الحلقة 78 من المستطيل و 8 من الردة
حد الردة مرتبط بالتوسع فى ظاهرة التكفير
جهل المثقفين بالاسلام هو أساس عدائهم له
)الانسان عدو ما يجهل حكمة صحيحة إلى حد بعيد . يجب أن ندرك ابتداء فى موضوع توجه المثقفين للعلمانية وللفكر الغربى انه يرجع فى أحد أسبابه لحالة الجهل والجهالة بالاسلام والثقافةالاسلامية . فمثلا فى عصر عرابى ( أواخر القرن التاسع عشر ) ومابعده ما كان يمكن أن تنشأ نخبة علمانية لأن التعليم كان يتراوح بين الكتاتيب وهى أشبه بالمدارس الابتدائية والاعدادية اليوم ثم التعليم بالأزهر . كان التعليم كله اسلاميا . ولكن بعد الاحتلال البريطانى تمت السيطرة على التعليم واكتسب طابعه العلمانى ( التعليم الحكومى العام ) وظلت جرعة الثقافة الاسلامية فى تراجع مستمر حتى جاء زمن كان المشرف على التعليم القس دانلوب الانجليزى . وترافق مع ذلك موجة الاعجاب بالغرب على قاعدة أن المهزوم ينبهر بثقافة المنتصر .، والمتخلف علميا واقتصاديا وتكنولوجيا يتبع المتقدم . وأصبح الحصول على شهادات من جامعات غربية ثم على رسائل دكتوراه هى السقف التعليمى ، وأن أفضل أساتذة بالجامعات هم العائدون من فرنسا وانجلترا ثم من أمريكا وكندا وهم الذين يتولون إدارة التعليم ووضع المناهج التى كادت أن تكون مجرد ترجمة حتى فى العلوم الاجتماعية : السياسة والاقتصاد والآداب والحقوق والتجارة الخ لذلك فإن أجيالا بأكملها خرجت إلى الدنيا وتولت مقاليد الأمور فى المجتمع دون أن تمتلك ثقافة اسلامية بل تمتلك ثقافة بمناهج متعارضة معها . لاشك انه كانت هناك تعاليم اسلامية فى الأسرة والمسجد فى صلاة الجمعة ولكن حتى أربابالأسر أصابهم الاضمحلال ، وخطباء المساجد أصابتهم التبعية لتوجيهات الحكومة والتراجع المستمر فى عمق الثقافة الاسلامية . ولكن بعد الصحوة الاسلامية ‘ فإن البيوت والمساجد أصبحت مراكز أكثر معرفة بالاسلام وأثرت على قطاعات من المتعلمين .وحتى فى الغرب فإن انتشار الجاليات الاسلامية والمساجد ساهم فى توليد المزيد من قطاعات المتعلمين الأكثر ادراكا بالاسلام . ولكن الصحوة الاسلامية لم تتول السلطة ولم تقض على المراكز الأصلية للثقافة العلمانية فى جامعات الغرب وجامعاتنا المتأثرة بها ولا على مناهج التعليم الحكومى العام والأجنبى ولا على وسائل الاعلام والثقافة ودور النشر والانتاج الفكرى والأدبى لأجيال مضت أو تكونت فى مرحلة سابقة .
فى كتابى ( الجهاد صناعة الأمة ) تعرضت لهذه المسألة فى معرض رفض ( منهج التكفير ) ومصطلح التكفير لم يرد فى القرآن والسنة . الاسلام هو نور يواجه الظلام ، ودور الاسلاميين أن ينشروا الضوء ويوسعوا نطاقه لمحاصرة الظلام ، وليس مجرد لعن الظلام ، فلعن الظلام لن يؤدى إلى انحساره .
النقطة الأخرى اننا كمؤمنين معرضين جميعا للشرك بل نحن فى حرب يومية متصلة معه . وهذا يعنى أننا جميعا نتعرض للشرك ونقع فيه ثم نصده لنعود إلى الصراط المستقيم الذى نسأله من الله 17 مرة فى اليوم فى الركعات المفروضة ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) حديث . وكل خطأ هو نوع من الشرك فى أغلب الأحيان ولذلك حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ( الشرك أقرب إلى المؤمن من شراك نعله ). وفى حديث آخر ( لايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولايزن الزان حين يزنى وهو مؤمن . وفى خطاب القرآن تحذير دائم للمؤمنين من خيانة الله ورسوله ( يأيها الذين آمنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون )الأنفال – 27 ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق ) الحديد 16
ولطالما حذر القرآن محمدا صلى الله عليه وسلم من الكفر والشرك وهو حديث موجه لأمة الاسلام من خلال سيدنا محمد المنزه بطبيعته عن ذلك .( فلاتكونن ظهيرا للكافرين ولايصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ) القصص 86 – 87
باختصار نحن فى معركة يومية متصلة مع الشيطان ، وبقدر ما نملك من تقوى وإيمان نتغلب عليه ، ولكنه يتغلب علينا أحيانا .وهذا هو الميزان يوم القيامة ، المعادلة بين الحسنات والسيئات ، وماهى الكفة التى سترجح على الأخرى .
