«وَحَوِى يَا وَحَوِى» شروعًا لا مشروعًا! – عبد الجليل الشرنوبى

فى ثمانينيات القرن الماضى، كُنتُ صبيًا حين سمعِتُ حوارًا ضم الكبار فى حَيِّنا، كان باعثه الاستهجان لإذاعة التليفزيون استقبالًا لرمضان أغنية (وحوى يا وحوى إياحَة)، كان المُسْتَهجِن يقول مُنفعلًا (مالقوش غير الأغنية دي؟! عندهم غيرها كتير)، ولأسباب جهِلتُها وقتها ردَّ عليه مَنْ يكبُرُه سنًا (ما خلاص يا حاج دوكها ما حدش فاكِرها واللى عايشة أغنية رمضان، خلِّى الناس تِفْرَح)، ثم كان أن أحالتنى مدرسة الأيام إلى صنعَة الكتابة وما يلزمها مِن دوام الدراسة بحثًا وتعلمًا سعيًا لأن يكون للمداد ما يطرحه دعمًا لمشاريع إعمار الحياة، وفى مواجهة ريحٍ عالمية لإعادة رسم الخرائط تتلمَس الأوطان أسباب البقاء، يتعدى طرحُ المِداد كونَه مجرد مشاريع ليستحيل أشرعَة نجاة يُشرعها كُل صاحب مِدادٍ واعٍ استثمارًا لأيام النفحات الربانية.

فى عشرينيات القرن الحالى يكتشف المُتأمِل فى موروث استقبال الغناء الشعبى المصرى لشهر رمضان، أنَّ (وحوى يا وحوي) تتجاوز كونها مجرد أغنية تراثية، إلى كونِها مُنَمنمةً مصرية صنعها الوعى المُبدِع الذى استوعَب حجم وطنٍ أنبَت إبداعَهُ زرعًا رَعتُه مصر التى جاءت ومِن بعدها التاريخ، فالأغنية بعيدًا عن القائل بأن كلماتها ذات طبيعة صوتية بلا معنى، تُشير التفسيرات المُرتبطة بالتاريخ المصرى إلى أنها لها أصول فرعونية، حيث «وحوي» تعنى أهلًا ومرحبًا أو هلَّ علينا وأقبَّل، بينما «إياحا» تعنى القمر أو البدر، ويُقال إن المصريين أنشدوها احتفالًا بالملكَة «إياح حتب»، أم الملك «كاموس» الذى استشهد وهو يُحرر مصر من الهكسوس، ليخلُفه «أحمس» واستقبله المصريون مع أمِّه مُنشدين (وحوى يا وحوى إياحا) أى يا أهلًا بالقمر القادم بالنصر، وهكذا دار الزمان بمصر ليكتشف وعى صانِع إبداع المرحلة أن الوطن القديم الذى واجه تهديد الهكسوس ويواجه حينها احتلال الانجليز، عليه أن يصنع فنًا يتغنى به الجميع مُستدعيًا فيهم الربط بين ما كان وما هو كائن انطلاقًا نحو وطن متحقق يكون حين يُستنهض أبناؤه، ومع هكذا اكتشاف تُصبح الأغنية جزءًا من ذاكرة ثقافية طويلة الأمد، تم توارثها وتكييفها عبر العصور.

ورغم أنها عشرينيات الألفية الثالثة بتطور عوامل الإدهاش فيها، فإن إدهاشًا أكبر يصنعه التأمُل فى واقع صانِع الإبداع المصرى حين تتوافر له الأسباب، فلقد سبقت الأغنية الرمضانية أخرى، تعددت الروايات فى نسبتها إلى كاتب، وإن كان الأقرب لكونه مؤلفها، هو حسين حلمى المانسترلى، وغنتها (العالمة) الشهيرة عزيزة حلمى، وتحولت لأغنية دارِجة فى سمر السهر فى الحضر والريف بما تتضمنُه مِن إيحاءات جنسية، وكان مطلعها (وحــوى يا وحــوى، إيـاحه، البنـت الـخفـة فـلاحة، وفــ إيدها خوخة وتفاحة)، وراجت هذه الأغنية حينها وعاشت ليتذكرها حوار الأجداد فى ثمانينيات القرن الفائت بعدما طالها مِن تطوُّر بناءً طوى نُسختها المُبتذلَة، ورسخ فى الوعى العام نُسخَةً كتبها فى أربعينيات القرن الماضى حسين حلمى المانسترلى، ولحنها أحمد الشريف وغناها المطرب أحمد عبدالقادر.

يسير استقبال رمضان فى ألفية الإنسانية الثالثة، لنستدعى تجرُبَةً مصرية خالصة، صنعها مُبدِع أنجبته مِصر وإن كانت جذوره تعود إلى مقدونيا، هو حسين حلمى المانسترلى، والذى لم ينفصل عن الواقع

المصرى رغم نشأتِه فى قصر والده الشهير، ولم يَحُل كونُه مُراقبًا عامًا للتربية الدينية فى وزارة المعارف دون أن ينطلِق مُجربًا فى ميادين الإبداع، ولم تتوقف مراجعاتُ تجريبه إبداعًا عِند نموذج (وحوى يا وحوى) الأوَّل إلى الآخر الرمضانى بأثَرِه الماضى فى وعى جميع الأعمار، لتمضى سفينة النماء مُشرِعَةً للوعى راياتٍ، صنعها المؤمنون بالوطن المصرى شِرعَةً ومنهاجًا، وعلى دربِهم يجب أنْ نسير مُشهِرين أشرِعتنا المصنوعة من أصول إبداعنا الثقافى والفنى بتراكماتِه، وعيًا جمعيًا يدفع نحو الاعتزاز بالهوية الوطنية مع انفتاح على العالم دون خوف، ولنا فيما خَلف المانسترلى وسيد درويش نموذجًا لأشرعَةٍ وطنية ربطت التراث الشعبى بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وعبرها يكون الانطلاق الواعى بتحديات الحاضر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ليكون التفعيل الحق لمؤسسات صناعة الوعى التعليمية والثقافية والإعلامية، واستحداث ما يلزمها مُجاراةً للعصر حضورًا فاعلًا لا ذوبانًا مُمَيعًا، تُستثمر فيه الميزانيات اللازِمة بعد ترشيدها بتوجيهها صوب صُناع أشرعة الإبحار لا أصحاب مشاريع الإتجار، وحينها نُغنى فى استقبال الوطن المنصور (وحوى يا وحوى إياحا).

  • نشر في الأهرام الثلاثاء 26 من شعبان 1446 هــ 25 فبراير 2025 السنة 149 العدد 50485

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading