بوتين “يحتفل” مُبكّرًا بمُقدّمات الانتصار في أوكرانيا.. ما الجديد؟ وهل ستُرجّح 14 دبّابة بريطانيّة مُتهالكة كفّة زيلينسكي في الحرب؟ ولماذا قد يُسدل الهُجوم الروسي “الرّبيعي” المُضاد السّتار على هذه الحرب نهائيًّا إذا سارَ وِفق الخطّة المرسومة؟

بينما تستعدّ أوكرانيا لصدّ هُجومٍ روسيّ برّي مُوسّع لإحكام السّيطرة على مِنطقة دونباس في الجنوب والشّرق في الربيع المُقبل، وتستجدي حُلفاءها في أمريكا وأوروبا بإرسال دبّابات ومُدرّعات ومنظومات الباتريوت الدفاعيّة، لصدّ هذا الهُجوم، يُعلن الرئيس الروسي اليوم الثلاثاء أن “العمليّة العسكريّة الخاصّة” لقوّات بلاده في أوكرانيا (لا يستخدم لفظ الهُجوم) “تسير بشَكلٍ إيجابيّ، والوضع الاقتصادي الروسي أفضل بكثير ممّا كانت عليه قبلها، بل وأفضل ما توقّعه الخُصوم بكثير، حتّى أفضل من توقّعاتنا”.

كلام الرئيس بوتين، الذي يبدو هذه الأيّام بأنّه يتمتّع بقدرٍ أكبر من الثقة والارتياح خاصّةً بعد استِعادة قوّاته لمدينة سوليدار، وتُحاصر حاليًّا لاخونت التي بات سُقوطها مسألة وقت، أكّدت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكيّة الاقتصاديّة في تقريرٍ لها قالت فيه إن صادرات روسيا من النفط ارتفعت بنسبة 2 بالمئة، ووصلت إلى حواليّ 4 ملايين برميل يوميًّا، بالمُقارنة مع شهر نيسان (أبريل) عام 2022، ممّا يعني فشل قرار تحديد لأسعار النفط الروسي، وتدفّق المزيد من مِليارات الدّولارات عوائد نفطيّة إضافيّة إلى الخزينة الروسيّة المُتضخّمة أساسًا لتغطية نفقاتِ الحرب.

حتّى كتابة هذه السّطور تسير التطوّرات في الميادين العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة لصالح الرئيس بوتين ومحوره، فالعُقوبات التي فرضتها أمريكا لتقويض روسيا من الدّاخل وتركيعها، على غِرار ما حدث مع الاتّحاد السوفييتي، بدأت تُعطي نتائج عكسيّة، فأوكرانيا باتت شِبْه مُدمّرة، رُبع سُكّانها تقريبًا باتوا نازحين أو لاجئين في دُول الجِوار، ومن تبقّى في أرضه يعيش ظُروفًا صعبة، وصقيع قاتل، وانقِطاع للماء والكهرباء ومُعظم الخدمات العامّة، ومُستقبل غامض، وأحلام حُكومة أوكرانيا، بالانضِمام إلى الاتّحاد الأوروبي، وحِلف الناتو لم تتحقّق، وربّما لن تتحقّق، وقد تخرج من هذه الحرب “الأمريكيّة” مُفتّتة ومُنهارة، وخسارة خُمس أراضيها في المناطق الشرقيّة وشِبه جزيرة القِرم التي ضمّتها روسيا، ولن تتخلّى عنها في أيّ اتّفاقٍ لوقفِ إطلاق النّار في المُستقبل.

إرسال دبّابات ومُدرّعات وذخائر من قِبَل الدول الغربيّة الكُبرى هذه الأيّام قد لا يُنقذ أوكرانيا، ويُحقّق لها النّصر، لأنّ هذه الدّول باتت “عاجزة” عن مُساعدة الأوكرانيين فِعليًّا، وبالقدر الذي يُمكنهم من الانتِصار، فالعُقوبات الأمريكيّة أحدثت ضررًا مُباشرًا ونازفًا بالاقتِصاد الغربي، وأدّت إلى تدهور الظّروف المعيشيّة لحُلفائها الأوربيين الذين بات جميعهم يخوض حربًا بالإنابة وعن بُعد في أوكرانيا، ويتركون شعبها يُواجه قُوّةً عُظمى نوويّة لوحده.

ألمانيا ستُرسل دبّابات “لوبارد”، وفرنسا “تأمَل” بتزويد أوكرانيا بدبّاباتٍ خفيفةٍ من طِراز “AMX 10” في غُضون شهرين، أمّا بريطانيا فقد أعلن وزير خارجيّتها أنها ستُرسل 14 دبّابة من طِراز “تشالينجر” عُمرها 40 عامًا، وعلى وشَكْ إحالتها إلى التّقاعد من الخِدمة لقدمها، فماذا ستفعل 14 دبّابة في حربٍ عالميّة ثالثة وأمام جُيوش دولة عُظمى تملك 6500 رأس نووي وآلاف الدبّابات؟

وليْت الأمر توقّف عند هذا الحد، فالحُكومة البريطانيّة المُحافظة، والحليف الأقرب لأمريكا والأكثر حماسًا لهذه الحرب، تُواجه حالة من الانهِيار الدّاخلي، والغضب الشّعبي غير مسبوقين مُنذ “حرب السّويس”، ويكفي الإشارة إلى تقريرٍ مُوسّع لصحيفة “الديلي ميل” اليمينيّة المُحافظة، نقلت فيه آراء للقُرّاء والخُبراء، تُعارض مُعظمها إرسال أيّ قطعة سِلاح، أو أموال لأوكرانيا لأنّ المُمرّضات البريطانيّات، وسائقي القطارات ومترو الأنفاق المُضربين عن العمل أحقّ بها بدلًا من إرسالها إلى أوكرانيا، والأخطر من ذلك تساؤل بعض الخُبراء عن إهدار المِليارات من أموال دافِعي الضّرائب البريطانيّة وإنفاقها لتصنيع هذه الدبّابات والأسلحة وتطويرها فماذا لو وقعت في أيدي الأعداء الروس والصينيين؟ ووصفوا هذه الخطوة بأنّها أحد صُور “الخِيانة” العُظمى، لأنّ أوكرانيا ليست عُضوًا في حِلف النّاتو، وإنفاقًا للمال العام في حربٍ ليست لبريطانيا فيها ناقة أو جمل على حدّ تعبيرهم.

وعلى ذِكر حلف النّاتو، فانه يعيش حاليًّا حالةً من الضّعف والانقسام غير مسبوقين، فمُحاولة انضِمام كُل من السويد وفنلندا اليه وصلت إلى طريقٍ مسدود بسبب “الفيتو” التّركي، والخِلافات الحُدوديّة بين تركيا واليونان العُضوين فيه قد تتطوّر إلى مُواجهاتٍ عسكريّةٍ في أيّ وقتٍ، وها هي وزيرة الدّفاع الألمانيّة تستقيل وأحد الأسباب توقّعاتها الفاشلة للحرب الأوكرانيّة، وعنتريّاتها الفارغة في هذا المِضمار.

ربّما يُجادل البعض بأنّ حرب أوكرانيا وفّرت فُرصة ذهبيّة للغرب كميدان تدريب واختِبار للسّلاح الغربي، وهذا صحيح، ولكنّ الصّحيح أيضًا، أنّ هذا الكلام نفسه ينطبق على روسيا أيضًا، وباتَ واضحًا، ومع اقتِراب الحرب الأوكرانيّة من دُخول عامَها الثاني أنها الرّابح الأكبر في هذا الاختِبار، ومعها طائرات إيران المُسيّرة التي دخلت الميدان وغيّرت قواعد الاشتباك لصالح حليفها الروسي.

من حَقّ الرئيس الروسي بوتين، وبعد 12 شهرًا من الحرب أن يمد رجله، ولا نستبعد أن يكون هُجوم قوّاته “الرّبيعي” المُتوقّع هو الأكثر حسمًا لهذه الحرب لصالحه، خاصّةً لفشَل كُل التوقّعات الغربيّة حول انهِيار حُكمه، بانقلابٍ عسكريّ ضدّه، ولا ننْسى التّقارير الطبيّة “المُوثّقة” حول إصابته بالسّرطان وقُرب وفاته.. والقادم مُزلزل على الأصعدة كافّة.

“راي اليوم”

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: