موقع فرنسي: “إسرائيل” تتجه نحو الهاوية

في مقال تحت عنوان: ‘‘اليمين المتطرف في صعود مستمر.. إسرائيل نحو الهاوية’’، تساءل موقع OrientXXI الفرنسي، في مقال للصحافيين سيلفان سيبيل وعزرا ناهماد، إلى متى وإلى أي مدى سيظل أنصارها، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، يحمون دولة كإسرائيل، التي حصلت لتوّها على حكومة ذات توجُّه استيطاني هويّاتي أكثر تطرُّفًا من أي وقتٍ مضى، والتي أعربت وسائل الإعلام الأمريكية عن قلقها حياله، إذ اعتبرت وكالة “أسوشيتد بريس’’ أن هذه الحكومة الجديدة “تدفع إسرائيل إلى صدام وشيك مع أقرب حلفائها، في مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع اليهودي الأمريكي’’.

فرغم تهنئة جو بايدن لبنيامين نتنياهو مكرّرًا تأييده لـ“حل الدولتين”، وتأكيد وزير خارجيته أنتوني بلينكن أنه “سيحكم على السياسات التي ستنتهجها (تلك الحكومة) وليس على الأشخاص”، إلا أن الائتلاف الحاكم في تل أبيب يثير قلق واشنطن، حيث لم تلقَ أولى الإشارات التي بعث بها نتنياهو استحسانًا، يوضح سيلفان سيبيل، مضيفاً أن الإدارة الأمريكية ترى أن سياسة إسرائيل تضعها في مأزق متزايد، لا سيّما فيما يتعلق بمسألة داخلية، إذ يتصاعد انتقاد إسرائيل في أوساط الديمقراطيين الشباب يومًا بعد يوم. وأعلن أكثر من 300 حاخام أمريكي عن قطع كافة الاتصالات مع أعضاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة، تأكيدًا على إعراض المجتمع اليهودي الأمريكي المتزايد. وهو موقفٌ يتبنّاه اليهود الشباب في المقام الأول، الذين يرون أن سلوك “الدولة اليهودية” يصبح مروّعًا يومًا تلو الآخر. ولن تثنيهم التدابير التي اتخذها نتنياهو عن موقفهم.

سيلفان سيبيل – عضو سابق في رئاسة تحرير صحيفة ‘‘لوموند’’ ومدير سابق لمجلة “لوكورييه أنترناسيونال’’، ومؤلف كتاب ‘‘المطمورون، المجتمع الإسرائيلي في طريق مسدود” من منشورات لا ديكوفيرت 2006 – أضاف التوضيح أن نتنياهو ضاعف من التنازلات الممنوحة لـ“معسكر المستوطنين” من أجل ترسيخ سلطته في البرلمان الإسرائيلي والهرب من الملاحقات القضائية التي تطارده، بما في ذلك تجريد الجيش الإسرائيلي من سيطرته الكاملة على العمليات في كافة الأراضي المحتلة، لأول مرة منذ احتلال الضفة الغربية، حيث مُنح وزير المالية الجديد بتسليل سومتريتش، المُنتمي إلى اليمين الأكثر تطرفًا، كافة الصلاحيات المدنية في الضفة الغربية والتي تتضمن توسيع الاستيطان في المقام الأول. الأمر الذي أثار قلق الجيش.

وتنبئ تنازلات نتنياهو هذه بظهور صراعين يشكّلان تهديدًا خطيرًا. يتمثل الأول في اندلاع الثورة الفلسطينية من جديد على نطاق واسع، في الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل نفسها. فهل سيتمكن رئيس الوزراء من السيطرة على إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الجديد، وما السبيل إلى السيطرة على رجل كان على مدار حياته المهنية رمزًا للعنف القائم على العنصرية؟ فبوصول بن غفير وسموتريتش إلى السلطة، وصل شعور المستوطنين بالإفلات من العقاب إلى أعلى مستوياته، ما يثير مخاوف من ارتفاع وتيرة الاعتداءات، والتي كانت متكرّرة بالفعل، ضد الفلسطينيين (والإسرائيليين الذين جاءوا لدعمهم). وما إن تولّى بن غفير منصبه، حتى سارع إلى اقتحام ساحات المسجد الأقصى للكشف عن نواياه. وبالفعل، أعرب أعضاء في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي عن مخاوفهم من اندلاع ثورة جديدة في صفوف الشباب الفلسطيني.

التهديد الآخر الذي يلوح في إسرائيل هو على الصعيد الداخلي، ويتعلق “بالإصلاحات العميقة” التي أقرّها نتنياهو. يتمثّل الأول في إضعاف صلاحيات المحكمة العليا. حيث يمكن للبرلمان إلغاء قراراتها، ويكون للنوّاب سلطة التحكم في طرق تعيين أعضائها. يتيح ذلك إمكانية التصويت على النصوص التي رفضتها المحكمة العليا لعدم مطابقتها “للقوانين الأساسية”. ثم اعتماد “خطة القانون والعدالة لتعديل النظام القضائي وتعزيز الديمقراطية الإسرائيلية”. وهو ما يعني، وفقًا لمعارضي نتنياهو، تراجع الديمقراطية بشكل جذري.

ومن المنتظر أيضًا تعديل “قانون العودة” ليصبح شديد التقييد. فحتى الآن، كان الحصول على الجنسية متاحًا لأي شخص له جد أو جدة يهوديان. بيد أن المقترح الجديد ينص على تطبيق القانون التلمودي (المعروف باسم “الهلاخاة”)، والذي بموجبه تنتقل اليهودية من الأم وحدها. بقاعدةٍ كهذه، سيفقد ثلث اليهود الذين وُلدوا في الاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من اليهود الأمريكيين، يهوديّتهم في نظر الحاخامية الكبرى.. مثل اليهود الذين وُلدوا لأم تحوّلت إلى اليهودية على أيدي حاخامات يقال عنهم “إصلاحيّون”، وهي ممارسة متعارف عليها في الولايات المتحدة الأمريكية. هكذا سيفقد هؤلاء الأمريكيون على الفور هويّتهم اليهودية، وإمكانية أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين إن أرادوا.

لا يثير ذلك تعاطف الفلسطينيين كثيرًا، وهم المحرومون من أي حق في العودة منذ ثلاثة أرباع قرن. لكن غالبية اليهود الأمريكيين يرون في هذا المقترح ازدراءً، خاصةً الشباب منهم: تظهر استطلاعات الرأي أن القطاع الأكبر يعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري، بينما حقق بن غفير أكبر انتصارٍ له بين الشباب الإسرائيلي.

لن يصادق الكنيست بالضرورة على تلك الإصلاحات. فقد أعلن رؤساء بلديات الكيبوتسات الكبرى بالفعل رفضهم التعاون مع آفي ماعوز في مجال التعليم. ولكن بالنسبة للجزء الأكبر منها، يتمتع نتنياهو بأغلبية تتيح له تمريرها. يعتقد أغلب المحللين الإسرائيليين أن المجتمع على وشك أن يشهد تغييرات خطيرة من شأنها تقويض الحقوق الديمقراطية في صالح أوساط المتدينين والأكثر فسادًا. في إسرائيل، تتصاعد المخاوف بشأن الإكراه الديني وتآكل الديمقراطية.

‘‘إسرائيل، الهروب نحو الأسوأ’’

تحت هذا العنوان اعتبر عزرا ناهماد أن سقوط إسرائيل في الهاوية، عنيد وقسري، يمتد على مدار عدة عقود، ويُعدّ نموذجًا متفرّدًا، قائلاً إنها تتمتع بلا شك بقدرة عسكرية وتكنولوجية عظيمة، لكن حياتها اليومية ومناخها الاجتماعي والثقافي قاتمان بقدر إبهار تقنياتها العسكرية أو الشرطية، وكأنما تسير في اتجاهٍ معاكس.

تعتمد كل من القدرة العسكرية والقدرة التكنولوجية، وهما متداخلتان بشكلٍ وثيق، على إحكام مأساة الشعب الفلسطيني. ومع مرور الوقت، لم يستطع هذا الشكل من التقدّم الإسرائيلي المضي قدمًا إلا بنهب الأراضي والقمع العسكري وتشديد القبضة الأمنية والتخريب. فما يصنع مجد إسرائيل لا يتحقّق سوى بتنظيم وتصنيع التكنولوجيات الإجرامية المطوَّرة ضد الفلسطينيين والتربُّح منها، يقول عزرا ناهماد، معتبراً أن نشأة هذا التوجّه الدولتي هو ظاهرة مبهرة ومخيفة في الوقت ذاته.

فالعنف الذي يمارسه المستوطنون والجيش ضد الفلسطينيين، والقوانين العنصرية، تقع بشكل أساسي في الضفة الغربية، رغم أن عرب إسرائيل يخضعون هم أيضًا لعدد من القوانين التمييزية. على مر السنين، شوّهت تلك الجرائم أخلاق وذكاء وثقافة إسرائيل. لهذا تحديدًا شكّل هذا البلد حديثًا حكومةً تضم رجالًا فاسدين وعنصريين، ووزراء يدعون صراحةً إلى إقامة دولة ثيوقراطية، والفصل بين الرجال والنساء في الأماكن العامة، وإقصاء المثليين جنسيًا، وتعزيز قوانين الفصل العنصري ضد كل ما يبتعد عن شكل من أشكال اليهودية التي تتسم بجنون العظمة.

وتابع عزرا ناهماد القول إن موافقة الإسرائيليين على المشاريع السياسية المطروحة يدلّ على افتقادهم المتزايد للمعايير. لقد هجر حس الدعابة والسعادة والفضول أو الاهتمام بالآخرين الثقافة الإسرائيلية، واستُبدِلت بتوحُّد يشوبه الاكتئاب والضيق والمظلومية، وبثقافاتٍ فرعية حافلة بالخرافات.

يُقال إن غالبية الشباب يؤيّدون أطروحات الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وربما يرجع ذلك بشكل كبير إلى مشاركتهم في الجرائم الجماعية التي تمارَس ضد الفلسطينيين أثناء أداء خدمتهم العسكرية، لكن التلقين وغرس العقيدة يبدأ في المدرسة منذ سنٍّ صغير… شعبٌ يشارك بقوةٍ تزداد ضراوةً يومًا بعد يوم في إخضاع شعب يعيش معه على نفس الأرض، ليتحوّل بدوره إلى شعبٍ مستَعبَد. يُعد انحراف إسرائيل عن المسار جزءًا من دينامية عالمية لا تقتصر عليها، لكنها تواجَه بحشود متزايدة من الأفراد والجماعات في البلدان الأخرى، بينما في إسرائيل يبدو أن الأمور قد حُسِمَت.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: