الحرية لأفيرا منغيستو والموت للمعتقلين الفلسطينيين

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

هذا هو لسان حال الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية ومعهم عدد غير قليلٍ من القتلة المجرمين، الظالمين المعتدين، الذين يراؤون ويكذبون، ويتآمرون ويغدرون، ولا يستحون ولا يخجلون، ولا يقيمون وزناً للعدل ولا قدراً للحق، ولا يحترمون المواثيق ولا يلتزمون بالقوانين، ولا يبالون بالرأي العام ولا يهمهم مزاج الشعوب، بل لا تعنيهم حياة البشر ولا مستقبل الإنسان، فتراهم يقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً خدمةً لمصالحهم، وتوظيفاً لمنافعهم، ويستخدمون المفردات التي تحلو لهم وتخدمهم، ويطلقون الأوصاف التي تعجبهم وتنفعهم، ويحرمون ضحاياهم المظلومين من حقوقهم المشروعة، ويعيبون عليهم مقاومتهم والتصدي لسياساتهم، ويمنعونهم من الشكوى والتذمر، أو الاعتراض ورفع الصوت.

إنهم أولئك الذين يصفون أفيرا منغيستو بالمظلوم، ويحزنون لحالته ويتألمون لمعاناته، ويتضامنون مع أهله وعائلته، ويواسون أمه ويزورونها، ويشدون على يد أخيه ويعزونه، ويقولون عنه بأسى إنه يعاني في سجون “حماس” ويعذب، ويقاسي فيها ويتألم، وأنه قد مر على حجز حريته أكثر من ثماني سنواتٍ، لم تتمكن خلالها عائلته من زيارته، ولم تستطع الهيئات ومنظمات حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر من مقابلته والاطمئنان عليه، والاستماع إليه وسؤاله عن حالته الصحية وحاجاته الشخصية، وهو الأمر المنافي لحقوق الإنسان وشرائعه الدولية، مما يزيد في معاناته وأهله، ويعرض حياته للخطر وللإصابة بالأمراض النفسية.

إنهم أناسٌ مرضى مهووسون، يظنون أن العالم سيصدقهم وسيقف معهم، وسينصرهم وسيساعدهم، وسيضغط لصالحهم على المقاومة في قطاع غزة لتفرج عن معتقلهم، الذي يلقى من المشرفين عليه والمكلفين بحمايته وحراسته كل رعايةٍ واهتمامٍ، فهو في مكانٍ آمنٍ، ويتلقى رعايةً صحيةً جيدةً، ويهتم حراسه بأمنه وسلامته وراحته وحاجاته الشخصية، ولا يضيقون عليه ولا يعذبونه، ولا يحققون معه ولا يستجوبونه، ولا يداهمون غرفته ولا يقمعونه، ولا يوقظونه فجراً ولا يحرمونه النوم ليلاً، ولا يصادرون أغراضه ولا يبعثرون ثيابه، ولا يحطمون متاعه ولا يدوسون فراشه، ولا يصادرون أقلامه ويمزقون أوراقه.

إنه الفيديو القصير الذي نشرته كتائب الشهيد عز الدين القسام عن أفيرا منغيستو، ففضح الحكومة الإسرائيلية، وأحرج الأجهزة الأمنية، وكشف ضعف قادة جيش الاحتلال وكبار ضباطه، الذين عجزوا جميعاً حتى اليوم عن الإفراج عن مستوطنيهم واستعادة جثامين جنودهم، ومعرفة مصير مفقوديهم، رغم الحروب المتكررة التي شنوها على قطاع غزة، والجهود الأمنية المهولة التي بذلوها وهم يبحثون عنهم، ويوسطون الدول والمنظمات الدولية لمعرفة أخبارهم، والضغط على قوى المقاومة للإفراج عن الأحياء منهم وإعادة جثامين القتلى منهم.

نسي العدو الإسرائيلي أنه يحبس حرية أكثر من سبعة آلاف فلسطيني وفلسطينية من مختلف الأعمار، ويعتقل كل يوم عشراتٍ آخرين، ويحكم عليهم بالسجن مدداً طويلةً جداً وبالمؤبد أكثر من مرةٍ، ويعيد اعتقال من يفرج عنهم، وفي سجونه التي تشبه الباستيلات المحصنة في بنائها، يسوم الأسرى والمعتقلين سوء العذاب، ويضيق عليهم ويبطش بهم، ويخنقهم ويحرمهم من كل شيءٍ، ويمنع زيارتهم ويحول دون تواصلهم مع أسرهم وعائلاتهم، ويبتدع في كل يومٍ وسائل جديدة وسبل مختلفة لتعذيبهم والتضييق عليهم.

رغم جرائم العدو الموصوفة ضد الشعب الفلسطيني وأسراه، فقد استصرخ دول العالم وقادته لنصرته ومساعدته، والعمل على بذل أقصى الجهود لطمأنة عائلات جنوده المفقودين ومستوطنيه المحتجزين، فقامت مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية ليندا توماس بوضع قضية منغيستو والجنود الإسرائيليين المفقودين على جدول أعمالها في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لحث دول العالم على القيام بدورهم “الإنساني” لضمان الإفراج عن المفقودين الإسرائيليين.

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية قد أرسل سكرتيره الأمني الخاص لزيارة عائلة منغيستو وطمأنتها، وكلف مكتبه بتخصيص فريق طبي لمتابعة حالة والدته الصحية والنفسية، ومساعدتها في هذه المحنة “الإنسانية” التي تمر بها، ووعد بالعمل بكل السبل الممكنة لضمان الإفراج عنه وعن جميع المفقودين، وخصص جزءً من لقائه مع رئيس أركان جيشه الجديد هارتسي هاليفي لتكثيف الجهود لوضع نهاية “غير مؤلمة” لملف المفقودين، في إشارة إلى رفض الحكومات الإسرائيلية إجراء صفقة تبادل “محترمة وعادلة” مع المقاومة الفلسطينية.

عجيبٌ أمر هذا العدو الصهيوني وحلفائه، وغريب تفكيرهم وأعوجٌ منطقهم، تقوم دنياهم ولا تقعد من أجل معتقلٍ واحدٍ أو أكثر من جنوده ومستوطنيه، بينما ينسى جرائمه الموصوفة ضد آلاف الأسرى والمعتقلين، ويقوم وزير الأمن القومي الجديد، الصهيوني اليميني المتطرف إيتمار بن غفير في أول أيام عمله في وزارته، بزيارة معتقل نفحة الصحراوي، الذي يقبع فيه مئات الأسرى الفلسطينيين في ظل أسوأ الظروف وأقساها، ليطمئن إلى أنهم لا يتمتعون بأي امتيازات، ولا يتلقون أي معاملة لطيفة، وأنهم يخضعون لنظام تعذيبٍ وتضييقٍ يومي يليق بهم.

إزاء منطقهم العجيب يقول الفلسطينيون لهم، الحرية لأسرانا أولاً، وسلامتهم ورفع الأعباء عنهم، والتوقف عن التضييق عليهم وتعذيبهم، مقابل حرية مستوطنيهم واستعادة جثامين جنودهم، ولا يحلمون يوماً أنهم سيحققون حرية مجرميهم دون أثمانٍ يدفعونها، وتبادلٍ يخضعون له، وأسماء كبيرة يوافقون عليها، وشروطٍ مكفولةٍ يلتزمون بها، ولا جديد يبرم معهم قبل الوفاء بالقديم الذي نكثوه، والعودة إلى شروط صفقة الوفاء الأولى التي خالفوها، فهي البوابة والمفتاح، وهي النموذج والمثال.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: