الحلقة 77 من دراسةالمستطيل القرآنى و7 من دراسة حد الردة
نكتفى بهذا القدر من المجال النظرى والفقهى . ولكن لدى بعض الأمثلة من واقعنا الاسلامى المعاصر فى التسعينيات من القرن الماضى ، والمقصود بالتوقف عندها توضيح كيف تمت اساءة استخدام حد الردة فى شغل المؤمنين وسائر أبناء الشعب عن الخطر الرئيس المحدق بالوطن والاسلام والمسلمين ، بالدخول فى معارك جانبية لافائدة منها بل مضارها أكثر من فوائدها إن وجدت .الحركة الاسلامية المصرية تحتاج إلى لمراجعة النفس فى أمور كثيرة إذا أرادت أن يستقيم أمرها وحتى لاتكون إلى زوال نهائى لحساب جيل جديد اسلامى وهذا مانرجوه ونتوقعه بإذن الله . وقد لاتكون إساءة استخدام حد الردة أخطر هذه الأمور ولكنه هو الموضوع الذى بين أيدينا الآن وكان ذلك بمناسبة تناول حركة الردة فى عهد الصديق ( تم تأخير هذا الجزء التاريخى حتى استكمال مسألة حد الردة فى الحالة الفردية ) وكنا قد وصلنا فى الدراسة حول المستطيل القرآنى حتى عهد أبى بكر ونحن ندرس محور تاريخ الجزيرة العربية . ومع ذلك سنجد أن اساءة استخدام حد الردة متشابك مع أمور أخرى أخطر بكثير . والحقيقة سأقف عند مثالين أو معركتين . أولا معركة نصر حامد أبو زيد كمثال لسوء اختيار الاسلاميين للمعارك التى لاتقدمنا إلى الأمام بل تدخل المجتمع فى معارك جانبية .ثانيا : معركة قصة أولاد حارتنا لنجيب محفوظ حيث لعب العلمانيون الدور الأسوأ فى إثارتها . وإن لم يخلو الأمر من بعض أخطاء الشباب المسلم وكانت خطيرة .
فى المعركة الآولى قام الاسلاميون بدور البطل بالمعنى السلبى للبطولة لأنها كانت معركة مفتعلة، سعت لفصل أبو زيد عن زوجته باستصدار قرار من المحكمة يؤكد انه كافر وبذلك يسهل فصله من الجامعة ! وفى المعركة الثانية لعب العلمانيون دور البطل أيضا بالمعنى السلبى لأنها كانت معركة مفتعلة أى على الجبهة الغلط . والمعركتان مجرد مثالين من ضمن معارك أخرى عديدة فى أواخر القرن العشرين بين الاسلاميين والعلمانيين والتى أدخلت المجتمع فى نفق مظلم وشتتت جهوده وتطلعاته نحو المستقبل . معارك جانبية كان الأسعد بها والمستفيد الأكبر منها نظام مبارك . وكان الوطن هو الخاسر الأكبر لأن هذه المعارك أبعدت النخبة وعامة الناس عن التركيز على العدو الرئيسى ، الحلف اليهودى الصليبى ( الصهيونى الامريكى ) وهو الخطر الرئيسى على الوطن والاسلام والعروبة وكل القيم الجميلة التى يؤمن بها شرفاء الوطن.. الاستقلال .. العزة .. العلم والتقدم التكنولوجى ..والارتقاء بالثقافة والتعليم والبحث العلمى .. الحفاظ على لغة الأمة العربية .وتعميق ارتباط مصر بالبلاد العربية فمصر هى البلد العربى الوحيد تقريبا الذى كل جيرانه عرب ! وهناك بلاد أخرى قليلة مثل مصر ( لبنان المحاطة بسوريا وفلسطين ) واليمن المحاطة بجزيرة العرب وإن كانت أثيوبيا جارتها عبر البحر الضيق ، والامارات الخليجية وهى دويلات حديثة جدا . ومع ملاحظة أن لبنان كانت غالبا جزءا من سوريا وكذلك الاردن . مصر واليمن على سبيل الحصرهما البلدان الأصيلان العريقان المحاطان بالعرب من كل جوانب الحدود . ومع ذلك وجد بين العلمانيين والاسلاميين على حد سواء من يعادى العروبة أو على الأقل لايضعها فى الاعتبار فى اطار الاولوية المصرية القصوى . وهذا مثال على إنقسام الاسلاميين والعلمانيين فى مصر فى إطار البحث عن كل نقاط الخلاف واستبعاد البحث عن نقاط التلاقى كالعروبة .
معركة نصر حامد أبو زيد
من المؤكد أن اسلاميين كثر سيستغربون منى أن أقوم بإحياء هذه القضية التى ربما تصوروا أنهم انتصروا فيها ، أو يستنكرون أننى أحيى قضية انتهت منذ زمن ، واننى بذلك أعطى وزنا كبيرا وشهرة لرمز كافر بعد أن مات بالمعنى الحرفى والمعنوى فقد توفاه الله منذ سنوات بفيروس غامض وهو فى هولندا ، كما أن أفكاره وكتبه لم تعد مطروحة وقد نسى أمره ، فلماذا إحياء ذكراه ؟! والواقع اننى لا أخشى من أفكار نصر حامد أبو زيد ولا أخشى من إعطائه شهرة بعد أن تم نسيانه ،ولايهمنى أمره الا على سبيل المثال المهم وكدرس للمستقبل .
