– الصورة لرفيق الحريرى – بقلم مجدى حسين-
من المؤكد أن كثيرا من الناس لايفهم ما الذى يجرى حقا فى لبنان وإن كانوا متأثرين ومتعاطفين مع هذا البلد الجميل أرضا وبشرا . وذلك لأن الاعلام المخاتل لايشرح لهم خلفيات الأمور ، على الأقل خلفيات التاريخ القريب المعاصر . كما يسأل الطبيب المريض عن تاريخ المرض . الاعلام الموالى لأمريكا واسرائيل يفهم الناس بكلمات قليلة أن حزب الله هو السبب وسلاح مقاومة اسرائيل هو السبب وهو الذى أكسب لبنان العزة بين العرب والعالم . وهو أمر غير منطقى على الاطلاق فالحروب متوقفة بين حزب الله واسرائيل منذ 2006 بسبب ممارسة حزب الله لأقصى درجات ضبط النفس مراعاة للظروف اللبنانية وبسبب إدراك اسرائيل لوجود ردع متبادل بين الطرفين . كذلك فإن حزب الله غير منغمس فى الحكم وغير راغب فى ذلك ، وعاش سنوات طويلة بدون وزير واحد . وهو الآن لايملك الا عدد محدود من الوزراء . وبالتالى لايمكن أن يكون متهما بحالة الفساد المؤسسى المتغلغل حتى النخاع فى الدولة اللبنانية الصغيرة ، كما أن أعداء حزب الله لم يتمكنوا من إبراز أى دليل على مشاركة حزب الله فى الفساد الحكومى . والحقيقة إن مؤسسة الفساد مؤسسة طائفية يشارك فيها قادة كل الطوائف ، وطائفة الشيعة هى أقلهم رغم أنفها لأنها كانت حتى وقت قريب فى آخر السلم الاجتماعى والسياسى والاقتصادى حتى أسس موسى الصدر حركة المحرومين فى السبعينيات من القرن العشرين . وحزب الله منخرط كلية فى المقاومة والاستعداد لملاقاة العدو ويكفى قراءة التقارير الاسرائيلية . اذا تحدثنا عن الفساد فى جهاز الدولة اللبنانى فالحديث يجب أن يتجه لعائلة الحريرى ولبعض العائلات المارونية فهما أى السنة والموارنة ما يشكلان السلطة التنفيذية : رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ، وقد استولت عائلة الحريرى على تمثيل السنة خلال عشرات السنين السابقة حتى وإن تولى أحيانا رئيس وزراء سنى من خارج العائلة . هؤلاء هم المسئولون مثلا عن استمرار شخص واحد فى رئاسة البنك المركزى اللبنانى لمدة عشرين سنة ولعله لايزال موجودا رغم كل هذه الأعاصير . ومن عجائب هذه الانتفاضة اللبنانية المتواصلة وإن بشكل متقطع ضد الطبقة السياسية الطائفية ، عندما ترشح سعد الحريرى لرئاسة الوزراء من البرلمان الطائفى ومن الطبقة السياسية الفاسدة الطائفية هدأت الانتفاضة وكأنها تقول نحن مع هذا الخيار ، رغم ان سعد الحريرى من أبرز رموز الطبقة السياسية الطائفية ، وهذا يؤكد أن الانتفاضة موجهة من حزب الحريرى( المستقبل ) ومن يواليه من السعودية وأمريكا والغرب . إنها حرب على حزب الله وعلى المقاومة رغم أنها صامتة وتجز على أسنانها وتتحكم فى يديها رغم انها على الزناد ضد اسرائيل ، وليست مسألة اقتصادية فلم يجد جديد على الاقتصاد اللبنانى إلا حملة المقاطعة الاقتصادية والتجارية التى تشنها السعودية والامارات وأمريكا وفرنسا وباقى دول غرب أوروبا ، كما تعانى لبنان من قانون قيصر الامريكى الذى يقاطع سوريا ، وعلاقات لبنان التجارية وثيقة الصلة بسوريا . وكانت محاولة تدخل فرنسا فى التشكيل الوزارى اللبنانى مهزلة عظمى بعد استقلال لبنان عن فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية (1946 ). ويقف النظام العربى عاجزا عن عمل أى شىء لأنه لم يعد موجودا أصلا ككيان مستقل عن الهيمنة الامريكية الاسرائيلية .
رغم أن عائلة الحريرى لاتحتكر الفساد فى لبنان ولكنها بلا شك لها دور قيادى بسبب الراحل رفيق الحريرى وليس بسبب ابنه المعجزة الذى تعلم بالكاد الحديث فى السياسة بجمل قصيرة ، بسبب هذا الدور المحورى فى الأزمة لسعد الحريرى نبدأ بطرح ملف عائلة الحريرى ولعل الناس يعرفون مالذى يجرى فى لبنان تحت السطح .
رفيق الحريرى
أستطيع أن أتكلم بحرية عن الراحل رفيق الحريرى لأنه يصعب اتهامى بالمشاركة فى إغتياله ولكن لو تحدث لبنانى أو سورى بالسوء عنه فهذا يكفى لتحويله إلى المحكمة الدولية الفاشلة ! ورغم إننى لن أبحث مسألة اغتيال الحريرى ولكننى أجزم – من وجهة نظرى – أن اسرائيل هى التى قتلته لايقاع الاتهام بسوريا مما يضعها فى وضع حرج ويسهل إخراجها من سوريا وهذا ماحدث . ربما أكون قد كتبت وجهة نظرى لحظة وقوع الحدث ، ولكننى أذكر جيدا أن كتابا للمخابرات الالمانية أثبت بالأدلة أن اسرائيل هى التى اغتالت رفيق الحريرى . ليس هذا هو موضوعنا وأنا عموما ضد اغتيال رفيق الحريرى لأنه أضر بالمقاومة اللبنانية وبسوريا ولأننى ضد الاغتيال عموما فى الصراعات الوطنية الداخلية ، وهو سلاح مشروع ضد قوى الاحتلال الأجنبى فحسب .
قصة حياة رفيق الحريرى تروى قصة لبنان من زاوية من الزوايا فلبنان ليس دولة متكاملة الأركان فهى مجرد متصرفية الجبل أى محافظة فى العهد العثمانى ثم جزء من سوريا ، لم تكن لبنان عبر التاريخ دولة مستقلة لفترة طويلة ، ومع ذلك أشهد من خلال زياراتى المتكررة للبنان أنه يحمل شخصية خاصة ومتفردة ونكهة لاتجدها لا فى سوريا ولا الاردن ولاغيرهما من بلاد المشرق فالجبل ثم مايحيط به من سهول ساحلية جعل لها شخصية متميزة. وقد أحببت لبنان وتمنيت أن يبقى على حاله الذى كان ، خاصة وقد كان رئة لحرية العرب جميعا وحرية الفكر والنشر بسبب غياب طغيان الدولة المركزية ، وتحول التوازن الطائفى إلى نعمة من هذه الزاوية ، نعمة غياب الدولة المتسلطة التى تخنقنا من المحيط إلى الخليج .
قصة حياة رفيق الحريرى تكشف ارتباط أركان لبنان بأطراف خارجية حتى قبل ظهور الجمهورية الاسلامية فى ايران ، وكانت السنة السياسية الطائفية من نصيب السعودية ودول الخليج ، وارتبطت أطراف بسوريا لأسباب تجارية وايديولوجية وارتبطت أطراف بمصر أيام عبد الناصر كبعض الحركات الناصرية ، وارتبطت أطراف مباشرة بفرنسا التى يسمونها الأم الحنون ( بجد وليس على سبيل المزاح ) وعلى رأس هؤلاء الموارنة والذين يرتبطون أيضا بالفاتيكان . وهناك من ارتبط مباشرة بأمريكا عندما بدأت تدخل الشرق الاوسط ، وأطراف من الموارنة على رأس هؤلاء بل وأصبح لهم علاقات عضوية باسرائيل . الجديد كان ارتباط معظم الشيعة بايران بعد الثورة الايرانية ، ولكنه كان ارتباط على محور مقاومة اسرائيل والذى بدأ بمحاربة الاحتلال منذ 1982 حتى 2000 عام الانتصار ، عام إخراج اسرائيل بالقوة من لبنان بدون قيد أو شرط . رفيق الحريرى كان حزب السعودية فى لبنان حتى وصل إلى حد الحصول على الجنسية السعودية بجانب حصول ابنه سعد على الجنسيتين السعودية و الفرنسية وهى أمور لاتحدث إلا فى لبنان .
ولد رفيق الحريرى فى عام 1944 واغتيل فى 2005
اعتبر من كبار رجال الأعمال فى العالم ومن أغنى مائة ثرى على مستوى العالم ، فهل هذه كانت مجرد عبقرية أم إعداد لدور محدد من خلال الأموال السعودية . اشتهر بتقديم عشرات الآلاف من المنح الدراسة المجانية للمواطنين اللبنانيين وهذا ما أعطاه شعبية كبيرة فى أوساط السنة وإن كان يعطى أيضا نصيبا من هذه المنح لأفراد من الطوائف الأخرى وهذا ذكاء يحسب له وفهم للواقع الطائفى اللبنانى.
ولد فى صيدا وهى مدينة سنية بالجنوب لوالد مزارع لم يحصل الا على شهادة الثانوية . والتحق بجامعة بيروت العربية ودرس المحاسبة وكان فى ذلك الوقت عضوا نشيطا فى حركة القوميين العرب .( يتبع )
