بالتفاهم مع أمريكا أصبحت الجزيرة صوت الاخوان والقاعدة وطالبان وكيف تحولت لصوت أمريكا فى صراع أوكرانيا – بقلم : مجدى حسين

ما يهمنا الآن أن التعاون الاخوانى الأمريكى كان ولا يزال واضحا فى عمل قناة الجزيرة تحت إشراف قطر كضابط اتصال ، من خلال فتح برامج ومساحات واسعة بالجزيرة لكوادر وأعضاء وقيادات الاخوان ، بل فتح المجال لكوادرهم الاعلامية كى تعمل داخل القناة نفسها كمذيعين ومعدين وفنيين ، ولكن المسألة لم تقتصر على الاخوان وإن كان الاخوان هم الأقرب للولايات المتحدة ، فالجزيرة تتعامل مع كل ألوان الطيف الاسلامى والقومى العربى ، حتى وصل الأمر إلى انها أصبحت قناة حصرية لكلمات أسامة بن لادن . وما كان للجزيرة أن تفعل ذلك بدون إذن المخابرات الامريكية وبالتفاهم معها ، فهى حلقة الوصل الأساسية بين أمريكا وقطر والجزيرة . وهذا ما كنت أقوله دوما ولذلك لم أستغرب حين أكد ذلك فى وقت لاحق وضاح خنفر مدير القناة ، ويسرى فودة المذيع بالقناة والذى أجرى حوارا مع قيادات القاعدة . فقد ذكر وضاح خنفر فى حديث صحفى إن كلمات بن لادن كانت تعرضها الجزيرة على المخابرات الأمريكية للحصول على نص التسجيل والموافقة على إذاعة ملخص له . أما يسرى فودة فأكد أن الحديث الذى أجراه مع قادة القاعدة بخصوص أحداث 11 سبتمبر عرض على المخابرات الأمريكية قبل إذاعته ، أى بعد الحصول على الموافقة ، وتحديد توقيت البث . وهذا بديهى لأن الأخرق وحده من يتصور أن قطر تملك أى قوة لتتحدى الولايات المتحدة فتتصل بأسامة بن لادن بشكل ما وتذيع التسجيل معه بقرار سيادى وطنى ! الأخرق وحده من يتصور ذلك ولكن يمكن أن ترى قيادات اسلامية أو غير اسلامية تتحدث عن قطر كدولة مستقلة عن أمريكا ! رغم أنف قاعدة العديد الأمريكية على أرض قطر وهى أكبر قاعدة أمريكية خارج الولايات المتحدة . وقد قال لى يوما ناشط اسلامى : ألا يمكن أن نعتبر قطرا نموذجا آخر لغزة !! ولم أستطع أن أرد عليه من شدة الدهشة والاستغراب !!

فى إحدى المرات القليلة التى استضافتنى فيها الجزيرة بالدوحة كنت أرى بالفندق طيارين أمريكيين بالزى الحربى يدخلون ويخرجون من الفندق . وأنا لا ألوم أسامة بن لادن على إرسال تسجيلاته للجزيرة طالما هى أرسلت له تأكيدات بأنها ستذيعها ، فلا تثريب على الثوار فى استخدام كافة وسائل الاعلام لتوصيل صوتهم دون أن يرتبط ذلك بأى اتفاق مع سياسة الوسيلة الاعلامية أو الدولة التى تتبعها . فنحن جميعا بلا تثريب نتعامل مع بى بى سى ووسائل الاعلام الغربىة عموما كأداة لتوصيل الصوت والرأى للرأى العام المحلى والاقليمى والعالمى . ولكننى أتحدث هنا عن سياسة الجزيرة .

كذلك وقفت الجزيرة كما ذكرنا مع عراق صدام حسين ومع حزب الله فى حربه ضد عدوان اسرائيل عام 2006 ومع حماس والمقاومة الفلسطينية ، بل وتعاملت قطر مع حماس كحركة واستضافت قائدها خالد مشعل ولا تزال . ومرة أخرى لا ألوم حماس على ذلك لأن غزة تعانى من حصار خانق ، حصار وجودى وليس حصارا اعلاميا فحسب .ولكن قطر مكلفة بذلك على أمل أن تلين رؤوس قادة حماس ويكفوا عن المقاومة وضرب اسرائيل بالصواريخ ، مكلفة من أمريكا واسرائيل ، ولكن قادة حماس لا يتأثرون بذلك وأحسب أنهم سيظلون صامدين وأدعو الله لهم بذلك . ( كتبت هذه السطور من سنوات ولكن بدأت أشعر بعد سيف القدس أن ضغوط قطر وغيرها أحدثت تأثيرا ما فى سياسة حماس بعض الشىء وربنا يستر ، ولكن أحسب حتى الآن فى 2023 أن حماس يمكن أن تتجاوز هذه المحنة ) .

كما قامت قطر بكل الوساطات الممكنة بين الفصائل السودانية الانفصالية المسلحة خاصة حركات دارفور وحكومة البشير وتفتح مقرات لطالبان أفغانستان لإجراء حوار مع الأمريكان والذى أدى فى النهاية لإنسحاب أمريكا من أفغانستان . ولا تزال قطر هى كفيلة أمريكا والغرب فى أفغانستان بديلا عن بعثاتهم الدبلوماسية المغلقة . وهى لاتقطع الخطوط مع إيران لذات الأسباب : توصيل رسائل وتليين دماغ الزبون !! وكذلك المفاوضات بين أطراف الصراع فى تشاد وغير ذلك كثير . وكل هذه المروحة من الاتصالات والعلاقات تنعكس على سياسة البث التلفزيونى فى الجزيرة .

وأخيرا تحولت الجزيرة إلى ” صوت أمريكا ” فى المسألة الأوكرانية .

ظهرت الجزيرة وكأنها شديدة التعاطف مع الثورات العربية ، وهى كذلك بالفعل ، وإلى حد تخصيص قناة خاصة لمصر وقناة خاصة لسوريا ولكن فى واقع الأمر كان دور الجزيرة تخريبيا ، وكانت مهمتها الرئيسية أن تجعل سقف هذه الثورات لا يصل إلى التعرض بسوء لأمريكا أو اسرائيل إلا لماما أو على سبيل الخطأ . مهمة جزيرة مباشر مصر أن تنحصر الصراعات بين الأطراف الوطنية ، واستبعاد مسألة أن مصر تابعة للولايات المتحدة أو مكبلة بكامب ديفيد ، وهذا من أهم أسباب قلة ظهورى على هذه القناة وغيرها . فى ميدان التحرير وقبيل سقوط مبارك بأيام قليلة جاء إلى إعلامى مصرى بكاميرا تصوير صغيرة وهمس فى أذنى : أنا أصور وأسجل لقناة الجزيرة وأريد منك كلمة قوية للغاية تطالب فيها بإسقاط مبارك بأشد العبارات الممكنة ، وكنا نقف أسفل المنصة الرئيسية وطبعا كانت الكاميرا لاتحمل لوجو الجزيرة ولكننى أعرف هذا الاعلامى وأعرف صلته بقناة الجزيرة ، وكانت السلطة المتداعية شديدة الهجوم على قناة الجزيرة وتمنع تحركها . وتحدثت إليه عدة دقائق بكلمة قوية ولن أكن أحتاج لتحريضه فقد كان هذا هو موقفى وقد اختارنى لهذا السبب . ولكن محور كلمتى انصب على عمالة مبارك لأمريكا واسرائيل وان إسقاطه سيفتح الطريق لتحرير مصر . وقلت إن اسرائيل تبكى بالدمع الهتون خوفا من سقوط مبارك ، كنزها الاستراتيجى . وأنها هى التى تمد السلطة بكميات وافرة من القنابل المسيلة للدموع وكذلك تفعل أمريكا .. وطبعا لم تذع الكلمة !

وقد ساعد قناة الجزيرة فى تنفيذ هذه السياسة : أى إخراج أمريكا واسرائيل من مشهد الصراع الداخلى فى مصر ، ساعدها أن النخبة المصرية السياسية،الاسلامية والعلمانية على السواء تتخذ نفس الموقف . وقد كتبت مقالا طويلا اتهمت فيه قناة الجزيرة بتخريب الثورة بحرفها إلى اتجاهات جانبية وصراعات فرعية . فما الذى حدث ؟ انظر كيف تعمل الجزيرة وتتحرك ؟ فوجئت بها فى اليوم التالى تتصل بى تليفونيا لإجراء حديث ما معى ، ولم أرد على الهاتف المحمول بالمصادفة وأبلغنى ابنى أن قناة الجزيرة على الخط ، فقلت له : قل لهم إننى مشغول الآن . هذا هو ذكاء الجزيرة ، انها تعرف نقطة ضعف المثقف أو السياسى تجاه القناة واسعة الانتشار ، وانه لا يستطيع أن يقاوم إغراء الحديث معها ، وتصوروا أننى يمكن أن أوافق وبذلك يتم احتوائى ، بل وأظهر أمام الجمهور أننى غير صادق فيما كتبته . وبالفعل لم أتحدث مع قناة الجزيرة بعد ذلك أبدا وهى توقفت عن الاتصال بى . ولكن بعد حوالى سبع سنوات تحدثت إليها عام 2021 بمناسبة خروجى من السجن ، وقد انتهى إشكال موقفها من ثورة يناير فقد ماتت الثورة ودفنت من وجهة نظرى بسببنا نحن وليس بسبب الجزيرة فهى كانت مجرد شريك أصغر فى الجريمة . وتحدثت إليها لدقائق معدودة إكراما لغزة خلال معركة سيف القدس . ويمكن أن أتعامل معها فى المستقبل كأى وسيلة إعلام غربية .

