مقال كتب عام 2008 عن ديون مصر – بقلم غريب المنسى ـ صحفي مصري مقيم في امريكا

فى حديثه بقناة الجزيرة فى سبتمبر الفين وأربعة قال الأستاذ محمد حسنين هيكل أنه خلال الثلاثين سنة الأخيرة حصلت مصر على 150 مليار دولارعلى شكل منح وقروض وهبات .. صرف منها حوالى 12 مليار دولارعلى مشاريع البنية الأساسية وستة مليارات دولارعلى مشروع مترو الأنفاق .. ومصيرالمبلغ الباقى غير واضح !!!! أين ذهب هذا المبلغ الضخم وهو ” 130 مليار دولار” ؟…..؟ 

وهنا تحضرنى واقعة ذكرها الأستاذ هيكل فى كتاب خريف الغضب .. يقول هيكل : أن الرئيس السادات فى بداية عهده سأل وزير اقتصاده حسن عباس ذكى عن وضع الديون الخارجيه وكيفية التعامل معها فكانت اجابة وزيرالاقتصاد : ياريس أنا بالبس طقيقة ده لده !! وهذا معناه بلغة الاقتصاديون الصعبة هو ” تعويم القروض”.

وتعويم القرض ببساطة عبارة عن خدمة القرض فقط أى دفع فوائده أما أصل القرض فيترحل مع فوائده الجديدة ويتزايد باستمرار.. وتعويم القرض كالمخدر يمنح الدولة الراحة المؤقته ولكن بزوال المخدر يعود الألم مرة أخرى .. فمثلا نفترض أن الدولة اقترضت مليون دولار بسعر فائدة عشرة بالمائه سنويا لمدة سنة مثلا .. فسيكون دفع القرض كالتالى : جزء من قيمة القرض بالاضافة لفوائده لابد من أن تدفع شهريا وعندما ينتهى العام يكون القرض قد تم دفعه بالكامل مع فوائده .

ولكن دول العالم الثالث بما فيهم مصر يستخدمون طريقة التعويم .. فيستخدمون نصف قيمة القرض للهدف الذى من أجله جاء القرض والنصف الثانى من القرض لخدمة القرض وعندما تنتهى الأموال من الخزينه العامة يبحثون عن قرض آخر ليغطى قيمة الأول والثانى … وهكذا الحال ” وكله زيته فى دقيقه !!! “..

وتحرص كل حكومة مصرية على خدمة القروض بحرفنة حتى لاتنكشف أمام الشعب وتتهم بالفشل … وتسلم شنطة القروض الضخمة للحكومة المتعاقبة بكل شجاعة .. والتى تفعل مافعلته الحكومة السابقة مع القروض بكل أمانه .. وهكذا .. ولم نسمع أبدا عن خطة لدفع القروض والتخلص من حملها الثقيل .. فقط ندفع الفوائد بكل أمانه وشجاعة .. وبكل بساطه : ” مصر عايشه شكك وع النوته!!! “.

أضف الى ذلك عبء دعم السلع الأساسية والذى يكلف ميزانية الدولة مبالغ ضخمة .. ولأن الحكومة تتعامل مع الشعب بعدم شفافية ومشاركة فى اتخاذ القرار فالعلاقة بينهم قائمة على عدم المصارحة وكأن لسان حال الحكومة يقول : “كلوا وأشربوا وأخرسوا !!” وعندما حاولت الحكومة رفع الدعم فى عهد السادات بدون تمهيد كانت مظاهرات 18و19 يناير الشهيرة .. والسبب لهذه الانتفاضة مشترك بين الحكومة والشعب .. فالحكومة لاتكشف أوراقها الاقتصادية للشعب ولاالشعب يعرف ماذا يدور فى غرف وزارة الاقتصاد .. وهو على كل حال له عذره .. فهو محكوم ديكتاتوريا !! ففى المجتمعات الديموقراطية يشترك الشعب فى الاختيار ويكون على علم كامل بكل أحواله الاقتصادية.

اذن نتوقع أن مصير ال130 مليار دولارالغامض والغائب من دفاتر الحسابات القومية لابد أن يكون قد تم استخدامه ببراعة وشجاعة لخدمة القروض ودعم السلع الأساسية فى خلال الثلاثين عاما الأخيرة !!! وها نحن الأن كدولة مدينون وحسب آخرتقرير للبنك الدولى بمبلغ 106.6 مليار دولار كديون داخلية و 29 مليار دولار للعالم الخارجى ولا توجد خطة واضحة المعالم عن كيفية سداد هذه الديون.

وقبل أن نتعرض لموضوع كيفية سداد الديون لابد من القاء نظرة سريعة على مصادر الدخل الأساسية للدولة المصرية والتى هى متغيرة ومرتبطة بالتغيرات الدولية .. وهى كالتالى :

أولا : تحويلات المصريون بالخارج وبالذات من دول الخليج بلغت 9.4 مليار دولار سنة 2008 . وهذه التحويلات فى سبيلها للهبوط لأن دول الخليج وليبيا بدأت فى برامج جادة يتم من خلالها احلال العمالة الوطنية بدلا من الأجنبية . وكما نعلم جميعا أن العمالة المصرية فى دول الخليج ليست على مستوى تقنى مرتفع وتحتاج الى استثمار لثقلها.

ثانيا : صادرات البترول والغاز الطبيعى : تنتج مصر حوالى 274 مليون برميل بترول سنويا واحتياطى مصرمن البترول 3700 مليون برميل وهو احتياطى هزيل وقد يتم استهلاكه خلال عشرة سنوات. أما الغاز الطبيعى فلقد عقدت مصراتفاقيات مجحفة ولمدة خمسة عشرعاما لبيع الغاز الطبيعى لكل من : الأردن واسرائيل وأسبانيا بأسعار تفضيلية ولم نسمع عن مصطلح الأسعار التفضيلية فى بيع الثروات الطبيعية وبالذات من دولة غارقة فى الديون !!

