الحلقة الخامسة فى دراسة حد الردة والحلقة 75 من دراسة المستطيل القرآنى لمجدى حسين – الصورة لمأمون الهضيبى
لقد ترك لنا الفقهاء المسلمون عبر القرون ثروة فكرية عظيمة فى مختلف فروع الحياة ، نحن لدينا كنز حقيقى ورثناه منهم بينما لم يرث الاوروبيون فى نفس العصر عن آبائهم وأجدادهم سوى الشعوذة والسحر ومحاكم التفتيش وحظر الاختلاف مع الكنيسة فى أى شىء حتى وإن كان كروية الأرض التى تم تحريم الحديث عنها و يث عنها وإلا تعرض قائلها للاعدام حتى وإن كان عالما كبيرا .بل كان المواطن المسيحى ممنوع من مجرد قراءة الانجيل لأن هذه مهمة القساوسة فحسب ، وكانت عقوبة اقتناء نسخة من الانجيل تصل إلى السجن أو الاعدام .فى دياجير الظلام هذه أو بألأحرى بالتوازى معها كان الشرق الاسلامى مضيئا بالعلم والفكر والمعرفة فى مختلف المجالات وهذا هو السبب الجوهرى فى النسبة الكبيرة من المصطلحات والألفاظ العربية فى مختلف اللغات الاوروبية ، لأن العربية كانت لغة العلم والتكنولوجية بأكثر مما تمثل الانجليزية الآن كلغة عالمية لأنها لغة العلوم الطبيعية والتكنولوجية فحسب ولكن اللغة العربية كانت لغة العلوم الاجتماعية والطبيعية على حد سواء فوق أنها لغة العقيدة الاسلامية ولغة القرآن الكريم . ولكن لاشك ان الانتاج الفقهى كان يتراجع فى الكم والنوع مع تراجع الحضارة الاسلامية عموما وهذا قانون الهى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )آل عمران 140 ولاشك أن الأحكام الفقهية فى العصور المتأخرة تحتاج إلى مراجعات أكثر ، كما أن الفقه عموما لايحمل قداسة القرآن والسنة ، حتى وإن كان فى الأساس يعتمد عليهما لأنه من قبيل الاجتهاد البشرى فى استنباط أحكام جديدة ، وهو الآمر الذى يحتمل الصواب والخطأ بلا جدال .ولكن لاتجوز أن تجرى هذه المراجعات إلا عبر العلماء والعارفين بالله والباحثين والمفكرين الاسلاميين المخلصين فى الدين ، ولا يجوز أن يقوم بها بعض المثقفين السطحيين الذين لم يدرسوا العلوم الشرعية بحد أدنى من الدراسة . فدروب الشرع ومجالات الفقه أصبحت علوما وليست مستباحة لأى جاهل . وكما لايتحدث فى الطب إلا الأطباء والباحثون فى معامل الصيدلة والطب فكيف يتحدث فى أمور الشرع من لايعرف شيئا عن علم الحديث أو التفسير أو يمتلك حدا أدنى من معرفة اللغة العربية الخ
كان لابد من هذه المقدمة حتى أتعرض بالنقد لبعض ما ورد فى كتب الفقه عن حد الردة . بل لابد من مقدمة أخرى عن كاتب هذه السطور ، فالسمعة الشائعة عن العبد الفقير فى الوسط الاسلامى انه مجرد صحفى أو سياسى .. ربما لابأس به ، ولكن ما دخل هذا الافندى فى الفقه وهو خريج مدارس الحكومة ثم كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . وقد شرحت من قبل مفهومى للفقه بالمعنى التقليدى ( أبواب كتب الفقه القديمة ) أو بالمعنى الأوسع والوارد فى القرآن بمعنى أن الفقه هو إعمال العقل . فإذا ارتبط ذلك بالأدلة الشرعية للقرآن والسنة أصبح فقها اسلاميا بدون شهادات من الأزهر أو غيره من المؤسسات العلمية الاسلامية مع كل الاحترام لها ، وأفضلية اللجوء إليها والتعلم منها. وقد ذهبت بنفسى لتدارك هذا الخطأ فى تكوينى التعليمى والتحقت بمعهد الدراسات الاسلامية بالمهندسين ونجحت فى الصف الاول ولكننى لم أكمل الصف الثانى والأخير لأننى اكتشفت أن كتاب د. رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنئذ عن الاشتراكية العربية هو المادة المقررة فى الاقتصاد الاسلامى ! فقررت أن أواصل تعلمى الشرعى فى منازلهم . وبالفعل فقد قرأت عشرات من كتب ومقررات كليات الأزهر فى مجالات تخصصى : السياسة – الاقتصاد – التاريخ – المجتمع – مقارنة المذاهب ودراسة المذاهب الهدامة وعلم الحديث وعلم الفقه والقانون .