ولاشك أن الجزيرة تنحاز أكثر للاخوان لأن هذا هو الموقف الأمريكى . أمريكا لا تزال تعتقد أن حركة الاخوان المسلمين أقرب الحركات الاسلامية إليها ، وهناك نجاح كبير فى التعاون بينهما فى ساحات عديدة . ولكن ليس معنى هذا أن أمريكا ، وأعنى أجهزة الأمن القومى والمخابرات والسياسة الخارجية ، تنحاز تماما وعلى طول الخط للاخوان وأنها تناهض المنافسين لها باعتبارها الوكيل الرسمى الوحيد لها فى المنطقة ، بل الأمريكان يرون وباعتبارهم القوة المسيطرة على المنطقة أن علاقاتهم يجب أن تكون قوية بالأطراف الثلاثة الرئيسية : المؤسسة العسكرية ، الاخوان ، القوى العلمانية ، مع اعتبار أن الانحياز الأول هو للمؤسسة العسكرية لأسباب براجماتية عملية . وهذا ما قالته باترسون السفيرة الأمريكية للسيد حداد مستشار الرئيس السابق مرسى : لابد أن تستجيبوا لطلبات المؤسسة العسكرية . وهذا ما قاله يحيى حامد وزير الاستثمار السابق فى حديث متلفز مع الجزيرة لأحمد منصور .

ترى المؤسسة الحاكمة الأمريكية أن التيار الاسلامى المعتدل ، المعتدل وفقا لتقدير أمريكا ، ركن أساسى للاستقرار فى البلاد التى تهيمن عليها أو تسعى للهيمنة عليها فى البلاد العربية .

فى أعوام2011 – 2012 – 2013 – 2014 بدت الجزيرة وكأنها قناة اخوانية . وهذا ليس الموقف الأمريكى بالدقة ولكنه موقف الجزيرة الذى يعبر عن الدور المناط بها أن تقوم به : أن تكون الحضن الدافىء للحركة الاسلامية وبالأخص الاخوان للحفاظ على اعتدالها وعدم اتجاهها للتطرف خاصة ضد أمريكا .

حمد بن جاسم وزير خارجية قطر السابق ومدير الجزيرة الأول كان صفيق فى التعبير عن دور وتوجهات قطر وذلك فى تصريحات وقحة بين الفينة والأخرى وأهمها ما قال فيه : إننا نحن العرب ضعفاء ولا نملك شيئا لتحقيق مطالبنا وأهدافنا وبالتالى ليس أمامنا سوى أن نتوسل لأمريكا كى تنظر لنا بعين العطف . وهذا الكلام يوجهه حمد بن جاسم كوزير خارجية ، فى ذلك الوقت ، للحكام العرب وفى نفس الوقت للشعوب ليكرس فكرة الخنوع لأمريكا . دور قطر وهى تقدم نفسها كمرفأ نجاة للمغضوب عليهم سواء من الحكام أو المحكومين ، أن تطوع الأمة للسيد الأمريكى ولها قوتان : قوة المال – من الغاز ، وقوة الاعلام من الجزيرة التى يتعين على من يهاجمها أن يؤسس قناة مهنية تستطيع أن تنافسها على أرض الواقع الاعلامى وليس بتكييل الشتائم لها . ثم ظهرت قوة ثالثة لقطر رغم صغر حجمها وحجم دولتها فقد أصبحت مكانا يمكن أن يستقبل بعض الهاربين واللاجئين السياسيين .

يتبع

الحلقة 34 من دراسة المشروع العربى الاسلامى وهى قائمة على المقارنة بين النموذجين الغربى والاسلامى ، وقضية الصراع بين الشرق والغرب والاسلام والغرب

magdyhussein.id

الايميل

magdyahmedhussein@gmail.com

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: