الحلقة 76 من دراسة المستطيل القرآنى والسادسة فى دراسة حد الردة
-بقلم مجدى حسين-
كتب الفقه تضع بابا لمعاقبة ” المرتد ” على أى جرائم أخرى يرتكبها غير الردة ، وكأن المرتد سيحدد أنه مرتد ثم يترك حرا طليقا فى المجتمع يقتل ويسرق ويتزوج ويطلق الخ مع أن الرأى الغالب هو إعدام المرتد أو استتابته 3 أيام قبل إعدامه من المفترض أن يكون خلالها فى السجن حتى يعدم ! أى أنهم خلقوا مركزا قانونيا جديدا فى الفقه الجنائى والمدنى وبالتالى يفترضون عقوبات فى القصاص وغير ذلك ، جديدة غير تلك المستقرة فى القرآن والسنة باعتبار ان تلك تخص المسلمين أما المرتد فهو شخصية جديدة لها وضع خاص ، علما بأن ذلك المفهوم لا وجود له فى القرآن والسنة ( الوضع القانونى للمرتد )
أولا : فيما يتعلق بالمرأة تؤكد كتب الفقه أن المرتدات لايقتلن استنادا إلى أن أبا بكر الصديق لم يقتل النساء المرتدات ولكن تم استرقاقهن .وهناك رأى ابن عباس الذى ذكرناه من قبل بعدم قتل المرتدة وغير ذلك من الأدلة . ولا غبار حول هذه المسألة
فهى مسألة ثابتة وتستبعد الاعدام وتطرح وضعا للمرتدة فى المجتمع ، مع ملاحظة أن الاسترقاق فى عهد أبى بكر كان مرتبطا بالحروب ، فهل يتم ذلك على المرتدة المفردة التى لم ترتبط بردة مسلحة ؟!لا أعتقد . وعلى أى حال يكفينا الآن عدم قتل المرتدة وهناك اجماع على ذلك وهو دليل على إمكانية التخصيص من العام فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من بدل دينه فاقتلوه ).
ثانيا : جنايات المرتد
تتحدث كتب الفقه عن جنايات المرتد وتحدد له أحكاما خاصة وكأن المرتد سيظل يعيش ويمارس حياته فى المجتمع فتقول بالتالى :
- اذا قتل المرتد مسلما عمدا فعليه القصاص اتفاقا . ولاندرى متى وكيف سيقتل المرتد مسلما والمفترض أنه فى السجن حتى الاستتابة والاعدام . ونحن نتحدث هنا عن الردة الفردية وليس عن حركة ردة شاملة لقلب نظام الحكم كما هى الحالة فى عهد الصديق .
- وتتابع كتب الفقه ( أما اذا قتل المرتد ذميا أو مستأمنا عمدا فيقتل به عند الحنفية والحنابلة وهو أظهر قولى الشافعى لأنه أسوأ حالا من الذمى ، اذ المرتد مهدر الدم ولا تحل ذبيحته ولا مناكحته ولا يقر بالجزية . أما عند المالكية فلا يقتل وهو القول الآخر للشافعى لبقاء علقة الاسلام لأنه لا يقر على ردته .
- واذا قتل المرتد حرا مسلما أو ذميا خطأ وجبت الدية فى ماله ولا تكون على عاقلته عند الحنفية والشافعية والحنابلة . فالدية يشترط لها عصمة الدم لا الاسلام عندهم لأنه قد حل دمه وصار بمنزلة أهل الحرب . بينما قال المالكية بأن الضمان على بيت المال لأن بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممن جنى فكما يأخذ ماله يغرم عنه .وتقول المالكية ( لايقتل المرتد بالذمى وإنما عليه الدية فى ماله لزيادته على الذمى بالاسلام الحكمى ). ويقول ابن قدامة: يقتل المرتد بالمسلم والذمى . ويقول بعض أصحاب الشافعى ( لايقتل المرتد بالذمى لأن أحكام الاسلام فى حقه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالاسلام ).
- زنا المرتد
- اذا زنا المرتد وجب عليه الحد ، فإن لم يكن محصنا جلد . هل يزول الاحصان بالردة ؟ يوجد خلاف . يبطل إحصانه أو لايبطل لأن الاسلام ليس من شروط الاحصان .
- قذف المرتد غيره
- وجب عليه الحد بلا خلاف .
- اتلاف المرتد المال
- هو ضامن بلا خلاف لأن الردة لاتمنح صاحبها حق الاعتداء ( ولكن ألم تصادر أموال المرتد) ؟! م.ا. ح
- السرقة وقطع الطريق
- هو كغيره
- مسئولية المرتد عن الجنايات قبل الردة
- سأعفى القارىء من هذه النقطة . فالمرتد سيعدم وستصادر كل أمواله فما معنى البحث فى جنايات ارتكبها قبل الردة. طبعا مثل هذا موجود فى القانون الوضعى اذ يحصل المتهم على حكم نهائى بالاعدام ولا ينفذ قبل استكمال محاكمته فى جرائم أخرى . وهذا الأمر لايشغلنا فى هذا البحث . ولكن أوضح إلى أى مدى يذهب الفقه فى التفاصيل والافتراضات وهذا يحسب له .
- الجناية على المرتد
- ولكن ماذا لو تعرض المرتد إلى جناية وأصبح هو المجنى عليه ؟! من قتل المرتد يعزر لأن هذه مسئولية الامام .أما اذا قتل ذمى فالجمهور مع عدم الاقتصاص من الذمى بينما يرى الشافعية الاقتصاص من الذمى.
- من لديه صبر فليواصل معنا :
- أموال المرتد وتصرفاته
- المرتد لايزول عن ماله بمجرد ردته وإنما هو موقوف على مآله ، فإن مات أو قتل على الردة زال ملكه وصار فيئا وإن عاد الى الاسلام عاد إليه ماله . وبناء على ذلك يحجر عليه ويمنع من التصرف حتى يعرف موقفه ( وهنا توجد تفاصيل كثيرة وخلافات لاداعى لذكرها ). وقد أجمع فقهاء الحنفية على أن استيلاد المرتد وطلاقه وتسليمه الشفعة صحيح ونافذ لأن الردة لاتؤثر على ذلك . وهناك رأى آخر يحكم بزوال الملك عن المرتد بردته ، وعند الحنفية لايزول ملك المرتدة .
- أثر الردة على الزواج
- ( لاحظ ان هذا المرتد حر طليق ويمكن أن يفكر فى الزواج ويتزوج ) الردة تسقط الزواج بالاتفاق . ولكن الشافعية ترى ان الفرقة لاتقع حتى تمضى عدة الزوجة . ولايجوز للمرتد أن يتزوج بعد الردة ( بالاتفاق ) بل لايجوز له أن يتزوج مسلمة ولا كافرة ولا مرتدة ( لا أدرى كيف سيعيش هذا المرتد ولماذا لم يعدم حتى الآن ؟!).
- مصير أولاد المرتد
- الولد الذى حمل به خلال الردة يكون مسلما ، ولكن اذا كان الولد من اثنين بعد الارتداد فهو مرتد مثلهم ويستتاب اذا بلغ . وفى رواية للحنابلة وقول للشافعية أنه يقر على دينه بالجزية كالكافر الأصلى .
- إرث المرتد
- جميع ماله فىء لبيت المال ، ولكن يقول أبو يوسف إن ماله بورثته من المسلمين . وفى رأى أبى حنيفة فما كسبه فى الاسلام فهو له وورثته وما كسبه فى الردة لبيت المال . (( لاحظ أن المرتد يستثمر ويكسب مالا ) والمرتد لايرث ولاتقبل له وصية .
- تأثير الردة على الوضوء
- أنا أقدر فى الفقه تتبع التفاصيل وسد كل الثغرات المحتملة فى المسألة ، وكتب الفقه أشبه بكتب فقه القانون المعاصر الذى يتناول كل التفاصيل القائمة والمحتملة . وهذا ليس عيبا فهذه الكتب للمتخصصين والقضاة ، وبالتالى لايجوز التبرم من التفاصيل . ولكن فى هذه النقطة مثالا على مايصاب به الفقهاء من تناول توافه الأمور ، فكيف نبحث عن نقض الوضوء مع كافر أو مرتد؟! ذهب المالكية والحنفية إلى أن الوضوء ينتقض بالردة ! ولم يذكر الحنفية ولا الشافعية الردة من بين نواقض الوضوء!! ( هكذا ورد فى كتب الفقه فى هذه النقطة ).
- ذبائح المرتد
- المرتد إذا سيعيش بيننا ويعقد الولائم . المهم : لايجوز أكل ذبيحته . وهناك رأى أنه اذا تحول إلى أهل الكتاب يجوز أكلها . ولن أقول أى رأى فى هذه المسألة ، كما أننى لن أناقش أى شىء فيما سبق لأن الأمر يتعلق بالرؤية الشاملة لموضوع الردة الفردية . (على سبيل المثال راجع : صحيح فقه السنة – أبو مالك كمال بن السيد سليم – الجزء الرابع – دار التوفيقية للتراث – القاهرة – 2010 )
- خلاصة بحثنا ان الردة الفردية نوعان : ردة غير معلنة لشخص غير محارب للاسلام وهذا يتم التغاضى عنه بمنتهى البقظة والادراك لحالته كمنافق ، كما كان حال المنافقين فى المدينة . أو ردة تأخذ شكلا عدوانيا ضد الاسلام وقد تأخذ شكل التعاون مع أعداء الخارج وهذا يستحق المواجهة والتحقيق والاستتابة أو الاعدام وفقا لتقدير كل حالة على حدة وبالأخص فى مدة الاستتابة المتروكة لتقدير الامام ( أى سلطة الدولة المسلمة ) وعقوبة الاعدام هنا ليست اجتهادية ولكن قد تؤخذ من حد الحرابة ( الذين يحاربون الله ورسوله ) والتى يضيق بها البعض فيجعلها للصوص قاطعى الطريق من أجل المال فحسب .ولا توجد مشكلة فى هذه الحالة من استخدام تعبير ( حد الردة ) فلسنا فى خلاف حول المصطلح ( لامشاحة فى المصطلح ) ولكن حول المضمون .. ولكننا نشير إلى أن مصطلح الحدود دائما مايرتبط بالحدود الواردة فى القرآن الكريم .والمؤكدة بالسنة النبوية العملية الصحيحة . ولم يرد هذا النص ( حد الردة ) فى القرآن أو السنة . وفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانى فى هذه المسألة يقول بقتل (المبدل لدينه المفارق للجماعة ). وكماقلنا من قبل انه صحيح وفى البخارى وهو يوضح ويفسر الحديث الأول ( من بدل دينه فاقتلوه ) . والمفارق للجماعة هنا تشير بوضوح إلى محاربة جماعة المسلمين والقيام بأعمال تتسم بالعدوانية والايذاء للاسلام وأهله. فاذا تصورنا نظريا مواطنا مسلما أصابه الشك فى العقيدة ، وهذا الأمر يؤرقه ويشغله على المستوى الشخصى فاذا بقى منطويا على نفسه ؟ ولم يهتم باعلان موقفه ففى هذه الحالة لن يتعرض له أحد .. والنظام الاسلامى ليس نظاما بوليسيا أى لايفتش فى الضمائرولا يتجسس على البيوت والجلسات الخاصة والحياة الخاصة ( ولا تجسسوا ) الحجرات – 12
- لقد طبق حد الزنا بالرجم على من جاء ( أو من جاءت ) معترفا بالزنا ولم يطبق حد الزنا على أساس جمع أربع شهادات فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن وجدت حالات بذلك فى التاريخ الاسلامى فهذا صعب وهذا مقصود فى تقديرى لأنه لايغيب عن علم الله العزيزأنه شرط صعب ( 4 شهود ). فالاسلام يعلم المسلم أن يرتقى بضميره وأن تكون خشيته من الآخرة هى الدافع وراء اعترافه بالجريمة ، حتى يذهب المذنب للآخرة مبرأ من وزر الجريمة التى اعترف بها ,هذا ماقلته فى حوار مع مفكر يسارى عندما قال لى : إن شرط الأربعة شهود يرقى إلى مستوى المستحيل . فقلت له : هذا مقصود بطبيعة الحال، حتى لاتشيع الفاحشة بين المؤمنين ، وللاعتماد الاساسى على تقوى وورع المؤمنين . ومن أجل شحذ هذا المنظور الايمانى ( من خلال الاعتراف ).سنجد نفس المنهج فى مسألة شهادة الزوج بالزنا ضد زوجته وأنها تساوى أربع شهادات ولكن لابد أن يشهد شهادة خامسة ( أن لعنت الله عليه ان كان من الكاذبين ) النور 7 وفى المقابل ( ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) النور 8 -9 فالمسألة مسألة ضمير بالنسبة للزوج أو الزوجة ومسألة خوف من الله ، وهكذايعلمنا الاسلام ويخيفنا من القسم المزور بالله . وأيضا فى مسألة التقية مع الكافرين واضطرار المؤمن لمجاراتهم درءا للعذاب ، فهذه التقية لايجوز أن تتجاوز اللسان ، إلى مساندة الكافرين بالقلب أو اليد ، وهنا يحذر الله المؤمنين من تجاوزحد التقية فى حدود الخلاص من العذاب إلى ماهو أكثر من ذلك قائلا : ( ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ، قل إن تخفوامافى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ) آل عمران 28-29
- كذلك فى جمع الزكاة فانها تعتمد على صدق ما يقر به دافع الزكاة وليس عبر التفتيش فى مخازنه ومزارعه ودفاتره ، إلا عندما تثبت الأيام من الظاهر أنه يتلاعب أو يتهرب ، وفى هذه الحالة يمكن مصادرة شطر ماله فى بعض الآراء كعقوبة . ولكن الآساس أن يشعردافع الزكاة أنه يمارس عبادة لله سبحانه وتعالى أحد شعائر الايمان وأركان الدين ، فمن يخدع ؟هل يخدع الله سبحانه وتعالى وهو خادعه ، فلن تقبل زكاته أبدا عند الله .
