هل عاد أردوغان إلى حلم يقظته بالصلاة بالجامع الأموي في دمشق؟.. ومن أمام قلعة حلب هل يستطيع “الجولاني” أن يُنسي السوريين “حقيقته الداعشية”؟ وهل أصبح مُسلّحوه “سانتا كلوز” فجأةً؟.. أين روسيا ومتى تتحرّك إيران وكيف لن يسكت العراق وكيف تستفيد إسرائيل إذا سقطت حمص بعد حماة؟
رغم مُحاولات تمدين الفصائل السورية المسلّحة إعلاميًّا وإظهارها بمظهر بعيد عن التشدّد الديني حيث هيئة تحرير الشام المُصنّفة دوليًّا بالإرهاب، يطرح السوريون على اختلاف توجّهاتهم السياسية، تساؤلات حول قدرة هذه الفصائل “المُتطرّفة” على الحُكم على الأقل حتى استعادة الجيش العربي السوري حلب العاصمة الاقتصادية لسورية، وهي التي جاءت تلك الفصائل من خلفيات كالقاعدة، وداعش، ما يفتح الباب أمام شهية جماعات أكثر تطرّفًا لتصول وتجول في سورية.
“سانتا كلوز”!
أحد المشاهد التي تعبّر عن مخاوف السوريين، منشور رصدته “رأي اليوم” نشره ناشط سوري (مُعارض) على حسابه في فيسبوك يقول فيه: لكي أكون موضوعياً ولا أُتَّهم بالتحامل الطائفي تجاه الجماعات التي تهاجم حلب، يبدو أن هناك توصيات وتحفّظاً واضحاً في التعامل مع الأحياء المسيحية. اليوم، أُقيمت القداديس في الكنائس المسيحية داخل المدينة، وتواصل رجال الدين المسيحيون مع قيادات “جبهة الإنقاذ”، حيث جرى التأكيد على عدم التعرض للقداديس، كما تمت إعادة الشجرة التي تم هدمها.
وتساءل الناشط قائلًا لكن، هل هذا يعني أن الجولاني أصبح فجأة “سانتا كلوز” بين ليلة وضحاها؟ بالتأكيد لا. هو يحاول إيصال هذه الرسالة، لكن العبرة تبقى في الاستمرارية. فكل التجارب السابقة تُظهر أن اللص التائب دائماً ما يكون محل شك عندما تُسرق بيوت جيرانه. أضف إلى ذلك أن التعامل مع الكرد لا يبدو مُشجعاً بأي حال، خاصة بعد الفيديو الأخير الذي شاهدناه.
ركّر إعلام المعارضة السورية الممول تركيًّا على إجراء مقابلات مع “المسيحيين السوريين” في حلب، لإظهار عدم التعرّض لهم، والسماح لهم بمُمارسة عباداتهم، سخر أحد النشطاء السوريين من هذا المشهد قائلًا: “من وين بتعرف إنه المسيحية الحلبية يلي طالعين بالمقابلات خايفين ومو مرتاحين، وقت بيقلولك بالمقابلة السلام عليكم، ووقت بتسألهم صار عليكن شي بيقلولك “لحد هلق ماحدا تعرضلنا”.
“الجولاني الداعشي”!
هذه المخاوف، تزايدت لعلّها، مع مشهد زيارة زعيم “هيئة تحرير الشام” أبو محمد الجولاني إلى قلعة حلب التاريخية بعد أيام من سيطرة فصائله عليها، وذلك في أول ظهور ميداني له منذ بدء الهجوم المباغت على النظام السوري شمالي البلاد، ويبدو أن الجولاني يريد تقديم نفسه في هذا الظهور كزعيم سياسي لا فصائلي يسعى لحكم سورية، ويُريد أن يُنسي السوريين أنه كان ذات يوم مبعوثاً لمؤسس تنظيم الدولة داعش أبو بكر البغدادي، فيما تعرض واشنطن مُكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على الجولاني.
وأظهرت اللقطات المُتداولة على المنصّات الجولاني وهو يسير وسط حشد من الناس أمام قلعة حلب التي تحوّلت إلى مركز تجمّع حاشد بعد سيطرة المعارضة على المدينة السبت الماضي، وقال الجولاني إنه سيتم دعوة الموظفين للعودة إلى عملهم وتشكيل هيئة انتقالية لإدارة حلب.
“حلب تركية”
مشهدٌ آخر لافت يُصدّر مخاوف السوريين بعد احتلال حلب، حول تحوّل المحافظة السورية إلى “تركية”، وهذه مشاهد على الأرض، فأحد مُقاتلي المعارضة السورية مثلاً سارع إلى رفع العلم التركي على قلعة حلب، فيما هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (İHH) تواجدت على الأرض السورية، وبدأت بتوزيع الخبز ووجبات ساخنة للسكان في مشهد إعلامي دعائي مدروس.
هيئة تحرير الشام نفسها التي تقود الهجمات ضد الدولة السورية، ومركزها في إدلب كانت ولا تزال تغطي كل احتياجاتها من البترول والكهرباء والماء والإنترنت وكل المواد الاستهلاكية وغيرها من تركيا التي تبعد حدودها عن مركز مدينة إدلب نحو 40 كم، وكل التعاملات فيها بالليرة التركية، كما لا يتسنى لأي شخص أجنبي الدخول إليها والخروج منها إلا عبر هذه الحدود مع تركيا.
رئيس حزب الحركة القومية التركية دولت بهتشلي حليف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن الأطماع التركية بصريح العبارة قائلًا: إنّ “حلب تركيّة ومسلمة حتى النخاع”، زاعماً أنّ “التاريخ والجغرافيا تقول ذلك أيضاً”، فيما لا تزال البيانات الرسمية التركية تؤكد حرص أنقرة على وحدة وسلامة التراب السوري.
احتلال حلب، وصفه الأكاديمي والسياسي ياسين أقطاي بـ”فتح حلب سيكون فيه خير كبير”، وذلك في إطار تعليقه على تحرير الفصائل المعارضة السورية لمدينة حلب.
أردوغان يحلم
صحيفة “التايمز” نشرت تقريرًا لمُراسلتها في إسطنبول حنا لوسيندا سميث، قالت فيه إن سقوط مدينة حلب بيد المعارضة السورية المسلحة، قرّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحقيق حلم دمشق، وقالت إن منظر العلم التركي وهو يرفرف فوق قلعة حلب التاريخية هو آخر ما كان يخشاه الرئيس السوري بشار الأسد، وأضافت يعتقد الكثيرون أن الرئيس أردوغان كان يحلم منذ فترة طويلة يحلم بهذا المنظر، حيث رُفع العلم التركي يوم الإثنين، بعد أيام من اقتحام المسلحين المدينة.
أين روسيا؟
ينتظر السوريون وسط هذه المخاوف المذكورة، التحرّك الروسي العسكري الداعم للدولة السورية، فيما علامات الاستفهام موضوعة حول تأخر في الدعم نتيجة الحرب الأوكرانية، وتكرار الحديث الروسي عن تفاهم أستانا الذي لم تلتزم به أنقرة وغيّره الواقع الميداني، يؤكد “الكرملين” في ذلك السياق أنه “يُتابع عن كثب ما يحدث في سوريا ونحن في حوار مستمر مع دمشق”، موضحا أن “حجم مساعدتنا للسلطات السورية لمحاربة المسلحين يعتمد على تقييم الوضع في البلاد”.
متى تتحرّك إيران؟
أما إيران حليف سورية الأوثق، فقد نقلت وكالة “تسنيم” عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن إيران ستفكر في إرسال قوات إلى سوريا إذا طلبت دمشق ذلك، فيما الحديث يجري أن إيران تعتمد حاليًّا على دعم غير مباشر لسورية عبر فصائلها التابعة لها، لكنها قد تلجأ إلى تدخل عسكري مباشر في حال حدوث تهديدات خطيرة لدمشق، وأعادت طهران إرسال جواد غفاري، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، إلى سوريا لقيادة القوات التابعة لإيران. ويُشار إلى غفاري بلقب “الجنرال الشرس” نظرًا لدوره في إيصال البنزين والديزل من إيران إلى الأراضي السورية، ومحاولة تنفيذه عمليات اغتيال ضد إسرائيليين.
صحيفة “اعتماد” الإيرانية أشارت إلى تقارير دولية حول بدء تدفق الفصائل العراقية المسلحة إلى الأراضي السورية، واحتمالية أن نشهد تغييرا في معادلة القوى في الحرب الدائرة في ريفي حماة وحلب، مؤكدة أن حزب الله حتى الآن لا ينوي الانخراط في الحرب الدائرة هناك لأسباب وظروف باتت معروفة.
العراق لن يسكت!
وحول موقف العراق الرسمي، أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن “العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكونات والمذاهب هناك”، مبيناً أن “ما يحدث في سوريا اليوم يصب في مصلحة” إسرائيل، الأمر الذي دفع الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام للرد على السوداني قائلاً: ونحن نستمع إلى كلمة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني رأينا أن هنالك الكثير من المخاوف أو الاوهام التي يظن بها البعض من الساسة العراقيين على أن ما يجري في سوريا سيمتد إلى العراق”.
وأضاف الجولاني: “أنا أقول جازماً بأن هذا الأمر خاطئ 100%، وكما نجح العراق ونجح السوداني في أن ينأى بنفسه في الحرب بين إيران وبين المنطقة في الآونة الأخيرة، نشد على يديه أيضاً في أن ينأى بالعراق من أن يدخل في أتون حرب جديدة مع ما يجري في سوريا”.
كيف تستفيد إسرائيل؟
ومع سيطرة الفصائل السورية المسلحة، الخميس، على مدينة حماة، رابعة كبرى المدن السورية والواقعة في وسط البلاد، بعد أيام من سيطرتها على حلب في إطار هجوم مباغت، تبدو إسرائيل المُستفيد الأكبر حيث قال مسؤول إسرائيلي لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، الخميس، إن مصلحة إسرائيل فيما يخص تجدّد القتال في سوريا هي أن تستمر الأطراف المتصارعة في قتال بعضهم البعض”، وذلك بعد أن حقّقت الفصائل المسلحة مكاسب ميدانية أمام قوات الجيش السوري في الآونة الأخيرة.
ووفقًا لتقارير إعلامية غربية فإنه يبدو من طبيعة تحرك الفصائل المسلحة على الأرض السورية، فإنها تهدف للوصول إلى مدينة حمص، التي تقع وسط سوريا، وتمر منها طرق إمداد حزب الله بالسلاح، الأمر الذي يخدم إسرائيل في المقام الأوّل، ويتقاطع مع تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي توعّد الرئيس السوري بشار الأسد بالقول إنه يلعب بالنار.
حمص بعد حماة؟!
بكُل حال، يبدو مسار المشهد حتى الآن ذاهبًا لصالح تقدّم فصائل المعارضة المسلحة واحتلال الأراضي السورية تباعًا، إدلب، حلب، حماة، والعين نحو حمص، فيما يُقر الجيش السوري بهذا في جميع بياناته ويعمل كما قال على الانسحاب وإعادة التموضع، وهو ما يبدو فتح شهية الرئيس التركي لتحقيق أحلامه العثمانية والسيطرة على سورية سياسيًّا، وعسكريًّا، حيث وفي مكالمة له الخميس مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو، قال أردوغان لغوتيريش إن “الصراع السوري قد وصل إلى مرحلة جديدة يتم إدارته فيها بهدوء”، مضيفا أن “تركيا تتمنى ألا تشهد سوريا قدرًا أكبر من عدم الاستقرار وألا تتسبب في وقوع خسائر في صفوف المدنيين”.
وعاد أردوغان لعادته القديمة قائلًا: أنه “في هذه المرحلة، يجب على النظام السوري إشراك شعبه بشكل عاجل من أجل التوصل إلى حل سياسي شامل”، لكن سبق للرئيس التركي أردوغان أن هدّد في سبتمبر من عام 2012 دمشق، بأنّ صلاته بالجامع الأموي باتت قريبة جدًا، وتوّعد القيادة السورية قائلًا: “سنذهب – أنا وأعضاء حزبي – إلى دمشق لنلتقي بإخوتنا، ونتلو سورة الفاتحة فوق قبر صلاح الدين الأيوبي، ثم نصلي في باحات جامع بني أمية الكبير”، ولم يحصل، وسبق للرئيس السوري أن فقد السيطرة على أكثر من ثُلثيّ مساحة أراضيه واستعادها، فهل تسرّع الرئيس التركي من جديد؟