لمدة 40 عاما تقريبا كنت أقرأ وأبحث فى أمور الاسلام بشكل يومى على يد كتب كبار العلماء فى مصر وباقى البلاد العربية والاسلامية بخلاف حضور المؤتمرات والندوات والاجتماعات الاسلامية ومتابعة البرامج الاسلامية بالتلفاز والنت وما يذاع فيها من محاضرات ، وكنت أقوم بذلك بشكل منهجى ومنظم . كذلك فقد كنت تلميذا فى مدرسة أحمد حسين منذ الصبا حتى المرحلة الجامعية ، وبالاضافة للعلاقة اليومبة مع أحمد حسين فإن هذه المدرسة ( البيت ) كان يتردد عليها خلاصة العلماء والمفكرين الاسلاميين ( الشيخ محمد أبو زهرة – الشيخ الباقورى – الأستاذ أنور الجندى على سبيل المثال) .أحمد حسين نفسه لم يكن من خريجى الازهر ولكن الأزهر والمجلس الأعلى للشئون الاسلامية نشرا كل انتاجه بما فى ذلك تفسير القرآن وكتب فى السيرة النبوية . ومن الطرائف أن قادة ودعاة الحركة الاسلامية من الاخوان وغيرهم لم يعترفوا أبدا بأحمد حسين كمفكر اسلامى رغم انه لم يتعرض لهم بسوء ، وكان هذا دليل على حالة الانغلاق والقوقعة التى يعانى منها الاخوان وباقى التنظيمات الاسلامية . وكان بعضهم يقول صراحة عن تفسير أحمد حسين للقرآن وإن لم يهتموا بقراءته ودراسته إنه يكتب فى خارج ملعبه ، وكأن التفسير له أناس دون غيرهم . فكيف يعترفون بمثلى ككاتب أو مفكر اسلامى ؟ وأنا لا أريد شهادة من أحد إلا القبول الالهى ، ولكننى أحزن على أسلوب الانغلاق والاعجاب بالنفس وبالرموز الخاصة بتنظيم أنتمى إليه ومع ذلك فقد آليت على نفسى أن أتخصص فى الدراسات الاسلامية المتعلقة بالشئون السياسية الداخلية والعالمية والاقتصاد والشئون الاجتماعية فى قضاياها الكبرى ( المرأة – تحديد النسل – نمط الحياة والأخلاق فى الاسلام ). وفى النهاية فإن دراساتى الاسلامية تشهد لى أو على وهى قابلة للتقييم واكتشاف مدى علم كاتبها ، ولم يكن ليغضبنى أن أسمع أى انتقادات لها . ولكن كما أشرت من قبل فإن الحركة الاسلامية المعاصرة تتسم – من ضمن أخطاءها العديدة – بالتعالى الشدبد فكان لسان حال الجميع ومن هذا ” فلان ” حتى نقرأ كتبه فى الفقه إنه مجرد صحفى . الأستاذ مأمون الهضيبى المرشد العام للاخوان المسلمين – وهذا مثال واحد – فى لقاء له مع الأستاذ عادل حسين ، قال له على هامش اللقاء : أليس كثيرا أن يكتب مجدى حسين فى الفقه ؟! وكان يقصد دراستى ( فقه التغيير السياسى فى الاسلام) روى لى عادل ذلك على سبيل الطرفة دون أن يقول لى بماذا رد عليه؟ أو لعله تجاهل ملاحظته . وأنا لم أفاجأ بمثل هذا الموقف الذى يؤكد أنه أنه لم يقرأ الدراسة واستنكر مجرد أن يكتب أمثالى شيئا يسميه ” فى الفقه الاسلامى ” . كان ذلك فى عام 1993 وهى دراسة تنبأت على وجه الدقة وبناء على أسس علمية وفقهية بثورة سلمية فى مصرعلى النحو الذى حدث بالضبط فى 2011.
أنا أقوم بواجبى الاسلامى ولا ألتفت لمثل هذه المواقف ، والنية متجهة للدفاع عن الاسلام وتجلية مواقفه العظيمة والله أعلم بالنوايا .وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رب حامل فقه لمن هو أفقه منه ) . ولا أعتقد أن موقف الاسلاميين تغير بعد كل هذه السنين ، ولكننى أكتب لعامة الناس وللمؤمنين مدركا أن قلة هى من تأخذ حديثى مأخذ الجد ، وهذا هو المهم فالله يبارك فى القلة وماتعتقد إن كان صحيحا ، ولكن على المدى الطويل . لذلك أكتب فى هذا الموضوع الشائك ( الردة) متوكلا على الله والأجر على الله والغفران من الله من أى خطأ .
وقبل أن أخط ملاحظاتى اليوم تمكنت من الاطلاع على بعض فتاوى الشيخ يوسف القرضاوى الذى احترم آرآه فى الفقه وهو يعتبر أحد أساتذتى وألتقيت به عدة مرات وقرأت معظم ماكتب وإن اختلفت معه فى ألآونة الاخيرة فى السياسة والفقه أيضا والعلاقة بينهما وثيقة ، خلاصة ما قرأته أن الشيخ القرضاوى يرى أن حد الردة لايطبق على الأفراد إلا على المرتد الذى يجاهر بالعداء للاسلام والاساءة إليه ويتعاون مع جهات معادية أجنبية لمحاربة الاسلام وضرب مثلا بالمرتد سلمان رشدى ( الذى استباح دمه وأمر بقتله الامام آية الله الخمينى قائد الثورة الاسلامية ) وكنت قد أشرت لهذا المثال فى حديثى السابق . وقال:
( كما رجحنا أن المرتد العادي الذي لا يسعى لردة المجتمع وفتنته عن دينه، يكتفى بحبسه ومحاولة إقناعه، وإزالة اللبس والغبش عن فكرة، كما ثبت ذلك عن عمر، وكما هو راي إمامين كبيرين: إبراهيم النخعي وسفيان الثوري)
المرتد فى كتب الفقه
لن أقوم بمناقشة كل ما سوف أورده هنا بل سأقف عند نقطة جوهرية لأن البعض حول المرتد إلى شخص دائم فى المجتمع المسلم وبالتالى تضع الكتب الفقهية سلسلة من الأحكام المتعلقة به ، رغم أن الغالبية رأيها أن يقتل فورا أو بعد استتابة 3 أيام من المفترض أن يكون محتجزا خلالها فى السجن .ولكن بعض كتب الفقه حولت المرتد أو أعطت المرتد مركزا قانونيا خاصا وطفقت تحدد أحكاما خاصة به غير واردة فى القرآن والسنة وكأن المرتد أصبح أو سيصبح شخصا دائما فى المجتمع ، وكأنه لن يعدم أبدا، وهى حالة غير مفهومة فى ظل رأى غالب فى هذه الكتب ذاتها يؤكد ضرورة اعدامه الفورى.
ولكن لنبدأ أولا بتعريف المرتد
لاخلاف حول تحديد المرتد وهو الذى يرفض الالتزام بالاسلام بعد الايمان به ويرفض المعلوم من الدين بالضرورة .ولكن المرء يتوقف عند الرأى الذى يقول بردة تارك الصلاة كسلا أى بدون جحود ، وفقا لهذه الرؤية كان يمكن اعدام نصف الشعوب العربية فى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين أى قبل الصحوة الاسلامية . واعتبار تارك الصلاة كسلا مرتدا هذا فى مذهب أحمد ، وإسحاق وابن مبارك وعبد الملك بن حبيب من المالكية ، وأحد الوجهين فى مذهب الشافعية .
ردة الصبى
والعجيب إدخال الصبية فى حكم الردة ، ففى رواية عن أبى حنيفة يحكم بردة الصبى استحسانا ، وهو مذهب المالكية والمشهور عن أحمد وهؤلاء قالوا : لايقتل قبل بلوغه ولكنه فى هذه الحالة لن يكون صبيا !! ومعناه أن يبقى مرتدا عدة سنوات . والحديث الشريف قاطع ( رفع القلم عن ثلاث : الصبى حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ) صحيح
وهناك من يقول بضرورة استتابة الصبى حين يبلغ قبل قتله ، ولكنه هكذا لن يكون صبيا . أما الامام الشافعى فيرفض المسألة إطلاقا ( لايقتل ). وهذا الخلاف يجعل الأمر محيرا خاصة ونحن نتحدث عن الدم ..
ردة المجنون
وحتى ردة المجنون أثارت خلافا رغم الحديث المشار إليه فهناك رأى ( إذا كان يجن ساعة ويفيق أخرى فإن كانت ردته فى إفاقته وقعت عليه وإن كانت فى جنونه لاتقع) . ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى طبيب عالى الخبرة فى الأمراض النفسية والعصبية وهو أمر فيه شبهة كبيرة والقاعدة ( درء الحدود بالشبهات )كما أن الذى يفيق ساعة ويجن ساعة هو مواطن غير كامل الاهلية ولايصح توظيفه فى أى عمل . لماذا يتم إدخاله فى هذه المسألة الشائكة . أليس وضعه فى مستشفى للعلاج هو الأمر الأقرب للعدل والواقع .
ردة السكران
وحدث خلاف حول ردة السكران أيضا فالردة لاتقع عند الحنفية وقول عند الشافعية ورواية عن أحمد وابن تيمية وابن القيم .بينما تقع الردة فى مذهب الشافعية ورواية عن أحمد ( لأن عقل السكران لايزول كلية ) والمعروف ان هذه الحالة تختلف من شخص لآخر .
ردة الهازل
لاخلاف حول ردة الهازل أنها تقع لأنه فى كامل قواه العقلية ولا هزل فى الدين بنص القرآن ( التوبة 56 و66 )وقد أشرنا لهذه الآيات من قبل ولم يطبق رسول الله حد الردة فيها ولا فى غيرها ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ) والمقصود فى هاتين الآيتين العقاب فى الآخرة . نحن لاننكر أن الردة تقع لبعض الأفراد ولكننا نتحدث عن شروط تطبيق الحد عليه ( أى الاعدام ) وقد أشرنا لهذه الشروط .فليس كل مرتد يعدم بصورة تلقائية .ولا يعتبر حكم الردة نافذا لمجرد كلمة يقولها ، ولكن على الأقل لابد من مراجعة الشخص فيما قال بالنصح والارشاد وهو مايسمى الاستتابة . والحقيقة هذا يحدث فى الحياة اليومية بصورة طبيعية وحضارية ، فعندما يسمع شخص مؤمن وتقى شخصا آخر ( يسب الدين ) فإنه يتحدث معه عن خطورة ماقال وأن هذا يدفعه إلى الردة أو يجعله مرتدا بالفعل . وقد يقبل الشخص هذه النصيحة، وهذا مايؤدى إلى حصار هذه الممارسة المنحطة التى كانت تجرى فى الأسواق على نطاق واسع . بعض الاسلاميين يطلبون من الشخص الذى سب الدين أن يغتسل لأنه ارتد بالفعل وليعود إلى الاسلام .ولا بأس ، ولكن الأهم أن يتوقف الساب عن السب خاصة عندما تحولت إلى عادة بين السوقة لايدركون خطرها .
كتب الفقه تثبت رأى عمر بن الخطاب الذى ذكرناه من قبل وتثبت رأى النخعى المتفق مع رأى عمر وهو أن المرتد يستتاب أبدا . وتثبت كتب الفقه فكرة ان الامام يرى المصلحة فى الاستتابة ومدتها .. ومع ذلك فإنها تثبت الرأى القائل بأن الاستتابة لا تزيد عن 3 أيام .ورأى آخر ان الاستتابة مستحبة ولكن غير واجبة ، أى يمكن قتل المرتد فورا . وهذا رأى غير مفهوم فقد كان أبوبكر يعطى فرصة من الوقت للمرتدين كى يتراجعوا عن ردتهم . وحدث أن تراجع العديد من المرتدين وأعلنوا توبتهم دون أن يكونوا قيد الاحتجاز وإن كانوا معرضين لخطر الحرب ومن ثم القتل .
والآن ننتقل إلى لائحة العقوبات التى تفرض على المرتد فى شتى المعاملات اليومية ، وكأنه كما ذكرنا سيتحول إلى شخص طبيعى يتحرك فى المجتمع بصورة طبيعية تحت عنوان ” المواطن المرتد ” وتطبق عليه أحكام خاصة وكأننا نريد أن نحول الردة إلى ظاهرة طبيعية وعادية والمرتد إلى صنف من صنوف أفراد المجتمع المسلم !
