الرسالة الكاملة التي أرسلها يحيى السنوار ومحمد ضيف ومروان عيسى إلى نصر الله في 7 أكتوبر
بسم الله الرحمن الرحيم،
: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وِلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72) ترجمة الآيات بالعبرية غير حقيقية لذا وضع المترجم الآيات الصحيحة(
أخي، المجاهد ، السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، حفظه الله ورعاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نسأل الله العلي القدير أن تصلك هذه الرسالة وأنت في أتم الصحة والعافية.
عندما تقرأون كلماتنا هذه، سينطلق آلاف المجاهدين من كتائب القسام لمهاجمة أهداف الاحتلال الصهيوني الإجرامي، وقصف مواقع العدو وتجمعاته (مستوطناته) ومطاراته وتقاطعاته في المنطقة الجنوبية من فلسطين المحتلة. سيخترقون السياج الفاصل لمواجهة قوات الاحتلال والقتال ضدها، والاستيلاء على مواقع عسكرية ومدنية في المنطقة، وأسر أعداد كبيرة من جنود الاحتلال. وسينضم إليهم آلاف المجاهدين من فصائل وقوات أخرى.
بإذن الله، نلتمس الدعم والمساندة حين يتدفق مقاتلونا (بغضب) إلى أراضينا المحتلة تباعًا لتوجيه أقوى ضربة لهذا المحتل المجرم على مدى العقود الماضية. هذا عقابٌ عادلٌ على اعتداءاته على مسجدنا الأقصى، لا سيما في الأسابيع الأخيرة: أخطرها إخلاء المسجد الأقصى من المصلين المسلمين، وطرد المرابطين والمرابطات من أبواب المسجد الأقصى وشوارع البلدة القديمة، وضربهم وإلقائهم أرضًا، ونفخ الشوفار في ساحات الأقصى وإقامة الشعائر والصلوات التلمودية وإحضار القرابين ودخول أعداد كبيرة (من اليهود) إلى ساحات الأقصى مرتدين ملابس الكهنة. كل هذا يجعل الأقصى نجسًا.
لم يعودوا يخفون نواياهم في تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل، وليس هناك دليل أكبر على ذلك من إحضار الأبقار الحمراء (إلى ساحة الأقصى).
لقد شهدنا، وشهد العالم أجمع، جرائم الاحتلال المتكررة حين اقتحمت قواته المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين ، وثالث الحرمين، وألقت قنابل الغاز المسيل للدموع على المصلين، وهاجمت بالهراوات وأعقاب البنادق والرصاص المطاطي رؤوس المصلين، ووقفت في المسجد وسط صرخات استغاثة النساء المسلمات. وقد جرحت قوات الاحتلال المئات واعتقلتهم بعد أن قيدتهم واقتادتهم في صفوف، وكسرت كل رأس رفعها فخراً بدينه ووطنه.
رأيتم، ورأينا، ورأى العالم أجمع كيف جرّ جنود الاحتلال النساء المسلمات على الارض دون خوف من كشف عوراتهن أو ملابسهن الداخلية التي تسترها. ورأى العالم كيف هوجم المصلّون الواقفون بين يدي الله، وكيف تعطلت صلاتهم بشكل غير مسبوق. ورأينا أيضاً جحافل المستوطنين تقتحم المسجد الأقصى، وتقيم طقوساً تلمودية في رحابته، وتنطق بكلمات جوفاء، وترقص، وتسجد في ساحة الأقصى وعند أبوابه.
ولا يغيب عن حضرتكم منعهم جماعات من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى، وأوقفوهم عند نقاط التفتيش والبوابات، واعتدوا عليهم، واعتقلوهم، وأخرجوا المئات من المسجد الأقصى والقدس في محاولة لإخلاء المسجد من المسلمين لتسهيل تنفيذ مخططاتهم التلمودية والاستيلاء عليه. ولن ننسى تدمير المنازل، وتهجير سكان القدس، ومخططات الاستيطان في القدس ومستوطناتها.
وبالمثل، فإن جرائم الاحتلال خلال الفترة الأخيرة في جنين ونابلس والخليل، وقتل المئات من أبناء شعبنا، واقتحام المدن والقرى، وتدمير المنازل على رؤوس أصحابها، والاعتقالات والهجمات، لم تغب عنكم.
أنت أدرى بجرائمهم، لا سيما هجماتهم المتكررة (جواً) على سوريا والعراق، وقصفه المتواصل لأهداف ومطارات ومبانٍ، فضلاً عن عمليات الاغتيال. هذا بالإضافة إلى جرائمهم العديدة المتمثلة في اغتيالات متكررة لعلماء وقادة في إيران، وهجماتهم بأسلحته على العديد من الأهداف الحيوية.
إن نتائج اجتماع مجلس الوزراء في 22 أغسطس/آب، والقرارات التي اتُخذت فيه، وتفويض رئيس الوزراء الصهيوني ووزير دفاعه صلاحية متابعة تنفيذها، كلها تؤكد أن العدو سيمضي قُدماً في ما بات واضحاً لجميع محلليه وخبرائه وقادته على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية. فهم يقولون إنه بدلاً من إجبارنا على خوض معركة موحدة معه للدفاع عن الأقصى، وهي قضية ستُفجّر غضب المنطقة بأسرها في وجهه، فمن الأفضل للعدو أن يتراجع تكتيكياً ليخوض معركة فردية مع كلٍّ منا حول قضيته الخاصة، وعندها سيقلّ حافز الآخرين للمشاركة في هذه المعركة
سيشن العدو حرب ضد عرب الأراضي المحتلة (عرب إسرائيل) بشأن قضايا الأسلحة والجريمة والمنازل غير المرخصة. كما سيشن حملةً ضد القدس لإعادة فرض الوضع الراهن فيها، وهدم المنازل، وتنفيذ سياسة تهويد تدريجية. وسيشن حملةً ضد الضفة الغربية باضطهاد عناصر المقاومة والقضاء عليهم، وحملةً ضد سوريا بقصف مطاراتها ومراكزها وقوافلها، وتصفية الأفراد بذريعة منع الوجود الإيراني على حدودها الشمالية.
سيشن حرب ضد حزب الله في لبنان، ضد تطوير الصواريخ الدقيقة، وضد جميع أنشطة المقاومة التي يشارك فيها حزب الله، أو ضد أي فصيل فلسطيني يسعى للتحرك ضده عبر الحدود الشمالية، أو يعمل على بناء قوة قادرة على المشاركة في المجهود الحربي ضده. سيتحرك ضد إيران في برنامجها النووي، الذي يعتبره التهديد الأكبر، وضد تطويرها لقدراتها العسكرية عالية الجودة. سيشن حملة ضد غزة لدورها في التحريض والدعم والمعونة، أو مشاركتها في جولات التصعيد. سيشن حملة في غزة بمبادرة منه، إما بالاغتيالات أو باستدراجها بعدد من التنازلات الاقتصادية.
ليس سراً أن المعركة التي تحمل اسم القدس والأقصى هي معركتنا جميعا ، وبموجب هذا الاسم نستطيع حشد الأمة بأسرها، ويمكن حثّ الكثيرين على الامتناع عن دعم العدو وتقويته.{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: “” (نهاية الآية المذكورة في بداية الرسالة).
نحن، في مواجهة هجماته على مسجدنا الأقصى، ومصلينا فيه، ونسائنا، لا يسعنا السكوت مهما كلفنا الثمن. لقد استجبنا لرد الله علينا: ” {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ۖ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}
لقد جرت بالفعل محادثات بينكم وبين إخواننا الذين زاروكم حول موضوع العمل المشترك ضد هذا المحتل المجرم، واتفق الجميع على أن يكون عنوان المعركة “القدس والأقصى”. واتفقنا على أن نبدأ عندما يتحقق المبرر، وهو جرائم العدو في الأقصى. أنتم تدركون صعوبة الوضع الأمني وقدرات العدو الاستخباراتية، ولذلك فإن التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو تحقيق عنصر المفاجأة ضد العدو ومهاجمته على حين غرة. وقد تطلب هذا مستوى عالٍ من التكتم حتى داخل سلسلة قيادتنا، وخاصة في الخارج ومعظم الداخل، وحصر نقل الأوامر العملياتية حتى اللحظات الأخيرة خشية أن يكشف العدو عن نواياه ثم يشن هجومًا ساحقًا علينا، وأنتم تعلمون قدراته.
كنا نأمل بذلك أن ندخل عليهم على حين غرة من الباب، ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23] ونحن على يقين من أنكم، كما نعرفكم، ستغفرون لنا عدم إخباركم بالسر.
اليوم، هذا المسجد الأقصى، ونساؤه، والمرابطين، يهتفون إليكم، وهذه جنين والخليل، ودماء الشهداء، تدعوكم للانضمام، ودماء جميع الشهداء في بلاد الشام ولبنان وإيران، ممن أهلكتهم يد الصهيونية الغادرة المجرمة، دماءهم تدعوكم للنصرة، وتدعوكم لنداء الله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14)}
أنتم من استخدمتم وصف “شبكات العنكبوت”، وقد كنتم على حق، فهذا بيت العنكبوت ممزق ومنقسم من الداخل. قال الله تعالى: ﴿ لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ [الحشر: 14].
إنّ من يُلحق الخراب والأذى، ويقصف ويدمر ويهاجم المقدسات، وينتهك حرمتها، ويدنس الأماكن المقدسة، سيواصل جرائمه، بل وسيهرب أكثر من أزماته الداخلية، ليعيد ما يسميه حالة الردع ضدنا جميعًا. إنّ شبكة العنكبوت هذه ليست إلا وهمًا سينهار إذا ما توكلتم أنتم وباقي قوى محور المقاومة على الله، وشاركتم بكل قوة وعزيمة. قال الله تعالى: “{وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
هذه المعركة، بعون الله، مُقدَّر لها أن تُغيِّر المعادلات والقواعد التي أصبحت أعرافًا. لن يبقى لأوسلو ولا لسلطة التنسيق الأمني وجود، وستنهار أنظمة الخيانة والتطبيع. إن الجهود الحثيثة لإتمام التطبيع بين السعودية وقوة الاحتلال ليست خافية، وقد بدأت بخطوات عملية، وسيتم التوصل إلى اتفاق قريبًا. هذا الاتفاق مُقدَّر له أن يكون مقدمة لسقوط معظم الأنظمة العربية والإسلامية، وسيُقلِّص فرص محور المقاومة واستراتيجياته وأهداف ه.
سنمحو آثار الصراعات والنزاعات التي ألمّت بالمنطقة، وبإذن الله، سنحقق أعظم منعطف تاريخي في تاريخ الإسلام، والذي سيتجلى في زوال الطائفية التي سعوا لإشعالها في الماضي، وسنحقق رؤية الإمام الخميني، رحمه الله، في إشعال الثورة الإسلامية العظيمة. وسنشهد، بإذن الله، قواعد جديدة للسياسة في المنطقة، شريطة أن نحقق نصرًا تكتيكيًا، مع أن فرصنا في تحقيق نصر استراتيجي، والذي سيتجلى في انهيار هذا الكيان، تفوق التوقعات، بعون الله وتوفيقه.
يكفينا أن نطيع أمر الله تعالى: “فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا
أخينا الحبيب، إن ثمن أي تردد سيكون باهظًا لا يُطاق، لا بالنسبة لخطتنا ككل، ولا بالنسبة لك وللجمهورية الإسلامية. وذلك بسبب هجمات العدو ومحاولاته لتحقيق صورة النصر واستعادة الردع ضد إيران وسوريا عبر أسلوبه المعتاد، ولكن بتركيز وكثافة أكبر، ولأن هاتين الدولتين تخضعان لقواعد عمل مختلفة عن تلك التي تحكم مؤسساتنا. ستكون عواقب التردد وخيمة، وستتجاوز كل تصور.
نعتقد أنه ينبغي عليكم الإسراع والمشاركة، متوكلين على الله ومؤمنين بنصره لنا. فإذا نصرتم الله في الدفاع عن دينه، سينصركم هو أيضاً على أعدائكم.
يتركز القصف الصاروخي على طرق الاحتلال الرئيسية في وابلات كثيفة تُشتت القبة الحديدية وتُحاصرها، حيث تُقصف المطارات والمقرات العسكرية والأهداف الاستراتيجية، مما يُشل قدرات القوات الجوية ويستنزف صواريخ القبة الحديدية. سيُصيب هذا العدو بالصدمة والخوف، مما يُهيئ الظروف لشن هجوم بري واسع النطاق للسيطرة على الأرض وسكانها، الأمر الذي سيؤدي، بعون الله، إلى انهيار سريع.
كما سبق ذكره، لا ينبغي للجمهورية الإسلامية وسوريا التدخل، بل يجب أن يكون هناك تعاون من جميع قوى محور المقاومة الأخرى (مختلف الفصائل) ومن جميع الساحات وبأقصى طاقتها. إن استمرار القصف المركز والمكثف، وشن هجوم باستخدام الطائرات المسيرة لمدة يومين أو ثلاثة أيام، سيحقق الهدف بإذن الله.
لكي لا تقاتل دول العالم إلى جانب إسرائيل، يجب ألا يدور خطابنا حول القضاء على إسرائيل أو تدميرها، بل حول التزامها بالقرارات الدولية. سيُجبر الخطاب السياسي الدول الظالمة على عدم القتال، حتى مع تنفيذ عمليات عسكرية على أعلى مستوى، وبمباركة من سيد العبيد، وهو أشرف الشرفاء.
نسأل الله أن يوفقنا ويوفقكم في رفع رايته ونصرته، وأن يذل عدوه ويهينه، وأن يسعد قلوب المؤمنين بنا وبكم. “يفعل الله ما يشاء، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.
إخوانكم،
محمد الضيف، يحيى السنوار، مروان عيسى
ملاحظات، أبرز النقاط، وتعليقات
كما يتضح من الموقعين على هذه الوثيقة، فإن التسلسل الهرمي في حماس يختلف عما يُصوَّر هنا. فالعقل المدبر، والمخطط، ورئيس الأركان الأعلى، وأصل كل شر ليس السنوار، بل الضيف ، محمد الضيف . وليس من قبيل الصدفة أن إسرائيل حاولت اغتياله مرارًا وتكرارًا، وفشلت. السنوار هو الرجل الثاني، ومروان عيسى يُكمل ثلاثية حماس. الثلاثة الآن يحترقون في نار جهنم، والعالم بدونهم أفضل حالًا بكثير.
أكثر ما يلفت الانتباه في الرسالة، بلا شك، هو الكم الهائل من التفاصيل التي تصف “أفعال” إسرائيل في المسجد الأقصى. هذا هو مبرر حماس لشنّ الهجوم الانتحاري المتهور على إسرائيل. إنّ مستوى التفصيل الذي وصف به القتلة الثلاثة ما يجري في المسجد مذهل.
طوال الوثيقة، يحاولون إقناع نصر الله بالانضمام إلى هجومهم علينا، متخذين من المسجد الأقصى ذريعةً لحجتهم. يشرحون له ضرورة استغلال ما يحدث في القدس والأقصى لتوحيد جميع “الأمة” ضد إسرائيل. والهدف، بطبيعة الحال، هو رأب الصدع بين الشيعة والسنة، والمصريين والفلسطينيين، واللبنانيين والسوريين، وبين مختلف المنظمات فيما بينها، ونسيان كل الخلافات والتنافسات في العالم العربي والإسلامي، والتوحد حول “الجرائم” التي ترتكبها إسرائيل في المسجد، واقتحامه دفعة واحدة. كل شيء يبدأ وينتهي في الأقصى، ربما الإجماع الوحيد في العالم العربي ضد إسرائيل.
في مقابل هذه التفاصيل، تبرز حقيقة أخرى مذهلة. يكاد يخلو هذا المستند من أي ذكر للاضطرابات الداخلية في إسرائيل، أو الانقلاب، أو الاحتجاجات ضده، أو المظاهرات. ولا كلمة واحدة عن تهديدات الطيارين المتطوعين بتعليق تطوعهم. أما القصة المختلقة التي تحاول آلة التسميم ترويجها، والتي تزعم أن “الرفض” هو ما دفع حماس لمهاجمة إسرائيل في ذلك الوقت تحديدًا، فهي قصة وهمية لم تكن موجودة ولم تُختلق.
لا توجد هنا أي تقييمات أو تفسيرات، بل وثيقة أصلية كتبها المخططون أنفسهم، لأهم شخص على وجه الأرض بالنسبة لهم، الشخص الذي كان انضمامه إلى الهجوم من شأنه أن يساعد في نجاحه.
بعد مناقشة أحداث المسجد الأقصى بإسهاب وتفصيل كبير، انتقل منفذو هجمات حماس الثلاثة إلى أسباب أخرى: أعمال إسرائيل في القدس، ونيتها “تهويد” القدس، ومن ثم إلى جنين ونابلس والخليل، ومنها إلى هجمات إسرائيل وسلاح الجو في سوريا والعراق، وبالطبع الهجمات على إيران، بما في ذلك اغتيال علماء نوويين. كل شيء مُضمّن، مُركّز في لائحة اتهام جهادية موحدة ضد إسرائيل، بهدف توحيد جميع أعدائها ضدها في لحظة الحقيقة. 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الساعة 6:30 صباحًا. كان من المفترض أن تُطلق هذه الرسالة تفعيل “خطة الإبادة”، وإشعال “حزام النار” الذي بُني حول إسرائيل طوال سنوات حكم بنيامين نتنياهو.
يتناول جزءٌ لافتٌ للنظر من الرسالة قرارات المجلس السياسي الأمني في حكومة نتنياهو، والتي اتُخذت في اجتماع خاص عُقد في 22 أغسطس/آب 2023. ويرى قادة حماس أن تفويض السلطة لاستئناف عمليات القتل المستهدف في غزة وغيرها، وفقاً لقرارات نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت ، بمثابة تأكيد لمخاوفهم من أن إسرائيل تعتزم تكثيف الإجراءات ضد أعدائها، ولكن بشكل محدود ومنفصل بين الساحات.
هذا المقطع مهم، لأنه يُفسر أيضًا أوجه القصور في جانبنا. فمنذ السابع من أكتوبر، تُثار تساؤلات حول سبب صدور أمر ليلة الهجوم بـ”الابتعاد عن السياج”، ولماذا كان رئيس الأركان وقائد القيادة ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) وغيرهم من كبار المسؤولين متساهلين للغاية في قراراتهم في ظل الأدلة المتراكمة ضدهم. والسبب: سوء التقدير الشهير.
كانت إسرائيل تعلم أيضاً أن حماس على دراية بقرارات الحكومة وتخشى هجوماً إسرائيلياً. ولهذا السبب، تم حصر التحركات ليلة وقوع الكارثة، تجنباً لدفع حماس إلى شن هجوم مضاد لإحباط أي هجوم إسرائيلي. يبدو هذا التصرف اليوم غاية في الحماقة، وهو كذلك بالفعل. لكن من المهم أن نتذكر أن هذا جاء بعد جيل كامل (منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام ٢٠٠٩) من سياسة “الاحتواء”، وسياسة “العصا والجزرة”، ودعم حماس بالمال والتنازلات، وكل ذلك بتوجيه من القيادة العليا. عندما تُتبع هذه السياسة لمدة ١٤ عاماً، تكون هذه هي النتائج. من يزرع الريح يحصد العاصفة. أو الطوفان. طوفان المسجد الأقصى.
تُفصّل الرسالة الجبهات المتعددة والمنفصلة التي يُمكن لإسرائيل أن تضرب أعداءها من خلالها. ويشمل ذلك العرب الإسرائيليين، الذين كان من المفترض أن نصفّي حساباتنا معهم بشأن الأسلحة غير المشروعة والبناء غير القانوني، ولكن ليس هذا فحسب: القدس، والضفة الغربية، وسوريا، وحزب الله، والمنظمات الفلسطينية الأخرى في لبنان، وبالطبع إيران وغزة. في بعض الحالات، يُظهر الضيف والسنوار وعيسى قدرةً نبويةً كبيرة. فهم يكتبون عن الصواريخ الدقيقة، وعن الأسلحة النووية، وعن كل ما يُقلقنا الآن.
لقد تحققت بالفعل نسبة كبيرة من نبوءات الوثيقة على أرض الواقع. فقد حاربت إسرائيل إيران وحزب الله وغزة، وقد تخوض حربًا أخرى. كما ساهمت في سقوط النظام السوري وهاجمت سوريا. أما ما لم يتحقق، فهو أن عرب الداخل، أي عرب إسرائيل، لم ينجروا في دوامة الفوضى. ولم تشتعل الضفة الغربية بعد، رغم وجود احتمال لحدوث ذلك في أي لحظة. لقد تبدد الأمل الكبير الذي راود الضيف والسنوار في إشعال حرب أهلية داخلية بين عرب إسرائيل ودولتهم، ودُفن في طي النسيان. علينا أن نهنئ أنفسنا على هذا، وأن نبذل قصارى جهدنا لضمان استمرار الوضع على ما هو عليه.
كتب الضيف والسنوار وعيسى جملةً مذهلةً عن أنفسهم في غزة: “سيدخل (العدو) الحرب ضد غزة بسبب دورها في التحريض والدعم والمساعدة أو مشاركتها في جولات التصعيد. سيدخل الحرب في غزة بمبادرة منه عن طريق الاغتيالات أو عن طريق إغرائها بعدد من التنازلات الاقتصادية”.
في الواقع، قبل أيام فقط من الهجوم، وافقت حكومة نتنياهو على سلسلة من الحوافز الاقتصادية لقتلة حماس. وكأن كل ما قُدِّم لهم من خير حتى ذلك الحين لم يكن كافيًا. توسيع نطاق الصيد، وعملية لزيادة التمويل القطري، وزيادة عدد العمال الوافدين إلى إسرائيل (وهو رقم قياسي غير مسبوق في عهد نتنياهو). حتى قبل تطبيق هذه الحوافز، انقلب كل شيء ضدنا. تحولت سياسة نتنياهو الاسترضائية إلى كارثة. الرجل الذي أراد أن يكون تشرشل، أصبح تشامبرلين.
الأمر اللافت للنظر بشكل خاص هو الكشف، المكتوب صراحةً في الرسالة، عن الاتصالات التي جرت في الماضي بين مبعوثي حماس وحزب الله (وكذلك إيران) بشأن الهجوم على إسرائيل، وعن الاتفاق على تحديد التوقيت بشكل منفصل، وكان السبب الرئيسي هو المسجد الأقصى. عند هذه النقطة، يطلب الكُتّاب الثلاثة الصفح والعفو من نصر الله لعدم إفصاحهم له عن موعد الهجوم مسبقاً. كما يعلم، كما يقولون، فإن الخشية من التسريب امام قدرات العدو الاستخباراتية.
ثم، في جملة قصيرة من بضع كلمات، إشارة وحيدة إلى الوضع الداخلي في إسرائيل. يقولون لنصر الله: “كنت محقًا عندما وصفت إسرائيل بأنها ‘شبكة عنكبوت'”. ويكتبون: “إنها بالفعل ‘شبكة عنكبوت ممزقة ومنقسمة على نفسها'”. ومع ذلك، فإن هذا الوضع، وفقًا للرسالة، لا يبعث فيهم الأمل، بل على العكس، يُقلقهم. ويكتبون: “سيواصل جرائمه، وسيهرب أكثر من أزماته الداخلية، ليعيد ما يسميه حالة الردع ضدنا جميعًا”. ويتوافق هذا مع مواد إضافية استولت عليها قواتنا في غزة، حيث تُشير وثائق داخلية لحماس إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يفقد كفاءته، وأن المظاهرات في إسرائيل هي تحديدًا ما قد يُصعّب الردود العسكرية الإسرائيلية على حماس.
في النهاية، يصبح الأمر أكثر إثارة. فالهجوم على إسرائيل، بحسب المؤلفين الثلاثة، يهدف إلى عرقلة مسيرة تطبيعها في المنطقة، وإحباط التطبيع مع السعودية، وإلغاء اتفاقية أوسلو، وهي اتفاقية التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، و”أنظمة الخيانة والتطبيع”. ويشمل ذلك التملق للخميني، رمز الشيعة، لاسترضاء نصر الله ومبعوثيه في طهران. ويشيرون إلى نوعين محتملين من النصر: نصر استراتيجي يؤدي إلى تدمير إسرائيل، ولكن في حال فشل ذلك، سيكتفون بنصر تكتيكي. أي هزيمة قطاع غزة، وإلحاق خسائر فادحة بإسرائيل، واحتلال أراضٍ، والدخول في مفاوضات تُفضي إلى إطلاق سراح جميع الأسرى. ثم ماذا؟ سنرى.
إليكم فقرة تنبؤية بحق: “أخينا الحبيب، إن ثمن أي تردد سيكون باهظًا ولن يُحتمل، لا فيما يتعلق بخطتنا، ولا فيما يتعلق بك وبالجمهورية الإسلامية. وذلك بسبب ضربات العدو ومحاولاته لتحقيق صورة النصر واستعادة الردع ضد إيران وسوريا بأسلوبه المعتاد، ولكن بتركيز وكثافة أكبر، ولأن هاتين الدولتين تخضعان لقواعد عمليات مختلفة عن تلك التي تحكم منظماتنا. ستكون نتائج التردد وخيمة لا تُحتمل، وستتجاوز كل تصور.”
نعم، إنهم يوبخون نصر الله ويقولون له إنه إذا تردد ولم ينضم، فإن إسرائيل سترد بحزم وستكون النتيجة وخيمة عليه، وعلى “الجمهورية الإسلامية” أيضاً، أي إيران. لم يدركوا أن هجومهم على إسرائيل سيلحق ضرراً بالغاً بالدولة اليهودية، ولكنه سيجلب عليهم الكارثة في نهاية المطاف. سيُقتلون، وسيُقتل شركاؤهم، وسيُقتل قادة إيران وحزب الله، وسيكون ثمن ما فعلته إسرائيل بها باهظاً (وهذا أمر جيد).
وأخيرًا، يُفصّلون طلباتهم المتواضعة. والمثير للدهشة أنهم يُقرّون بأنه لا حاجة لانضمام إيران أو سوريا كدولتين، لكن يجب على جميع فصائل المقاومة الأخرى، بما فيها حزب الله، المشاركة. ما العمل إذًا؟ قصف كل شيء، وشلّ حركة القوات الجوية ومواقع الجيش الإسرائيلي واهداف البنية التحتية، ثم اقتحام البلاد لتدميرها. الأمر بهذه البساطة.
حسنًا، لم يحدث معظم ذلك. الفصل الأول، هزيمة فرقة غزة والسيطرة على أجزاء من الغلاف، قد حدث بالفعل. نصر الله، الذي تمتع لجيل كامل بصورة “الحكيم” في الشرق الأوسط، والذي يعرف إسرائيل أكثر من أي شخص آخر ويعرف كيف يردعها، ارتكب خطأ حياته. تردد. لم ينضم في الوقت المناسب، أي في الساعة السادسة والنصف صباحًا، مع بزوغ فجر السابع من أكتوبر. حتى حينها، لم يقرأ الخريطة بشكل صحيح، ولم يفهم الوضع إلا بعد انهيار مخبئه عليه. يا له من حظ!
لقد عوقبنا على غطرستنا، وغرورنا، وإدماننا على المعلومات السيبرانية السهلة على حساب المعلومات البشرية التي جُمعت بشق الأنفس، وعلى سياسة “الاحتواء” الإجرامية التي استمرت عقدين من الزمن، والتي سمحت لحزب الله وحماس ببناء كيانات إرهابية متطرفة على حدودنا. وجهنا لهؤلاء المتوحشين ضربات قاسية، لكننا لم نهزمهم. نتنياهو لا يعرف كيف ينهي الحروب، ربما لأنه ببساطة لا يريد إنهاءها. يحتاج مفهوم الأمن الإسرائيلي إلى تحديث. لا ينبغي السماح لأحد ببناء مثل هذه القوة على حدودنا. وفي الوقت نفسه، يجب أن نواصل السعي للتوصل إلى اتفاقيات. في النهاية، هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والأمن. يمكن محاولة كل هذا في اليوم التالي لرحيل الرجل الذي تسبب في كل هذا. وفقط بعد أن نداوي جراحنا الداخلية.