فاسرائيل وأسبانيا ليس لديهم ديون خارجية ومستوى دخل الفرد فى هاتين الدولتين 20.170 دولار فى اسرائيل – 27.340 فى أسبانيا فما حاجتهم لأسعار تفضيلية ؟؟؟؟

أما بالنسبة للأردن فمتوسط دخل الفرد حوالى 2.650 دولار سنويا وهو أعلى من نظيره المصرى .. علما بأن ديون الأردن الخارجيه حوالى 8 مليار دولار. وهنا لابد أن تناقش الحكومة المصرية بلا خجل من جديد هذه الاتفاقيات وقد سبقتنا روسيا وفنزويلا فى ذلك .. فروسيا تفاوضت لرفع سعر الغاز الطبيعى الذى كانت تبيعه لشرق أوروبا وبالذات أوكرانيا بسعر مخفض وهددت بقطعه اذا لم يرتفع السعر!! وفى فنزويلا أصر تشافيزعلى مناقشة عقود البترول مع الشركات الأجنبية على ضوء الأسعار العالمية المستجدة وقد نجحت روسيا وفنزويلا !!!

ثالثا : دخل قناة السويس : وهو حوالى 5 مليار دولار سنويا وهو لن يزيد ان لم ينقص بسبب التوسعات الحالية فى قناة بنما والمشروع الاسرائيلى بربط الأردن والعراق والخليج بشبكة سكك حديدية والالتفاف حول قناة السويس.

رابعا : السياحة وهى مصدر رئيسى للدخل وتجلب حوالى 10 مليار دولار سنويا . وهى أيضا متغيرة طبقا للوضع المتذبذب فى الشرق الأوسط والخوف من وقوع هجمات ارهابية.

وهنا يمكن لنا أن نحدد المشكلة فى نقطتان :

الأولى : الديون الخارجية والثانية : قلة الموارد

ولحل مشكلة الديون الخارجية أقترح أن تحاول مصر التفاوض للحصول على اعفاء من ديونها الخارجية .. أقول تحاول!! وهذا لن يتم فى ظل عدم وجود نظام ديموقراطى سليم والقضاء على الفساد والسرقة ووجود عدالة اجتماعية حقيقية فى مصر وهذا مطلب أساسى لسقوط الديون من الدول الدائنه.. ولكن يمكن لمصر اسقاط كثيرمن ديونها اذا ما اتبعت الطريقة الصحيحة للتفاوض وهى “استراتيجية عشرة سنتات على الدولار” ويعرفها جميعا كل من تعامل مع البنوك الغربية ويعانى من صعوبة فى دفع الدين.

وبمقتضى هذه الاستراتيجية تدفع مصر ديونها وتتخلص من عبئها فقط بعشرة فى المائه فقط من حجم الديون الكلى .. وهناك مكاتب عالمية كل عملها وتخصصها هو التفاوض لدفع القروض بهذه الطريقة للاشخاص والدول المتعثرة على السواء. وللعلم الجزائر وروسيا استغلوا ارتفاع اسعار البترول وتخلصوا نهائيا من قروضهم المرهقة فلقد دفعت الجزائر 118 مليار دولار لدائنيها منها 34 مليار دولار كفوائد فقط .. 

وأيضا للتذكرة هناك دولا بلا ديون خارجية اطلاقا مثل : اليابان وكل دول الاتحاد الأوربى واسرائيل .

أما مشكلة قلة الموارد فحلها يكمن أولا: فى جذب الاستثمارات الخارجية هل يعقل أن تكون مصر فى المرتبه 141 للدول الجاذبة للاستثمار الخارجى طبقا لتقريرمؤسسة التمويل الدولى التابعة للبنك الدولى من أصل 155 دولة وقد سبقتها كل الدول العربية تقريبا واحتلت السودان المرتبة ال151 ؟؟ فدول مجلس التعاون الخليجى استثمرت فى الخمس سنوات الأخيرة (2002-2007) 542 مليار دولار فى الخارج حصلت الولايات المتحدة على أكثرمن 300 مليار وأوربا 100 مليار والشرق الأوسط 60 مليار وحوالى 20 ملياراخرى حول العالم . وحجم الاستثمارات السعودية فقط فى الولايات المتحدة يتراوح مابين 400 الى 600 مليار دولار.

وأخيرا كان تصريح مدير البنك المركزى الاسرائيلى عن فرص الاستثمارات الخليجية فى اسرائيل بحلول السلام .. كل هذه الاستثمارات الخارجية تمر وتلتف حول مصربسبب سوء الادارة, ونصيبنا من الاستثمارات الخارجية فقط حسب تصريحات الوزير غالى ارتفعت فى خلال الثلاث سنوات الأخيرة من 450 مليون دولار الى 11 مليار دولار!!!

ثانيا : مشكلة قلة الموارد حلها يكون أيضا فى بيع شركات القطاع العام للمستثمرين المصريين أولا والعرب ثانيا بأسعارعادلة وليست على طريقة البيع للمختارين من المحاسيب وأن توجه حصيلة البيع لسداد الديون الخارجية والتفرغ للتركيز على الثروة البشرية التى طبقا لما سبق هى مستقبل مصرالحقيقى .

نعود لربط ما سبق بفكرة ثقافة الهزيمة ونقول أن الثروات الطبيعية غير ثابته وأن حاجة مصرواعتمادها على الثروة البشرية ضرورى وأساسى ولاغنى عنه .. هذه الثروة التى تعرضت فى خلال الثلاثين عاما الأخيرة الى تسمم فكرى متعمد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: