مدخل
ربما يصح الاعتقاد، بل التجربة، بأن أفضل طريقة لترسيخ مفاهيم تُعمِّر طويلاً وتُحدِث حوارا بين الكاتب والقارئ وبين القارئ ونفسه هي محاولة الكاتب تذويب النظرية بين ثنايا الوقائع والقرارات والسياسات الاجتماعية وتحديداً الطبقية. يقود هذا التذويب إلى فهم واستيعاب النظرية ومن ثم توظيفها في التفكير والتحليل، والعمل الاجتماعي، والنضال الوطني، والطبقي.
كيف نقرأ العدوان الجاري؟
العدوان الجاري ضد إيران ولبنان، تماما كالعدوان الإبادي الجاري ضد غزة والضفة الغربية يؤكدان قوانين الجدل والصراع أو الديالكتيك إن شئتم وخاصة أحد القوانين الثانوية في النظرية الماركسية “قانون الترابط الشامل” والذي يؤكد وجوب تحليل العالم بأخذه كوحدة واحدة.
صحيح أن أطراف العدوان وأطراف المقاومة المباشرين محدودو العدد، ولكن مختلف بلدان العالم تدخل في إطار التأثير والتفاعل والتأثُّر وإن بدرجات ولا سيما في مستوى الاقتصاد مما يوجب التحليل بأدوات الاقتصاد السياسي. وهنا لا نستثني العوامل المؤثرة الأخرى، السياسي والثقافي والعسكري والنفسي، هذا وإن كان العامل الديني هو الأكثر لمعاناً والأعلى صوتاً، ولكن الأقل مصداقية في هذا الصراع. فما أكثر استخدام الدين ولا سيما من جانب الثورة المضادة حيث يلهج الرئيس الأمريكي بلسان السيد المسيح، بينما هو ونظرائه يسابقون القوانين البرجوازية الأمريكية للنجاة من تسونامي جزيرة المأفون جيفري إبستين حيث اغتصاب الأطفال من الجنسين !.
لم يبدأ تدهور الإقتصاد الأمريكي مع ولايتيْ دونالد ترامب لا الثانية ولا الأولى، بل يعود إلى منتصف ستينات القرن العشرين حيث توقف إزدهار ما بعد الحرب الإمبريالية البيضاء الثانية وهي الحرب التي أنجز الإتحاد السوفييتي الإنتصار فيها على النازية ولكن اختطفت الإمبريالية الأمريكية المكاسب الناجمة عنها. منذ تلك الفترة كان التراجع النسبي والتدريجي للإقتصاد الأمريكي والذي عوَّض هذا التدهور بقوة الدولار وقرار التفوق في تصنيع السلاح إنتاج وتصدير السلاح وتخليق حروب لزيادة شراء المتحاربين للأسلحة وبالتالي ترافق مع هذه التطورات تراجع حصة أمريكا من الإنتاج العالمي من قرابة 50% إلى 19% في هذه الفترة. أما الشركات الأمريكية فغادر الكثير منها الأرض الأمريكية للاستثمار في بلدان المحيط حيث العمالة ضئيلة الأجر والمفتقرة لأية ضمانات أو حقوق بما فيها السلامة البدنية وهو ما اُسمي تصدير راس المال العامل الإنتاجي، وهذا توجه يوسِّع تعريف لينين للإمبريالية حيث كتب أن أحد سماتها تصدير رأس المال. وبالطبع، فما تستخلصه تلك الشركات من القيمة الزائدة المعولمة (كما ناقشنا في مقال سابق) ومن التقشيط والنهب انتهى إلى أكثر من قناة أهمها الجزر أو المآلات/الملاذات الأمنة حيث لا ضرائب ولا معرفة لحجوم الأموال هذا مع وجوب الإنتباه أن البلد الأُمْ لهذه الملاذات/الجزر هي سويسرا التي تحت يافطة سلمية تختفي أموالا من دماء الأمم سواء ما نهبه حكام عديد البلدان أو البنوك والأنظمة الحاكمة عموما.وعليه، مقابل جزيرة إبستين كملاذ آمن لمسالخ الجنس عولمياً فإن سويسرا وبناتها ملاذاً آمناً للنهب والتقشيط والقيمة الزائدة عولمياً.
المهم أن جزءاً من ما تحققه الشركات الأمريكية في الخارج هو الذي يستقر في أمريكا نفسها ولا يوظف في تجديد أو تنويع أو توسيع القاعدة الإنتاجية، ومهما بذخت الأوليغارشية الأمريكية من فحش الإستهلاك فهي لن تقتطع منه الكثير، وبالتالي كانت هذه التحويلات مثابة ريوعا/جمع ريع اكثر مما هي قيمة زائدة من تشغيل قوة العمل الأمريكية في قطاعات الإنتاج المحلية بل في بلدان أخرى كالصين وطبعاً هنا تكون المعادلة مقلوبة.فهي قيمة زائدة في موقع الإستغلال الطبقي بينما حين تخرج كسيولة او ارقام مالية من موقع الإنتاج إلى أمريكا مثلا ربما، تتخذ حالة ريعية لمن يستفيد منها في أمريكا نفسها وتحديدا أصحاب ومدراء الشركات الكبرى.
هنا، قد يتسائل القارىء، ولكن بقيت أمريكا قوية إقتصادياً، بدليل أن اقتصادها ظل إقتصاد الملاذ الأخير حيث تستورد/تستهلك بأعلى معدل إستهلاك في العالم رغم أنها لا تنتج بما يقارب إستهلاكها. لكن هذا الذي يبدو ميزة هو نتاج قوة مزيفة أي حتى عرَضاً لمرض.
صحيح أن أمريكا كانت وحتى نسبيا لا تزال إستهلاكية جدا مقارنة بعدد سكانها، ولكن تلك القدرة الإستهلاكية ناجمة عن قوة الدولار الذي تحتاجه مختلف دول العالم في تبادلاتها وخاصة الدول التي تشتري النفط لأنه مسعَّر بالدولار فلا بد لها أن تشتري الدولار مما يُسقط في الإقتصاد الأمريكي فوائض دولارية تجعل الشراء سهلا بل شرهاً وهذا التدفق ريْعاً مما يحول المستفيدين منه إلى حالة طفيلية لريع لم يُحقق إنتاجياً. هذا ناهيك عن عقيدة الحرب الأمريكية التي إرتكزت على وجوب التفوق في صناعة السلاح وتصديره و/أو إستخدامه في الحروب وتسليح قواعدها في العالم وكل هذا تعويضاً لمواجهة منافسين متزايدي العدد في إنتاج السلع المدنية. ولكن مع ذلك، بل ولذلك، تتراكم مديونية الولايات المتحدة لتصل 36 ترليون دولار حيث تنفق على 800 قاعدة عدوانية في مختلف بقاع الكوكب، وتشن حروبا هنا وهناك وخاصة ثلاثية الحرب ضد فيتنام ثم أفغانستان والعراق. وهنا تهم الإشارة إلى أن نفقات الولايات المتحدة الحربية العدوانية هي مما تسلخه من ضرائب من الطبقات الشعبية بينما تحول الشركات الكبرى أرباحها إلى الملاذات الآمنة، ولا تدفع ضريبة أو تدفع الأقل على ما تربحه داخل الدولة نفسها. لذا أدت هذه السمات للإقتصاد الأمريكي إلى الإنكماش التدريجي للقاعدة الإنتاجية، وإلى وقوع الإقتصاد في مديونية هائلة.
مما يهمنا في هذه المقال هو أن الاقتصاد الأمريكي قد فقد إلى حد كبير تماسك معادلة عمل/راس المال والتي تقتضي، إفتراضياً، نظرياً، أن يقوم راس المال في البلد الواحد باستيعاب قوة العمل المحلية وتشغيلها أقلُّه في فترة الإزدهار الأمر الذي يتمظهر منذ سنين في بطالة عالية وتشغيل بأجور متدنية بل متجمدة وتضخم قطاع الخدمات على حساب قطاعات الإنتاج. هذه المعادلة لا تعني راسمالياً حتمية التشغيل الكامل لقوة العمل، ذلك لأن ظاهرة البطالة ، كما هي الأجور المتدنية، مرافقة للراسمالية وهي المعادلة التي قارب جون مينارد كينز حلها بتدخل الدولة لكنه لم يجادل بأن بوسع، أو حتى واجب الدولة، تطبيق تام لهذه المعادلة أي التشغيل الكامل مما أوصل منظِّري الرأسمالية إلى الإستسلام بأن النظام الرأسمالي محكوم بالتعايش مع أمراض عدة منها ثلاثة لن يتخلص:التضخم وتدني الأجور والبطالة المموسة.
وكما أشرنا بدايةً، فإن التطورات الاقتصادية سواء في حال الإزدهار أو الأزمة، لم تعد محصورة في البلد الواحد وخاصة بلد كالولايات المتحدة التي تنتشر شركاتها وقواعدها العسكرية العدوانية في معظم بلدان العالم مما يؤكد قانون الترابط الشامل الذي أشرنا إليه أعلاه.
ترى نظريات الركود القائم على تدني معدل الإستهلاك أن الاقتصادات الرأسمالية تميل نحو الركود المزمن والأزمات والكساد وذلك بسبب العلاقات الاجتماعية الفاحشة وهي:
أن العمال وهم الذين ينتجون القيمة التي تحتويها السلعة يتقاضون أجورا أقل من حقهم الذي هو هو كامل قيمة السلعة بينما يحوز الرأسمالي على مقادير هائلة من ثمن السلعة متجليا في القيمة الزائدة المطلقة والنسبية، وبالتالي لا يستطيع العمال الشراء. وهذا ما يُطلق عليه تدني معدل الأستهلاك والذي يتمظهر كما يلي:
1-فجوة متأصِّلة في جانب الطلب داخل امريك “بما هي المثال هنا”ا:
يدفع التنافس الرأسماليين إلى تعظيم الإنتاج ما امكنهم وتقليل الأجور ما أمكنهم ايضاً، (وهذا يفتح على سمة أساسية في الرأسمالية هي “رأسمالية االأجور المتدنية-“) . هنا يبرز ويزداد التناقض أي:
· إستمرار السعي لزيادة الإنتاجية أي السلع
· إلى جانب إستمرار عجز قدرة العمال الإستهلاكية المحصورة في مقدار الكفاف.
هذا يخلق فجوة دائمة بين عرض السلع والطلب الفعّال القادر على شرائها.
ولكن أزمة الاقتصاد الأمريكي نقلت البرجوازية الأمريكية من أولوية الإنتاج إلى المولنة والمضاربات والسطو كما حصل لأموال الجماهيرية الليبية ، والنفط العراقي أو فرض الأتاوات كما يحصل من جباية من أنظمة الخليج العربي وحتى ما يصرح به ترامب بان إغلاق أو إعاقة مرور الطاقة من مضيق هرمز يزيد أرباح أمريكا من بيع النفط بسعر اعلى، وبالطبع الرابح ليس الشعب بل الشركات، هذه التطورات أو التغيرات في الاقتصاد العالمي وتحديداً الأمريكي نقلت الأزمة أو وزعتها على الصعيد العالمي ليبدو الاقتصاد العالمي كما لو أنه جزئين في وحدة واحدة:
أولاً: أمريكا خاصة بل والثلاثي الإمبريالي أي أمريكا والإتحاد الأوربي واليابان نقلت الكثير من الصناعات إلى الخارج بدل التشغيل والتوظيف الإنتاجي في البلد نفسه مما يؤكد بشكل وحشي تدني الأجور من جهة، ووضع العمال وخاصة الأمريكيين في مأزق القبول أيضا بأجور متدنية لأن البديل هو:
· إما بطالة، أي لا دخل كبديل لدخل ضئيل
· أو ثورة، وهذه لا أفقا لها حالياً
تجدر الإشارة إلى أن الشعارات الشعبوية التي طرحها ترامب ليفوز في الانتخابات الأخيرة أكسبته أصوات الطبقات الشعبية حيث وعد بإعادة الشركات إلى الداخل الأمريكي مما يحقق تشغيلا عاليا وأجورا عالية، لكن هذا لم يحصل، بل حتى لم يُقنع الشركات الأمريكية باستغلال الاقتصاد الفنزويلي لأن ذلك سيكلفها نفقات تجديد البنية الأساسية لذلك الاقتصاد الأمر الذي يؤكدتوجهها المضارباتي وليس الإنتاجي.
و 2: توسع وتركز الإنتاج خارج امريكا: فطالما نُقل الإنتاج إلى بلدان أخرى وخاصة البلدان البازغة ، كتلة بريكس، حيث معدلات نمو تتراوح بحدها الأدنى 2% وصولا إلى 6-7% ، وإخراج مآت الملايين من درجة الفقر حالة الصين التي أخذت منتجاتها تنافس بشكل قاتل الشركات الأمريكية في أمريكا نفسها الأمر الذي ينتهي في آخر المطاف زيادة في أسعار المشتريات التي يدفعها المستهلك الأمريكي دون زيادة مواكبة في أجرته.
صحيح أنه في ظروف الأزمة في بلد محدد يتسبب الركود عن وجود فيض إنتاج السلع، حيث ترى نظرية تدني معدل الإستهلاك أن الأزمات لا تنشأ بسبب ندرة السلع، بل بسبب وفرة مفرطة من السلع التي لا يمكن بيعها بربح ويترتب على هذا وجود سلع ووجود حاجة من العمال لها ولكن عدم قدرتهم على دفع الإثمان. وهذا أمر هنا يتجاوز الأرقام بمعنى ثمنها كذا والربح كذا والخسارة كذا كأرقام ولكن هذا يعني سوء أكثر لمعيشة العمال وعجز عن العلاج وربما التعليم…الخ.
لكن اللافت فيما يخص الحالة العالمية للإقتصاد أن فيض الإنتاج في بلدان وتدني الأجور في بلدان أخرى من النظام نفسه وكأن شكل توزيع الأزمة في بلد من المركز الإمبريالي مثلاً، قد حصل تعميمه على صعيد الكوكب نفسه.
فمنذ عدة عقود هناك فيض إنتاج في بلدان وعجز إستهلاك في الأخريات، أي لم تعد الأزمة محصورة في إقتصاد قومي بل تحصل كما لو أن الإقتصاد العالمي بلدا واحدا فيه فيض إنتاج وعجز إستهلاك حيث يتم الإستثمار الإنتاجي في إقتصادات بازغة في المحيط يقابلها بطالة في أمريكا ولكن هذا لا يلغي تدني الأجور على صعيد معولم.
3- من سمات الرأسمالية الكساد المستمر بدلاً من التشغيل الكامل، حيث تكون فترات الازدهار استثناءات مؤقتة تغذيها الاستثمارات أو الطلب الخارجي، وذلك لأنها مقترنة بكل من الأجور الأقل، وغياب العمالة الكاملة الأمور التي تقود لضعف الإستهىلاك.
ولكن الحالة المعولمة للإقتصاد لا توفر طلبا خارجيا يُسعفه للخروج من حالة الركود االأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية الحالية إلى تجاوز المولنة والمضاربات إلى الحروب والتقشيط والأتاوات وحتى قرار إغتصاب بلدان أخرى مثل جرينلاند وكندا ناهيك عن حرب شاملة ضد إيران.
بدورهما يبتعد ماركس وإنجلز عن تفسير الآخرين لنقص الإستهلاك المنسوب حصراً إلى تدني أجور العمال، ويرى إنجلز أن نقص أو عجز الإستهلاك تشترك فيه حتى التشكيلات ما قبل الرأسمالية ولذا لا يكفي وحده للتسبب في الأزمة الراسمالية أي نسب حصول الأزمة لهذا النقص أو العجز.
ولكن بلا شك يبقى لعجز الإستهلاك دوره/ مساهمته في الأزمة. يبقى أن ماركس تشارك مع إنجلز وأضاف بأن تقييد الإستهلاك يبقى السبب الأخير ولكن ليس الوحيد لحصول الأزمة.
ينتهي ماركس إلى أن عجز الإستهلاك، لا سيما حيث يُعرض بشكل أرقام بعيداً عن البشر، لا يقدم تفسيرا للمشكلة الناتجة عن فيض الإنتاج نظراً للتحكم الطبقي الرأسمالي في توزيع القيمة الزائدة وليس فقط في تحقيقه عبر الاستهلاك. كما أشار إلى أن الأزمات كثيراً ما تسبقها فترات ترتفع فيها الأجور، مما يدل على أن السبب أكثر تعقيداً من مجرد انخفاض الأجور.
ولكن حتى لو ارتفعت الأجور فلن تصل إلى:
· إعادة القيمة كاملة لمن انتجها اي العامل
· بل إن ارتفاع الأجور يقلل التمايز ولكن لا يمتص فائض الإنتاج لأنه لن يرتفع بما يصل إسترداد العمال للقيمة الحقيقية لمنتجات قوة عملهم.
إلى أن وسَّع ماركس التفسير بوجود إختلال بين إنتاج وسائل الإنتاج (السلع الرأسمالية/الاستثمارية)
وإنتاج السلع الاستهلاكية أي ليس فقط بأن انخفاض استهلاك العمال هو وحده الذي يمكن أن يخلق الأزمات.
لاحقاً، واصل بول باران وبول سويزي، من مدرسة مونثلي ريفيو، تنظير ماركس وإنجلز لتدني معدل الإستهلاك، بأن مرحلة الاحتكار في الرأسمالية تعمّق ميل النظام نحو نقص الاستهلاك حيث يحصل العجز في إستهلاك فيض السلع المُنتجة ونظراً لدخول الرأسمالية مرحلة الاحتكار تقوم الشركات بتحديد أسعار مرتفعة، مما يؤدي إلى أرباح ضخمة لا يمكن إعادة استثمارها بالكامل، فتتكوّن فوائض اقتصادية لا يمكن امتصاصها داخل الاقتصاد، مما يؤدي إلى الركود ما لم يتدخل ما يسمّى “المستهلكون الثالثيون” مثل الإنفاق العسكري أو الإعلانات أو الدَّين الحكومي.
ومع ذلك، فإن تهريب مقاديرا هائلة من أموال الشركات الكبرى إلى الملاذات الامنة، ناتج حتى عن عدم قدرة “المستهلكين الثلاثيين” على امتصاص تلك الأرباح.
ولكن تطورات الاقتصاد العالمي فتحت الطريق لعامل رابع منذ سبعينات القرن العشرين، وهو تصدير المركز لراس المال العامل الإنتاجي إلى المحيط (كما أشرنا سابقاً) مما وفر سيولة مالية هائلة إضافة للمتوفرة للشركات داخل بلدانها الأم نظرا لرفعها الأسعار. لكن هذه الشركات لم تستثمر في الإنتاج بل في المراكمة في الملاذات الآمنة حيث تتراكم ما نسميه الأموال الكسولة والتي إن تم تشغيلها ففي المضاربات أو في شراء مساحات هائلة من الأراضي في إفريقيا وإقامة مزارع بتشغيل عمالة رخيصة فيها ونقل منتجاتها إلى الغرب مباشرة مما حول هذه الأراضي إلى مستوطنات/إقطاعات تم شراؤها .
هذا، إلى أن تنتهي التنظيرات لتدني معدل الإستهلاك إلى منهجين او حلين، ففي حين تزعم الكينزية( نسبة إلى جون مينارد كينز) بأن الحل في تدخل الدولة في الإقتصاد، وهي بهذا الموقف تخرج إلى حد كبير عن مؤسس الإقتصاد السياسي البرجوازي آدم سميث الذي يرفض تدخل الدولة معتقداً بأن يدا خفية تعيد تنظيم الإقتصاد وتعيد له التوازن.
ولكن مقابل خطاب كينز الرسمي، تتخذ الماركسية موقفاً طبقياً في تفسير نقص الإستهلاك
يرفض الإكتفاء بإعتماد تدخل الدولة لأنها لا تستطيع حل تناقضات الرأسمالية بشكل دائم، بل غالباً ما تُحوّل كساداً على نمط ثلاثينيات القرن العشرين إلى شكل مختلف من الركود الاقتصادي. وبالطبع تواصل الماركسية التحليل وصولا إلى الثورة البروليتارية والإنتقال إلى الإشتراكية.
ما يحصل حالياً ولا سيما في الولايات المتحدة هو معالجة الركود بالنهب والعدوان والتقشيط والأتاوات والحروب المباشرة كما يحصل ضد إيران هذه الأيام ولكنها حرب معولمة ، فليست أمريكا والكيان وحدهما معسكر العدوان بل مختلف الدول الغربية التي تضع مقدراتها في خدمة العدوان مهما أطلقت تصريحات الحياد أو التمنُّع، كما يتضرر منها مجمل الإقتصاد العالمي سواء لنقص الإمداد بالطاقة أو توقف تحويل الأسمدة من الخليج إلى البلدان التي تحتاجها زراعاتها …الخ فكل هذه البلدان من المركز إلى المحيط مشاركة في الحرب بين مهاجم ومدافع، ولذا يدعو الرئيس الأمريكي ترامب إلى تشكيل قوة عالمية تفرض تواصل تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز وتحريض بلدان الخليج على العدوان ضد إيران، لمواجهة إيران وحتى محور المقاومة، أي إدخال مختلف دول العالم في الأزمة وهو ما يؤكد ما بدأنا به عن قانون الترابط الشامل.










