إسرائيل ضعيفة اقتصاديا وغير ديمقراطية

كنتيجة مباشرة للانقلاب القضائى، من الممكن أن نتوقع نشوء واقع جديد فى الشرق الأوسط. هذا الواقع سيتميز بإسرائيل ضعيفة، لكنها عدوانية، وستكون فى توازُن رعب أمام إيران نووية. الآن، هناك حوارات بشأن التشريعات التى تتعلق بالنظام القضائى، ويمكن لهذا السيناريو أن يتغير، ولكن من المهم جدا فهمه فى سياق هذه الحوارات.
هذه الديناميكية ممكنة لتطوُّر السيناريو المذكور أعلاه: يؤدى الانقلاب القضائى، حتى لو كان بصيغة مخففة، إلى أضرار اقتصادية وهجرة فئات قوية اقتصاديا. هذه الأضرار ستتفاقم بسبب إضعاف القضاء، وهو ما يؤدى إلى هروب المزيد من المستثمرين، ويتم تحويل جزء كبير من الميزانيات إلى فئات غير منتجة، وبالتالى ستنمو سوق غير قانونية، وحتى جنائية، تؤدى بدورها إلى مزيد من الفساد الحكومى. هذه الظروف تدفع بمزيد من الفئات القوية اقتصاديا، وضمنها التكنولوجيا العالية الدقة، إلى ترك البلد وأخذ مساهمتها المهمة فى الناتج والمجتمع والضرائب.
ومن المهم التشديد على أن: إسرائيل تتميز بسوق متعددة جدا، وغير موحدة. فيها فئات قوية جدا وضعيفة جدا. مقطورة النمو الأبرز هى قطاع التكنولوجيا العالية الدقة، والذى يساهم فى ربع الضرائب لخزينة الدولة. لذلك، فإن التكنولوجيا العالية الدقة هى مساهم مهم جدا للفئات المهمة. وتركها البلد، ولو جزئيا، سينقل السوق إلى مرحلة جديدة. لا أود هنا الدخول فى تفاصيل الانهيار الاقتصادى الذى بدأ، وذلك بأننى وزملائى وصّفنا هذا المسار كثيرا خلال الأسابيع الماضية.
هذه التغييرات القضائية ستحول إسرائيل إلى دولة ضعيفة اقتصاديا. الدول الضعيفة تميل إلى العدوانية، وخصوصا أن قياداتها تعلن وجود أعداء داخليين وخارجيين، بهدف رصّ الصفوف داخل الشعب خلفها، وتحميل الأعداء الداخليين والخارجيين مسئولية ضعفها وفشل قياداتها. هذه طريقة عمل معروفة لدى الحكومات الشعبوية والقومية. هناك نماذج كثيرة من ذلك، وبصورة خاصة فى جنوب أمريكا، وروسيا، ودول أفريقيا. تشير نتائج أبحاث على عيّنة من 200 دولة تقريبا إلى أنه توجد علاقة إيجابية ما بين ضعف الدولة وقيامها بمنح غطاء للإرهاب، وتدخّلها فى نزاعات عسكرية.
مجلة «Foreign Policy» نشرت مؤشر «الدول الضعيفة». منظمة الـOECD أيضا نشرت مؤشرا كهذا. الدول الموجودة فى مواقع متقدمة على المؤشر هى دول فاشلة، أما الموجودة فى آخر القائمة فهى دول مستقرة. على رأس قائمة المؤشر، الذى يضم 179 دولة، توجد اليمن والصومال وسورية. إسرائيل موجودة الآن فى المرتبة 146، كدولة مستقرة. ولكن إذا تحقق السيناريو، فإنها ستصعد سريعا على سلّم الضعف. أمثلة لذلك من الأعوام العشرة الأخيرة: هنغاريا صعدت بسرعة مشابهة من الدرجة 141 إلى الدرجة 133؛ تركيا صعدت من الترتيب 91 إلى 57 خلال 14 عاما. المشترك بين هذه الدول فى الفترات الماضية، هو أنها تحولت من وضعية دول ديمقراطية إلى دول مع نظام ديكتاتورى صلب يحكمه قائد واحد قوى شعبوى، يقمع حقوق الأقليات.
العدو الداخلى الأول الذى سيتم الهجوم عليه لدينا هو عرب إسرائيل. وبحسب التاريخ المتراكم، يمكن توقُّع استمرار الهجوم على النواب العرب والبلدات العربية، بالإضافة إلى قوانين تضيّق عليهم، كقانون القومية وخطوات أكثر حدة، كتقليص حق التصويت للكنيست، بذرائع مختلفة.
العدو الخارجى سيستمر بكونه إيران أساسا. إذا تحولت إسرائيل إلى ضعيفة اقتصاديا، وعدوانية فى الوقت نفسه، فإنها ستدفع بإيران إلى تخطّى مكانة دولة عتبة نووية. فعمليا، لن يكون لديها أيّ بديل. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لن يتم منح إسرائيل، الضعيفة وغير الديمقراطية، الضوء الأخضر من الولايات المتحدة للهجوم على إيران، وحتى ليس لضربة استباقية. عمليا، ستتحول إسرائيل إلى حِمل استراتيجى ومشكلة استراتيجية للغرب. وستكون النتيجة توازُن رعب فى الشرق الأوسط، بكل ما يتضمنه من مخاطر.
وفى المقابل، هناك فى إسرائيل مسار طويل الأمد تتعزز فيه قوة فئات تريد تحويل إسرائيل إلى دولة شريعة. الفئة الأولى هى الحريديم [اليهود المتشددون دينيا]ــ 12% من مجمل السكان فى إسرائيل. الفئة الثانية هى المتدينون القوميون، ولديها حجم مشابه بتقديرات محافظة. تمثيل الفئتين المباشر فى الكنيست الآن 32 عضوا، وهو ما يعكس نسبة 25% من المجتمع الذى صوّت للأحزاب الثلاثة ذات الصلة. ومن المتوقع أن يزداد حجمهما الديموغرافى. يكفى النظر إلى معطيات التصويت فى القدس، المدينة التى تتنبأ بالمسارات الطويلة المدى فى إسرائيل، لفهم كيف سيكون المستقبل غير البعيد: أحزاب حصلت على 56% من أصوات الناخبين فى 1 نوفمبر 2022.
إسرائيل ستكون أشبه بإيران، دولة لديها موارد طبيعية وبشرية كثيرة، تحولت إلى ديكتاتورية فى سنة 1979. إيران لم تتحرر من نظام غير ديمقراطى أو دينى منذ 44 عاما، جزء كبير من المواطنين النوعيين غادروا، اقتصادها أصبح أضعف أكثر بكثير من القوة الكامنة لديها، وتشغلها الحروب والإرهاب. إيران موجودة فى الترتيب الـ 39 بين الدول الضعيفة.
هذا السيناريو سيتحول إلى حقيقى إن لم تحدث تغييرات جدية فى المسارات السريعة التى تقوم بها الحكومة لتحويل إسرائيل إلى دولة غير ديمقراطية، بما معناه دولة من دون توازنات بين السلطات الثلاث. إن التخوف من هذه التطورات لن يبقى همّ المواطنين الإسرائيليين فقط، يمكن الاعتقاد أن قيادات الدول الغربية ستعبّر أيضا عن هذه المخاطر، ويمكن أن يكون رأيها مؤثرا فى مرحلة ما. حاليا، لا توجد أى إشارة إلى نشاط من طرفها. ونحن مستمرون فى طريقنا نحو الكارثة.

عيران ياشيف
أكاديمي ومحاضر في جامعة تل أبيب
موقع N12
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: