نفقات الشحن. 

* السرعة في شحن المنتجات مما يجعلها تصل بمدة أقصر من البضائع المستوردة من أوروبا واليابان وربما خلال يوم. 

* انخفاض تكاليف الإنتاج في إسرائيل عنها في أوروبا والولايات المتحدة مما يجعل البضائع الإسرائيلية أكثر قدرة على المنافسة من غيرها. 

ويتوقع الخبراء الإسرائيليون أن تقود التجارة مع الدول العربية إلى: 

أولاً: تحويل إسرائيل إلى مركز تجاري إقليمي والحلول محل لبنان والتفوق عليه بسبب التطور الصناعي فيها وعلاقاتها الدولية وموقعها الجغرافي. 

ثانياً: إقامة سوق شرق أوسطية تحتل إسرائيل فيها مركز القائد وتحصل من جرائها على تسهيلات هائلة  من دول الاتحاد الأوروبي. 

وتولي إسرائيل قطاع السياحة أهمية خاصة، نظراً للأموال الضخمة التي ستحصل عليها من جراء العلاقات والاتفاقيات السياحية بينها وبين البلدان العربية، وذلك للأسباب التالية: 

* تعتبر إسرائيل من أهم البلدان المتطورة في مجال السياحة في الشرق الأوسط. 

* وجود الأماكن المقدسة لدى الديانات الثلاث في القدس وبيت لحم والناصرة وطبريا ونهر الأردن مما يشجع على الحج والسياحة الدينية. 

* وجود معالم سياحية جذابة على سواحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت وبحيرة طبرية، مما يشجع السياح على المجيء إلى إسرائيل وربط رحلاتهم السياحية بزيارة أهم المعالم السياحية في مصر وغيرها من الدول العربية. 

* وجود سياحة صيفية وشتوية وصحراوية وعلاجية بسبب تنوع المناخ والتضاريس. 

* توافر المنشآت السياحية ومحلات اللهو والترفيه التي تناسب الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسائح. وتتضمن المخططات الإسرائيلية للسياحة بناء الفنادق والمعالم السياحية على الحدود العربية وإنشاء مشاريع سياحية مشتركة، وبناء مجموعة من الفنادق الضخمة في القدس العربية وعلى جبل أبو غنيم للحلول محل مدينة بيت لحم وتهويد القدس العربية كمقدمة للاستيلاء على المسجد الأقصى. ويأتي مشروع “ريفيرا البحر الأحمر” في مقدمة هذه المشاريع والذي يربط بين ساحل إيلات والعقبة وطابا ويتطلب قيام تعاون إقليمي بين إسرائيل ومصر والأردن والسعودية. 

ويهدف المشروع إلى تحويل الشاطئ الممتد على ساحل البحر الأحمر حتى السعودية إلى منطقة واحدة وتتطلب إزالة الحدود السياسية بين مصر والأردن وإسرائيل وذلك لقصر وضيق الساحل الإسرائيلي بخلاف الساحلين الأردني والمصري. 

وتقترح إسرائيل على الدول العربية المنوي إشراكها في المشروع الإسرائيلي أن تتنازل عن جزء من سيادتها بحيث يزور السائح “الريفيرا بدون إبراز وثائق سفر أو حتى الحصول على فيزا من الدول صاحبة السيادة، وذلك لزيادة أرباح إسرائيل من الدخل السياحي. 

وأعدت وزارة السياحة الإسرائيلية وثيقة حول تعاون إقليمي سياحي مشترك، وتناولت فيها التسويق السياحي المشترك في المنطقة، وفتح جسر بري بين العقبة وإيلات وتسيير خطوط بحرية بين ميناء اسدود وميناء بور سعيد. 

ونشرت وزارة السياحة الإسرائيلية والأردنية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود إعلانات سياحية مشتركة في الولايات المتحدة الأميركية جاء فيها: “نحن ملتزمون بالسلام، إن الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين يبسطون ذراعاتهم ويفتحون قلوبهم ويدعون الجمهور الأميركي لزيارة الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل”. 

(جريدة شيحان الأردنية 15-20/2/1997). 

وتتوقع المصادر الإسرائيلية الحصول على أموال ضخمة من جراء استقبال السياح العرب وتصدير الخدمات السياحية للبلدان العربية، مما سيجلب لها الأموال الضخمة وفوائد نفسية وسياسية تمكنها من التغلغل حتى في أوساط المواطنين العرب. 

ووضعت إسرائيل تصوراً جديداً للسياحة في الشرق الأوسط طرحه عوزي برعام، وزير السياحة ويتألف من 12 نقطة وهي: 

1- تسويق إقليمي دولي للسياحة في المنطقة. 

2- إقامة مؤسسات سياحية وسلسلة من الفنادق الضخمة. 

3- تغيير سياسة الطيران والاستعداد لعصر السلام في مجال السياحة والاستفادة من موقع إسرائيل كجسر بين القارات.  

4- تنظيم رحلات بحرية وعبور في السفن الجوالة. 

5- تطوير سواحل البحر المتوسط لخلق ريفيرا من لبنان على طول سواحل إسرائيل باتجاه مصر. 

6- الاستفادة من البحر الميت في مجال الاستحمام بالمياه المعدنية وتطوير مشروع إسرائيلي- أردني- فلسطيني  في مجال السياحة والكهرباء. 

7- سياحة برية حيث يتيح السلام تطوير هذا النوع من السياحة. 

8- تطوير الريفيرا على البحر الأحمر بالتعاون بين إسرائيل والأردن ومصر والسعودية في المستقبل. 

9- مفهوم إقليمي للأماكن المقدسة وطرق السياحة المؤدية إليها. 

10- أعمال سياحية مشتركة مع سلطة الحكم الذاتي. 

11- اجتماعات سياحية إقليمية وتنظيم مؤتمرات ومهرجانات إقليمية.  

12- السرعة في التصديق على بنية تحتية لمشاريع سياحية وتبسيط إجراءات التخطيط والبناء في فرع السياحة(206).

وتعتبر منطقة البحر الأحمر من أجمل المناطق السياحية في العالم، فهي معروفة بشواطئها الرملية ومواقع الغوص الجميلة وهدوء البحر الأحمر والمناظر الطبيعية الخلابة.  

التطبيع في مجال المواصلات

يتناول التخطيط الإسرائيلي  لمستقبل المنطقة العربية موضوع المواصلات، إذ أن وقوع فلسطين في قلب الوطن العربي ، يؤهلها للقيام بدور أساسي في شبكة المواصلات البرية والبحرية والجوية، بسبب الموقع الهام لمطار اللد والموانيء البحرية الضخمة بدءاً من حيفا وعكا ومروراً بيافا واسدود وحتى ايلات. 

يعتبر النقل والمواصلات من طرق سريعة وموانئ بحرية ومطارات جوية من أهم العوامل لتحقيق النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية. وهي ذات أهمية كبرى لزيادة التبادل التجاري وتنقل الأفراد وانتقال البضائع عبر الحدود وتخدم توسع وامتداد السوق الإسرائيلية في البلدان العربية. وتقدم خدمات جلى للصناعة والسياحة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. 

ويأتي الطريق السريع المقترح،  الذي يربط بلدان شمال افريقيا بدءاً من الساحل الممتد من موريتانيا غرباً عبر المغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى الاسكندرية والقاهرة ورفح وحيفا وطرابلس وطرطوس واللاذقية إلى ماردين وديار بكر في تركيا في مقدمة هذه الشبكة. وتتفرع من هذه الطريق عدة فروع منها وصلة تمتد إلى تبوك في شبه الجزيرة العربية، لتتصل بالطريق الدولي في منطقة الخليج. 

ويشمل مشروع الطريق هذا تحسين وإنشاء ورفع كفاءة الطريق بدءاً من الحدود التركية حتى مصر لربط دول شرق البحر المتوسط بأوروبا وبلدان شمال افريقيا على أن تكون إسرائيل المركز والمحور لخدمة الصناعة والسياحة والتجارة فيها. 

أما مشروع طريق العقبة الإقليمي المقترح فهو يربط بين مصر وإسرائيل والأردن حيث يبدأ من القاهرة ويمتد إلى السويس ثم طابا ويتصل بطريق دائري يمر حول طابا وإيلات والعقبة. 

وتنطلق مشاريع إسرائيل للنقل والمواصلات من ربط إسرائيل بالدول العربية انطلاقاً من شبكة المواصلات التي كانت تربط فلسطين، بالبلدان العربية قبل عام 1948 واستخدام السكك الحديدية والموانئ وتقترح إسرائيل تطوير ثلاثة طرق برية تربط مصر بإسرائيل عبر سيناء، كما تقترح الطرق البرية التالية مع الأردن: 

* طريق اسدود – القدس- عمان وطوله 170 كم. 

* طريق حيفا- عمان- وطوله 260 كم. 

* طريق غزة- اسدود- القدس- عمان. 

وكشف المدير العام لوزارة الإسكان الإسرائيلية، اريه مزارحي النقاب عن أن إسرائيل تعتزم شق طرق تربط الضفة الغربية وقطاع غزة بالموانئ الإسرائيلية وبمطار بن غوريون من أجل تحول إسرائيل إلى هونغ كونغ الشرق الأوسط. وقال إن إسرائيل ستصبح البوابة الرئيسية لدخول المناطق المحتلة ومن ثم الأردن وسورية والمملكة العربية السعودية. وأكد أنه خصصت موازنة قدرها 1.6 مليار دولار لهذه الطرق(207).

ويقوم التصور الإسرائيلي على جعل ميناء حيفا أهم ميناء مركزي للحاويات في المنطقة وتخصيص 1200 إلى 3000 شاحنة لنقل البضائع و 1100 باص بالإضافة إلى 1000-3000 سيارة تاكسي لنقل السياح براً من إسرائيل إلى العواصم العربية، وكذلك تخصيص عدة قطارات لتعمل خطوط السكك الحديدية مع مصر والأردن وسورية ولبنان وتركيا. 

وتخطط إسرائيل لكي تصبح أهم مركز للحدود في المنطقة لانطلاق مواطنيها ومواطني البلدان العربية إلى الدول الأوروبية ولتنشيط صادراتها ووارداتها وحركة السياحة فيها وتطبيع علاقاتها مع البلدان العربية. 

وستفتح إسرائيل خطوطاً جوية مع العواصم العربية، مما سيجعل مطار اللد المطار الرئيسي في المنطقة نظراً لعلاقات إسرائيل الجيدة مع الدول الأوروبية وبسبب الخدمات والصيانة فيها ذلك لإحكام هيمنتها على جميع المرافق والمجالات في منطقة الشرق الأوسط. 

ويتناول المخطط الإسرائيلي للتطبيع إقامة مشاريع مشتركة بين إسرائيل والدول العربية في البحر الميت ونهر اليرموك وخليج العقبة والأغوار وسيناء، ومشاريع بتروكيماوية ومجمعات لصناعة النفط ومصافي النفط وخطوط لنقله وتكريره وتسويقه في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. 

وخططت لإقامة مشاريع مشتركة مع الأردن وأقيم البعض منها لاستخراج الفوسفات والبوتاس والبرومين من البحر الميت وإقامة مشاريع مشتركة مع مصر في الزراعة والسياحة واستثمار الثروات الطبيعية في سيناء. وتتلخص المشاريع المشتركة التي تطرحها إسرائيل بما يلي: 

* دمج ميناء العقبة بأيلات وبناء مطار دولي مشترك في العقبة. 

* إقامة قناة بحرية تصل إلى البحر الميت في إطار التعاون الإقليمي. 

* إقامة شبكة كهربائية مشتركة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. 

* مشاريع لأنابيب النفط والغاز وإعادة ضخ النفط العربي إلى مصفاة حيفا. 

* مشاريع متعددة للتعاون الإقليمي في المجالات الصناعية والزراعية والسياحية. 

ويلعب رجال الأعمال اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا دوراً كبيراً في المشاريع والاستثمارات المشتركة. 

وستجني إسرائيل معظم المكاسب والأرباح من تأسيس المشاريع المشتركة وستتمكن إسرائيل من جراء التطبيع من الخروج من أزماتها الاقتصادية والقضاء على التضخم والعجز في ميزان المدفوعات وتسديد الديون الخارجية. 

❒❒❒

الفصل الرابع: 

تحالف كوبنهاغن 

المقدمة 

بدأت الولايات المتحدة الأميركية واليهودية العالمية وأجهزتها الأمنية وخاصة المخابرات المركزية والموساد بالتركيز على المثقفين العرب. فظهرت ولأول مرة علناً وثيقة أميركية بعد كمب ديفيد تتضمن أهمية الدور الذي يقوم به المثقف العربي في تمرير المخططات والمشاريع الإسرائيلية والأميركية حول “السلام الإسرائيلي” والشرق أوسطية، وذلك لأن المثقف من صناع التوجهات العامة عبر الأجهزة الإعلامية والثقافية. 

ومن هنا تأتي الأهمية التي توليها إسرائيل والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للتطبيع الثقافي، وذلك لتغيير المفاهيم والقناعات لدى أبناء الأمة العربية وتبني المفاهيم الإسرائيلية حول الوحدة العربية والشرق أوسطية والتطبيع والهيمنة اليهودية ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم. 

وبالفعل أخذت حفنة من المثقفين العرب تعمل على هدم المقولات والمبادئ الوطنية والقومية التي آمنت بها الأمة العربية لتكريس وتخليد الاغتصاب اليهودي لفلسطين العربيةبما فيها مدينة القدس قلب الأمة العربية والإسلامية ومدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين. 

بدأت هذه الحفنة من المثقفين العرب المتصهينين بتدمير وهدم وتغيير أهم مبادئ ومنطلقات الصراع العربي الصهيوني فحطموا مقولة أن الصراع صراع وجود ومصير وأن فلسطين عربية ويجب أن تعود عربية، ومقولة “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”، ومقولة الوحدة العربية والنظام العربي وأحلوا محلها نظام الشرق الأوسط الجديد والسوق الشرق أوسطية”. 

وأصبحت الدعوة إلى الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي والقومية العربية والنظام العربي واستعادة الحقوق المغتصبة والتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع والأكاذيب اليهودية من مخلفات الماضي. وأصبح الميثاق  الوطني الفلسطيني واستعادة الأراضي العربية المحتلة وتدمير وتفكيك المستعمرات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة من مخلفات المرحلة الماضية التي عفا عليها الزمن. 

وأصبحت الشطارة والمهارة والذكاء هي أن نأخذ ما نستطيع أخذه من “الكعكة” الشرق أوسطية ولا نتركها لإسرائيل وحدها وبعض الأطراف الأخرى. 

وفي إطار الشطارة الجديدة و”الواقعية العلمية” يصبح مفهوم الثقافة القومية من مخلفات الماضي الذي تجاوزه الزمن والذي يجب أن يزول ويتجه المثقف العربي إلى القبول بالأمر الواقع الجديد ونقبل بالتطبيع مع إسرائيل. 

لكن السؤال الذي أطرحه على حفنة المثقفين العرب، دعاة التطبيع، هل يمكن أن تتعامل معنا إسرائيل بنديّة  وهي تريد الهيمنة على الوطن العربي بالقنابل النووية والتفوق العسكري والعلم وقوة اليهودية العالمية وانحياز الولايات المتحدة الأميركية لها وقد عملت وتعمل على تدمير ازدهار وتقدم البلدان العربية المحيطة بها؟! 

إن إسرائيل تطلب من البلدان العربية المزيد من التنازل عن الأرض والمياه والسيادة والحقوق والمزيد من التطبيع والاندماج والذوبان. وتطلب حتى عدم عقد قمة عربية، لأنها تريد الاستفراد بكل طرف عربي على حدة للحصول على المزيد من الامتيازات والتنازلات العربية كما حصل في دهاليز أوسلو السرية. 

وعلى الرغم من شراسة الهجمة اليهودية والأميركية واستسلام بعض الحكام العرب لها نستطيع أن نقول إن المقاومة الصلبة التي يبديها المثقفون العرب والأحزاب السياسية والنقابات واللجان الشعبية لمكافحة الصهيونية ومقاومة التطبيع والنظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والهيمنة الأميركية والإسرائيلية بتصاعد مستمر. 

إن المطلوب القيام بعمل شعبي واسع على مستوى قومي ضد الاستسلام والتطبيع والمشروع الشرق أوسطي. 

تحالف كوبنهاجن الدولي 

بالرغم من الحقائق والوقائع المأساوية التي سببها الكيان الصهيوني يطلع علينا بعض المثقفين العرب ويطلبون منا أن ننسى الماضي الصهيوني وأن نصمت عليه وعلى سياسة الإرهاب والعنصرية والمجازر الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني. 

فأي مردود ثقافي تجلبه هذه الحفنة من المثقفين العرب لأمتنا العربية ولقوافل الشهداء الذين رووا أرضنا العربية بدمائهم الزكية. 

عاش بعض الملوك والأمراء والحكام العرب بعض الأوهام عن اليهود ودولتهم ووجودها فهل تريد هذه الحفنة من المثقفين أن تعيش أوهام هؤلاء الحكام الماضية بأساليب جديدة؟! 

يجب علينا أن نرسخ في أذهاننا وأذهان الأجيال القادمة أن دولة اليهود، دولة المستعمرين اليهود دولة غريبة دخيلة على منطقتنا العربية قامت على أنقاض فلسطين العربية وشعبها العربي، وذلك لنغذي روح المقاومة والتصدي للصهيونية أو الاستسلام لها ولمخططاتها التدميرية. 

إن القول بأن شعبنا العربي يرفض التطبيع قول حق يراد به باطل، وذلك بسبب هيمنة الحكومات العربية على المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية على أجهزة الإعلام، مما يجعل خطر التطبيع قائماً تماماً كما تعمل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والتي نجحت ليس فقط في فرض التطبيع وتبني الشرق أوسطية وإنما في صهينة أوساط فلسطينية واسعة. والشعب العربي في ظل تسلط نظم الحكم لا يستطيع أن يمنع التطبيع إلاّ في حدود ضيقة. 

إن أمتنا العربية لا مستقبل لها إذا وافقت على شروط وإملاءات إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، إذا وافقت على الاستسلام والتطبيع والهيمنة للكيان الصهيوني عدو العروبة والإسلام. 

لا طريق أمامنا إلاّ في دفع النضال الشعبي بتراثه التاريخي والاستمرار في مقاومة العدو ومقاطعته ورفض الصلح والاعتراف والتعايش معه ورفض كافة أشكال العلاقات والتطبيع معه. 

إن الثقافة المقاومة هي الثقافة القومية  التي تدافع عن ثقافة الشعب العربي، عن قيمه ومبادئه وأفكاره وتقاليده  في وجه قيم وأفكار وتقاليد وافدة من الخارج والتي تشكل غزواً ثقافياً ولا تتجاوب مع تاريخ وتراث وروح الشعب العربي وتشكك بتقاليده وتراثه. 

وترافقت الثقافة العربية المقاومة في التصدي للمحتل والغريب والدخيل اليهودي والغرب ببعث الثقافة القومية. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل التمسك بتراثنا في دفاعنا ضد المغتصب والدخيل والمحتل والعدو لأمتنا وديننا وقوميتنا. 

إن الثقافة القومية تتصدى لغزو الصهيونية لفلسطين العربية وسلب الأرض عن طريق عمليات عسكرية، حروب عدوانية وإقامة مستعمرات يهودية، لذلك ستستمر المقاومة حتى نحصل على الاستقلال والحرية والهوية. 

ويعتبر الاستعمار اليهودي من أبشع أنواع الاستعمار الذي شهده الوطن العربي وأخطره. 

إن آليات الغزو الثقافي الصهيوني تقوم على مخططات جاهزة منظمة طويلة النفس، لذلك فمقاومتها  والتصدي لها تتطلب أن يرتكز النضال على خطط مدروسة ومنظمة وطويلة النفس. 

فالتصدي لها يعني أننا نتصدى لمخططات وآليات ومعلومات ومقولات يملكها العدو. 

والمقاومة الثقافية و الإعلامية حق للشعوب المقهورة للدفاع عن الذات، عن الوجود والهوية  والتراث والتاريخ واللغة والدين. 

الموساد وتحالف كوبنهاجن 

تحت رعاية الحكومة الدنماركية والاتحاد الأوروبي عقد اجتماع في كوبنهاجن بتاريخ 29و30 كانون الثاني 1997 شاركت فيه حفنة من المثقفين العرب من مصر والأردن وفلسطين مع إسرائيليين وانتهى الاجتماع بصدور إعلان كوبنهاجن وإقامة التحالف العربي الإسرائيلي.

تعود فكرة إقامة هذا التحالف إلى فترة ما بعد كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية وتأسيس ما يسمى بـ “حركة السلام الآن في إسرائيل” لمواجهة القطاعات الشعبية المعادية لكمب ديفيد في مصر وبقية البلدان العربية وإسرائيل. ولم تتجاوب مع الفكرة الأوساط المثقفة العربية على الإطلاق.

نشطت الأوساط اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة المخابرات المركزية، ومنظمة الاشتراكية الدولية وحكوماتها ومؤسساتها وأحزابها ومراكز البحث والدراسات فيها إلى عقد مؤتمرات وندوات واجتماعات سرية بين مثقفين عرب ويهود، وبين فلسطينيين وإسرائيليين، لاشراك المثقف العربي في تعميم كمب ديفيد على بقية الجبهات العربية وتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي ودفع التسوية الأمريكية-الإسرائيلية إلى الأمام للتوصل إلى حل نهائي للصراع بالشروط والإملاءات الإسرائيلية.

لقد واجه المواطن العربي في مصر وبقية البلدان العربية الاتفاقات التي فرضتها إسرائيل عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية والنتائج التي تمخضت عنها ومجمل مسيرة الاستسلام والتطبيع بمعارضة ورفض شديدين. ففشل التطبيع في مصر. ونظمت في الأردن الأحزاب والنقابات والاتحادات والقوى والشخصيات الوطنية صفوفها في لجان ومؤتمرات شعبية انبثقت عنها مؤسسات دائمة لمقاومة التطبيع.

ولكن من المؤلم حقاً أن سلطة الحكم الذاتي  الفلسطيني كانت وماتزال من أكثر الجهات العربية تطبيعاً مع العدو وأكثرها حماساً للتحالف معه في اتحاد ثلاثي على غرار اتحاد بنيلوكس حيث بلغت مشترياتها من منتجات العدو الإسرائيلي عام 1996 مليار ونصف المليار دولار.

وتتبنى علناً المخططات الإسرائيلية “للشرق أوسطية” وتعتبر نفسها ركيزة من ركائزها الأساسية، وبالتالي غيرت موقعها من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي.

ونجحت في صهينة أوساط فلسطينية واسعة في الضفة والقطاع باستخدام الترهيب والترغيب ودولارات الدول المانحة التي تقوم إسرائيل بإستجدائها لياسر عرفات.

لقد ثبت لي من خلال عملي في فيينا كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية أن المخابرات المركزية كانت ترعى وتمول جميع اللقاءات العربية-اليهودية، والفلسطينية-الإسرائيلية.

وكانت الدول الاسكندنافية في طليعة الأدوات الأمريكية والإسرائيلية لترويض القيادة الفلسطينية وحملها على الموافقة على الشروط والإملاءات الإسرائيلية. لذلك أصبحنا كمواطنين عرب ننظر بعين الريبة والشك إلى كل تحرك يأتي من العواصم الاسكندنافية، وذلك لوقوف المخابرات المركزية والموساد وراء تحركاتهم التي تصب في خدمة العدو الإسرائيلي.

إن العدو الإسرائيلي وعملاءه يعملون منذ توقيع اتفاقات الإذعان في أوسلو ووداي عربة على تحويل الهرولة الرسمية للتطبيع معه إلى هرولة شعبية بمساعدة الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية بدءاً من السويد والنرويج ومروراً بغرناطة وحتى كوبنهاجن.

وتشكلت قوى ضغط عالمية هائلة لاختراق القوى السياسية والجبهة الثقافية العربية ومنها:

زعماء المؤتمر اليهودي العالمي وشخصيات يهودية قيادية في منظمة الاشتراكية الدولية.

سياسيون إسرائيليون منهم شمعون بيرس وموشي ديان والجنرال ميتتياهو بيليد ويوري أفنيري. وحركة السلام الآن الإسرائيلية.

واستجاب لمساعيهم الملك المغربي وحسن التهامي ومصطفى خليل والسرطاوي وأبو مازن وياسر عرفات وبعض القيادات اليسارية الفلسطينية.

ولكنهم فشلوا باختراق الجسد العربي وفشلوا باختراق الشعوب العربية وبشكل خاص الجبهة الثقافية. ولكن توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أدى إلى انتعاش مساعي التطبيع الشعبي مجدداً. فنظم شمعون بيرس في إسبانيا لقاء غرناطة في الفترة الواقعة ما بين 9-12كانون الأول 1993. أي بعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو بتاريخ 13 أيلول 1993 حضره بيرس وعرفات ومجموعة من المثقفين العرب والإسرائيليين لدعم اتفاق أوسلو واختراق الجبهة الثقافية وفرض الاستسلام والتطبيع على الأمة العربية ولمسح الذاكرة العربية وغسل عقول بعض المثقفين العرب وتطويعهم للمزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. ويأتي إعلان كوبنهاجن في هذا السياق.

اقترح الدانماركي هربرت بونديك، المزدوج الجنسية والولاء وعميل الموساد على وزارة الخارجية الدنماركية رعاية اجتماعات عربية إسرائيلية لتطبيع العلاقات بين المثقفين العرب والإسرائيلين. ويرأس هربرت بونديك تحرير مجلة “بولتكين” الدنماركية. وقَبِل رئاسة التحرير فيها على أن يقيم ستة أشهر في إسرائيل وستة الأشهر الأخرى في كوبنهاجن. ونجح بطبخ مخطط التحالف في إسرائيل والدنمارك ثم توجه في نهاية 1994 إلى القاهرة بحجة التعرف على رأي عدد من المثقفين المصريين. وكان اولو الأمر في إسرائيل (الموساد) قد وضعوا له قائمة بأسماء ستة وعشرين مثقفاً مصرياً واتصل بكل واحد منهم على حدة.

وكان يرافقه في بعض الزيارات الكاتب الإسرائيلي أموس ألون، ورجل الموساد ديفيد كمحي والدبلوماسي الدنماركي توريين بريل، مسؤول مكتب العلاقات مع إسرائيل والبلدان العربية في وزارة الخارجية الدنماركية.

وكان الجانب الإسرائيلي يطرح في نقاشه مع بعض المثقفين المصريين أن أنصار السلام في إسرائيل يعانون خطر التمزق والإنعزال بسبب عدم تجاوب المثقفين العرب معهم في مواجهة اليمين الإسرائيلي. وطرحوا فكرة الحوار وإقامة التحالف مع مثقفين عرب. ووافق بعض المثقفين المصريين على الفكرة.

ووجهت وزارة الخارجية الدنماركية الدعوة إلى لطفي الخولي، وأحمد فخر، ومحمد سيد أحمد، ود: منى مكرم عبيد لإجراء الحوار مع الجانب الإسرائيلي: ديفيد كمحي، واموس الون، واشر ساسر (مدير معهد ديان في تل أبيب) وافيشاي مارجيليت.

وأعقب هذا اللقاء لقاء آخر في كوبنهاجن في الثلاثين من أيلول 1995 ووافق الحضور على رغبة إسرائيل بخلق آليات لتنشيط التطبيع على المستوى الشعبي، أي تحقيق الهرولة الشعبية نحو إسرائيل باسم العمل من أجل السلام.

وجرت الدورة الثانبة للحوار في شباط 1996 واشترك فيها من الجانب المصري: لطفي الخولي، ود:محمد السيد سعيد، ود: جمال عبد الجواد، ود: سميحة فوزي.

ومن الجانب الإسرائيلي: دان ميريدور (وزير المالية)، وديفيد كمحي، وشولاميت هاريفي ويوناثان ليرنر. واعتبر لطفي الخولي اشتراك دان ميريدور (عضو قيادة الليكود) اختراقاً له وزنه لجبهة اليمين ولمصلحة قوى السلام الإسرائيلية.

وتقرر أن تجري الدورة الثالثة للحوار في 13/5/1996 ولكن لطفي الخولي وجماعته امتنعوا عن حضورها بسبب حرب شمعون بيرس العدوانية في لبنان وارتكاب جيش العدو الإسرائيلي لمجزرتي قانا والنبطية الجماعيتين.

وخلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت في أيلول1996 أخبر وزير خارجية الدنمارك عمرو موسى وزير خارجية مصر عن مبادرة كوبنهاجن ورجاه أن يتدخل لدى المثقفين المصريين للعدول عن موقفهم ومتابعة الحوار مع الإسرائيليين.

وفي نهاية عام 1996 وصل إلى القاهرة ديفيد كمحي وهربرت بونديك والدبلوماسي الدنماركي توربين بريل. وبدأوا مرحلة جديدة من الحوار مع لطفي الخولي وبعض المثقفين المصريين. وبدأت الدورة الرابعة من الحوار في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1997 وانتهت في الثلاثين منه بإعلان كوبنهاجن.

إن الدول الاسكندنافية معروفة بمشاعرها المؤيدة لإسرائيل والحركة الصهيونية وانحيازها إلى مواقف وممارسات إسرائيل دون أي اعتبار لمبادئ الحق والعدالة والقانون الدولي ودون أي اعتبار للموقف العربي والحق العربي والدول العربية.

ووصل الانحياز الدنماركي حداً سفيهاً أجاب فيه رئيس الوزراء الدنماركي بول شلوتر عن سياسته تجاه الدول العربية بالحديث عن عمق العلاقات التي تربط الدنمارك بإسرائيل، فلما ذكره الصحفي بأن السؤال عن العلاقات مع الدول العربية، ضحك رئيس الوزراء الدنماركي بصوت عال وقال له نريد التأكيد في كل مناسبة على اهتمامنا بإسرائيل وأولويتها في الشرق الأوسط.

لقد لعب اليهودي هربرت بونديك الدنماركي والإسرائيلي الجنسية الدور الأساسي في إعداد كوبنهاجن انطلاقاً من يهوديته، حيث كانت أول خطوة قام بها أن توجه إلى إسرائيل واتفق مع ديفيد كمحي على مضمونها (وبالتأكيد مع غيره من الإسرائيليين). ثم طارا معاً إلى القاهرة وعرضاها على لطفي الخولي وأقنعاه بالتحرك من أجلها.

ويعتبر هربرت بونديك من أكبر رموز اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل في الدول الاسكندنافية وأحد أبرز القادة الصهاينة على المستوى الأوروبي، وله الكثير من النشاطات لصالح إسرائيل ودعم سياستها الاستيطانية والقمعية والعنصرية بقلمه وبمساهماته وعلاقاته لحشد الدعم والتأييد لها.

لقد طالب الإرهابي نتن ياهو خلال جولته في الولايات المتحدة الأمريكية في شباط 1997 الحكومات والشعوب العربية بأن يتعلموا التكيف مع السياسات الإسرائيلية. وجاءت جماعة كوبنهاجن لتؤكد استجابتها بالتكيف مع سياسات العدو الإسرائيلي وأخذت على عاتقها المشاركة في التكيف والتأقلم مع المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية.  لقد فشلت محاولات الاختراق اليهودي للمجتمعات العربية في المرحلة الماضية ولكنها للأسف أخذت بعد اتفاق الإذعان في أوسلو ووداي عربة تلقى النجاح تلو الآخر بسبب دعم الجهات الرسمية الفلسطينية والأردنية. إننا أمام مرحلة جديدة خططت لها الصهيوينة العالمية لاختراق مجتمعاتنا العربية عن طريق حفنة من المثقفين الانتهازيين الذين يعملون على تنفيذ المخططات الصهيونية بدلاً من القيام بتحصين الوطن والمواطن وحمايتهم من سموم الصهيونية وأخطارها.

إن المرحلة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والهيودية العالمية وأحزاب الاشتراكية الدولية الحاكمة في الدول الاسكندنافية وبقية الدول الأوروبية وترصد لها الأموال الطائلة وتستخدم فيها أساليب الإغراء ستزيد من إمكانية الاختراق اليهودي للجسد الثقافي والاقتصادي للأمة العربية وتخريب المجتمعات العربية.

حاولت إسرائيل وأحزابها المختلفة، كما حاولت الولايات المتحدة ومؤسساتها الكثيرة والإتحاد الأوروبي وأحزابه و منظماته، ومؤسسات اقتصادية وعلمية دولية، والمنظمات اليهودية المنتشرة في كل أنحاء العالم، حمل الشعب العربي على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام ولكنهم فشلوا جميعاً..

واستفاد حزب العمل الصهيوني وزعيمه شمعون بيريز من التجارب الفاشلة في اختراق جسد الأمة العربية الثقافي والإقتصادي التي قامت بها المخابرات المركزية والموساد وعملائهما في البلدان الأوروبية والعربية فوضع بيريز مخططات أفضل من المخططات السابقة وعلى مراحل معينة لتفرض نفسها في نهاية الأمر. واستفاد بيريز من نجاح تجربته مع قيادة عرفات بإجراء اللقاءات السرية أولاً ثم إخراجها إلى العلن في العواصم الأوروبية وفي تونس والمغرب وبتمويل من المخابرات المركزية ووصل هذا النجاح حداً تصهينت فيه العديد من الأوساط الفلسطينية في الضفة والقطاع، من القيادات والكوادر حتى العديد من أجهزته الشرطية والمخابراتية. وتنطلق إسرائيل من أن التطبيع ضروري للسلام، بينما يرفض العرب هذا المطلب وينفون مشروعيته الفكرية والسياسية والواقعية، لأن مفهوم التطبيع هو مفهوم “إسرائيلي يكرس مكافأة إسرائيل المعتدية على حروبها العدوانية وسياستها العنصرية والاستيطانية.

فالتطبيع مطلب سياسي واقتصادي لإسرائيل يكلل انتصاراتها العسكرية على العرب، ويعني القبول العربي به قبول المهزوم بشروط واملاءات ومصالح المنتصر..

إن إسرائيل التي فرضت كافة شروطها واملاءاتها على العرب عن طريق الراعي الأمريكي المنحاز كلية لإسرائيل لم تكتف بمعاهدات السلام التي أملتها على الأطراف العربية بل خططت من خلال التطبيع كي تصبح بوابة الاستيراد والتصدير للبلدان العربية مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.

إن التطبيع الثقافي اختراع إسرائيلي، ابتكره قادة حزب العمل ليحصلوا على الهرولة الشعبية بعد أن حصلوا على الهرولة الرسمية، لأنهم لمسوا أن اتفاقات الإذعان لا يمكن أن تلزم المواطن العربي بالتعامل مع إسرائيل، فالعلاقات الدبلوماسية لا تشمل مثل هذا الشكل من العلاقات.

ونظراً لانحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل في عملية التسوية ضغطت وتضغط على كل الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وانصاعت سطلة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والحكومة الأردنية للمطلب الإسرائيلي-الأمريكي وتبنتا سياسة الهرولة في تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه اضطرت سورية ولبنان إلى ربط التطبيع بالتقدم في العملية السلمية لعدم توفر الخيارات الأخرى أمامهما “ولفرملة” بعض الجهات العربية في التطبيع مع الكيان الصهيوني..

وأصبحت معادلة التطبيع من جراء سياسة الضغط والابتزاز والإغراء التي تمارسها إدارة الرئيس كلنتون على الشكل التالي: “وافقت بعض الأطراف العربية على الهرولة إلى  التطبيع، بينما ربطت جهات عربية أخرى التطبيع بالتقدم نحو السلام.”

ومن المتعارف عليه أن التوجه نحو السلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية..

“ولأن التطبيع كان منذ البداية مطلباً إسرائيلياً، وأصبح من وجهة النظر العربية الرسمية ورقة سياسية في إطار عملية التسوية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة الإرتباط والتلازم بين السلام والتطبيع، فالتوجه للسلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية أي العلاقات العادية بين الدول لكن لا يمنحه مشروعية شعبية…

إنه ليس بمقدور أحد أن يحمل الناس على إقامة علاقات مع من يرونه عدواً لهم حتى الآن، يحتل الأراضي ويهدد بالويل وبالثبور وعظائم الأمور لمن يقاوم احتلاله أو يطالبه بالجلاء عن الأراضي التي احتلها”. المصدر: عبد العيلم محمد، الحياة، في 25/2/1997.

 لقد رفض محمد السيد أحمد الذي شارك في دورات الحوار توقيع إعلان كوبنهاغن ووضح أسباب رفضه بقوله:

“يعود اعتراضي إلى أن لقاء كوبنهاغن قد خصص لإصدار بيان بعنوان تحالف من أجل السلام” وهو بيان معد سلفاً، ومطلوب من المشاركين توقيعه دون مناقشة. المصدر الحياة 28/1/1997. ويمضي محمد سيد أحمد متسائلاً: “كيف يمكن مطالبة مثقفين بتوقيع بيان دون أن تتاح لهم فرصة مناقشته مناقشة مستفيضة؟ كيف يتسق ذلك مع مفهوم المثقف أصلاً؟ ثم كيف يتسق هذا المنطق مع قضايا الشرق الأوسط العويصة بالذات؟ ويمضي الكاتب المصري قائلاً: لا أتصور ممكناً أن يكتب النجاح لعملية تطالب المثقفين العرب بالقفز دفعة واحدة من مقاطعة إسرائيل مقاطعة تكاد تكون شاملة إلى التحالف مع مثقفيها وبدلاً من بلورة “قوى سلام” في إسرائيل كفيلة بالتصدي لسياسات نتن ياهو المناهضة للسلام، سيفضي إلى تعميق الإنقسام في الصفوف العربية “الحياة 24/1/1997.

ولم يلب محمد سيد أحمد الدعوة لحضور إعلان كوبنهاغن لاحتجاجه أيضاً على عدم تضمين الوثيقة أية إشارة إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة، وكذلك امتنعت عن الحضور د.منى مكرم عبيد، والدكتور محمد السيد سعيد والسفير تحسين البشير.

وفي الثلاثين من كانون الثاني 1997 أعلن في العاصمة الدانماركية عن تأسيس التحالف العربي الإسرائيلي من أجل السلام “كهيئة عالمية-إقليمية شعبية بهدف إشراك الشعوب في توجيه ورقابة مسار الصراع العربي الإسرائيلي والمفاوضات المتعثرة وقيام التحالف كآلية لدفع ورقابة الحكومات المراوغة في التفاوض..

وضم الوفد المصري.. لطفي الخولي، حسن الحيان، د.عبد المنعم سعيد، علي الشلقاني، رمسيس مرزوق، د. مراد وهبة، أحمد شوقي، السفير صلاح بسيوني، ود. رضا محرم.

وتكون الوفد الأردني من عدنان أبو عودة وزيرالإعلام السابق، واللواء إحسان شردوم، رئيس سلاح الجو الأردني السابق، وتيسير عبد الجبار الوزير السابق، ومروان دودين، وزياد صلاح، وجورج حواتمة ورامي ضرري. 

وضم الوفد الفلسطيني: مروان البرغوثي (حركة فتح-اللجنة المركزية) -وجواد الطيبي، وحامد عبد القادر، ورياض المالكي، وحنا سنيورة، وخالد العسلي، وسري نسيبة، ومحمد حوارني وغسان الشكعة، ومحمد جاد الله. 

وضم الوفد الإسرائيلي أربعة من أعضاء الكنيست: مكسيم ليفي وأيهود لانكري من حزب جيشر، واثنين من حزب العمل باثيل ديان ودافيد كمحي، وناديا هيلو، وامون ايلون، واوري برنستن، واديت فوبرتال،ومايكل أور، وايهود يائيري، ويورام كينوك ورون بونديك.

وتشكلت سكرتارية دائمة من دافيد كمحي، لطفي الخولي، عدنان أبو عودة، وسري نسيبه.

فما هي حقيقة هذا التحالف؟ وما هي أهداف إعلان كوبنهاغن؟

يتبين للمرء من قراءة الإعلان أنه:

*لايشير إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة..

*وأسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي كرسته وتكرسه مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي قبلته الدول العربية..

*تنازل الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني…

*أهمل الإعلان المطالبة بوجوب إزالة المستعمرات اليهودية التي غرستها سلطات الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان..

ولم يتطرق الإعلان إلى طبيعة الاستعمار الاستيطاني اليهودي حتى أنه لم يذكر كلمة الاحتلال الإسرائيلي ولو مرة واحدة..

ويعني الإعلان إقامة التحالف المشبوه مع عدو غاصب وعنصري وكذاب والزج بالعرب في مستنقع التطبيع معه، ويعني التخلي العربي عن آخر ورقة بيد المفاوض السوري واللبناني وهي تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى السلام الشامل والعادل، وبالتالي يعني انفراد إسرائيل بسورية ولبنان وتهديد الأمن القومي العربي…

وأسقط الإعلان القناع عن وجوه دعاة التطبيع الفلسطينيين والعرب، دعاة السلام الكاذب، السلام الإسرائيلي الذي يعني الهيمنة الإسرائيلية السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية على الأمة العربية…

وعند التحليل الدقيق للإعلان ولدورات الحوار يتبين أن عملاء الموساد وضعوا شروطاً على حفنة المثقفين العرب الذين قبلوا ووافقوا عليها بدون تردد وهي:

*لايجوز اشتراط إزالة المستعمرات اليهودية من الأراضي العربية فهي قضية منتهية..

*لايجوز التحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من القدس العربية التي احتلتها إسرائيل فهي أيضاً قضية منتهية، فالقدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية..

*لايجوز التحدث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان…

*لايجوز المطالبة… بنزع سلاح إسرائيل النووي…

*لايحوز التحدث عن وقف الهجرة اليهودية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية بشكل دائم وتنذر باندلاع حروب جديدة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود..

*لايجوز انتقاد عنصرية الصهيونية وعنصرية القوانين الإسرائيلية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والإبادة الجماعية كسياسية رسمية..

*يجب محاربة الاتجاهات الوطنية والقومية والإسلامية في البلدان العربية…

*يجب محاربة القومية العربية والوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي ويجب التخلي عن مقاومة الاحتلال ونعتها بالإرهاب..

*إن إعلان كوبنهاغن محاولة يهودية لاختراق السياسة والاقتصاد والثقافة العربية لجر الشعب العربي للقبول بالأكاذيب والأساطير والخرافات والمزاعم اليهودية وإن هدف التحالف الجديد إعلان الحرب على كل المثقفين العرب الذين يرفضون الصلح والاعتراف بالعدو التاريخي للأمة ويرفضون تطبيع العلاقات معه وهيمنته على الوطن العربي.

ويطالب الإعلان مضاعفة جهود الشعوب لإقامة الآليات المناسبة لتدشين التحالف من أجل السلام ويعتبر الكفاح المسلح ضد الاحتلال عدو السلام ويجب التعامل معه على هذا الأساس.

يتحدث الإعلان عن “السعي الحثيث للاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة؟ فأي استقرار في المنطقة يقصده الإعلان؟ 

هل الاستقرار والأمن لإسرائيل الكبرى أم لهيمنة إسرائيل العظمى على الاقتصادات العربية؟ هل الأمن والاستقرار لتهويد القدس العربية والخليل وبقاء المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة؟

هل الأمن والاستقرار الذي يريده هؤلاء الحفنة من المثقفين العرب لاستمرار إسرائيل في نهب المياه العربية في لبنان والجولان والضفة الغربية وحتى في الباقورة الأردنية؟

إن خطورة إعلان كوبنهاغن في كونه  لا يمثل صيحة من مثقفين حول السلام والأمن في المنطقة وإنما يرمي إلى إيجاد واقع سياسي ثقافي عربي يخدم المطامع والأكاذيب اليهودية في الأرض والثروات العربية والقضاء على أي شكل من أشكال استمرار الصراع حتى ولو بالكلمة وبيت الشعر والكتاب..

“إن المزدوجات الثنائيات والتناقضات تزخر بها ممارسات إسرائيل، وحتى توجهها للتطبيع مع العرب يبدو متناقضاً مع الصلف والعسف، فالعلاقات الطبيعية تقوم بين أنداد وأكفاء، وليس مع طرف يتميز بالاستعلاء ويشعر بالتفوق وتحقير المحيط الذي يوجد فيه “. (المصدر: عبد العليم محمد الحياة في 25/2/1997..)

ويعلق عبد العليم محمد، رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام في القاهرة على إعلان كوبنهاغن والمثقفين الذين اشتركوا فيه ويقول:

“إن هذه الفئة من المثقفين أفسدها التطلع إلى النفوذ والسلطة، فالمثقف متحرر من القيود التي يعاني منها السياسي، فالأخير تكتنف ممارساته قيود علاقات القوى والمعطيات القائمة في اللحظة. ” (المصدر: عبد العليم محمد الحياة 25/2/1997م)

ويمضي رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام ويستنتج من إعلان كوبنهاغن أن الصراع العربي الإسرائيلي في تقديرهم لم يعد صراعاً بين إسرائيل والدول العربية وإنما صراع بين أنصار السلام وأعدائه في الجانبين ويؤكد أن هذه المقولة لا تتفق ومجريات الوقائع والأحداث، وفي هذا الإطاروضع إعلان كوبنهاغن الفاعليات الفكرية والسياسية في إطار جدول أعمال مفروض من الخارج، من إسرائيل والدول التي تناصرها في حين إننا بحاجة لجدول أعمال  قومي نابع من حوار عربي حول القضايا الكبرى التي تواجه أمتنا..

إن جماعة كبونهاجن حفنة من المثقفين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وكشفوا عن حقيقة دورهم الانتهازي المشبوه، فهذه الفئة المنحرفة والانتهازية تدعو إلى  إقامة منظمة للتحالف العربي الإسرائيلي وإسرائيل ترتكب المجازر الجماعية ومصادرة الأراضي العربية وإقامة المستعمرات اليهودية عليها وترفض الإنسحاب من القدس والجولان وجنوب لبنان..

إن إسرائيل التي يريدون إقامة التحالف معها هي إسرائيل دير ياسين وبحر البقر وأبو زعبل وداعل وقانا، وهي التي اغتصبت أرض فلسطين وحقنت أطفال الإنتفاضة بفيروس الإيدز، وأجرت وتجري التجارب الطبية والجرثومية وغازات الأعصاب على الأسرى من الفدائيين..

إن جماعة كوبنهاغن يريدون أن ينهزم العرب سياسياً ومعنوياً وثقافياً، فالهزائم هذه مدمرة للوطن والمواطن لأنها تقر بشرعية إسرائيل الغاصبة والمعتدية، ويرمون إلى تحويل الهرولة الرسمية إلى هرولة شعبية بمساعدة اسكندنافية وأمريكية وفلسطينية وأردنية لذلك نحذر من الهرولة والتطبيع مع العدو، كما نحذر من الدعوات المشبوهة لإقامة التحالف العربي الإسرائيلي الذي رافق تصريحات رئيس وزراء العدو المعادية للعرب والتي وصلت إلى حد مطالبتهم بترك أوطانهم ومغادرة المنطقة إن لم يقبلوا بسياسية القوة والردع والهيمنة الإسرائيلية. ويتبين من تحليل الإعلان أن لا قيمة سياسية له على صعيد التسوية السياسية، وإنما يهدف إلى توريط المثقف العربي في التطبيع مع العدو أسوة بالنظم العربية، وبالتالي يهدف إلى تحقيق التطبيع الثقافي، لحمل المثقف العربي على إعادة النظر في صورة إسرائيل الكريهة والبغيضة لديه ويقبل بسلام القوة والهيمنة والأمر الواقع..

إن عبارة التحالف العربي الإسرائيلي تحتوي على معاني ومدلولات في منتهى الخطورة فالتحالف ضد من؟ إنه ضد كل عربي يدافع  عن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني والحقوق القومية للأمة العربية، ويدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية ويتصدى للإرهاب والعنصرية والاستيطان اليهودي، فالتحالف الجديد موجه ضد كل مثقف عربي يحب وطنه وأمته ودينه ويرفض هيمنة إسرائيل على المقدرات العربية.

وتزعم جماعة كوبنهاغن أن هدفهم دفع مسيرة السلام المتعثرة على أبواب القرن الحادي والعشرين فهل يعتقد القارئ بأن هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال بمقدورها القيام بذلك بعد أن عجز العالم بأسره عن القيام  بمثل هذا الدور؟

لذلك يرى المفكر المصري صلاح الدين حافظ أن التوقيع على وثيقة كوبنهاغن له رد فعل مماثل لزيارة السادات للقدس وغزو العراق للكويت، وحرب عاصفة الصحراء التي خاضها التحالف الدولي، وبالتالي فإن إقامة تحالف كوبنهاغن الدولي والآليات التي انبثقت عنه ستثير حرباً طاحنة بين المثقفين العرب وستعمل وكالة المخابرات المركزية والموساد على تسعير أوارها، وفي أهدأ الأحوال سيقود هذا إلى شق صفوف المثقفين ويبعدهم عن مخاطر الاستيطان والتهويد والاحتلال وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان والإستعلاء وكراهية العرب واستباحة أرضهم ومياههم وثرواتهم كسياسة رسمية تلقى الدعم والتأييد الكاملين من الولايات المتحدة وأموالها وأموال ألمانيا وسويسرا لتغطية تكاليف الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين العربية..

ويؤكد جمال الغيطاني أن بعض إخواننا الفلسطينيين يدفعون بعض المثقفين للتعامل مع إسرائيل ولهم أصدقاء يلعبون دوراً خطيراً..( الحياة 5/3/1997).

اسمحوا لي أن أضع النقاط على الحروف واستنتج من كلام الغيطاني أن المقصود هو لطفي الخولي والذي حسب معلوماتي التي استقيتها من شخصيات فلسطينية كان يتلقى شهرياً ولسنوات عديدة عشرة آلاف دولار من ياسر عرفات..

إن التطبيع يخدم مصلحة إسرائيل واليهودية العالمية ويقود إلى التنازل العربي الرسمي والشعبي عن الحقوق والأرض والمطالب العربية، والمطبعون يقدمون خدمات مجانية لإسرائيل على حساب الوطن والمواطن والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين..

ولقد قبلت بعض الجهات الرسمية بالتطبيع تنفيذاً لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها الآخر قبل بالتطبيع أملاً في الحصول على بعض الفوائد الاقتصادية، وتناسى هؤلاء العرب الفوائد الهائلة التي يجنيها العدو من الاندفاع في التطبيع ومساعدته في تجاهل الحقوق العربية والقفز فوقها ومتابعة الاستيطان والغطرسة والاستهتار بالعرب وحقوقهم وثرواتهم وأراضيهم ومن هنا أستنكر وأرفض بشدة إعلان كوبنهاغن الذي وقعته حفنة من المثقفين العرب الذين وقعوا تحت تأثير إغراءات الدنمارك المادية والترفيهية وشباك الموساد السرية فالمال والجنس وحب السياحة والنجومية والمصالح المادية دفعتهم للموافقة على الإعلان فوقعوا في فخ الموساد وعملائه لشق صفوف المثقفين العرب واستقطاب بعضهم لتكوين جبهة يهودية-عربية-أوروبية لخدمة الأهداف الإسرائيلية..

ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن 

أظهرت ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن أن المفكرين والمثقفين العرب يرفضون التطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية فرضه على الأمة العربية بعد أن نجحوا في فرضه على العديد من الدول العربية.

لقد أثار إعلان كوبنهاجن بإقامة التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي ردود فعل عنيفة في الأوساط السياسية والفكرية والثقافية العربية وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية. 

وجاء ظهور التحالف المشبوه والخطير بعد أن طلب اليهودي هربرت بونديك ومن خلفه اللوبي اليهودي في الدانمارك والموساد أن تقوم الدانمارك باحتضان التحالف، وذلك أسوة بما قام به عملاء الموساد في النرويج في إغراء وترويض أبو العلاء لتوقيع اتفاق الإذعان في أوسلو. 

واستغل الموساد أموال الدانمارك لإغراء هذه الحفنة من المثقفين الانتهازيين بتحقيق الهدف الإسرائيلي بإخراج التحالف إلى حيز الوجود وخلق آليات جديدة للوصول إلى التطبيع الشعبي مع العدو الإسرائيلي. 

ورضخت هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال العرب للقبول بالأمر الواقع الذي فرضته إسرئيل في المنطقة العربية بالقوة والغطرسة والاستعلاء وأساليب الإبادة الجماعية وتدمير المنجزات العربية وقبلوا  القيام بدور معقد وشائك ومشبوه لتحقيق ماعجزت بعض الحكومات العربية والولايات المتحدة الأميركية عن تحقيقه وهو الهرولة الشعبية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عدوة الوطن والمواطن والعروبة والإسلام. 

قبلت هذه الحفنة من العرب بالهزيمة وتريد بمساعدة الدول الأوروبية وأموالها وإغراءاتها حمل الأمة العربية بأسرها على اللحاق بالطابور الرسمي للاستسلام والإذعان والتطبيع. 

فكيف يتحالف شعب احتلت أرضه واغتصبت حقوقه وهدرت كرامته مع عدوه التاريخي؟ ومن هنا جاءت ردود الفعل في الأوساط الثقافية العربية عنيفة وقوية على إقامة هذا التحالف. 

فاستنكر اتحاد المحامين العرب إعلان كوبنهاجن، ووصفه الأمين العام للاتحاد بأنه اختراق لحالة المقاطعة العربية والغضب الشعبي المتنامي ضد إسرائيل وسياستها العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الجولان وجنوب لبنان(208). 

وحذر اتحاد الصحفيين العرب في القاهرة جميع الصحفيين من التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل حتى يتم السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وطالب الأمين العام للاتحاد  صلاح الدين حافظ بـ محاسبة أي صحافي عربي يخرج على هذا الالتزام المهني والقومي. ودعا إلى مقاومة مايسمى التحالف العربي- الإسرائيلي باعتباره إحدى محاولات التطبيع مع إسرائيل، واعتبر بيان اتحاد الصحفيين العرب أن الذين شاركوا في التحالف من المثقفين والصحفيين العرب لا يملكون إلاّ أنفسهم وأن ذلك يواجه استنكار كل القوى النقابية والديمقراطية والشعبية في الوطن العربي. وأكد أن الاتحاد باعتباره منظمة نقابية قومية يقف بكل القوة ضد محاولات تفتيت الجبهة الشعبية العربية المقاومة للتعنت الإسرائيلي، سواء بالهرولة أو الاختراق بالتطبيع(209). 

وأصدرت اللجنة التحضيرية للجبهة القومية للاتحادات المهنية والنقابية العربية بياناً نددت فيه بهذا التحالف، وأشارت إلى أن الجماهير العربية صاحبة الكلمة العليا في الحرب والسلم والدفاع عن أرضها ومكانتها وحقوقها وترفض رفضاً قاطعاً أن ينوب عنها نفر قليل مهما يكن وضعهم. وأكدت الجبهة على نسف أية محاولة لاختراق الصف الشعبي العربي ووحدة الجماهير العربية وتصديها ورفضها ومقاومتها للتطبيع مع إسرائيل أو الاستسلام لها(210). 

وجاء في بيان الاتحاد العام للفنانين العرب: “إن هدف هذا التحالف هو تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي تكسرت على صخرته كل محاولات الاختراق في السنوات الماضية. إننا نحذر هؤلاء المتعاطفين مع إسرائيل من أن يزعموا أنهم يمثلون مجموعة أو طائفة. وفي الوقت نفسه يدهشنا أن تقوم دولة كالدنمارك ليست طرفاً في أية من مشاكل الشرق الأوسط باستضافة هذا المؤتمر. 

إن الاتحاد العام للفنانين العرب الذي يضم الفنانين في جميع البلدان العربية يستنكر هذه المحاولات للإساءة إلى المثقفين العرب والمصريين يؤكد موقفه الدائم برفض المفاوضة والتطبيع مع العدو الإسرائيلي حتى تتحقق عودة الأرض العربية لأصحابها وعودة حقوق الشعب الفلسطيني إليه وفي مقدمتها القدس الشريف.(211).

وجاء في بيان اتحاد كتاب مصر مايلي: 

“في الوقت الذي تتضافر فيه جهود الدول العربية المعنية بعملية السلام في اتخاذ موقف موحد بشأن الاستمرار في مسيرة السلام وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، خرجت علينا مجموعة من الأفراد تضم كتاباً ورجال أعمال مصريين وأردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين لا يمثلون لا شعوباً ولا نقابات ولا اتحادات ولا حتى جمعيات بزعم الدفاع عن السلام وتكوين تحالف تحت عنوان: “تحالف من أجل السلام”، إن هذا التحالف يضم أفراداً على علاقات وثيقة بإسرائيل ويؤكد أن الهدف الحقيقي من هذا التحالف هو إيجاد مفهوم للتسوية علىالطريقة الأميركية – الإسرائيلية”.(212). 

وجاء في بيان رابطة المثقفين المصريين: 

“ساعة وعشرين دقيقة فقط يحتاجها (40) من دعاة الاستسلام لإصدار بيانهم ،تحالف من أجل السلام وهو في الحقيقة تحالف من أجل الشيطان. فبعد مرور (20) عاماً من عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني  وبين الحكومة المصرية مازالت كل القوى الشعبية في مصر ترفض التطبيع على جميع المستويات الحزبية أو النقابية والجماهيرية أيضاً. من هنا كانت دهشة المثقف العربي بل والمواطن العادي من خروج قلة لا تمثل إلا نفسها بلا صفة لتشارك في التوقيع على هذا البيان الذي دعا  إليه وزير خارجية الدانمارك في محاولة مكشوفة لاختراق الموقف الرافض للمثقف المصري للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إننا نعلن أن استمرار تلك المساعي الفردية لا تعبر إلاّ عن موقف ووجهة نظر أصحابها وبدون أية تشنجات أو أية رغبة في إهالة التراب على أحد تمثل طريقاً خطراً على عملية السلام الشامل والعادل ذاتها”.(213).

وأكدت الأمانة العامة لحزب التجمع المصري رفضها للقاء كوبنهاجن، ونفت أية علاقة للحزب به، واعتبرته انزلاّقاً إلى التطبيع مع إسرائيل. وجاء في التصريح أن الأمانة العامة تؤكد للرأي العام المصري والعربي والعالمي مايلي: 

 ” 1- رفض أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل. مالم يتم التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة على كل جبهات الصراع في إطار الثوابت العربية وطبقاً لقرارات وآليات الشرعية الدولية. 

2- إن التفاوض من أجل التسوية السياسية منوط بالحكومات العربية وحدها، فهي المسؤولة أمام شعوبها و مؤسساتها الدستورية والسياسية ولا مجال هنا للهواة أو المتطوعين أو المدعين وبناء على ماسبق فإن الأمانة المركزية لحزب التجمع ترفض لقاء كوبنهاجن وتنفي أية علاقة لحزب التجمع به، وتعتبره انزلاقاً إلى التطبيع مع إسرائيل في ظروف غيرمناسبة وتوقيت  غير مفيد وعلى أسس خاطئة، وبآليات غير مقبولة”.(214)

ودعت الحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل القوى الوطنية إلى  شن حملة ثقافية مضادة لبيان كوبنهاجن لتعرية رموز التطبيع الثقافي. ووصفت تحالف كوبنهاجن بأنه تحالف مشبوه، هدفه تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الصهيوني وهو يتجه من ناحية أخرى إلى خدمة مخططات العدو الصهيوني بنشر ثقافة التطبيع والترويج لمفاهيم انهزامية”(215). 

ووصف الحزب الشيوعي المصري وثيقة كوبنهاجن بأنها تدشن مرحلة جديدة وخطيرة في محاولة التطبيع مع العدو على المستوى الشعبي”. وأشار بيان السكرتارية المركزية للحزب إلى أن هذا التحرك يأتي في وقت بلغ فيه التعنت الإسرائيلي الصهيوني الذروة وتوالت فيه التنازلات الرسمية العربية. ودعا الحزب المثقفين المصريين بوجه خاص والعرب بوجه عام إلى إدانة هؤلاء الذين لا يعبرون إلاّ عن ذواتهم، وكشف أهدافهم وعزلهم. كما دعا إلى تشديد النضال بكل الوسائل ضد الاستسلام والتطبيع مع العدو ومن أجل الحصول على الحقوق العربية كاملة”.(216).

ودعا نقيب المحررين في لبنان، نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب ملحم كرم إلى “ضرورة التصدي لتحركات مشبوهة يقوم بها مايسمى التحالف الشعبي العربي-الإسرائيلي (تحالف كوبنهاجن)، من أجل السلام، وأضاف: “إن اتحاد الصحفيين العرب يدعو إلى عدم التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل وعدم كسر مبادئ المقاطعة العربية حتى يتم السلام العادل والشامل”(217).
وقال د. اسحق الفرحان، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن: “إن التحالف الدولي من أجل سلام عربي- إسرائيلي… يأتي ضمن مسلسل التطبيع الذي يسعى إليه اليهود وتسانده الدول الغربية  وتهرول في قنواته دول عربية. إننا إذ نستنكر ونرفض هذا التطبيع فإننا ندعو أبناء أمتنا إلى مقاومته ورفض كل أشكاله. وإن الذين حضروا المؤتمر من الأردن وفلسطين لا يمثلون نبض الأمة وضميرها، وحضورهم يمثلهم فقط. بل يدعو المراقبين إلى وضعهم في دائرة الشبهة”.(218).

وعلق د. يعقوب زيادين، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني وقال إن جوهر “هذا الإعلان السييء موضوع من قبل صهاينة خبثاء طرقوا المشكلة بشكل لبق ليؤثروا على الأوروبيين الذين لا يعلمون بحقائق الأمور. وهذا لا يخدم أي قرار دولي بل يطلب من العرب أن يتنازلوا أكثر”.(219).

واعتبر النائب في البرلمان الأردني د. نزيه عمارين إعلان كوبنهاجن إحدى الخطوات المرسومة لتسريع عملية التطبيع، ولو على حساب المصلحة العربية. وتساءل عن سلام بدون سورية وبدون انسحاب كامل من الجولان المحتل وقال: “لقد كان على الوفد الذي شارك أن يدرك أن خطر إسرائيل ليس فقط على فلسطين بل على الأردن والأمة العربية ولم يتوقف عند حدود، ولهذا لا يجوز أن نشارك ونلتقي إلاّ لإدانتهم”(220). 

ووقع أكثر من (300) من المثقفين العرب بياناً اعتبر أن ماتم في كوبنهاجن هو خطوة في عملية متصلة ومتصاعدة تخطط بدأب ودهاء لكسر إجماع المثقفين العرب على رفض المشروع الصهيوني ورفض كل أشكال التطبيع مع الإسرائيليين… إن العرب الذين أسسوا هذا التحالف “انطلقوا من الشروط الإسرائيلية واتفاقات الصلح التي أبرمت بين الحكومات، واتخذوا موقفاً حيادياً وأحياناً مؤيداً للموقف الإسرائيلي من كل القضايا الجوهرية في الصراع  العربي- الإسرائيلي. من هنا شكل البيان تنازلاً واضحاً عن الموقف الشعبي العربي الذي يزعمون تمثيله، بل قبل بصياغات أدنى حتى من قرارات الشرعية الدولية. ودان البيان كل نشاط يترتب على إعلان التحالف”.(221).

وأجرى الإعلامي حمدي قنديل مواجهة مباشرة بين مؤيدي ومعارضي بيان كوبنهاجن  في محطة تلفزيون وراديو العرب (أ.ر.ت) بين ثلاثة من المثقفين المصريين الذين اشتركوا في المفاوضات التي سبقت إعلان كوبنهاجن واشتركوا في التوقيع عليه وهم :لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد ومحمد رضا محرم، وأربعة من المعارضين وهم: سعد الدين وهبة، وعبد العظيم أنيس وصلاح الدين حافظ ومحمد سيد أحمد، كما دعا سعيد كمال، الأمين العام المساعد للجامعة العربية. وقال المؤيدون: إن بيان كوبنهاجن يقدم مساهمة جديدة على طريق التسوية السلمية للصراع  العربي- الإسرائيلي اجتذب قطاعات شعبية واسعة. 

وقال المعارضون: إن البيان خدمة لإسرائيل باختراقه لجبهة المثقفين المعارضين لقضية التطبيع. وعرض سعد الدين وهبة وجهة نظره في الندوة وقال: “ماهو وزن وثيقة لبعض المثقفين أمام عشرات القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بإدانة إسرائيل ولم تنفذ؟! ومن هو الذي يعطي المثقف الحق في أن يفاوض؟! وباسم من؟! 

إن دور المثقف هو أن يعرف حدود مطالب أمته القومية ويدافع عنها بالقلم. والسؤال الذي يطرح نفسه على المثقف المصري والعربي محايد بالنسبة للقضية التي تناقشها وثيقة كوبنهاجن؟! 

وهل المثقف المصري محايد بين إسرائيل وبين العرب والفلسطينيين؟! وهل معنى كلام د. عبد المنعم سعيد أن الوثيقة لم تتكلم عن سورية لعدم مشاركة السوريين في الاجتماع، أن نعاقب سورية؟! وهل الدفاع عن الحقوق السورية يتطلب مشاركة السوريين في هذا التحالف؟! ألا نعرف ماهي الحقوق السورية للدفاع عنها؟! 

إن مسألة تحييد مصر بين العرب والإسرائيليين مطروحة منذ رفض جمال عبد الناصر الدخول في حلف بغداد حتى اليوم، وهي سياسة فشلت، وجاء مؤتمر القمة العربي الأخير في القاهرة ليؤكد أن الدول والشعوب العربية تعتبر مصر قوة مضافة لصالح العرب أمام إسرائيل. ووثيقة كوبنهاجن تقول عكس ذلك تماماً. بجعل مثقفين عرب مراقبين محايدين، يناشدون الأطراف المختلفة الصلح، ويساوون فيما بينها. ما أود أن أعرفه! إنشاء تحالف ضد من؟! ونحن كمثقفين مصريين وعرب نرفض ماجاء في هذه الوثيقة، فهل ياترى يكون هذا التحالف موجهاً ضد العناصر الوطنية في الوطن العربي التي تطالب باسترداد الحقوق العربية كاملة بما في ذلك الجلاء عن الجولان وجنوب لبنان وإعادة القدس العربية التي احتلت عام 1967. 

إن وثيقة كوبنهاجن لا تلبي المطالب العربية الدنيا، ولكنها بوضوح تقدم وجهة نظر إسرائيل وحلفائها من الأمريكيين في حل مايسمى بالصراع العربي-الإسرائيلي وجوهر الصراع في المنطقة إن إسرائيل تحتل أرضاً عربية وإن العرب يريدون حقوقهم وإسرائيل ترفض ذلك ودعوة الطرفين الإسرائيلي والعربي لتقديم تنازلات هي دعوة لصالح إسرائيل، فليس لدى العرب شيء يستطيعون التنازل عنه. وهذه الوثيقة لا تقدم أية مصلحة للطرف العربي بشكل عام ولا لمصر بشكل خاص التي قدمت مائة ألف شهيد دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والتي اعتبرتها طوال الصراع العربي الإسرائيلي قضية مصرية في المقام الأول(222). 

وقال محمد سيد أحمد في الندوة: “إنني غير معترض على مبدأ الحوار مع المثقفين الإسرائيليين في ظروف معينة وينصبُّ اعتراضي على اجتماع كوبنهاجن ونهجه لاعتراضي على كلمة تحالف.. إن استخدام  كلمة تحالف ماهو إلاّ عملية إعلامية مشوهة للحقائق الموجودة بالفعل على أرض الواقع. أما النقطة الأخرى فإنني أعترض أن يكون هذا هو دور المثقفين. فليس من دور المثقفين البحث عن اتفاقيات فهذا دور المفاوضين، ولذلك فأنا مع كلام سعد الدين وهبة من أن هناك خلطاً متعمداً في هذه الوثيقة  بين وظيفتين متميزتين فلا ينبغي أن نوظف مثقفينا في سبيل أن نصدرهم لتغطية  عمليات في جوهرها هي عمليات تفاوض ، وهي اختصاص أجهزة الدولة وليست اختصاص أفراد مستقلين.. وعندما يقال إن دورنا وهو دور المراقب فهذا عمل المفاوضين لا المثقفين(223). 

وقال صلاح الدين حافظ في الندوة: مايلي: 

“أنا سأنطلق من أنني أرفض البيان والتحالف جملة وتفصيلاً من حيث الشكل والمضمون. ولكي لا يقال نحن أعداء السلام الذي قام هذاالتحالف لمحاربته، لا أحد منا ضد السلام، وإنما أي سلام نختار تلك هي القضية المحورية. الملاحظة الأخرى أنني أعتقد أن التركيز  على فكرة إدماج المثقفين في عملية التطبيع قضية قديمة وتأججت أخيراً، ويمكن أن يكون بيرس من أبرز المنادين بها وبهرت عدداً من المثقفين والمفكرين العرب في فترة من الفترات، لكن الأمور اختلفت الآن.

وباختصار فلدي أربعة أسباب لمعارضتي لبيان كوبنهاجن ولتحالفه. النقطة الأولى هي الحديث حول التحالف من حيث المبدأ والتوقيت. فمن الخطورة بمكان في اعتقادي، أن نتحول من الحوار مرة قفزاً إلى المجهول وهو التحالف مع إسرائيليين انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية  واضحة، من الليكود يميناً إلى حزب العمل وغير ذلك ممن يسمون الليبراليين وفي هذا التوقيت الذي يصر فيه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل حتى الآن على التصلب والتعنت بشكل مطلق تجاه الدولة الفلسطينية وقضية الاستيطان ومسألة القدس وأسلحة الدمار الشامل، أي تجاه كل القضايا الخلافية الرئيسية.. النقطة الثانية تتعلق بالأسلوب الذي تم به إعداد الوثيقة وإعلانها في كوبنهاجن وأعتقد أن إعداد وثيقة عمل أوتفاهم  لإقامة تحالف بين أطراف معينة كالمثقفين فقد كان يفترض من هؤلاء المثقفين أن يجاهروا برأيهم إنما هناك ظروف غامضة وسرية تم بها إعداد الوثيقة ولأول مرة أسمع اليوم من عرض الأستاذ لطفي الخولي أن القضية يعد لها منذ فترة طويلة. وتثير هذه السرية الشك والريبة حتى لو كان الهدف صحيحاً فما بالك والهدف ملتبس وغامض بالنسبة لنا ثم إنه إذا كان التحالف صريحاً ويتسم بالشفافية والصراحة فلماذا يتم في كوبنهاجن ولا يطرح على الرأي العام ويدعى المثقفون لمناقشته؟! 

أما النقطة الثالثة فهي تبرز إلى ذهني رداً على ماقاله د. عبد المنعم سعيد، وأتساءل ماذا يمكن أن يفعله هذا التحالف؟! وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر على السياسات العنصرية المتطرفة في إسرائيل؟! هل يستطيع أن يغير موقف  إسرائيل من القضايا الجوهرية في القدس والاستيطان؟…. وأعتقد أن هذا التحالف سوف يثير معركة شرسة، وخصوصاً بين المثقفين العرب ما أغنانا عنها. النقطة الرابعة والأخيرة، وتتعلق بدور المثقفين في القضايا القومية الأساسية، ود. عبدالمنعم سعيد يقول وهل أنتم جيوش القومية العربية، وأنا أتساءل وهل دور المثقفين أن يجروا الأمة إلى مزالق؟! أم أن دورهم هو تنبيه الأمة إلى خطورة هذه المزالق وحقيقتها؟!… ولقد كان من القضايا المحورية في عقل شمعون بيرس على مدى سنوات طويلة،  قضية كيف يمكن أن ينجح التطبيع مع مصر وهي الدولة الأولى التي وقعت أول اتفاق سلام 1979، ومنذ ذلك التاريخ والتطبيع الشعبي لم ينجح في مصر. وأعتقد أن بيرس كان أول من طرح فكرة الاختراق والتطبيع مع المثقفين المصريين وصولاً إلى المثقفين العرب”.

وقال د. عبد العظيم أنيس: “ الوثيقة التي سأناقش بنودها، لا أهمية لها في الحقيقة، لافتقارها لأي ضمان لتنفيذها، فهي ليست أشطر من قرارات الأمم المتحدة المعطلة حتى الآن عن التنفيذ. لكن القضية الأساسية التي استفاد منها الإسرائيليون، أنهم وجدوا أن المثقفين المصريين وقفوا منذ معاهدة السلام عقبة أمام التطبيع، وبالتالي مطلوب البحث عن طريقة لاختراق هذه الجهة الصلبة من المثقفين التي قاومت التطبيع، وفي رأيي إن  اجتماع كوبنهاجن كان أحد أساليب هذا الاختراق المطلوب وفقاً لإلحاح الإسرائيليين والغربيين، أن تكون مثل هذه الاجتماعات جسراً يعبر منه الإسرائيليون إلى المثقفين العرب عموماً والمصريين على وجه الخصوص. وتأتي الوثيقة لتقول “نحن الشعوب”، ثم وصف الاجتماع بأنه اجتماع شعبي ودولي، بينما هم لا يمثلون لا الشعوب ولا المثقفين المصريين من قريب أو بعيد…  والدليل على التزييف أن يوصف الوفد الأردني بأنه شعبي، مع إنه وفد حكومي يضم رئيس الديوان الملكي، مروراً بقائد سلاح الجو الأردني السابق، انتهاءً بوزراء سابقين، وهذا لا يمثل الشعب الأردني…  وإن محاولة تصوير أن الشعب الفلسطيني كله كان ممثلاً هي محاولة غير صحيحة على الإطلاق… والكلام حول أعداء السلام في هذا البيان لا يقصد به سوى المثقفين المصريين الذين عارضوا هذه الاتجاهات ليصبح المشاركون في كوبنهاجن هم أنصاره، فأعداء السلام هم: سعد الدين وهبة وصلاح الدين حافظ وعبد العظيم أنيس ومحمد سيد أحمد، وكثيرون غيرهم. خلاصة الأمر أن الوفد المصري لا هو شعبي ولا يمثل المثقفين المصريين. والكلام الوارد في البيان مؤكد إنه لن ينفذ لأنه لا آلية ولا ضماناً لتنفيذه، ولم يكسب منه سوى الإسرائيليين(224).

هذه أبرز الردود العربية على إعلان كوبنهاجن والآليات التي انبثقت عنه التي أطلعت عليها. ولكن حزّ في نفسي مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والقيادي البارز رياض المالكي من الجبهة الشعبية سابقاً بشكل رسمي في لقاء كوبنهاجن حيث أكد محمد جاد الله ، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأنه حضر مؤتمر كوبنهاجن بصفته الرسمية، ودافع عن حضوره. 

ومن المؤلم حقاً أن يشن الشاعر سميح القاسم حملة شعواء على رافضي التطبيع وقال في مجلة المصور مفتخراً : “أنا نفسي حاورت مائير كاهانا (أقذر عنصري في إسرائيل)، وقلت للمثقفين العرب من إذاعة إسرائيل خلوا لكم النقاء الثوري في الكافتيريا وسيبوا لنا وسخ الحوار. نحن نحتمل وسخه إذا كان به وسخ. نحن عندنا هواية قومية أن نتوهم فزاعة ثم نخاف منها والتطبيع فزاعة، وأرى كل حكاية التطبيع والخوف منها كلاماً فارغاً.(225) 

لقد أصبحت جماعة عرفات وأبو مازن من أكبر الجماعات المتصهينة في الوطن العربي وخدمة إسرائيل في اختراق النسيج الاقتصادي والثقافي للأمة العربية. 

بهذا المنطق: يهاجم سميح القاسم المثقف العربي الذي يؤمن بأن وطن سميح القاسم “فلسطين عربية”، ويتمسك بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين والمسيحيين في فلسطين والقدس العربية، وبطبيعة الحال فإن سميح القاسم مسرور بتحالف كوبنهاجن، حيث وصفت صحيفة معاريف الإسرائيلية تحالف كوبنهاجن بأنه يشبه حركة السلام الآن الإسرائيلية. 

وأضافت معاريف أنه تم تشكيل لجنة رباعية لتوجيه التحالف من ديفيد كمحي ولطفي الخولي وعدنان أبو عودة وسري نسيبة، وسوف تقدم حكومة الدانمارك الرعاية والتمويل”(226).

إن تحليل طبيعة الحفنة العربية المشاركة في إعلان كوبنهاجن تظهر بجلاء أنهم لا يمثلون ضمير الشعب والأمة ولا يتمسكون بالحقوق والثوابت العربية. بخلاف الجانب الإسرائيلي الذي هو أقرب إلى جانب المفاوض الإسرائيلي الرسمي الملتزم بأجماع تجمع العمل وتكتل الليكود وبالخطوط الحمر التي وضعتها حكومة نتنياهو. 

وينفذ الفلسطينيون توجيهات ياسر عرفات، رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود. ويمثل الأردنيون الموقف الرسمي للحكومة الأردنية وهم مع الفلسطينيين يعرضون تصورات عرفات والحكومة الأردنية دون أن يعلن الطرفان ذلك لكي يتحملوا هم وحدهم عواقب الفشل كما لا يستطيعان الزعم بأنهما يمثلان أحداً حتى أن سلطة الحكم الذاتي والسلطات الأردنية لم تعلنا الدعم العلني لهما. 

لقد أثبتت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة والخليل أن صراع الأمة العربية ودولة اليهود، الدخيلة على المنطقة والغريبة عنها والمغتصبة للأرض والحقوق والثروات العربية لا يمكن أن يتوقف بل سيتخذ أشكالاً وأساليب جديدة، فالصراع صراع وجود، والتطورات السياسية تكشف يوماً  بعد يوم مدى عمق الأزمة، والمأساة والكارثة التي حلت بالأمة جراء اتفاق الإذعان في أوسلو وماتبعه من اتفاقات. لذلك علينا أن نتمسك بمقاومة الاحتلال أكثر من أي وقت مضى ووقف كل العلاقات والتطبيع معه الذي أقدمت عليه بعض الجهات العربية والإسلامية لتحرير الأرض واستعادة الحقوق والقضاء على الطابع العنصري والكولونيالي والإرهابي  للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان. 

آليات تحالف كوبنهاجن 

حدثت تطورات خطيرة في المنطقة خلال بلورة إعلان كوبنهاجن لم تثن جماعة كوبنهاجن من العرب عن الولوج في شباك العدو الإسرائيلي منها: 

أولاً: حرب عناقيد الغضب العدوانية على لبنان ومجزرة قانا التي ارتكبها المعتدي بيرس. 

ثانياً: نجاح نتنياهو في الانتخابات وتولي الليكود المتطرف للحكم وتخليه حتى عن الاتفاقات التي أملتها الحكومة الإسرائيلية على قيادة عرفات وأبرمتها معها، وتخليه عن ماتم الاتفاق عليه عن طريق المفاوضات المباشرة بين الحكومة الإسرائيلية السابقة وسورية. 

ثالثاً: تسعير حمى الاستيطان اليهودي في القدس والخليل وشق الطرق الإلتفافية وتصعيد عنصرية المجتمع الإسرائيلي. وأدت المواقف والممارسات الإسرائيلية الرسمية والشعبية إلى وصول التسوية إلى حافة الانهيار. 

وانطلاقاً من هذه الحقائق على الأقل كان من المفروض على جماعة كوبنهاجن التوقف عندها وقطع الحوار مع الصهاينة والعمل على رصّ صفوف المثقفين العرب للتصدي للأطماع اليهودية المعادية للوطن والمواطن والأمة والدين. 

تطالب جماعة كوبنهاجن بوقف أعمال العنف أي وقف المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. فكيف تساوي هذه الجماعة بين القاتل والضحية؟! بين المجرم والبريء، بين المستعمر والمحتل والمغتصب للأرض والحقوق والشعب المصادرة أرضه وحقوقه وأسباب حياته؟! 

لماذا يتناسى لطفي الخولي جرائم إسرائيل التي لم تتجرأ ألمانيا النازية  على ارتكابها على مرأى ومسمع العالم ولن ترتكبها لو وجدت اليوم. 

إن اليهود يتذكرون باستمرار جرائم النازية ضد اليهود ونجحوا بحمل الأجيال الألمانية الناشئة على تحمل مسؤولية ما ارتكبته النازية. 

لماذا لم يتطرق البيان إلى عنصرية وفاشية ووحشية قوات الاحتلال الإسرائيلي؟! 

لماذا لم يتطرق البيان إلى شرعية المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان؟! 

فأين مفاهيم الحق والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان لدى جماعة كوبنهاجن وخاصة العرب منهم؟! 

لقد تصهين عرب كوبنهاجن وسقطوا في المستنقع الإسرائيلي المعادي للعروبة والإسلام ومفاهيم الحق والعدالة. 

أقرت جماعة كوبنهاجن عدة آليات لتنفيذ ماورد في الإعلان وتوسيع دائرته  بدعم مالي وسياسي وإعلامي مباشر من اليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. 

واتفقوا على أن يكون للتحالف مجلس أمناء يضم مجموعة من الشخصيات الدولية من أميركا وأوروبا وافريقيا. وشكلوا لجنة توجيه وإشراف تتكون من ممثلين من العرب والإسرائيليين بممثل واحد عن كل بلد بالإضافة إلى عميل الموساد هربرت بونديك عن الدانمارك وممثل من الولايات المتحدة وآخر عن أوروبا، وتركوا اللجنة مفتوحة أمام المثقفين السوريين واللبنانيين.

وانبثقت أيضاً سكرتارية دولية “اتفق على أن تمارس مهماتها مؤقتاً في كوبنهاجن  لمدة ستة اشهر قابلة للتجديد لفترة أخرى، حتى يتم الاتفاق على اختيار موقع دائم لها في منطقة الشرق الأوسط.(227).

وتعهدت وزارة الخارجية الدانماركية بتحمل ميزانية السكرتارية ونشاطها طوال وجودها في العاصمة الدانماركية، وسيجدون التمويل فيما بعد من الاتحاد الأوروبي والمؤسسات والهيئات والشخصيات المعنية بالتطبيع الثقافي. 

وقررت لجنة التوجيه والإشراف في أول اجتماع لها في شباط 1997 تكوين أربع لجان عمل دولية للمراقبة التحقيق والاتصالات والتقارير وعقد الندوات والمحاضرات والاجتماعات الجماهيرية في المنطقة وأوروبا. 

وتقرر أن تختص  الجنة الأولى بمتابعة المفاوضات بين الحكومات ومراقبتها، وتختص اللجنة الثانية بالعنف والثالثة بالاستيطان والرابعة بالتعاون الإقليمي. 

وتدرس جماعة  كوبنهاجن بدعم وتأييد كاملين من القوى الخفية التي أوجدتها استكمال اطر ومؤسسات التحالف الدولي، لأنه بحسب قول لطفي الخولي:” يشكل ظاهرة لا سابقة لها في تاريخ ومسار الصراع، ويدخل إلى ساحته قوة حركية جديدة من الشعوب وقواها الفاعلة من المثقفين.”(228).

“نحن إذاً أمام أساليب جديدة تتميز بالهجومية، وبالتخطيط طويل المدى والدعم المادي والمعنوية اللامحدود وبالعمل على تصدير الانقسامات وتخليق وبلورة ومشاعر جديدة وتوسيع الثغرات في جدار المقاومة والرفض والتمسك بالحقوق العربية.”(229) 

اقتصرت الاستراتيجية العربية في الدفاع عن الوطن وتحصينه من عمليات الاختراق الصهيوني على دعامتين:

الأولى: تعبئة النقابات والاتحادات المهنية والمنظمات الشعبية. 

والثانية: عقد مؤتمرات وندوات ومحاضرات قطرية وقومية نظمها وينظمها ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي والأحزاب والقوى المناهضة للصهيونية والتطبيع والاستسلام ولجان الدفاع عن الثقافة القومية. 

وإزاء تحالف كوبنهاجن وعقد القمم الاقتصادية والأمنية نجد أن هذه الأساليب في التصدي للتطبيع والاستسلام لم تعد كافية رغم أنها أدت دوراً هاماً وبارزاً في التصدي للتطبيع وفرملة الهرولة، لم تعد كافية أمام المخططات والمساعي الأميركية والأردنية وبعض الجهات الفلسطينية والعربية لذلك فالأمة العربية والإسلامية بحاجة ماسة لاستراتيجية هجومية لمواجهة دعاة التطبيع الثقافي والاقتصادي والتصدي لهم بحزم وعزلهم عن مجتمعاتهم، بحاجة إلى حركة قومية جماهيرية على مستوى الوطن العربي. 

إن الهرولة في تطبيع العلاقات ستقود إلى زيادة أطماع إسرائيل وطاقاتها العدوانية والتوسعية والاستيطانية وإلى خلق جماعات من رجال الأعمال وبعض الانتهازيين من المثقفين تتفق أرباحهم ومصالحهم وعلاقاتهم في التعامل والتعاون مع إسرائيل بغض النظر عن موقفها من الحقوق والأرض والثروات العربية وعلى حساب السلام العادل والشامل. 

إن المصلحة الوطنية والقومية تتطلب وقف اندفاع هذه الأوساط نحو العدو الإسرائيلي، لاسيما وأن اليهودية العالمية التي تسيطر على الرئيس الأميركي والكونغرس ووزارة الخارجية تسعى لأحكام سيطرتها على العالم لفترة طويلة جداً من الزمن. 

إن المثقفين العرب مطالبون اليوم أكثر من أي فترة مضت بالتعلم من تجارب الماضي في تعزيز مقاومة الصهيونية والامبريالية والعنصرية والاحتلال الإسرائيلي والتطبيع وتطوير آليات جديدة لزيادة فعاليتها. 

يجب أن نؤكد على منطلقاتنا الوطنية والقومية في وجه حملات التشكيك التي تقودها اليهودية العالمية والولايات المتحدة وبعض الحكام العرب. 

يجب أن نؤكد على معتقداتنا التي تنطلق من أن عداءنا للصهيونية عداء استراتيجي ثابت ومستمر.ونحن نعاديها لأنها الامتداد الاستراتيجي للامبريالية في الوطن العربي، ومن أخطر أنواع الكولونيالية، نعاديها لأنها اغتصبت أرضنا العربية ولأنها ايديولوجية وحركة عنصرية كولونيالية توسعية، استيطانية تمارس العنصرية والإرهاب كسياسة رسمية. 

نعاديها لأنها تهدد وجودنا القومي وتسلب الأمة العربية إمكانيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعمل على إخضاعنا لهيمنتها والهيمنة الأميركية. 

فالمعركة مع إسرائيل والولايات المتحدة تدور على عدة جبهات، جبهات سياسية وعسكرية واقتصادية والجبهة الثقافية. 

إن ثقافتنا القومية تستنهض من الماضي وخبراته والقيم الشعبية وتبدع وتطور وتضيف من أجل التحرر والوحدة والتكامل الاقتصادي وتحقيق الازدهار الاجتماعي. 

أما ثقافة التطبيع، فهي ثقافة التبعية والاستسلام للعدو اليهودي وتعمل على التجزئة والتخلف والتبعية السياسية والاقتصادية وتغذي الفتن الطائفية وتبدد الثروات العربية وتسلبها. 

إن ثقافة التطبيع، ثقافة التبعية ترسخ حالة  التبعية السياسية والاقتصادية بينما تقوم الثقافة الوطنية بأثراء حركة التحرر الوطني العربي. 

إن الثقافة العربية المقاومة لا تخضع لإرادة الصهيوني المنتصر، لا تخضع لإرادة القوة المسيطرة بالاحتلال والقهر والعدوان والإذلال وتتخاذل أمامه بل تتصدى له وتخوض معه معارك  على جميع الجبهات لوقف الغزو اليهودي وردعه وتحرير المنطقة منه لأنه يهدد المصير القومي باستعمار استيطاني يهودي وعنصري وأخطر أنواع الاستعمار والاستيطان الذي عرفته البشرية ويهدد الوطن العربي بالهيمنة والتبعية. 

وإن ثقافة المقاومة تتجلى في رفض المثقف الفلسطيني أولاً والعربي ثانياً للكيان الصهيوني رفضاً غير قابل للمساومة. 

إن الصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أبداً حله من خلال هنبكات عرفاتية وكعكات اقتصادية وإنما فقط من خلال انسحاب القوات الإسرائيلية المعتدية وإعادة الحقوق العربية المغتصبة وتدمير المستوطنات والتوقف عن الهجرة اليهودية وترحيل العرب. 

فالصراع لا يمكن حله إلاّ من خلال الانسحاب الشامل وعودة اللاجئين وحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وتجريد إسرائيل من السلاح النووي والتقليدي. 

ويأتي بعد ذلك العامل الاقتصادي أي بعد تسوية جوهر الصراع ويجب التوقف أولاً عن قبول التسويق الأميركي للتعاون الاقتصادي بحجة “إغراء إسرائيل” على التوجه إلى السلام الإسرائيلي، فهذه الذريعة أكذوبة من أكاذيب إسرائيل سوّقتها الولايات المتحدة الأميركية بوعود كاذبة وأساليب ملتوية ومخادعة. 

إن الدول العربية مطالبة باستخدام آليات الجامعة العربية لوقف التطبيع وإحياء المقاطعة وتشديدها وتفعيل التنسيق فيما بينها وتجاوز خلافاتها وتوحيد جهودها ودعم الموقف السوري واللبناني والمقاومة الفلسطينية واللبنانية وزيادة تسلحها وتقوية جيوشها للاستعداد للمواجهة القادمة في المستقبل. 

إن المشروع الصهيوني لإقامة الشرق الأوسط الجديد يعطي إسرائيل الدور القيادي في المنطقة والمهيمن على الاقتصادات العربية ويصفي فكرة الوحدة العربية والوحدة الاقتصادية. ولكن المشروع العربي هو البديل الوطني والقومي والشرعي والوحيد لمواجهة المشروع الصهيوني ولتحقيق تنمية عربية متكاملة ولحماية الأمن القومي العربي وتحسين حياة المواطنين العرب، لذلك لا يجوز على الإطلاق القبول بما يفرضه الأعداء الصهاينة علينا، فالمطلوب رفض النظام الإقليمي الجديد ورفض السوق الشرق أوسطية ورفض التطبيع الثقافي والاقتصادي والتصدي لمروجيه. 

فالتناقض الأساسي بين المشروع الصهيوني- الامبريالي والمشروع العربي يفرض على القوى الوطنية والقومية والدينية العمل لتحقيق المشروع العربي وقتل المشروع الشرق أوسطي في المهد قبل الإقلاع. 

فالمشروع الصهيوني يقود إلى التبعية وإلى هيمنة إسرائيل والولايات المتحدة على الدول العربية وينطلق نظام الشرق الأوسط الجديد من نظرة يهودية استعلائية عنصرية تنظر للعرب نظرة كراهية واحتقار وكبقرة حلوب وتحويلهم إلى خدم وأجراء وقوة عمل رخيصة وسوق استهلاكية فقط للمنتجات الإسرائيلية والغربية. 

إن الشرق أوسطية لا تخدم إعادة الاعمار وإزالة الدمار الذي خلفته إسرائيل في فلسطين وسورية ولبنان والأردن ومصر وتتحمل الدول العربية نفسها ودول النفط العربية مسؤولية إعادة الإعمار، ولكن السوق الشرق أوسطية تعمل على تسريع نمو الأسواق أمام الدول الصناعية وعلى رأسها إسرائيل ويزيد النظام الإقليمي الجديد من قدرة إسرائيل على حل أزماتها الاقتصادية وجذب الاستثمارات العالمية والشركات المتعددة الجنسيات إليها. 

أما القول بأن الشرق أوسطية سوف تجلب التقدم والازدهار وترفع من مستوى شعوب المنطقة فإنها على الأرجح تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى وتخدم هيمنتها على الاقتصادات العربية في ظل الامتيازات والحماية التي تحصل عليها من النظام الإقليمي الجديد، وتؤدي إلى تزويد الاقتصاد الإسرائيلي بعناصر قوة جديدة تمكنه من استيعاب المزيد من المهاجرين وإقامة المزيد من المستوطنات، وتصبح مركزاً قائداً ومهيمناً‌ داخل النظام الجديد. 

وستتحول إسرائيل إلى رأس جسر وقاعدة للشركات المتعددة الجنسية وستزيد من تبعية المنطقة العربية لها. 

إن ممارسات إسرائيل مع منطقة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع تعطي مؤشراً على هيمنة إسرائيل وسلوكها الاستعلائي تجاه العرب واستخدامها القوة والتطبيع والكذب والخداع والولايات المتحدة الأميركية وضعف وهزالة واستسلام المفاوض الفلسطيني لفرض سلام غير متكافئ على العرب يعطي الأولوية لأمن ومصالح إسرائيل الاقتصادية على حساب البلدان العربية. 

إن نظام الشرق الأوسط الجديد الذي تتمتع إسرائيل فيه بالتفوق العسكري التقليدي والنووي وبالسيطرة الاقتصادية والإعلامية وعلاقات التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة تجعل العرب في وضع التبعية والخضوع لها وللتفرقة بين الدول العربية واستخدام العرب ضد العرب لحراسة وحماية وترسيخ وتعزيز المصالح الإسرائيلية والأميركية. 

ويتطلب نجاح التنمية الاقتصادية العربية والتكامل الاقتصادي قيام المستثمرين العرب بدور فعال في التنمية الاقتصادية وإزالة كافة العقبات أمام الاستثمار العربي في البلدان العربية. 

أجبرت الولايات المتحدة الدول العربية على عقد القمم الاقتصادية بحضور وفود رسمية والقطاع الخاص ورجال الأعمال العرب لتحقيق التطبيع الشعبي بعد أن فرضت على العديد من الدول العربية الموافقة على التطبيع الرسمي. 

وأدى ذلك إلى خلافات وانقسامات حادة بين المفكرين والسياسيين العرب بين رافض للقمم الاقتصادية وموافق عليها ويبرر الفريق الرافض موقفه بمايلي: 

1- إن الدخول في اجتماعات ومؤتمرات اقتصادية “شرق أوسطية” يعني السماح لإسرائيل بالهيمنة على الأسواق العربية. 

2- إن تقدم الاقتصاد الإسرائيلي والتكنولوجيا الإسرائيلية وروابط تل أبيب برأس المال العالمي يعني إخضاع الاقتصادات العربية لأساليب استعمارية. 

3- إن التعاون الاقتصادي سيكون أداة لتسلل وتجسس إسرائيل على المجتمعات العربية. 

4- إن التعاون الاقتصادي سيعطي إسرائيل قدرات اقتصادية إضافية تسمح باستيعاب المزيد من اليهود (المهاجرين) ومن ثم تجري عمليات تهويد ماتبقى من الأراضي العربية المحتلة. 

5- إن القبول بالتعاون الاقتصادي مع إسرائيل يُعطي مشروعية للوجود الإسرائيلي ويقلل من إرادة المقاومة لدى العرب. 

6- إن إسرائيل ستخلق من خلال التطبيع جماعات مصالح موالية لها داخل العالم (الوطن) العربي. 

7- إن المشروع الشرق أوسطي يهدف بالأساس إلى تجاوز المشروع العربي وطمس هوية المنطقة ونزع خصوصيتها العربية(230).

وتحاول إسرائيل باللعب بين الأطراف العربية الحصول على أكبر التنازلات والامتيازات، ونجحت في القمة الاقتصادية في الدار البيضاء في جعل إسرائيل مركز التعاون الاقتصادي في المنطقة وتبوأت دور القيادة بدلاً من مصر وركزت على الأردن. 

أما قمة عمان الاقتصادية فأدت إلى انهيار التنسيق العربي وهرولة بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي. وتنافست قطر ومصر على عقد القمة الاقتصادية في القاهرة مما دفع شمعون بيرس إلى القول: “من كان يتوقع  أن تتنافس الدول العربية فيما بينها على استضافة مثل هذا المؤتمر(231). 

ويتطلب البديل العربي في مواجهة النظام الشرق أوسطي التركيز على البعد السياسي والاجتماعي العربي وتأكيد الحقائق التالية: 

* إن العرب أمة واحدة ذات حضارة ولغة وقيم وتقاليد مشتركة وتعيش في منطقة واحدة من المحيط إلى الخليج جزأها الاستعمار لخدمة مصالحه ومصالح اليهودية العالمية. وإن التنمية العربية الشاملة ترفع مستوى حياة أبناء الوطن العربي بأسره وتخدم رسالة الأمة العربية للإنسانية.

وإن التنمية العربية لكي تحقق الاستقلال بشقيه السياسي والاقتصادي والأمن القومي العربي وتطوير مستوى حياة أبناء الأمة تستلزم التوجه العربي نحو التكامل العربي والوحدة العربية

رافق عملية التسوية التي بدأت في مدريد مظاهر خلل أساسية ليست في صالح الدول العربية وإنما صبت في صالح العدو الإسرائيلي ومنها: 

أولاً: الخلل في ميزان القوى العربي والإقليمي والعالمي لصالح العدو الإسرائيلي وانحياز الراعي الأميركي في عملية التسوية لإسرائيل وتصميم إسرائيل  على فرض شروطها على الأطراف العربية. 

ثانياً: عدم وجود مرجعية واضحة محددة متفق عليه حيث تتباين التفسيرات للقرارين 242 و 338 وعدم رغبة الولايات المتحدة بممارسة الضغط على إسرائيل لحملها على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. 

ثالثاً: استمرار عملية التسوية منذ عام 1991 بدون تحديد مدة زمنية محددة، حيث تعلن إسرائيل عزمها على التفاوض مدة طويلة جداً لمراهنتها على عامل الزمن في خلق حقائق يهودية على أرض الواقع في الأراضي العربية المحتلة. 

رابعاً: تنصل إسرائيل من المواعيد التي تم الاتفاق عليها في المفاوضات وتضمنتها الاتفاقات المبرمة واعتبارها أن المواعيد غير مقدسة وعدم الالتزام بها والتفاوض من جديد على الاتفاقات التي تم التوصل إليها. 

فالأطراف العربية أمام عملية تفاوضية ليس لها مرجعيتها المحددة والمتفق عليها، وليس لها مدة زمنية، وإنما هي عملية طويلة الأجل تفرض فيها إسرائيل شروطها عن طريق راعي عملية المفاوضات المنحاز لها، وتعمل على استغلال الزمن لتفتيت ماتبقى من النظام العربي وتغيير التحالفات العربية لمصلحتها وإجبار الجهات الرسمية العربية على الهرولة إلى  تطبيع العلاقات معها. 

إن اليهود لا يفكرون إلاّ‍ في أرباحهم الفاحشة على حساب مصالح الشعوب الأخرى، فاستغلوا دافعي الضرائب في الولايات المتحدة وألمانيا، وصادروا أرض فلسطين العربية، ونزعوا عنها طابعها العربي واستغلوا شعبها وثرواتها، ودمروا المنجزات العربية، في فلسطين وسورية ولبنان والأردن ومصر. ويسعون حالياً لاستغلال الأسواق والأموال والثروات والمواد الخام والأيدي العاملة العربية. 

 وإن اليهودية العالمية تسعى لاتخاذ إسرائيل قاعدة لامبراطورية يهودية عالمية تسيطر على البلدان العربية بموقعها الاستراتيجي الهام وثرواتها الطائلة، ولذلك يجب الوقوف والتصدي لاختراق إسرائيل للمجتمعات العربية تحت أوهام وأكاذيب الازدهار والسلام. فالمطلوب:

تأسيس لجان لمناهضة التطبيع والاستسلام في كل المحافظات في كل بلد عربي. 

* عقد سلسلة من المؤتمرات لشرح أبعاد المخطط الصهيوني. 

* تضم الحركة كافة القيادات السياسية والفكرية والثقافية، والأحزاب والمستقلين. 

* بدأ التطبيع مع الحكومات رسمياً وانتقل إلى رجال الأعمال والمثقفين ورجل الشارع، وذلك لمحاصرة المستقبل العربي والتغلغل في كافة نواحي حياتنا السياسية والثقافية والاقتصادية. وجوب توحيد جميع الجهود للدفاع عن هويتنا، هوية أمتنا ومصالحها التاريخية في سيادتها على أرضها ومواردها واستقلال قرارها السياسي. 

* دعوة الأمة باستخدام حقها الشرعي في استخدام كافة وسائل المواجهة. 

* السعي لإحكام الحصار الشعبي على الكيان الصهيوني، بما في ذلك  المقاطعة الشعبية الشاملة للبضائع والأفراد والمشروعات الصهيونية. 

* مواجهة النظام الشرق أوسطي وعمليات التطبيع وإبداع الأدوات والأساليب الكفيلة بتحقيق الهدف. 

* يهدف المشروع الصهيوني، إلى السيطرة على عقل الأمة وروحها ومقدراتها الاقتصادية ومقدساتها الدينية ومحو هويتها لتحقيق إسرائيل العظمى. 

* وجوب إحكام الحصار الشعبي على الكيان الصهيوني ومقاومة كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. 

* السماح بوجود الصهاينة على أرض الأردن جريمة لا تغتفر. 

* إن البعد الشعبي هو السلاح الرئيسي في معركة مقاومة الضغوط الأميركية. 

* إن الذي يفرط في قضية القضايا: فلسطين لا أمان له ولا صدق ولا إخلاص فيما يطرحه من آراء أو أفكار في أية قضية أخرى. 

* إن الذي يدافع عن أرضه ووطنه وعقيدته لا يجوز إطلاقاً القبول بوصفه بالإرهابي فحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي هم مجاهدون، هم طلائع الأمة في مواجهة الأطماع الصهيونية. 

* إعادة الاعتبار للمقاطعة العربية والتمسك بميثاق الشرف للمثقفين العرب. 

* عدم التلاقي بين المشروع العربي والاستعمار اليهودي الاستيطاني. 

* التصدي للأصوات والأوساط المتصهينة في الضفة والقطاع وبقية البلدان العربية. 

* رفض الهزيمة والاستسلام والهيمنة والمزاعم والأساطير والخرافات والأكاذيب والأطماع الصهيونية وتهيئة الأجواء للأجيال القادمة لاستمرار الصراع. 

* تقدير الشهادة و الشهداء والعمليات الاستشهادية وذكرى سليمان خاطر وسناء محيدلي ولولا عبود وأبطال العمليات الاستشهادية في فلسطين العربية. المقاومة أفضل من اليأس والاستسلام. 

* اكتسح التطبيع معظم الدول العربية مقدمة لتذويب الهوية العربية في الشرق أوسطية. 

* وجوب تثبيت اعتبار الصراع صراع وجود وتثبيت العداء والكراهية ورفض الصلح والاعتراف والتعايش مع العدو تغذية إرادة المواجهة والمقاومة. واعتبار أن الصراع صراع ديني وقومي ووطني. 

* التركيز على البعد العربي لقضية فلسطين  والتفاعل بين المنظور القومي والإسلامي بشأن فلسطين. 

* علينا أن نقول للمواطن العربي  كن على حذر، هذا هو العدو بشخصه أو بمؤسسته أو بأصدقائه وعملائه أو بمنتجاته وبنفوذه وجمع المعلومات عن العدو وأماكن اختراقه وأساليبه هو الواجب الأول والأساسي. 

■■■

الفصل الخامس

مخاطر القمم الاقتصادية والتطبيع 

تعود فكرة عقد المفاوضات المباشرة والمتعددة الأطراف والقمم الاقتصادية والأمنية واللقاءات والتحالفات الثقافية، كلقاء غرناطة وتحالف كوبنهاجن إلى حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه شمعون بيرس. 

وترجع جذورها إلى تيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، والذي تخيّل في يومياته قيام “كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل ودور اقتصادي قائد”. 

وانبثقت عن أفكار ومخططات بيرس القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية. لذلك يواجه النظام العربي في مطلع القرن الحادي والعشرين مخاطر قيام النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية بزعامة “إسرائيل”، العدو التاريخي للعروبة والإسلام، حيث بدأ السرطان الإسرائيلي يتفشى في قلب الجسم العربي، ليشكل تحالفات مع أطراف عربية وأقليمية يسهل عليه بواسطتها السيطرة على المنطقة وقيادتها لتصبح إسرائيل دولة عظمى ومركز اليهودية العالمية لفرض سيطرتها على العالم. 

ويعتقد بعض خبراء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية أن هناك العديد من الدول العربية التي تحاول إقامة نوع من العلاقة بينها وبين إسرائيل. 

ويشير الخبير الأميركي روبرت ستفالو إلى”أن بعض الدول العربية تريد في هذه المرحلة إدخال إسرائيل كلاعب رئيسي مباشر، وعلى المكشوف في لعبة توازن القوى والخلافات بينها. وإن ما نراه ليس سوى مقدمة لموجة سيشهدها الشرق الأوسط تتمثل في قيام الدول العربية ببناء تحالفات بمستويات مختلفة بينها وبين إسرائيل تستخدمها هذه الدول  لمساعدتها في صراعاتها وخلافاتها التقليدية والمعاصرة بين بعضها البعض. “

ويرجع الخبير الأميركي ستفالو هذه الظاهرة الجديدة إلى حقيقتين: 

“الأولى: إن إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة القادرة على ترجيح ميزان قوى بين دولة عربية ضد أخرى. 

والثانية: إن الكثير من الدول العربية تدرك أن مفتاحها إلى واشنطن موجود في أحيان كثيرة في إسرائيل، وبالتالي على تلك الدول أن تحسن علاقاتها مع إسرائيل ما أمكن لتضمن علاقة سلسة مع واشنطن القوة العظمى الوحيدة في العالم”. 

إن النظام الإقليمي المطروح نظام متعدد الأمم والأعراق والطوائف تقوده دولة اليهود العنصرية والفاشية، الغريبة عن المنطقة والدخيلة عليها، المتعددة الأعراق على حساب الوطن والمواطن العربي، بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتخليد السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وأسواقه وأمواله وتصفية قضية فلسطين وفرض التطبيع على الحكومات والشعوب العربية. وبالتالي عانى العرب حتى الأمس واليوم من حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية وممارساتها الإرهابية والعنصرية والاستيطانية وسيعانون في المستقبل من توسعها الاقتصادي وهيمنتها الاقتصادية والثقافية. 

إن للوطن العربي تاريخه وثقافته وتراثه الحضاري والديني الممتدة في أعماق الأرض والإنسان، لذلك لا يجوز إطلاقاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة لتفرضا صيغة جديدة عليه لكي يتغير طابعه، لأنه من المستحيل القفز على ذلك كله وشطبه لأن اليهود يريدون ذلك، فالتفاعلات العربية والإسلامية الأكثر عمقاً ورسوخاً وجذوراً في المنطقة أهم بكثير من رغبة إسرائيل ومخططاتها. 

إن إسرائيل لا تنجح ويجب ألاّ تنجح في تكييف المنطقة العربية بما يتناسب ورغبات اليهود ومصالحهم، والتي هي في الأساس ضد رغبات ومصالح العرب. 

إن السوق الشرق أوسطية التي يعمل العدو الإسرائيلي على تأسيسها من خلال القمم الاقتصادية والمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف تمثل النقيض للسوق العربية المشتركة، وتعني الإلغاء العملي للوحدة الاقتصادية العربية. وترتكز على تصفية قضية فلسطين وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، واستغلال إسرائيل للثروات والأموال والأسواق العربية في مشاريع كبرى تحقق الازدهار الاقتصادي للعدو الإسرائيلي وتخفِّض من البطالة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتكون إسرائيل بوابة العبور للبلدان العربية، وتضمن بالدرجة الأولى مصالح إسرائيل والدول الغربية وتفتح المجال لهيمنتها على اقتصادات البلدان العربية وتربطها بالاقتصاد الغربي لتحقيق الاستغلال المزدوج للبلدان العربية. 

فالسوق الشرق أوسطية مقامرة خطيرة بمستقبل العرب الاقتصادي، لأنها سوق مشتركة بين العدو الإسرائيلي الغريب عن المنطقة والدخيل عليها والمغتصب للأرض والحقوق والثروات ويريد أن يهيمن ويسيطر ويتسلط وبين جماعات عربية مهزومة وممزقة فرضت عليها اتفاقات إذعان في كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة ومحظور عليها تحقيق الوحدة والتقدم والازدهار وامتلاك مصادر القوة. 

فكيف يمكن أن تكون هناك مصالح مشتركة في ظل امتلاك العدو الإسرائيلي لأسلحة الدمار الشامل، القنابل والرؤوس النووية والتفوق العسكري التقليدي؟‍‍!

كيف يمكن أن تكون هناك منفعة متبادلة وشراكة عادلة بين طرف معتد وغاصب ويمارس الإرهاب والعدوان والعنصرية والاستيطان كسياسة والطرف العربي الذي ألحقت به الهزيمة عن طريق استخدام القوة وأجبر على توقيع اتفاقات إذعان صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة الأميركية؟! 

إن استمرار تدفق المهاجرين اليهود، وتصاعد قوة إسرائيل العسكرية، وتنكرها لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي تنبئ عن عدو خطير يتحفز بالعرب وموجات جديدة من المهاجرين اليهود تحتاج مجالاً حيوياً جديداً والمزيد من الأرض والمياه والثروات العربية، وتسخير القوة الإسرائيلية ونفوذ اليهودية العالمية لاحتلال المزيد من الأرض لتهويدها وإقامة المستعمرات اليهودية عليها. 

يشير المفكرون الإسرائيليون إلى فشل الصليبيين في المنطقة ويطرحون درساً على إسرائيل للاستفادة منه لتجنب المصير المحتوم الذي حل بالصليبيين. 

ويتلخص الدرس في ضرورة السيطرة الإسرائيلية على المقدرات الاقتصادية العربية حتى تتمكن إسرائيل من البقاء. ويطالبون بسيطرة إسرائيل على الموارد العربية إذا ما أرادت الاستمرار في الوجود، ويتوقعون أن تصبح إسرائيل في ظل السلام مركزاً للأموال العربية وبوابة العبور لأميركا وأوروبا إلى البلدان العربية. إن مايسمى بنظرية “الأمن الإسرائيلي” المسخَّرة لتبرير الاستعمار اليهودي، وتحقيق المجال الحيوي لإسرائيل في المنطقة العربية لا تزال تعتمد على التفوق العسكري والردع النووي وتأديب العرب بالقوة العسكرية ولم يطرأ عليها أي تغيير حتى بعد اعتماد العرب “السلام” كاستراتيجية مع إسرائيل وبالرغم من توقيعهم لاتفاقات الإذعان معها. 

لقد اعتادت إسرائيل على استخدام القوة لفرض مخططاتها وسياساتها التوسعية والاستيطانية والاقتصادية والأمنية، مما يجعل المواطن العربي يخشى من السلام الذي تفرضه إسرائيل عن طريق التسويق الأميركي، لانها لم تتخل بعد عن الخرافات والمزاعم والأساطير والأكاذيب والأطماع التي وردت في التوراة والتلمود، بل تريد من العرب الاعتراف بها وتكريسها في اتفاقات إذعان كاتفاق أوسلو ووادي عربة. 

إن مخاطر النظام الإقليمي الجديد والسوق المشتركة لاتنحصر في الأبعاد الاقتصادية فقط وإنما تمتد لتشمل البعد الثقافي والحضاري للصراع، حيث ستحاول إسرائيل التي تعتبر نفسها جزءاً لا يتجزأ من العالم وامتداداً للغرب في المنطقة غرس الأبعاد الثقافية الغربية والتي ستؤدي حتماً إلى التصادم الحضاري والثقافي في المنطقة. 

إن التعاون الإقليمي المطروح سيقوم على أنقاض التعاون العربي وسيضعف دور مصر، لأن إسرائيل ستحل محل مصر، ولأن مصر ستأتي في المرتبة الثالثة بعد إسرائيل وتركيا، بينما تكون مصر الدولة الأولى في النظام العربي. وسيقود النظام الجديد إلى تصاعد الدور الإسرائيلي في الوطن العربي وتوسيع الصادرات والواردات الإسرائيلية حتى تشمل البلدان العربية من النيل إلى الفرات، ومن القدس حتى مكة المكرمة والمدينة المنورة. 

وستكون هيمنتها الاقتصادية بديلاً عن توسعها الجغرافي، وذلك لإقامة “إسرائيل العظمى”.

 خططت إسرائيل لإقامة النظام الإقليمي الجديد لخدمة مصالحها  ومصالح يهود العالم بالدرجة الأولى، ومصالح الولايات المتحدة بالدرجة الثانية وأوروبا الغربية بالدرجة الثالثة. وتعمل لفرض مخططاتها على البلدان العربية بتسخير الوزن السياسي والاقتصادي لأميركا وأوروبا واستغلال طاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والإعلامية لفرضها على العرب فإسرائيل هي المخطط والموجه الأساسي والمستفيد الأول من النظام الجديد، وبالتالي فإن صياغته ستقوم على حساب العرب وثرواتهم ومؤسساتهم ومستقبلهم ومستقبل الأجيال العربية القادمة.. فالنظام الإقليمي الجديد يقوم على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي وعلى حساب الجامعة العربية ومؤسساتها. وجرى تجاهل المصلحة العربية في التخطيط له تجاهلاً كاملاً. وأخذت الحكومات الأميركية والأوروبية والمؤسسات والوكالات الدولية مصالح إسرائيل ومصالحها دون أخذ المصالح العربية بعين الاعتبار. 

وتنطلق إسرائيل من انتصاراتها في حروبها العدوانية واحتلالها للأراضي العربية وابتزاز اليهود للإدارات الأميركية والحكومات الأوروبية وبعض الحكومات العربية لفرض مخططاتها وإجبار العرب على اتخاذ مواقف جديدة ومقولات جديدة تستجيب للهيمنة الإسرائيلية على الوطن العربي وتهويد العقل العربي وجعل بعض المثقفين العرب يفكرون بعقل صهيوني لترسيخ المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. وتعمل ليس فقط على اعتراف العرب بمخططاتها وموافقتهم عليها وإنما أيضاً على اعتراف العرب بأن النضال ضد سياستها التوسعية والاستيطانية والعنصرية كان زائفاً وعليهم الاعتراف بالعجز الأبدي أمام اليهودية العالمية والتسليم بأن الوطن العربي هو المجال الحيوي لإسرائيل ويهود العالم. 

وتطالب إسرائيل بتربية جديدة للأجيال العربية تحقق لها قبولهم بمخططاتها وممارساتها. وتفرض على العرب تغيير البرامج الدراسية وعدم تلاوة بعض الآيات القرآنية في محطات الإذاعة والتلفزيون العربية، وذلك لصهينة الفكر العربي وإجبار العرب على نسيان عروبة فلسطين وحروبها العدوانية ومجازرها الجماعية وممارستها للاستعمار والاستيطان والإرهاب والعنصرية كسياسة رسمية. 

ويتضمن المخطط الإسرائيلي لإقامة النظام الجديد العديد من الاتفاقات والآليات منها: 

أولاً: عقد اتفاقات ثنائية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لفلسطين في المجالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والأمنية والتجارية. 

ثانياً: عقد اتفاقات متعددة الأطراف بين إسرائيل والدول العربية بما فيها دول الخليج العربي  والمغرب العربي بدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. 

ثالثاً: التركيز على المحور الثلاثي الإسرائيلي- الفلسطيني- الأردني، بالتعاون مع مصر وتوسيعه في مرحلة لاحقة. 

رابعاً: مؤتمرات القمم الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقية والمؤسسات واللجان الدائمة التي انبثقت عنها. 

خامساً: قمة شرم الشيخ والنتائج والآليات والاتفاقات الأمنية التي تمخضت عنها، والتعاون الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية والاتفاقات الأمنية التي وقعت بين إسرائيل والأردن. 

سادساً: إجبار العرب عن طريق الضغط والابتزاز والإغراء بمساعدة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إلغاء المقاطعة العربية وتطبيع العلاقات وإقامة علاقات متميزة مع إسرائيل بحجة الأمن الإسرائيلي وخلق مصالح مشتركة تحول دون نشوب حرب قادمة، وامتيازات مائية وأخرى في مجالات النقل الجوي والبري والبحري والمواصلات والطاقة والسياحة. 

ويلاحظ المرء عند التدقيق بالمخططات الإسرائيلية والاتفاقات التي عقدتها إسرائيل مع الدول العربية أنها ترمي إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والمستفيد الأول من المشاريع الإقليمية المطروحة. 

وتتضمن الاتفاقات الموقعة إقامة علاقات غير متكافئة مع الأطراف العربية. 

وترمي جميع المخططات الإسرائيلية ومساعي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسسات النقد الدولية إلى إقامة العديد من الآليات التي ترسخ وتعزز النظام الجديد على أساس شرق أوسطي ومنها: 

أولاً: جعل إسرائيل المركز والقاسم المشترك لجميع المشاريع التي تساهم فيها الأطراف العربية والدولية. 

ثانياً: جعل إسرائيل المركز الأساسي للنقل البري والجوي بين الدول العربية في آسيا وافريقيا وبين هذه الدول وأوروبا. 

ثالثاً: جعل إسرائيل من أهم المراكز في المنطقة لنقل المياه والنفط والغاز. 

رابعاً: إقامة القنوات المائية من البحرين المتوسط والأحمر إلى البحر الميت بالتعاون مع سلطة الحكم الذاتي والأردن. 

خامساً: إحياء الطرق البرية وسكة حديد الحجاز وإقامة طرق وخطوط جديدة تعزز من مكانة إسرائيل الاستراتيجية. 

لقد ذهب العرب إلى القمم الاقتصادية وهم في حالة كبيرة من التمزق والضياع. فاستغلت الولايات المتحدة هذه الأوضاع وحملتهم على الهرولة باتجاه العدو الإسرائيلي. وكان الحضور الأميركي والأوروبي الكبير في القمم الاقتصادية يهدف إلى دعم وإضفاء الشرعية على هيمنة إسرائيل على  الاقتصادات العربية. 

لقد كانت القمم الاقتصادية خطوات عملية لإنشاء النظام الإقليمي الجديد الذي طرحه حزب العمل الإسرائيلي وله دلالتان: 

الدلالة الأولى: إن الشرق الأوسط الجديد ما هو إلا ستاراً لدمج إسرائيل في المنطقة وتوليها دور المركز والقائد.

والدلالة الثانية: إن المحرك الرئيسي للنظام الشرق أوسطي هو محرك من خارج المنطقة، ولولا تبني الولايات المتحدة الأميركية له وحماستها لتحقيقه لما خرج إلى حيز الوجود. 

كانت قمة الدار البيضاء الاقتصادية هي القمة الأولى من نوعها في تاريخ المنطقة والصراع العربي… الصهيوني. وكان الهدف المعلن لعقدها هو إيجاد آلية دائمة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية، وإلغاء المقاطعة، وتطبيع العلاقات. أما الهدف غير المعلن فهو إعطاء إسرائيل دوراً متميزاً ومحورياً في علاقاتها مع البلدان العربية وتحويلها إلى المركز والقائد وبوابة الاستيراد والتصدير من وإلى البلدان العربية، وخزان لتجميع النفط والغاز العربي، وأهم عقدة للمواصلات وجعل التعاون الإقليمي بديلاً عن التعاون العربي والسوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة. 

ووصلت الوقاحة الإسرائيلية في الدار البيضاء حداً طالب فيه الجنرال اسحق رابين من الدول العربية أن تترك إسرائيل تقود العرب خمسين عاماً بدلاً من مصر التي قادت العرب خمسين عاماً إلى الخوف والتخلف. وطالب دول النفط العربية بأن تدفع دولاراً عن كل برميل نفط تبيعه لصالح صندوق التنمية في الشرق الأوسط. 

وأكد رابين من على منصة قمة الدار البيضاء وأمام الملك الحسن، رئيس لجنة إنقاذ القدس: إن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل”. وبالتالي يمكن القول إن قمة الدار البيضاء نقطة سوداء في تاريخ الوطن العربي، وأسفرت عن نتائج هامة جداً للعدو الإسرائيلي منها الاعتراف الرسمي بالدور الإقليمي الجديد لإسرائيل وإلغاء المقاطعة العربية والهرولة في تطبيع العلاقات. وكان العدو الإسرائيلي المستفيد الأول من القمة ونتائجها. 

وجاءت قمة عمان الاقتصادية كامتداد لقمة الدار البيضاء، حيث أعلنت الأولى المبادئ العامة للتعاون الإقليمي، بينما اتخذت قمة عمان الخطوات العملية لتنفيذها وإقامة الآليات اللازمة لتحقيقها، بالرغم من أن قمة عمان انعقدت في جو سياسي متوتر بسبب مواقف الكونغرس الأميركي من  نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وبناء مقر السفارة على أرض تعود ملكيتها للوقف الإسلامي، وبسبب تصريحات رابين حول القدس واغتيال إسرائيل للدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في مالطا. 

وأدخلت القمة التعاون بين العرب وإسرائيل في مرحلة نوعية جديدة، إذ أقيمت لأول مرة خمس مؤسسات إقليمية لتنفيذ وترسيخ مخططات النظام الإقليمي وفتح المجال أمام الاقتصاد الإسرائيلي إلى الأردن ومن خلالها إلى دول الخليج، وبالتالي المساهمة العربية في تحقيق إقامة “إسرائيل العظمى” المدججة بالسلاح التقليدي والنووي والأيديولوجية الصهيونية العنصرية والتوسعية، والهجرة اليهودية، وتهويد الأراضي العربية وترحيل العرب والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. 

وانعقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي وسط أجواء سياسية مشحونة بالتوتر خلقتها حكومة الليكود لفرض المزيد من التنازلات المذلة على الفلسطينيين والعرب، مما أدى إلى وصول عملية التسوية إلى الطريق المسدود على جميع المسارات. 

وجاءت القمة العربية في القاهرة في حزيران 1996 وأقرت بالإجماع تجميد علاقات التعاون والتطبيع الثنائي والإقليمي مع إسرائيل إلى أن تقوم بتنفيذ الاتفاقات الموقعة ومقولة “الأرض مقابل السلام” والانسحاب من الجولان وجنوب لبنان. 

انصاعت مصر إلى عقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي في موعده المحدد تلبية للطلب الأميركي والرغبة الإسرائيلية ولكنها أكدت أن التعاون الإقليمي يأتي بعد الاتفاق النهائي. 

كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية تنفيذ رغبات ومخططات إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية التي استنزفت الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا، ولكن مصر عاملت إسرائيل في المؤتمر معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، إلاّ أن المؤتمر أبقى على فكرة التعاون الإقليمي مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل. 

إن الهدف الأساسي من عقد القمم الاقتصادية هو بلورة مشاريع مشتركة وضعتها إسرائيل وإيجاد الآليات والتمويل لتحقيقها لطمس الهوية العربية والإسلامية للوطن العربي وتجاوز الآليات العربية القائمة لحل أزمات إسرائيل الاقتصادية واستيعاب المزيد من الهجرة اليهودية وتهويد المزيد من الأراضي العربية المحتلة. 

وحدد البيان الختامي لمؤتمر القاهرة الاقتصادي عقد القمة الاقتصادية الرابعة في قطر. 

وهنا يبرز السؤال التالي: هل تستطيع قطر كدولة صغيرة أن تقف أمام مخططات إسرائيل والولايات المتحدة والشركات المتعددة الجنسيات؟! 

هل تستطيع قطر أن تقف أمام رغبات هذه الأطراف التي تعمل لمصلحة إسرائيل على حساب المصالح العربية؟! 

إن المخططات الإسرائيلية للتطبيع ماهي إلاّ استعمار جديد من نوع جديد بل أبشع أنواع الاستعمار الذي عرفته البشرية، لأنها قامت وتقوم على اغتصاب فلسطين العربية وتدمير المنجزات العربية، وابتلاع الأرض والمياه والثروات، وتجهيل الفلسطينيين واضطهادهم وقهرهم وتجويعهم، والحيلولة دون وحدتهم وتقدمهم وحقهم في تقرير المصير  والاستقلال الوطني وتحويلهم إلى خدم وأجراء وعملاء لخدمة المصالح الإسرائيلية في الوطن العربي. 

إن رفضنا ومقاومتنا للتطبيع تستند إلى قيمنا الوطنية والقومية والدينية الرافضة لأطماع اليهود، أعداء الله وأنبيائه، وأعداء الرسول العربي (صلعم)، لذلك لا يستطيع أحد أن يلغي كلام الله ورسوله ويدخل في صدورنا قبول التطبيع. فالتطبيع هبط من تل أبيب وتبنته واشنطن وسوقته لبعض الأطراف العربية والدولية. وأصبح التطبيع مخططاً إسرائيلياً وأميركياً للهيمنة على الثروات العربية، فالغزو الاقتصادي والثقافي هو المدخل الأساسي للهيمنة الإسرائيلية. 

ويمكن الإشارة إلى هدفين أساسيين لإسرائيل من عملية التطبيع: 

الهدف الأول: إنهاء جوهر الصراع وهو قضية فلسطين بالشروط والاملاءات الإسرائيلية عن طريق سلطة فلسطينية تابعة لها تحافظ على أمنها وتخدم تغلغلها في الجسم العربي. 

والهدف الثاني: فرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الثروات العربية، فإسرائيل لا تقبل من التطبيع إنهاء حالة الحرب وتحقيق الأمن وإنما تريد أن يعطيها المركز والدور القائد والمهيمن في المنطقة لإقامة إسرائيل العظمى. 

إن زرع الكيان الصهيوني في الوطن العربي واغتصابه لفلسطين العربية واعتياد اليهود فيه على العيش على حساب العرب والشعوب الأخرى واستخدام التطبيع لتحقيق الهيمنة وهو يرفض الانسحاب الشامل والحل العادل ويتلكأ في التسوية يظهر بجلاء مدى خطورة تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها معه. 

إن الشعب المصري لم يُقبل على التطبيع، لأنه لم ينس ماضي إسرائيل وحاضرها ولا يشعر بالاطمئنان تجاه سياساتها ولم يكن مستعداً للسلام الدافئ معها إلى أن جاء اتفاق الإذعان في أوسلو فازدادت التجارة والتبادل الثقافي بين مصر وإسرائيل. ولكن سرعان ماظهرت حقيقة الأطماع التوسعية والاستيطانية والإرهابية لإسرائيل مما أبطأ في تطبيع العلاقات معها. 

إن الطبيعة العنصرية والاستعمارية للصهيونية والكيان الصهيوني، والتعاليم التوراتية والتلمودية، ووجود ثلاثة أعراق في المنطقة، تجعل من المستحيل على النظام الإقليمي الجديد، والتطبيع أن يُعمرِّ طويلاً إذا نجحت إسرائيل في فرضه، وليس أمامه فرصة ليدوم ويصمد طويلاً. 

فالمخاوف العربية من النزعة العدوانية للعسكرية الإسرائيلية ومطامعها الاقتصادية في البلدان العربية ستبقى حتى بعد التوصل إلى تسوية. فالصهيونية وإسرائيل لن تتخلى أبداً عن الخرافات والمزاعم والأساطير وعن استخدام القوة لتحقيق أطماعها وتأديب وردع المعارضين لها من العرب. 

إن أمام الحكومات العربية خيار وطني وقومي وديني ولكنه جدي ومصيري وهو التوقف عن التطبيع مع العدو التاريخي للعروبة والإسلام والاستمرار في اعتبار الصهيونية خطراً على الأمة العربية واعتبار العدو الإسرائيلي عدواً غاصباً ومحتلاً ودخيلاً لا يجوز التطبيع والتعايش معه مهما طال الزمن. 

إننا مطالبون جميعاً حفاظاً على ثرواتنا وثقافتنا ومعتقداتنا ألاّ نشتري أو نتاجر في أية بضائع من صنع إسرائيل وأية بضائع تقوم بتسويقها، وذلك تعبيراً عن تصدينا ورفضنا للتطبيع. ولتحصين الوطن والدفاع عنه والتمسك بالثقافة العربية الإسلامية وبالحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين في القدس وفلسطين العربية. 

إن التطبيع يجب استحالته في منطقة أشعلت فيها دولة اليهود الحروب العدوانية والمجازر الجماعية ودمرت كيان الشعب العربي الفلسطيني والكيان اللبناني وأهم المنجزات في سورية ومصر والأردن والعراق، وقتلت مئات الآلاف من العرب، وسرقت وتسرق الأرض والنفط والمياه، وعرقلت التقدم والتطور والازدهار والاستقرار في البلدان العربية. 

لقد أنهت الأوضاع العالمية الإقليمية فكرة اللجوء إلى الحروب، حروب التحرير في المدى المنظور، لكن الصراع العربي- الصهيوني سيستمر وسيتخذ أشكالاً جديدة، حيث أنه لا يمكن لأي كان ، ولا لأي جهة أو دولة مهما كبرت وطغت وتجبرت أن تفرض التطبيع على الشعب العربي. 

لن يستطيع أحد أن يلزم أي تاجر عربي بالاستيراد من إسرائيل، ولن يستطيع أحد أن يفرض على أي مواطن عربي شراء بضائع إسرائيلية أو استقبال يهودي في المؤسسات الصحفية والعلمية والتجارية. لا يستطيع أحد أن يلزمنا بشراء منتجات إسرائيلية باسم التطبيع. 

إن النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والتطبيع تخطيط صدر عن إسرائيل وتبتنه الولايات المتحدة الأميركية، وسوقته للدول الأوروبية، وتضغط على العرب لتبنيه والمشاركة فيه والقبول به، لذلك يجب الاستعداد لمواجهة هذا المخطط اليهودي الذي يقود إلى هيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية باسم “الشرق أوسطية” من خلال تحصين الوطن والمواطن وتنشيط مجلس الوحدة الاقتصادية ومؤسسات العمل العربي المشترك وتعزيز التعاون العربي في إطار الجامعة العربية ومؤسساتها وإقامة السوق العربية المشتركة بأسرع وقت ممكن. 

إن الكيان الصهيوني كيان قام علىاغتصاب أراضي ومقدسات العرب والمسلمين في القدس وبيت لحم والخليل ويعمل على تهويدها. واليهود هم أعداء الله والعروبة والإسلام. وسنستمر في رفض التعايش والتطبيع وتبيان مخاطره واعتبار إسرائيل عدوة ومغتصبة ودخيلة طالما كان هناك اغتصاب واحتلال وتهويد وقرآن وإسلام وعروبة ومبادئ حق وعدالة. 

❒❒❒

الملاحق 

الملحق رقم /1/

البيان الختامي لمؤتمر قمة الدار البيضاء 

نص البيان الختامي لمؤتمر القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا 

1-بدعوة من جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب. وبدعم ومساندة من رئيس الولايات المتحدة الأميركية بيل كلينتون ورئيس الفيديرالية الروسية بوريس يلتسين، اجتمع في مدينة الدار البيضاء بين 30 تشرين الأول والأول من تشرين الثاني 1994 ممثلوا 61 بلداً إضافة إلى 1114 من رجال الأعمال من كل أنحاء العالم في قمة اقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا. 

وقد عبر المشاركون عن تقديرهم لجلالة الملك الحسن الثاني بصفته رئيساً ومضيفاً للمؤتمر كما أشادوا بدور جلالته في النهوض بالحوار والتفاهم بين أطراف النزاع في الشرق الأوسط وعبروا عن شكرهم لحكومة صاحب الجلالة والشعب المغربي على كرم الضيافة وعلى المجهودات المبذولة لإنجاح القمة. 

2-وقد أجمع زعماء القمة على الرؤية التي قادتهم إلى قمة الدار البيضاء، تلك الرؤية المتمثلة في سلم شامل وقيام شراكة جديدة بين رجال الأعمال والحكومات تتوخى تعزيز مسلسل السلام بين العرب وإسرائيل. 

3-ولقد توصل المسؤولون الحكوميون ورجال الأعمال إلى التزام هذه الشراكة باقتناع أعمق بترابط مصالحهم ووحدة أهدافهم وارتباط بعضهم ببعض. وهكذا فإن رجال الأعمال يرون أن على حكوماتهم الاستمرار في إبرام اتفاقات للسلام والعمل على تشجيع التجارة والاستثمار وإقامة الأسس لذلك ملتزمين في الوقت نفسه مسؤوليتهم في استخدام نفوذهم الدولي الجديد للدفع إلى الأمام بديبلوماسية السلام في الشرق الأوسط. وتؤكد الحكومات بدورها أن لا غنى عن القطاع الخاص لتوفير الموارد المناسبة لإبراز الفوائد الملموسة للسلام. ولا يرى المشاركون في قيام رجال الأعمال بمهماتهم أي تعارض مع مساهمتهم في عملية السلام بل هو برهان على أن تحقيق الربح يساهم إلى حد كبير في بناء دعائم اقتصاد يخدم السلام الدائم. 

4-وتشيد القمة بالتحول السياسي التاريخي الذي شهدته المنطقة نتيجة المراحل المهمة التي قطعتها نحو سلام عادل دائم وشامل يرتكز على قراري مجلس الأمن 242 و338 ذلك المسلسل الذي انطلق سنة 1979 بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وتطور تطوراً ملحوظاً مع مؤتمر السلام الذي انعقد في مدريد منذ ثلاث سنوات والذي آتى هذا المسلسل ثماره بإعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. إن توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن قد أعطى بعداً جديداً لمسلسل السلام. كما إن قرار المغرب بإقامة مكتبي اتصال بينه وبين إسرائيل وقرار تونس بإحداث قناة اتصال مع إسرائيل يشكلان تطوراً إيجابياً جديداً. إن هذه المنجزات وما سيليها من مراحل متلاحقة في اتجاه سلام شامل في المنطقة يعم أيضاً سوريا ولبنان لفي حاجة إلى أن تدعم بقوة عن طريق نمو اقتصادي متين وتحسن ملموس في حياة شعوب هذه المنطقة وأمنها. وقد  وقد أبرزت القمة الدور المهم الذي يرجع إلى سوريا ولبنان في تنمية المنطقة. وعلى هذا فإن القمة تعبر عن وطيد أملها في أن يتمكن البلدان العربيان من الالتحاق قريباً بالمجهود الاقتصادي الجهوي. 

5-وفي هذا الإطار سجل المشاركون أن الحاجة الملحة إلى تنمية اقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتطلب اهتماماً خاصاً من المجموعة الدولية سواء منها القطاع العمومي أو الخاص، وذلك من أجل مساندة إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والاتفاقات التطبيقية التابعة له لتمكين الشعب الفلسطيني من المشاركة على قدم المساواة في التعاون وتقدم المنطقة. كما الحوا على الأهمية المماثلة للمضي قدماً في المشاريع الأردنية الإسرائيلية وكذلك في المشاريع التعاونية بين إسرائيل والأردن من أجل دفع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية إلى الأمام. 

6-وقد أكد المشاركون الإمكانات الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا واستكشفوا السبل للتعجيل في تطويرها والتغلب في أقرب وقت على العراقيل بما في ذلك المقاطعات وكل الحواجز التجارية والاستثمارية. واتفق الجميع على الحاجة إلى تطوير المزيد من الاستثمار من داخل المنطقة وخارجها. ولاحظوا أن مثل هذا الاستثمار يتطلب حرية تبادل البضائع ورأس المال واليد العاملة عبر الحدود وفقاً لقدرات السوق كما يتطلب تعاوناً تقنياً مبنياً على المصلحة المشتركة وانفتاحاً على الاقتصاد الدولي وقيام مؤسسات مناسبة للنهوض بعملية التفاعل الاقتصادي. وقد سجل المشاركون في هذا الإطار بارتياح قرار دول مجلس التعاون الخليجي المتعلق برفع الدرجتين الثانية والثالثة من إجراءات مقاطعة إسرائيل. 

7-واعتماداً على الاتفاقات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فإن من الأهمية بمكان أن تبقى الأراضي الفلسطينية مفتوحة في وجه اليد العاملة والسياحة والتجارة لتمكين السلطة الفلسطينية، في إطار شراكة مع جيرانها، من فرصة بناء اقتصادي ذي جدوى في إطار السلام. 

8-ويشيد المشاركون بالمفاوضات المتعددة الطرف التي دشنت في موسكو سنة 1992 والتي حققت خطوات مهمة نحو أهداف مسلسل السلام. وسوف تدرس الحكومات الممثلة في الدار البيضاء وسائل دعم دور المفاوضات المتعددة الطرف وأوجه نشاطها بما في ذلك التفكير في مؤسسات جهوية تهتم بالقضايا الاقتصادية والإنسانية والأمنية. وسجل المشاركون أن التقدم الحاصل في مسلسل السلام يجب أن يرافقه بحث جدي في حالات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة وأنه يتطلب التطرق إلى فكرة الأمن في المنطقة في جميع أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا الإطار اتفق المشاركون على أن هذه القضايا تحتاج إلى أن تدرس على أساس منهجية شمولية تضم الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتضمن السلامة والرفاهية لأفراد المنطقة وشعوبها. 

9-ويقر المشاركون بضرورة قيام مسلسل مستمر يترجم مداولات الدار البيضاء إلى خطوات ملموسة وتحقيق الهدف المزدوج أي السلام والتنمية الاقتصادية وكذلك هيكلية الشركة الجديدة بين الحكومات ومجموعة رجال الأعمال ولهذه الغاية: 

(أ) فإن الحكومات الممثلة في الدار البيضاء وممثلي القطاع الخاص يعلنون نيتهم لاتخاذ الخطوات الآتية: 

-بناء الأسس لمجموعة اقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا تقتضي في مرحلة معينة حرية تدفق البضائع ورأس المال واليد العاملة عبر المنطقة. 

-أخذاً في الاعتبار لتوصيات أطراف المنطقة خلال اجتماع اللجنة الفرعية المالية التابعة للجنة المراقبة لمجموعة العمل المتعددة الطرف. الخاصة بالتنمية الاقتصادية الجهوية. ستدرس مجموعة من الخبراء خيارات مختلفة لآليات التمويل بما فيها إنشاء بنك للتنمية للشرق الأوسط وشمال افريقيا. وستقدم هذه المجموعة تقريراً عن تقدم أعمالها واستنتاجاتها خلال ستة أشهر في أفق القمة الموالية لمؤتمر الدار البيضاء. وستضع آلية التمويل هيئات ملائمة للنهوض بالحوار حول الإصلاح الاقتصادي والتعاون الجهوي والمساعدة التقنية والتخطيط الاقتصادي على المدى البعيد. 

-إقامة مكتب جهوي لتسهيل السياحة للنهوض بالشرق الأوسط وشمال افريقيا كوجهة سياحية موحدة وجذابة. 

-تشجيع إقامة غرفة تجارية جهوية ومجلس للأعمال تابعين للقطاع الخاص لتسهيل المبادلات التجارية بين أجزاء المنطقة. ومن شأن هذه الأجهزة أن تكون أداة فعالة في تقوية الروابط بين القطاعين الخاص والعمومي في مختلف الاقتصادات. 

(ب) ويعتزم المشاركون أيضاً إحداث الآليات التالية لتطبيق هذه الآفاق لتجسيد التعاون الجديد بين القطاعين العمومي والخاص. 

-لجنة توجيهية تضم ممثلي الحكومات بمن فيهم الممثلون في اللجنة التوجيهية لمجموعة العمل المتعددة الطرف حول مسلسل السلام تسند إليها مهمة متابعة جميع القضايا التي أثيرت في القمة. والتنسيق مع البنيات المتعددة الطرف الموجودة مثل مجموعة العمل المكلفة التنمية الاقتصادية وبقية الآليات المتعددة الطرف. وستجتمع اللجنة التوجيهية خلال شهر بعد قمة الدار البيضاء للبحث في آليات المتابعة، وسوف تستشير اللجنة القطاع الخاص على نطاق واسع وبكيفية منتظمة. 

-سكرتارية تنفيذية لمساعدة اللجنة التوجيهية تستشير اللجنة القطاع الخاص على نطاق واسع وبكيفية منتظمة. 

-سكرتارية تنفيذية لمساعدة اللجنة التوجيهية مقرها في المغرب وتعمل على تدعيم بنية التنمية الاقتصادية الجديدة وهي بذلك تساهم في تقوية الأمن الجماعي في المنطقة. وستساعد السكرتارية في تنظيم غرفة تجارية جهوية ومجلس للأعمال. وتعمل على تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص من طريق بلورة مشاريع وتبادل المعطيات وتقوية الاتصالات وتنمية استثمار القطاع الخاص في المنطقة. كما تساعد على إقامة مختلف الهيئات المشار إليها في هذا الإعلان. 

وستكون اللجنة التوجيهية مسؤولة عن ترتيبات التمويل بمساندة من القطاع الخاص. 

10-ويرحب المشاركون بإقامة مجموعة العلاقات الاستراتيجية الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا من طرف مجلس العلاقات الخارجية. وسوف تتقدم مجموعة القطاع الخاص هذه باقتراح استراتيجيات للتعاون الاقتصادي الجهوي ووسائل التغلب على العقبات التي تعترض التبادل التجاري والاستثمارات الخاصة. وسوف تعمل هذه المجموعة بتعاون وثيق مع السكرتارية وتعرض توصياتها على اللجنة التوجيهية. 

11-كما يرحب المشاركون بعزم المنتدى الاقتصادي العالمي على تشكيل مجموعة للتبادل بين رجال الأعمال من شأنها أن تقوي الاتصالات والمبادلات بين مجموعات رجال الأعمال وتقدم توصياتها إلى اللجنة التوجيهية. 

12-ويتعهد المشاركون في قمة الدار البيضاء أن يحولوا هذا الحدث إلى مجموعة روابط هيكلية جماعية وفردية دائمة من شأنها أن توفر حياة أفضل لشعوب الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وقد توصلوا إلى الاقتناع بأن التعاون بين القطاعين العمومي والخاص الذي ميز قمة الدار البيضاء سيكون بمثابة مرحلة حاسمة في المصير التاريخي الذي أخذت تباشيره تظهر حالياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. 

13-ويعبر المشاركون عن تقديرهم لمجلس العلاقات الخارجية وللمنتدى الاقتصادي لمساهمتهما المهمة في تنظيم قمة الدار البيضاء. 

14-كما يعبر المشاركون عن عزمهم على اللقاء مرة أخرى في عمان في الأردن في النصف الثاني من سنة 1995 في قمة اقتصادية ثانية للشرق الأوسط وشمال افريقيا يستضيفها جلالة الملك حسين”.

النهار في 2/11/1994

■■■

ملحق رقم /2/

البيان الختامي لقمة  عمان 

النص الحرفي للبيان الختامي للمؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمالي افريقيا: 

عقدت في عمان في الفترة الواقعة ما بين 29-31 تشرين أول 1995 القمة الاقتصادية الثانية للشرق الأوسط وشمال افريقيا تحت رعاية صاحب الجلالة الملك الحسين بن طلال. 

وقد جمعت القمة التي رعتها الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، بدعم من الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان، الحكومات وكبار رجال الأعمال في الشرق الأوسط وشمال افريقيا والأميركتين وآسيا. 

ويتقدم المشاركون في القمة بالشكر لصاحب الجلالة الملك الحسين لقيادته الواعية وللجهود المتميزة التي بذلتها المملكة الأردنية الهاشمية لإنجاح هذه القمة. 

وعبر المشاركون أيضاً عن تقديرهم لشراكة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ساهم باقتدار في تنظيم هذه القمة. 

كان الهدف من هذه القمة توفير التسهيلات لزيادة استثمارات القطاع الخاص في المنطقة ولإقامة شراكة معينة بين القطاعين العام والخاص تضمن تحقيق تلك الغاية والعمل على تدعيم التعاون والتنمية الاقليميين. 

وانطلاقاً من هذا تمكن رجال الأعمال من الشرق الأوسط وشمال افريقيا وغيرها في هذه القمة من اتمام العديد من الصفقات التجارية الهامة التي ستساعد على تدعيم القدرة الانتاجية للمنطقة وتساهم في تنميتها الاقتصادية في كافة الحالات وشملت هذه الاتفاقات مشاريع مجالات السياحة والاتصالات والنقل. 

وانعكاساً للشراكة بين القطاعين العام والخاص فإن عدداً من هذه المشاريع سيستفيد من الضمانات الحكومية والمساعدات الفنية وأشكال الدعم الأخرى من قبل المجتمع الدولي. 

وقد أجرى ممثلوا الحكومات سلسلة من المفاوضات خلال العام المنصرم حول الترتيبات، المؤسسية كما نص على ذلك إعلان الدار البيضاء بهدف يدعم مسيرة السلام. وفي هذا الخصوص تم التوصل إلى الاتفاقيات التالية: 

-إقامة بنك للتعاون الاقتصادي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في القاهرة. ويهدف البنك -كما جاء في مسودة البنود- إلى دعم تنمية القطاع الخاص ودعم مشاريع البنية التحتية الاقليمية وتوفير منتدى يعمل على تعزيز أواصر التعاون الاقتصادي الإقليمي. 

وستنهي مجموعة العمل مفاوضاتها بحلول 31 كانون أول 1995 وستواصل دراسة العروض لإقامة هيئة للتحضير للمشاريع والوساطة المالية. وسيبدأ الذين يودون الانضمام للبنك إجراءات المصادقة على مستوى بلادهم لاحقاً. ورغب آخرون أن يتركوا قرار الانضمام للبنك إلى وقت لاحق وفقاً للترتيبات المؤسسية وغيرها من التطورات. 

-إقامة مجلس إقليمي للسياحة وجمعية وكلاء السياحة والسفر لمنطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط لتسهيل تسويق المنطقة كمنطقة جذب سياحي فريدة. وسيضم المجلس ممثلين عن القطاعين العام والخاص. 

-إقامة مجلس أعمال اقليمي لدعم التعاون والتجارة بين القطاعات الخاصة في دول المنطقة. 

-الافتتاح الرسمي للأمانة العامة التنفيذية للقمة الاقتصادية، ومقرها الرباط، والتي تعمل من أجل تعزيز أواصر الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتكثيف الاتصالات واللقاءات والتشارك في البيانات وتعزيز استثمارات القطاع الخاص في المنطقة. 

وقد عبر المشاركون عن تقديرهم للحكومة المغربية لمساهمتها في هذا الجهد واكدوا دعمهم لأنشطتها الجارية كرديف للمؤسسات الاقليمية التي دعا إليها مؤتمر الدار البيضاء، كما قررت مجموعة العمل المنبثقة عن مفاوضات السلام المتعددة لأطراف إقامة الأمانة العامة للجنة المتابعة لمجموعة العمل الإقليمية للتنمية الاقتصادية كمؤسسة اقتصادية إقليمية دائمة يكون مقرها عمان واتفقت كافة الأطراف المشاركة أن إنشاء هذه الهيئة سيدعم ويعزز التعاون الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتوصي الأطراف ان تشمل أنشطة الأمانة العامة القطاعات التي تقع ضمن مسؤولياتها لجنة المتابعة لمجموعة العمل الإقليمية للتنمية الاقتصادية، وهي البنية التحتية والسياحة والتجارة والتمويل ومجالات أخرى ضمن خطة كوبنهاغن للعمل. 

تتعهد الأطراف الرئيسية، وبعد مشاورات حثيثة مع الاتحاد الأوروبي وأعضاء آخرين من لجنة المتابعة باستكمال الوثيقة المناسبة حول الهيكل التنظيمي والوظيفي لهذه المؤسسة، والتي ستقدم في اللقاء المقبل للاجتماع العام لمجموعة العمل الإقليمية للتنمية الاقتصادية، مع وضع تصور لبدء أنشطة المؤسسة في النصف الأول من العام 1996 سينظر الاجتماع العام لمجموعة العمل الإقليمية للتنمية الاقتصادية في هذا الموضوع ويتخذ الإجراء المناسب ويرفع تقريره للقاء القادم للجنة التوجيهية للمفاوضات متعددة الأطراف. 

وعبر المشاركون في القمة عن تأييدهم الشديد للتقدم المتواصل في عملية السلام التي بدأت في مدريد قبل أربعة أعوام بالضبط وأهمية تحقيق السلام الشامل، وأشار المشاركون بالذات إلى الانجازات التي أحرزت خلال العام الماضي. 

وقد رحب المشاركون في القمة بتوقيع الاتفاقية الفلسطينية الإسرائيلية الانتقالية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأشاروا بارتياح إلى التقدم الهام الذي أحرز على طريق تنفيذ معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل ورحبت القمة بالقرار الذي اتخذ بأن يعقد في باريس في كانون أول 1995 المؤتمر الوزاري حول المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين. 

وقد أخذت القمة أيضاً علماً بالمساهمات الإيجابية التي قدمتها مجموعات العمل متعددة الأطراف من أجل إحراز السلام. 

وفي حين ترحب القمة بالأجواء الإيجابية السائدة في المنطقة المتسمة بالانفتاح فإنها ترى ضرورة توسيع دائرة السلام.

وعبر المشاركون عن أملهم أن يتم التوصل إلى معاهدات السلام بين إسرائيل وسوريا وإسرائيل ولبنان في أقرب وقت ممكن. 

ورحبت القمة بالخطوات الهامة التي اتخذتها الأطراف الإقليمية في إعلان طابا ودول مجلس التعاون الخليجي بخصوص رفع المقاطعة عن إسرائيل وعبروا عن دعمهم لأي جهود إضافية لإنهاء المقاطعة. 

وأعلن المشاركون في القمة عن عزمهم على أن ينفذوا بأسرع وقت ممكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عمان في ما يتعلق بالأنشطة التجارية، وأعاد ممثلو قطاع الأعمال التأكيد على عزمهم أن يتابعوا تنفيذ الاتفاقيات التجارية التي تم التوصل إليها هنا وأن يتدارسوا الفرص الجديدة لزيادة وتوسعة حجم التجارة والاستثمار في المنطقة. بالنسبة للحكومات أعلن المسؤولون الذين حضروا القمة عن عزمهم على دعم أنشطة القطاع الخاص على الأخص المساعدة في إقامة وتشغيل المؤسسات الجديدة التي انشئت في عمان بأسرع وقت ممكن. 

ورحب المشاركون أيضاً بالإجراءات التي اتخذتها الأطراف الإقليمية من أجل انفتاح اقتصادهم والانضمام للاقتصاد العالمي. 

واستكمالاً لهذه المسيرة التي صاحبها الإعلان عن خطوط عريضة وإنشاء مؤسسات خلال مؤتمر عمان اليوم عرضت دولتان شقيقتان استضافة الجولة المقبلة لمؤتمر التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وهما مصر وقطر وقد أجرى جلالة الملك حسين المشاورات اللازمة مع كبار ممثلي الدولتين الشقيقتين وكذلك مع أطراف أخرى معنية بالأمر، وأعلن بسروران قطر تنازلت عن عرضها باستضافة المؤتمر المقبل وإن مصر ستستضيفه، واتفق الجميع بما في ذلك الأردن الذي استضاف هذا المؤتمر وأيضاً مصر وآخرون على أن تستضيف قطر مؤتمر التنمية الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا سنة 1997.

السفير في 1/11/1995.

■■■

الملحق رقم/ 3/

إعلان القاهرة 

عقد المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقيا في القاهرة في الفترة من 12-14 نوفمبر 1996، برئاسة فخامة الرئيس محمد حسني مبارك، وقد جمع المؤتمر الذي عقد برعاية الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي، وبدعم من الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان كبار المسؤولين الحكوميين وقيادات القطاع الخاص من الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ومن مناطق أخرى من العالم. 

وقد أعرب المشاركون عن شكرهم للرئيس مبارك وللحكومة المصرية لاستضافة هذا الحدث وللتنظيم الممتاز للمؤتمر، ولكرم الضيافة كما أعربوا عن تقديرهم لزعامة مصرفي سعيها لتحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط. 

أعرب المشاركون في مؤتمر القاهرة الاقتصادي عن التزامهم الثابت الذي لا يتزعزع بتحقيق سلام عادل ودائم وشامل في الشرق الأوسط على أساس مرجعية مؤتمر مدريد للسلام التي تستند إلى قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338. وفي هذا الإطار أكد المشاركون مجدداً عزمهم على البناء على الاتفاقات التي توصل إليها الأطراف وأكدوا الأهمية البالغة للتنفيذ الفوري والأمين لتلك الاتفاقات من جانب جميع الأطراف وبصفة خاصة على المسار الإسرائيلي -الفلسطيني كما أعادوا تأكيد التزامهم بتوسيع وتعميق السلام، علاوة على إحراز المزيد من التقدم في كافة القضايا المعلقة على جميع مسارات التفاوض العربية -الإسرائيلية في عملية السلام وحثوا جميع الأطراف على مواصلة السياسات والإجراءات التي من شأنها بناء الثقة بين شعوب المنطقة. 

لقد كان شعار مؤتمر القاهرة الاقتصادي هو “البناء من أجل المستقبل: خلق بيئة مواتية للمستثمر” وقد أتاح المؤتمر الفرصة لتشجيع الاستثمار الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتم ابراز إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري التي تدعمها برامج إصلاح اقتصادي هامة، يتم تنفيذها حالياً من جانب العديد من دول المنطقة. وتشمل تلك الإصلاحات الخصخصة، والإصلاح الهيكلي وإزالة الحواجز أمام التجارة، التي من شأنها إيجاد مناخ اقتصادي موات لقطاع الأعمال في المنطقة. 

لقد أتيحت الفرصة لممثلي القطاع الخاص الدولي لدراسة الفرص الاقتصادية والتجارية المتزايدة في المنطقة بالتفصيل وعرضت كل دولة على حدة برامج الاستثمار والتنمية فيها، كما تم إبراز الإمكانات القائمة فيما بينها في هذا الصدد وجرت مناقشات بناءة ومثمرة للموضوعات ذات الأهمية الخاصة لبلدان المنطقة ولقطاع الأعمال الدولي على حد سواء. 

شدد المشاركون على الأهمية القصوى لتنمية الاقتصاد الفلسطيني ولاحظوا بمزيد من القلق أن الاقتصاد الفلسطيني -وهو الاقتصاد الضعيف أصلاً -يعاني من القيود وإغلاق الأراضي التي تعوق انتقال العمالة وحركة التجارة الفلسطينية وسلموا بحاجة جميع الأطراف في المنطقة إلى العيش في سلام ورخاء وأمن، الأمر الذي من شأنه أن يعزز الأهمية الاقتصادية للمنطقة برمتها، وقد أكدوا من جديد أن إلغاء القيود وإنهاء تدابير إغلاق الأراضي سوف يحول دون تدهور الاقتصاد الفلسطيني، ويسهم بصورة إيجابية في تعزيز كفاءة أدائه، مع تحسين المناخ السياسي الذي يحيط بعملية السلام بمختلف أبعادها. 

واستعرض المؤتمر أوضاع المؤسسات الاقتصادية التي نادى بها مؤتمرا الدار البيضاء وعمان للشرق الأوسط وشمال افريقيا. ورحب المشاركون بالتقدم الملموس الذي تحقق بإنشاء مؤسسة الشرق الأوسط والمتوسط للسفر والسياحة في تونس، كما أبرزوا أهمية بنك التعاون الاقتصادي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في القاهرة وإمكاناته بالنسبة لتشجيع تدفق رأس المال إلى المنطقة، مما يفسح المجال لإقامة مشروعات البنية الأساسية، علاوة على تطوير القطاع الخاص، كما أعرب المشاركون عن الترحيب بالإنتهاء من اتفاقية إنشاء البنك، وشجعوا الدول على توقيعها والتعجيل بإنهاء إجراءات التمويل والتصديق بما يسمح للبنك أن يبدأ نشاطه في عام 1997.

كما استعرضوا ما تم إنجازه بالنسبة لإنشاء مجلس الأعمال الإقليمي. وتعهد الأطراف المعنيون من جديد بدفع هذه المبادرة قدماً. 

وسجل المشاركون استمرار الأمانة التنفيذية لمؤتمرات الشرق الأوسط وشمال افريقيا في الرباط في تطوير برامجها وأنشطتها بنجاح لتعزيز العلاقة بين القطاع الخاص والعام في المنطقة وكذلك تنسيق سير العمل فيما بين المؤتمرات. 

واستعرض المشاركون أنشطة سكرتارية لجنة متابعة مجموعة عمل التنمية الاقتصادية الإقليمية، التي أنشئت بعمان طبقاً لإعلان عمان والتي بدأت نشاطها الرسمي في مايو 1996. 

كما تم استعراض أنشطة مجموعة العمل المذكورة ولجنة المتابعة المنبثقة عنها في مجالات البنية الأساسية والسياحة والتجارة والتمويل الواردة في خطة عمل كوبنهاغن. وأعرب المشاركون في هذا الصدد عن تقديرهم للأعمال التي أنجزتها اللجنة. 

وجدد المشاركون من الحكوميين ورجال الأعمال في المؤتمر التزامهم بمواصلة العمل كشركاء من أجل السلام والرخاء في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وأكدوا أهمية الدعائم الاقتصادية للسلام، ومع ذلك فقد أعادوا التأكيد على الضرورة الملحة لتحقيق تقدم ملموس في البعد السياسي لعملية السلام بالشرق الأوسط. 

وأعرب المشاركون عن تقديرهم للدور الفريد الذي يضطلع به المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث كانت جهوده التي لم تعرف الكلل عاملاً حاسماً في نجاح المؤتمر. كما أعربوا عن امتنانهم لمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك لإسهامه القيم في عدد من جلسات المؤتمر. 

وقرر المشاركون الاجتماع مرة أخرى في أواخر عام 1997 في مدينة الدوحة بقطر لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع للشرق الأوسط وشمال افريقيا. 

القاهرة في 14 نوفمبر 1996.

■■■

الملحق رقم /4/

نص بيان قمة شرم الشيخ

في ما يأتي النص الرسمي العربي لبيان قمة شرم الشيخ الصادر عن “الرئاسة المشتركة لقمة صانعي السلام”:

“اختتمت قمة صانعي السلام أعمالها. وقد عقد هذا الاجتماع في الوقت الذي تواجه فيه عملية السلام تهديدات خطيرة. وكان للقمة ثلاثة أهداف أساسية: تعزيز السلام، دعم الأمن، محاربة الإرهاب، وعليه فإن المشاركين يعربون عن دعمهم الكامل لعملية السلام في الشرق الأوسط وعزمهم على أن تستمر هذه العملية من أجل تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة ويؤكدون عزمهم على تعزيز الأمن والاستقرار ومنع أعداء السلام من تحقيق هدفهم الأول وهو تدمير الفرص الحقيقية للسلام في الشرق الأوسط.

ويؤكدون إدانتهم الشديدة لكل أعمال الإرهاب بكل أشكالها النكراء مهما كانت دوافعها وأياً كان مرتكبوها بما في ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسرائيل، ويعتبرونها دخيلة على القيم الأخلاقية والروحية لكل شعوب المنطقة ويعيدون تأكيد عزمهم على الوقوف بكل حزم ضد هذه الأعمال، ويحثون كل الحكومات على الانضمام لهم في هذه الإدانة وهذه الوقفة إزاء تلك الأعمال الإرهابية. 

ولتحقيق هذه الأهداف قررنا: 

-دعم الاتفاقات الإسرائيلية -الفلسطينية واستمرار عملية المفاوضات وتدعيمها سياسياً واقتصادياً وتعزيز الوضع الأمني للطرفين مع إيلاء اهتمام خاص للحاجات الاقتصادية القائمة والحالية للفلسطينيين. 

-دعم استمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة. 

-العمل سوياً لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بتطوير إجراءات فعالة وعملية للتعاون ومزيد من المساعدات. 

-دعم وتنسيق الجهود من أجل وقف أعمال الإرهاب على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لضمان مثول مرتكبي هذه الأعمال أمام العدالة ومساندة جهود كل الأطراف للحيلولة دون استغلال أراضيهم للأغراض الإرهابية. ومنع المنظمات الإرهابية من ضم أعضاء إلى صفوفها وتدبير السلاح والحصول على التمويل. 

-بذل أقصى الجهد لتحديد مصادر تمويل هذه الجماعات والتعاون في وقف ضخها، وتوفير التدريب والمعدات وأشكال الدعم الأخرى للأطراف التي تتخذ خطوات ضد الجماعات التي تستخدم العنف والإرهاب لتهديد السلام والأمن والاستقرار. 

-تشكيل مجموعة عمل مفتوحة لكل المشاركين في القمة لإعداد توصيات حول أفضل الأساليب لتنفيذ فقرات هذا البيان من خلال الجهود القائمة وتقديم تقرير للمشاركين في خلال ثلاثين يوماً. 

الحياة 14/3/1996.

■■■

الملحق رقم /5/

بيان تحالف كوبنهاجن 

تجمع مصريون وإسرائيليون وأردنيون وفلسطينيون ومحبون للسلام من جميع أنحاء العالم في كوبنهاجن لكي ينشئوا تحالفاً دولياً من أجل السلام العربي- الإسرائيلي. إن السلام من الأهمية بمكان بحيث لا يترك للحكومات فقط كما أن الصلات بين الشعوب هي أمر حيوي لنجاح جهود السلام في المنطقة، وما لم تقف وراءها قاعدة شعبية فإن عملية السلام سوف تتراجع. لقد اجتمعنا في كوبنهاجن لكي نسهم في حل دائم وشامل للصراع العربي -الإسرائيلي قبل نهاية هذا القرن، ولكي نبدأ عصرا للسلام العادل والدائم الذي يتمتع فيه الشرق الأوسط بالاستقرار والأمن والرخاء. إننا سوف نعمل على عقد اجتماعات عامة، ونضغط على الحكومات، ونراقب التقدم والنكسات في عملية السلام بنفس القدر الذي نراقب به أعمال التمييز والعقاب الجماعي، والإساءة إلى حقوق الإنسان وأعمال العنف، كما أننا سوف نعبئ الرأي العام وراء جهود السلام. 

إننا نحتاج إلى بعضنا البعض، نؤكد عزمنا على توحيد صفوفنا مع كل الشعوب المحبة للسلام لكي نحقق هذه الأهداف، ولكي نفعل ذلك، فإننا -نحن الموقعين على هذا الإعلان- اتفقنا على ما يلي: 

1-إن التوصل إلى سلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني سوف يحل المشكلة المركزية في قلب الصراع العربي -الإسرائيلي وإننا نحن التحالف الدولي من أجل السلام ندعو الحكومات المعنية أن تعمل بقوة وسرعة على التطبيق الكامل للاتفاقيات الإسرائيلية -الفلسطينية بنصها وروحها، وبكل أمانة وصدق، وأن تعمل بشكل خاص على توفير وتحسين الحياة الطبيعية للفلسطينيين. كما أننا ندعو الحكومة الإسرائيلية والسلطة الوطنية الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق عادل حول القضايا المهمة للوضع النهائي (القدس، اللاجئين، المستوطنات، الحدود، الأمن، والمياه) في أسرع وقت ممكن، ودون تأخير عن 5 مايو 1999 كما تم النص عليه في اتفاق أوسلو ولما كانت القدس على وجه الخصوص، موضوعاً مركزياً شديد الحساسية لكل الأطراف، فإنه من ثم يستدعي اهتماماً خاصاً في مفاوضات الوضع النهائي من أجل الوفاء بمتطلبات جميع الأطراف. وهذا الاتفاق النهائي يجب أن يؤدي إلى ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، بما فيه إقامة الدولة، طبقاً للقوانين الدولية، وحين التوصل إلى تسوية متفق عليها للوضع النهائي بين الطرفين، ولكي يتوافر مناخ حوار للمفاوضات، لا ينبغي استخدام أو تشجيع أو قبول العنف والإرهاب بأية صورة. ولكي تزول مخاوف الفلسطينيين فإنه ينبغي عدم بناء مستوطنات جديدة وعدم مصادرة الأراضي الفلسطينية. 

2-نحن التحالف الدولي من أجل السلام نعتقد أن السلام الشامل يجب أن يكون هو الهدف الحقيقي لجميع الجهود السياسية من داخل المنطقة ومن خارجها. كما يجب أن تبذل جهوداً جديدة للتوصل إلى تسوية سلمية بين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل ولبنان على أساس من قاعدة مبادلة الأرض بالسلام وقرارات الأمم المتحدة 242-425 إن مثل هذه التسوية يجب أن تحقق الحد الأقصى من الأمن المتبادل لكل الأطراف، وكذلك بناء علاقات عادية بينها. 

3-إننا نحث كل القوى في الشرق الأوسط أن تتكاتف من أجل إعادة بناء منطقة مبرأة من سباق التسلح وخالية من التشاحن والفقر. 

4-ومن أجل ضمان استمرارية الدفع من أجل السلام، فإن سكرتارية دائمة للتحالف سوف يتم تأسيسها، وسوف يكون شعارنا من الآن فصاعداً: “فلتنته حالة الحرب.. ولنبدأ حالة السلام”.

5-وفي هذا السياق فإن المؤسسين للتحالف يدعون الجماعات والإفراد على المستويين الإقليمي والدولي المعنيين بمستقبل المنطقة أن يتبنوا هذا الإعلان وأن يلتحقوا بحركتنا وأن يدعموا بشدة قضاياها وأهدافها. 

الاهرام 31/1/1997. 

■■■

الملحق رقم /6/

بيان اتحاد الكتاب العرب حول لقاء كوبنهاجن 

ضمن التوجهات الصهيونية الإيهامية الداعية إلى ترويج مقولة (السلام مقابل الأمن)، واستقطاب عدد من المثقفين والكتاب والشخصيات العربية وغير العربية، عقد في (29-30) كانون الثاني (1997) ما سُمي بـ(لقاء كوبنهاغن) وحضره حوالي أربعين شخصاً ممن سمّوا أنفسهم بـ (التحالف الدولي من أجل السلام العربي الإسرائيلي)، وقد جاء هذا اللقاء بعد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية التي جرت في لندن (كانون الثاني 1995) وفي كوبنهاغن (أيلول 1995) والتي ساهم في حيثياتها عدد من الشخصيات الثقافية التي باتت لا لون لها ولا توجه سوى التوفيقية والاقتناع بكل الاملاءات الصهيونية، والترويج لطروحاتها تحت مسميات براقة وخادعة ومضللة أيضاً. وقد شارك في لقاء كوبنهاغن فلسطينيون، وأردنيون، ومصريون، وإسرائيليون، وأصدروا بياناً تمخض عن تشكيل ما سُمي بـ “جبهة مؤيدة للسلام”، وبصيغة هي أقرب إلى صيغة “جماعة غرناطة” ولكنها معدلة قليلاً ولا تخرج عن مقولة شمعون بيريس (لننتقل من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام). 

إننا في اتحاد الكتاب العرب، وانطلاقاً من ثوابتنا الوطنية والقومية والإنسانية نؤكد على ما يأتي: 

1-اعتبار مثل هذه اللقاءات والاجتماعات شكلاً من أشكال الاختراق الفكري والإعلامي والسياسي والتسلل الثقافي من الأبواب الخلفية لخدمة الأغراض الصهيونية التي لا ترى في العرب إلا أمة معادية ويجب الخلاص منها. 

2-شجب هذه اللقاءات وإدانتها بقسوة شديدة ذلك لأنها تروج للصهيونية، وإظهار الكيان الصهيوني وكأنه متهالك ومتعطش للسلام في حين أن الواقع والوقائع يشيران إلى عكس هذا فالكيان الصهيوني بريد سلاماً على بحر من الدم والجثث والمجازر. 

3-مقاطعة الشخصيات العربية وغير العربية التي حضرت هذا اللقاء لأنها شاركت في حملات التضليل التي يقوم بها الإعلام الصهيوني دونما وجه حق، واعتبارها خارجة على الثوابت والمبادئ الوطنية والقومية والإنسانية أيضاً. 

4-إدانة كل ما جاء في البيان الختامي الذي أصدره أصحاب هذا الملتقى ليس لأن صياغته جاءت من قبل أعضاء في تجمعي (الليكود) و(العمل) الصهيوني وحسب، وإنما لأنه احتوى على أغاليط جوهرية تتناسى أغراضها أن الكيان الصهيوني كيان محتل، وغاز، قام على القوة الغاشمة، وتأريخه الدموي ومجازره العديدة شواهد تاريخية واضحة وحيّة ضمن حيزات الزمان والمكان في آن معاً. 

5-إن تناسي الشخصيات العربية وغير العربية التي حضرت (لقاء كوبنهاغن) الحقيقة العدوانية الإسرائيلية القائمة الآن على أرض الواقع من احتلال للجولان والجنوب اللبناني يعد مقصوداً، ومحاولة لوضع العربة أمام الحصان، والخوض في حديث لم يحن أوانه بعد. 

6-النفي القاطع والصريح في أن تكون تلك الشخصيات التي حضرت اللقاء ممثلة للشعب العربي، فمن أوكل الباحثين عن أمجاد شخصية، وخدمات مأجورة للكيان الصهيوني أن يتحدثوا باسم مئات الألوف من الشهداء العرب والأطفال الذين يتمتهم قنابل النابالم الصهيونية على امتداد خمسين سنة، ومن منحهم صك التحدث باسم الثقافة العربية وهم يتناسون مبادئها الأولى. 

7-إن السلام الحقيقي لا يوقع في العواصم الأجنبية، ولا يقوم أو ينهض فوق الأوراق، وفي الغرف السرية، وإنما يقوم على الأرض عبر ثوابت أساسية.. فالكيان الصهيوني كيان هجين وغريب في المنطق، أقيم بمنطق العدوان والذبح وحمامات الدماء، وأن لاحق صهيوني في فلسطين العربية، وأن لا سلام في الوطن العربي والكيان الصهيوني موجود. 

8-إن (لقاء كوبنهاغن) لقاء تحالفي لمجموعة من الشخصيات ذوات الأهواء والمصالح المشتركة البعيدة عن رغبات الشعب العربي، وتطلعات المثقفين العرب، وهو لا يعبر، ولا أمثاله، عن جوهر حقيقة الصراع العربي الصهيوني. 

9-الدعوة إلى إدانة (لقاء كوبنهاغن) في جميع وسائل الإعلام على اختلافها، وفي سائر المحافل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. واعتبار مثل هذه المشاركات مرتكزات انهزامية يجب مقاومتها بكل الوسائل. 

10-إن محاولات الصهاينة لجر عدد من المثقفين العرب إلى اجتماعات ولقاءات مثل (لقاء كوبنهاغن) لا يأتي إلا من باب تفتيت الأجماع الوطني والقومي للمثقفين العرب في سائر البلاد العربية والذي تكسرت على صخرته كل المحاولات الاختراقية وطروحاتها. 

إن اتحاد الكتاب العرب المؤمن بالثوابت الوطنية والقومية والإنسانية يوجه التحية لكل الهيئات والمنظمات العربية وخاصة في سورية ومصر والأردن، التي شجبت مثل هذا اللقاء، وكشفت أبعاده الخطيرة في الترويج للصهيونية وثقافتها عبر مثقفين عرب. 

جريدة الأسبوع الأدبي، العدد 550 تـ: 22/2/1997

■■■

الملحلق رقم/ 7/

البيان الختامي الصادر عن المؤتمر الشعبي العربي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني.

في إطار مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني الهادف إلى إخضاع الأمة ونهب ثرواتها وفرض الاستسلام والهيمنة عليها انعقد المؤتمر القومي العربي الشعبي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع في صنعاء في الفترة الواقعة من 9-12 كانون الأول 1996.

بمشاركة أكثر من (400) شخصية تمثل تنظيمات حزبية وحركات سياسية واجتماعية واتحادات ونقابات مهنية وتوجهات فكرية وأدبية وفنية من أقطار الوطن العربي. وصدر عنه أربعة تقارير: سياسي واقتصادي وثقافي وإعلامي. وفيما يلي البيان الختامي للمؤتمر: 

تنفيذاً لقرار لجنة التنسيق والمتابعة لملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي. وتطبيقاً لقرار المؤتمر التأسيسي لمقاومة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني الذي انعقد في طرابلس بالجماهيرية العربية الليبية في الفاتح من سبتمبر /أيلول/ 1995 م انعقد المؤتمر القومي العربي الشعبي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع /صنعاء 9-12/ كانون الأول/ ديسمبر 1996م في ظروف بلغ فيها تردي الأوضاع والروح المعنوية العربية حدوداً لا تليق بالأمة وتاريخها وعقيدتها ووجودها جراء اتفاقيات كامب ديفد وأوسلو ووادي عربة الخيانية ووصلت فيها الهرولة على أعتاب الكيان الصهيوني حدود التطبيع والتنسيق وعقد الأحلاف والتعاون العسكري والاقتصادي والأمني الثقافي والإقليمي  بدعم أميركي وتشجيع جعلا العدو العنصري الصهيوني يذهب إلى المدى الأبعد في التهديد والاستيطان والتهويد والاستفزاز. وهو الذي لم يتوقف لحظة واحدة -رغم زعمه أنه اختار السلام مع الأنظمة العربية -لم يتوقف عن تطوير قواته وقدراته العسكرية وامتلاك الأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة، نووية وغير نووية، ولا عن السير في طريق تفوق عسكري شامل على الدول العربية مجتمعة وعلى الدول الإسلامية التي تعارض الإعتراف به ويتوقع أن تساعد على تحرير المقدسات الإسلامية من احتلاله. 

وفي ظل تنامي التطبيع وتركيزه على أسس عملية بعد مؤاتمرات اقتصادية ثلاثة /الدار البيضاء، وعمان، والقاهرة، واتفاقيات ثنائية للتجارة والزراعة والسياحة مع أنظمة عربية عديدة وتدخل مكشوف في رسم المستقبل السياسي والأمني والثقافي للوطن العربي من جهة، وفي ظل استمرار الضعف والتردي والحصار للأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية على أقطار عربية رفضت الانصياع له وتهديد أقطار أخرى ترفض سياسته وسلامه ومشروعه التوسعي بتطبيق الحصار عليها والقيام بملاحقتها والتضييق عليها بحجة دعمها للمقاومة الوطنية للاحتلال التي يسميها العدو وحلفاؤه وأعوانه إرهاباً من جهة ثانية. 

في ظل هذه الظروف جميعاً وغيرها مما لا يتسع المجال للتفصيل فيها، انعقد مؤتمر مقاومة الاستسلام والتطبيع ليقول: لا للاستسلام ولا للتطبيع ولا للمهرولين إلى أعتاب العدو الصهيوني ولا للذل والهزيمة والانهيار المستمر في أوجه الحياة العربية. 

وإن مجرد انعقاد هذا المؤتمر الذي يضم الأحزاب والحركات والتيارات السياسية والثقافية والفكرية المتنوعة في الوطن العربي تحت هذا الشعار يعد انتصاراً وخطوة إيجابية على طريق استعادة الثقة ولا تنحصر الإيجابية النوعية لانعقاد هذا المؤتمر في مجرد انعقاده وإنما في نوعية التوجه والأفكار والمواقف التي شددت عليها الحركات والأحزاب والقوى والتنظيمات والاتحادات والمؤسسات والشخصيات العربية التي شاركت فيه والتي تتجلى في تثبيت حقائق الصراع العربي الصهيوني في الذاكرة والوجدان العربيين وتأكيد استمرار ذلك الصراع بوصفه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود. 

ومن هذه الأرضية المبدئية الصلبة ينطلق المشاركون في المؤتمر الشعبي الأول في مقاومتهم للاستسلام والتطبيع إلى تأكيد الثوابت التالية واستمرار المقاومة بكل أشكالها والجهاد والاستشهاد النوعي من أجل تحقيقها: 

أولاً– إن فلسطين وما نتج عن احتلالها من صراع هي قضية عربية بكل أبعادها وتبعاتها ونتائجها، وتتمتع ببعد إسلامي لا يجوز إغفاله. 

وإن العمل من أجل تحريرها كاملة من العدو الصهيوني المحتل هو الاختيار الوحيد الذي يمكن من حسم الصراع مع العدو لمصلحة الأمة العربية، ويضع حداً لاستنزافها وتمزقها واختراق أقطارها، وفرض التبعية على سياساتها واقتصادها وتكبيل قراراتها الوطنية والقومية. 

ثانياً– إن المؤتمر يرفض أي سلام مع العدو الصهيوني باعتباره إعترافاً به على طريق تحقيق أطماعه الاستيطانية والاستعمارية ويشكل استسلاماً للعدو والإمبريالية وتفريطاً في الحق التاريخي للعرب في فلسطين، وبحقوق الشعب العربي الفلسطيني الثابتة والمشروعة في أرضه وسيادته وتقرير مصيره فوق كامل ترابه الوطني. 

ولذلك فإن المؤتمر يرى أن السلام يستتب في هذه المنطقة من العالم بزوال الوجود الصهيوني من فلسطين، وسيادة الفلسطينيين على أرضهم ومقدساتهم. مقدسات العرب مسلمين ومسيحيين بل والمسلمين جميعاً. 

وإن التسوية والتطبيع والسلام الصهيوني الأمريكي المفروض المرفوض من جماهير الأمة العربية ومناضليها ومثقفيها وقواها الحية، ينتهك قدسية النضالية القومية العربية والإسلامية، ويؤدي إلى تصدع وضعف وبلبلة في صفوف العرب ووجدان أجيالهم واختياراتهم المبدئية واستراتيجياتهم الوطنية والقومية. 

ثالثاً- إن المشاركون بعد تداول معمق وموسع توصلوا إلى أن ما ينقصنا ليس هو التحليل والتشخيص والتوصيات والمقررات. وإنما هو العمل الجاد على برامج واضحة ومحددة تؤدي إلى تحقيق اختيارات المقاومة بكل أشكالها وأدواتها والتحرير والتحرر بكل آفاقهما. 