فى إطار الصحوة الاسلامية التى بدأ يشتد عودها منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين خاصة بعد نجاح الثورة الايرانية فى 1979 . كان المجتمع المصرى يعج بالاسلاميين المستقلين . وأتحدث عن مصر كنموذج وكبلد أعيش فيه وأعايش ظروفه جيدا كمصرى مهموم بأمور مصر . ولكن كثيرا مما أكتبه عن مصر فى هذا الموضوع وغيره ينطبق على البلاد العربية ولكن من الدقة العلمية أن أركز على مصر نظرا لوجود اختلافات وتمايزات عدة بين كل بلد وآخر مما يجعل التعميم البسيط مخلا وقد يفسد شرح القضية . كثير من الاسلاميين المستقلين يغلب عليهم طابع رفض المغامرة أو المخاطرة وهذه من أهم أسباب عدم انضمامهم لأحزاب اسلامية ، فهم يريدون أن يخدموا الاسلام دون أن يتعرضوا لأى مخاطر تذكر ، يريدون أن يخدموا الاسلام دون المرور عبر السجون وأقسام الشرطة وما أكثر أو أقل من ذلك من مخاطر ، فتراهم منشغلين بالهجوم على الشخصيات العلمانية المثقفة ، على اعتبار أن هذا نوع من الجهاد الآمن فى سبيل الله . فهم يخوضون نضالا ضاريا ضد نصر حامد أبو زيد أو نوال السعداوى أو عبد المعطى حجازى دفاعا عن الاسلام شاحذين كل أسلحتهم الكلامية والبلاغية ، ثم تطور الأمر لمن لايجيد كتابة المقالات إلى رفع قضايا حسبة على هؤلاء فى المحاكم . فأصبحت لدينا جبهة قانونية قضائية بالاضافة لجبهة الصحافة والاعلام وكل أشكال المطبوعات كالكتب . ولكن لا شك أن الحركات الاسلامية وإن لم تكن وراء هذه المعارك بشكل مباشر فإنها تؤيدها وتتعاطف معها وتشجع القائمين عليها فى اطار التضامن الاسلامى ضد تحالف الكفر والكفار . وحتى نحن فى حزب العمل وإن لم نناقش هذه المعارك أبدا فى اجتماعاتنا الرسمية ولم نحدد موقف منها ‘ إلا أن عواطفنا كانت بلا شك مع الجبهة الاسلامية فى مجال القضاء . وكنت كرئيس تحرير لجريدة الشعب لا أعطى أى أولوية فى النشر لهذه القضايا . ولكننى لا شك كنت متعاطفا وقد كان من الواجب مهاجمة هذا النهج وليس الصمت أو التعاطف الصامت .. كانت هذه الحملات تضر بما كنا نقوم به من حملات لنصرة العرب والمسلمين ضد العدوان الصليبى – اليهودى المستمر على فلسطين والعراق وأيضا بما كنا مشغولين به فى معركة توحيد اليمن 1994 ومناصرة المقاومة الفلسطينية واللبنانبة ( عمليات حماس وحتى عدوان 2006 على لبنان ) ومقاومة حالة الهيمنة الامريكية الاسرائيلية على بلاد العرب والمسلمين . بطبيعة الحال لست ضد بل مع – وبكل إصرار – الرد على أى أباطيل أو طعن أو أطروحات زائفة ضد الاسلام من أى طرف كان . ولكن مع التعامل مع كل تعد بحجمه ووزنه الحقيقى وتأثيره وعدم الخلط بين الاولويات وإعطاء الاهتمام الأكبر للخطر الأشد .وهذا ينعكس على لغة التخاطب وممارسة الخلاف والحدة فى التعامل . فمع الاسرائيلين الذين يصفون العرب بأنهم صراصير ، ويمارسون التعامل معهم على أساس هذا الوصف تكون لغة التخاطب بما يستحقون دون الانزلاق حتى مع هؤلاء إلى مهاوى البذاءات لأن المسلم ستظل له أخلاقياته .وأشير هنا بإعجاب لأسلوب خطاب حماس والجهاد وباقى قادة المقاومة الفلسطينية ، وكذلك خطاب حزب الله اللبنانى ضد الاسرائيليين ، حيث يستخدمون لغة منضبطة ، وهم يثخنون فى العدو بالسلاح فلا يحتاجون إلى سلاطة اللسان .
وبالتأكيد فإن لغة الخطاب مع المثقفين المسلمين الذبن ابتعدوا عن الاسلام ويعانون بالفعل من انيميا حادة فى فهم الاسلام ورؤيته ، وهذه مسئولية الاعلام والتعليم والمنظومة الثقافية العامة فى المجتمع التى نشأ فيها هؤلاء ، فلابد من الحديث معهم هونا ما لتوضيح الحقائق لا لتعبئة الشتائم والادانات ، وطبعا هذا النوع المتعقل من المقالات موجود من قبل بعض الاسلاميين ولا ننكره ولكنه ليس هو الغالب .
وهذا ينقلنا لنقطة مهمة جدا وهى ( التكفير ) . ألم أقل لكم ان موضوع ( حد الردة ) وحتى هذا الموضوع الفرعى القديم ( أبو زيد ) سيفتح موضوعات أخطر وأكثر أهمية .