وإن هذا التوجه يحتاج إلى مناخ سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي جديد يجعل الوطن العربي وحدة متكاملة في الأداء ضمن هذا التوجه، وتوظيف العمل العربي المشترك وطاقات الأمة العربية لامتلاك قوة حامية ومحررة ومنفذة على أرضية الإيمان والعلم والعمل بهما، وامتلاك التقانة التي تؤدي إلى امتلاك القوة بأنواعها، وتحرير القرار العربي والإرادة العربية من كل ما يعوقهما ويكبلهما. 

وهذا يحتاج إلى عمل يطال الثقافة بمفهومها الشامل، والسياسة بممارساتها والمناخ العربي العام الذي لا بد أن تجري تنقيته وتوفير التفاهم والتعاون بين قواه وأحزابه والطاقات الفاعلة فيه وصولاً إلى القضاء على التأثير السلبي للتجزئة والقطرية المتجذرة التي أصبحت صيغة اعتراضية على القومية تضعفها أو تلغيها. وعوناً للصهيونية لتحقيق أغراضها في الوطن العربي وتضرب العروبة بالإسلام والإسلام بالعروبة وتصل إلى تفتيت القوى الثورية القادرة على التغيير في هذه البقعة من الأرض. 

وعليه فإن المشاركين في المؤتمر جميعاً يعلنون حرصهم على العمل بكل الوسائل من أجل خلق مناخ سياسي عربي أفضل يضع طاقات الأمة في خدمة أهدافها المبدئية ومصالحها القومية العليا وعزمهم على وضع حد للفرقة والتناحر والخلافات العربية -العربية التي تحول دون مقاومة المخططات الصهيونية والغربية التي تفرض على الأمة بأشكال مختلفة وبقرارات دولية تكون أنظمتها أحرص على تنفيذها وأقوى في التأثير من خلال ذلك التنفيذ من سواها من القوى. 

والمشاركون إذ ينطلقون نحو المستقبل متعاونين يعلنون أنهم يعملون على أساس المشترك الذي يجمعهم إطار وحدة الأهداف والمصير، ووحدة الاستهداف من قبل أعداء الأمة العربية والإسلامية. 

وهم يؤكدون في مسيرتهم النضالية القادمة على احترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين جميعاً، واحترام الممارسة الديقمراطية السليمة، وعلى ممارسة الحرية بمسؤولية، والانطلاق نحو خلق حالة كفاحية وجهادية جديدة في الوطن العربي كله على مختلف الصعد والمستويات. 

حالة ترى كرامة الفرد وخلاصه في كرامة الأمة وخلاصها من أشكال الاحتلال والتبعية والاستنزاف والإستلاب، وترى أن الخلاص يكون قومياً أو لا يكون، وأن القطرية تنطوي على ضعف ثابت ومستمر وأن مجالات العمل خدمة للأهداف الرئيسية للأمة كلها في حاضرها ومستقبلها هي من حق كل فرد من أبنائها، وكل تيار من التيارات الفكرية والسياسية الموجودة فوق أرض الوطن والمنتمية إليه والحريصة على تحرره وتقدمه وازدهاره. 

والمشاركون ينظرون بثقة كبيرة نحو المستقبل، ويرون في إمكانيات الأمة العربية، البشرية والمادية، وفي طاقاتها الروحية والعلمية والعملية ما يمكنها من تحقيق ما تتطلع إليه، إذا صدقت النوايا وصحت العزائم وتماسكت القلوب وتحابت وتضامنت، وقضت على كل مخلفات الماضي أياً كانت أسبابها أو مصادرها. 

وهم يعلنون أنهم يعملون بجد وإخلاص في إطار مؤتمرهم الذي وضعت لجانه السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية تقاريرها التي تضمنت توصياتها وبرامج العمل التي تقترحها لمواجهة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني على أرض الواقع. 

وإننا نؤكد، ونحن نسعى إلى قيام جبهة نضالية عربية إسلامية عريضة نواتها مؤتمرنا الشعبي هذا، أننا نحتاج إلى الأفعال أكثر مما نحتاج إلى الأقوال. 

وفقنا الله جميعاً لتطبيق قوله تعالى: 

“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

وفي نهاية مؤتمرنا هذا نتوجه بالشكر والتقدير لليمن قيادة وشعباً لاحتضانها هذا المؤتمر في هذه الظروف. 

ويقدر المؤتمر عالياً ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي وما بذلته حركة اللجان الثورية من جهود لعقد هذا المؤتمر وانجاحه. 

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. 

المجد للشهداء 

ضقعاء 12/12/1996

■■■

الملحق رقم/ 8/

بسم الله الرحمن الرحيم 

البيان الصادر عن ندوة المواجهة العربية لمخططات التعاون بين إسرائيل والدول العربية في القاهرة.

استمراراً لأداء رسالتها الوطنية والقومية في الدفاع عن المصالح الحيوية والأمن القومي لمصر والوطن العربي، قامت اللجنة المصرية لمقاومة التطبيع ومواجهة الصهيونية بتنظيم ندوة موسعة تناولت بأسلوب علمي دراسة ومناقشة الدوافع والأهداف وراء إصرار الحلف الصهيوني الأمريكي على مواصلة عقد دورات سنوية لما يسمى القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا والذي تنعقد دورته الثالثة في القاهرة خلال نوفمبر الحالي. 

ولقد شارك في أعمال هذه الندوة بتقديم الدراسات والبحوث والأوراق (مرفق قائمة بالأوراق المقدمة) وكذا بالتعليق عليها ومناقشة محتوياتها، عدد كبير من المفكرين وأساتذة الجامعات والقيادات الحزبية والشخصيات العامة. 

ولقد أسفرت أعمال الندوة التي التزمت بالمنهج العلمي في تعرضها لكافة القضايا التي طرحت للبحث والمناقشة عن اتفاق عام حول النقاط التالية:- 

أولاً ملاحظات عامة: 

1-إن انتظام انعقاد ما يسمى بمؤتمر القمة الاقتصادية، دون أن تظهر أية بادرة باحتمال الوصول إلى سلام شامل وعادل في المنطقة، بل ومع تصاعد شراسة وعدوانية الممارسات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها في مذبحة قانا بقيادة شيمون بيريز، ومذبحة القدس بقيادة بنيامين نتنياهو، يسقط تماماً كل المبررات والمزاعم التي ساقها الحلف الصهيوني الأمريكي لاستحداث هذه المؤتمرات المشبوهة. 

2-القول بأن الاقتصاد هو موضوع هذه المؤتمرات ولا محل للسياسة فيها، علاوة على أنه يتناقض مع الخطاب السياسي الذي استخدمه وما زال يستخدمه الداعون والمشاركون في هذه المؤتمرات، وبالإضافة إلى أنه يجافي موقف مصر الرسمي نحو السلام العادل، فإنه من قبيل الشذوذ غير المسبوق في العلاقات الدولية أن يتقدم التعاون الاقتصادي على التفاهم السياسي. 

3-إن إسرائيل هي التي وضعت القاعدة الفكرية لهذه المؤتمرات، من خلال الطرح النظري الذي صاغه شيمون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) وأيده بالدعم السياسي للولايات المتحدة الأمريكية. 

واجتماع العرب مع إسرائيل في إطار مؤتمرات عنوانها التعاون الاقتصادي،  لينهى عملياً المقاطعة العربية ويسقطها دون أي التزام سياسي من قبل إسرائيل حيال الحقوق العربية التي اغتصبتها. 

4-إذا كان أنصار التطبيع يرددون بأن الصراع الإسرائيلي العربي هو في جوهره صراع حضارات، فإن ذلك أدعى إلى إحياء المشروع الشامل للأمة العربية والذي تبلور عبر قرون من النضال، في المشروع القومي العربي الوحدوي قبل ظهور الكيان الإسرائيلي بمرحلة طويلة. 

5-الخطاب السياسي الإسرائيلي والأمريكي الذي يتعامل معه أنصار التطبيع العرب في إطار المشروع الشرق أوسطي، ويلقى لديهم القبول ما هو إلا دعوة فجة إلى أن تتخلى الأمة العربية عن ذاكرتها القومية. في الوقت الذي ينطوي عليه ذات الخطاب في مطالباته وممارساته الأمنية والاستراتيجية على إحياء وإنعاش الذاكرة العنصرية والصهيونية،  ولعل الاحتفال الذي تنظمه إسرائيل على نطاق عالمي بمناسبة مرور 3 آلاف سنة على بناء هيكل سليمان مثل صارخ لهذا التشنج العنصري. 

ثانياً- طبيعة ومضمون وأهداف مؤتمرات القمة الاقتصادية: 

ولقد أجمعت الآراء التي تضمنتها الدراسات وعبرت عنها المناقشات التي دارت أن مؤتمرات القمة الاقتصادية هي تجسيد للمشروع الشرق أوسطي الذي نظرّ له بيريز، والانتقال به من مرحلة الترويج الفكري إلى مرحلة التواجد المؤسسي على أرض الواقع. 

ولقد توصلت هذه الآراء من خلال الرصد والتشخيص والاستقراء إلى النتائج والحقائق التالية: 

1-إن المشروع الشرق أوسطي صياغة إسرائيلية بدعم أمريكي لخلق نظام إقليمي في الشرق الأوسط تتمتع فيه إسرائيل بالسيطرة الاقتصادية والعسكرية مع استمرارها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية. 

وهو نظام يجري تنفيذه في إطار استراتيجية شاملة تقوم على الإخضاع والإلحاق والتفرقة بين أجزاء الأمة العربية واستخدام العرب ضد العرب لحراسة المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ويستهدف في منتهاه تأسيس بنية فوقية تجب الجامعة العربية وتتجاوز كل بنى ومؤسسات النظام العربي. 

2-إن الاجتماعات التي تجري في إطار مؤتمرات التعاون الاقتصادي هي في حقيقتها مدخل لتنفيذ مشروع إسرائيل طويل الأجل على مراحل، وتسير فيه إسرائيل بتكتيك المستوطنات، أي خلق واقع اقتصادي جديد كل يوم، يخترق المنطقة العربية بأكملها. 

والمطروح حالياً مثلث إسرائيلي أردني فلسطيني ليكون بمثابة رأس حربة لإختراق المنطقة. 

والمرحلة الثانية ستكون التركيز على مشروعات الربط الإقليمي بحيث تصبح إسرائيل هي المتحكمة في كل شيء بدءاً من الطرق حتى أنابيب النفط والغاز والوصول إلى هدفها النهائي وهو السيطرة على الطاقة والمياه وطرق المواصلات ومسارات التجارة والمال والتكنولوجيا. 

وهكذا تصبح إسرائيل بوابة العالم الأول إلى السوق الإقليمية وعلى نحو يحقن اقتصادها بعناصر قوة جديدة تمكنها من استيعاب المهاجرين اليهود الجدد والحد من البطالة. 

وذلك كله على حساب استنزاف طاقات الأمة العربية وتهميش دور مصر. 

3-ومع ذلك فإن إسرائيل لا تريد اندماجاً حقيقياً مع دول المنطقة يخرجها من نطاق التكامل مع الغرب اقتصادياً واستراتيجياً، ولكن ما تريده هو بناء تجمع اقتصادي  لا يقوم على التكافؤ، تكون هي مركزه، وتستخدمه لمساومة التكتلات الاقتصادية الكبرى. 

4-إن الدور العربي المسموح به في إطار مؤتمرات التعاون الاقتصادي هو تعديل الهوامش على النص الإسرائيلي. 

5-يرتب مشروع النظام الشرق أوسطي أوضاعاً تعرض الأمن القومي لتهديدات جسيمة من بينها:-

*الاستعاضة عن الأمن القومي العربي بإقامة نظام اقليمي جديد يحقق لإسرائيل التوسع الاستيطاني على حساب الأمن القومي العربي. 

*ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية مجتمعة. 

*احتفاظ إسرائيل بترسانتها النووية. 

*التواجد العسكري المكثف لأمريكا داخل بعض الأقطار. 

*ربط إسرائيل بمعاهدات واتفاقيات عسكرية وأمنية مع دول الجوار الجغرافي. 

6-تركيز إسرائيل على التطبيع الثقافي ليس فقط بقصد فرض مفاهيمها التي تتعارض مع مصالحها ولكن الأبعد من ذلك لشطب المفهوم القومي العربي ونفى وجوده. 

7-إن الناتج العام للمشروع الشرق أوسطي سيصب في وعاء المكاسب الإسرائيلية على المستوى الاستراتيجي ويحقق لها على المستوى تفوقاً وتميزاً لا يمكن قياسه بأي معيار مادي أو اقتصادي، بينما يعرض سيادة الأقطار العربية مجتمعة ومنفردة، وأمنها القومي لاختراقات تكلفهم مصيرهم ومستقبلهم. 

ثالثاً: الرؤية العربية للمواجهة. 

ولقد أجمعت الآراء في هذا المجال على الرفض الكامل للمشروع الشرق أوسطي -الذي ترسى قواعده وتقيم مؤسساته مؤتمرات القمة الاقتصادية، وكذا اجتمعت على رفض كل صور التطبيع مع العدو الصهيوني. 

وتعددت الاجتهادات في تحديد أساليب المواجهة واستحضرت الخبرة المتراكمة لمقاومة التطبيع في مصر منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد.

وتبلورت الآراء في عدد من التوصيات من بينها:

1-دعم وتأكيد موقف القوى الشعبية والسياسية والمنظمات الجماهيرية والهيئات المهنية الرافض للاشتراك في أية مؤتمرات أو تجمعات أو لقاءات تحضرها إسرائيل أو تدعو إلى التعاون معها واعتبار الخروج على هذا الالتزام تحدياً للمشاعر الوطنية والقومية يستدعي المواجهة والحساب. 

2-ممارسة كل صور الضغط المتاحة على الحكومات والقيادات التي تتعامل وتتعاون مع إسرائيل لكي توقف على الفور كل السياسات والأنشطة المتصلة بالتطبيع مع العدو الصهيوني بما في ذلك امتناعها عن المشاركة في مؤتمر القمة الاقتصادي الذي ينعقد في القاهرة 12 نوفمبر الجاري. 

3-التصدي الفعال للقلة من المثقفين الذين أصابهم مس التطبيع مع العدو الصهيوني، والداعين إليه صراحة أو بالاتفاق وكشفهم وحصارهم بالدور النشط وإدانتهم في نظر الرأي العام. 

وكذا مقاومة الاختراق التطبيقي باستنفار الروح القومية، من خلال الانتماء القومي لدى الجماهير وتوظيف الأدوات التاريخية والثقافية والأدبية والفنية لدعم هذا التوجه. 

4-العمل على إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي الذي يستهدف تحقيق تنمية عربية مستقلة واعتماد جماعي على الذات، وذلك من خلال استنهاض الروح القومية لدى الجماهير في مصر وعلى صعيد الوطن العربي، وتعبئتها في عمل شعبي مشترك ومنظم ومتواصل، يفرض على الأنظمة الحاكمة الانضمام إليها وتوفير مناخ ديمقراطي يتيح لتلك الجماهير إطلاق طاقاتها الإنتاجية والإبداعية وتعزيز التضامن والتعاون العربي والمساهمة الفعالة في إقامة مجتمع متقدم تظله العدالة الاجتماعية. 

5-تعبئة وتوحيد جهود الأحزاب السياسية العربية وكذا المنظمات الجماهيرية والهيئات والاتحادات المهنية والعمالية العربية لحث الحكومات على تفعيل كل المنظمات والمؤسسات العربية القائمة، وفي مقدمتها الجامعة العربية ووكالاتها واتحاداتها ولجانها المتخصصة -خاصة- مجلس الوحدة الاقتصادية للاضطلاع بالمهام الموكولة إليها وإحياء مشروعات التعاون والاندماج فيما بينها- وتحديداً مشروعات التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة وصندوق النقد العربي وغيرها من المشروعات التي جرت دراستها وحصلت على موافقة الحكومات العربية وتوقفت عند حد التنفيذ. 

6-تكوين جبهة من القوى والفعاليات والحزبية العربية تقوم بوضع استراتيجية قومية تحقق الأماني والأهداف القومية في ظل المتغيرات والظروف الدولية الجديدة وتحدد الأساليب العلمية لبلوغ هذه الغايات. 

7-تأسيس حركة تضامن مع أبناء الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان تمدهم بالتأييد المادي والمعنوي في حالات المواجهة مع العدو الصهيوني. 

8-الاستفادة من دروس فشل العمل العربي الوحدوي في الماضي وذلك يهدف استحداث الأدوات والوسائل العملية المناسبة ومواجهة مشروعات الهيمنة والتسلط. 

9-الاستمرار في متابعة ورصد التطبيع في كافة المجالات، باستخدام الأساليب والأدوات العلمية الحديثة وتشخيص المخاطر وتوظيف هذه المعلومات لخدمة الأهداف السابقة ولخلق حركة مقاومة واعية ورأي عام مدرك فداحة الخسائر الوطنية والقومية التي قد تنجم عن التهاون في مقاومة التطبيع. 

إن إحياء المشروع القومي العربي الوحدوي لم يعد خياراً يمكن استبداله أو الاستغناء عنه بل هو ضرورة واجبة يستلزم تحقيقها النضال المتصل القائم على أن العرب أمة واحدة لها حضارتها المتميزة ولغتها المشتركة وثقافتها الغنية ومساهمتها الحضارية على مدى التاريخ الإنساني ومن غير المقبول ولا المعقول التفريط في لك هذه الخصائص إرضاء للعنصرية الصهيونية أو انحناء للهيمنة الأمريكية.

القاهرة 23 أكتوبر 1996.

■■■

الملحق رقم/ 9/

التعاون الاقتصادي الإقليمي يدعم السلام في الشرق الأوسط

 كلمة بنيامين نتياهو رئيس وزراء إسرائيل في تقديم الورقة الإسرائيلية إلى مؤتمر القاهرة الاقتصادي 

منذ الإعلان التاريخي للرئيس المصري أنور السادات سنة 1977 (لا حرب بعد الآن) والشرق الأوسط يمشي على طريق طويل لتحقيق السلام. معتمداً على الأسس الدولية المعروفة أن معاهدة السلام مع مصر كانت أول محطة في هذه الرحلة وقد مهدت الطريق لتحقيق الأهداف التالية، مؤتمر مدريد، إعلان المبادئ مع منظمة التحرير الفلسطينية، ثم باتت عملية السلام حقيقية، وأن جميع أبناء الشعب الإسرائيلي مطالبين بسلام عادل ودائم للمنطقة بأسرها. 

إن التحديات التي نواجهها جميعاً في السنوات القادمة، هي كيف نحافظ على ما حققناه ثم كيف نوسع دائرة السلام لأجزاء أخرى من العالم العربي مع العلم أن التحديات التي تواجهنا في عملية السلام لن تصبح أكثر سهولة، ولحماية هذه العملية للأجيال التالية ليس كافياً تحديد فوائد السلام . نحن نحتاج لتحديد معايير لكيفية الحصول عليها. المعيار المركزي الذي يجب أن نسترشد به هو أن العنف وصناعة السلام لا يمكن أن يمتزجا تماماً. وأي منطقة تحولت من الصراع إلى إعادة البناء ارتضت هذه القاعدة الأساسية. 

السلام يجب أن يعتمد أيضاً على الإصرار والأمل. إن شعوب الشرق الأوسط يحتاجون إلى قطف ثمار السلام وليس فقط مشاهدة احتفالات قادتهم. 

البعض يعتقد أن السلام هو القاعدة الأساسية للتنمية الاقتصادية، آخرون يعتقدون أن الروابط الاقتصادية تخلق المناخ الصحيح للسلام. ونحن أضفنا أنه بدون الأمن لن يصبح الوضع ممهداً للاستثمار الأجنبي. ولكن الجميع يوافقون على أن السلام والنجاح الاقتصادي مرتبطان.. أحدهما يساند الآخر. وشعوب الشرق الأوسط يستحقون هذا النجاح. 

لماذا يأتي النمو والتنمية السريعة إلى أوروبا والباسيفيك فقط متخطياً منطقتنا؟ إذا نزعنا أنفسنا بعيداً عن دائرة العنف فسوف نستطيع نحن أيضاً أن نساهم في مستقبل أفضل. 

وهذا الكتاب الذي يحتوي مقترحات متعددة للتنمية يؤكد على الأهمية التي توليها دولة إسرائيل للتنمية الاقتصادية الإقليمية (للمنطقة) سوف يؤدي السلام إلى الرفاهية ويجب أن يشعر جميع مواطنينا أن قادتهم قد اختاروا الطريق الصحيح عندما اختاروا السلام.. السلام والأمن هما محور وجودنا والأمن الاقتصادي لشعوبنا يعني أيضاً الأمن (والأمن يعني أيضاً الأمن الاقتصادي لشعوبنا). 

ترتكز التنمية الاقتصادية على مسارين كبيرين -مشروعات “المدى القصير” مقصودة لتحقيق الرفاهية وذلك بتنشيط التجارة البينية (تجارة عبر الحدود) وتحسين القدرة الزراعية وخلق بيئة أعمال مقبولة في المنطقة. 

ثانياً: مشروعات “المدى الطويل” التي تعتبر سياسة تأمينية. إنها “خطاب نوايا” لشعوبنا لتعكس مدى التزامنا بطريق السلام. إن الاختيارات التنموية المعروضة في هذا الكتاب هي حصيلة المفاوضات الثنائية الإقليمية والعالمية والتي تهدف لتحقيق المنطقة الاقتصادية الإقليمية بتحديد مجموعة من الفرص الاستثمارية يمكن قبولها في الأعم الأغلب من جميع الأطراف المشاركة في مثل هذه المفاوضات وتكون متاحة لمجتمع رجال الأعمال، في جميع دول العالم لتحقيق الفوائد المرجوة للإقليم. 

منذ فجر التاريخ.. الشرق الأوسط وشمال إفريقيا محور للربط “للوصل” بين الشرق والغرب والشمال والجنوب إنه مركز إمداد لمقترحات (لإمكانيات) اقتصادية غير محدودة في مجالات مثل النقل والمواصلات والتجارة والسياحة والزراعة والمصادر الطبيعية والطاقة والاتصالات. إذا تقدمت المنطقة بخطى واسعة نحو السلام (إذا سعى الإقليم).. سيستفيد الجميع بعوائدها. 

إن القاعدة الأساسية للتنمية هي التعاون الإقليمي المبني على مبادئ الاحترام المتبادل والمساواة التامة. 

وعليه فالتنوع بين اقتصاديات الإقليم المختلفة، يجب أن يُستغل لتحسين العائد المشترك (المتبادل) وليس لتعميق المجابهة (المواجهة). 

في الشرق الأوسط مستقبلاً.. ستحتاج جميع الأطراف لجني الثمار بلا خوف أن يستأثر أحد الأطراف على تلك الفوائد. 

لقد ذكر الرئيس المصري الراحل أنور السادات في كلمة بالكنيست الإسرائيلي “إننا نتعهد لشعوبنا وللحضارة التي صنعها الإنسان، أن نحمي الإنسان أينما وجد من أن يُحكَم بالسلاح.. إننا نتعهد أن ننمي القيم الإنسانية والمبادئ التي تعلي شعلة الجنس البشري. 

لقد دفع السادات حياته ثمناً لقراره الحكيم للسعي قدماً نحو السلام. ضحى رئيس الوزراء اسحق رابين الذي وقف في العام الماضي ليفتتح مؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادي منادياً للسلام.. ضحى بأغلى ما يملك. دعونا نستكمل المشوار الذي بدأه. دعونا نكافح لنكمل أعمالهم من خلال التعاون الاقتصادي الإقليمي. 

■■■

الملحق رقم /10/

نص الدعوة الموجهة للمشاركين في مؤتمر عمّانْ. 

“إن قمة الشرق الأوسط وشمال افريقيا 1994، التي انعقدت في كازبلانكا، كانت حجر الزاوية في رسم خريطة اقتصادية جديدة وتأسيس ما يمكن أن يعتبر أهم شبكة لرجال الأعمال وصناع القرار السياسي في المنطقة. وبناءً على النجاح الطاغي (الأعظم) والغير مسبوق للقمة، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي، قد طُلبَ منه(؟‍) أن يستمر في لعب دور قيادي في عملية إعادة البناء، وإعادة تشكيل الدورة الحالية، بدعم وتأييد من الحكومات ومن القطاع الخاص في المنطقة. 

إن قمة الشرق الأوسط وشمال افريقيا الاقتصادية التي ستنعقد في 1995 في عمّان بالأردن، من 29-31 أكتوبر ستكون تحت قيادة رجال الأعمال، وستركز الأحداث على بلورة نتائج لإيجاد فرص ومشاريع وستدور المناقشات حول خلق مناخ استثماري إقليمي مواتٍ. أيضاً ستشهد القمة درجة عالية من التفاعل الشخصي على ضوء البنى والبرامج المدعمة بالخدمات وسيكون أحد أهم أهداف القمة هو تقديم الدعم للإسراع بخلق شبكة من الاتصالات الجيدة. 

نحن ندعوكم بأخوة، لمشاركتنا في هذا التجمع الغير تقليدي الذي سوف يشمل قيادات سياسية ورجال أعمال وخصوصاً من المنطقة، ومن المشاركين المفاتيح. نلفت إهتمامكم إلى المرفق الذي يعطي بعض الملامح عن أهمية ومغزى القمة”.