أمريكا هى التى تعطل الشريعة
لابد أن ندرك دائما من هو العدو الرئيسى الذى يهدد الاسلام والمسلمين وعلى هذا الأساس نشحذ هممنا ونسن أسلحتنا المعنوية والمادية . المثقفون العلمانيون ليسوا هم الذين يوقفون المراكب السايرة وليسوا هم المعرقلون الأساسيون لحكم الاسلام . السلطة السياسية التى ترفض الاحتكام للاسلام فى قراراتها السياسية والاقتصادية هى المعوق الرئيسى للحركة الاسلامية ، بل أكثر من ذلك فإن السلطة العالمية العليا التى تتبعها السلطة هى المعوق الرئيسى ، وهى طاغوت العصر أو الشيطان الأكبر، وهو فى حالتنا الآن الولايات المتحدة الامريكية والحركة اليهودية العالمية المتحالفة معها . وأضرب لكم مثالين من الواقع السياسى القريب ، ولكنهما مثالان لسياسة لاتزال مستمرة حتى الآن .فالولايات المتحدة منذ الصحوة الاسلامية وهى تخشى الاسلام كمنافس حقيقى وخطير خاصة على المدى الطويل . صمويل هنتنجتون صاحب كتاب صراع الحضارات والذى شخص الحالة العالمية بأنها صراع بين حضارة الغرب والحضارة الاسلامية ، ليس مجرد كاتب فقد كان مستشارا للادارة الامريكية وعاملا فى أجهزتها الأمنية المخابراتية . والمخابرات فى البلاد الكبرى يكون لها دور أساسى فى التحليل الفكرى والنظرى واستحداث النظريات والرؤى ولاتقوم بجمع المعلومات فحسب أو القيام بأعمال جيمس بوند ( وهذا دور قسم العمليات القذرة ) وأيضا المفكر المشهور ” برنارد لويس ” وهو يهودى انجليزى أمريكى ومستشار للادارة الامريكية والكونجرس وكل أجهزة الأمن القومى .وهذه مجرد أمثلة وهناك هنرى كيسنجر اليهودى ، وكثير من هذه الأسماء تعمل فى اطار مؤسسى مخابراتى . والرؤية الامريكية ترى فى الاسلام خطرا رئيسيا حتى أكثر من روسيا والصين وإن كانتا فى الأمد القصير هما الخطر العسكرى الأكبر والخطر الاقتصادى ( خاصة الصين ) لأن الاسلام كما أوضحنا مرارا لديه
أولا : رؤية للعالم ، نظرية متكاملة بديلة لنظريات الغرب أما الشيوعية فقد انتهت ولا يوجد لدى روسيا رؤية منافسة الآن الا فى مجال المصالح القومية . والصين تخلت عمليا عن الشيوعية ، والكونفشيوسية لامجال أمامها لتقدم رؤية شاملة للعالم يمكن تصديرها للشعوب .
ثانيا : العالم الاسلامى ينطوى على أهم وأخطر الثروات وعلى رأسها البترول . ثالثا : الموقع الاستراتيجى لقلب العالم الاسلامى فى الشرق الاوسط ( المستطيل القرآنى ) لابد من السيطرة عليه من أجل السيطرة على العالم . رابعا : القدس فى قلب المستطيل يعطيه أهمية روحية معنوية ، والقدس بالنسبة للتحالف اليهودى المسيحى لها مكانة معنوية عليا ورمزية لا مجال للاستغناء عنها باعتبارها العاصمة الروحسة لما يسمونه ( الحضارة اليهودية – المسيحية ). وجود اسرائيل يعطى أهمية كبرى للشرق الاوسط وهى الحليف الاسترتيجى لأمريكا بل والحليف العضوى فى خطة السيطرة على المنطقة والعالم .
ويضاف إلى كل ذلك خاصية انتشار الاسلام وهذا مرتبط بالعنصر الاول : امتلاك الاسلام لرؤية متكاملة وبديلة للعالم فى مواجهة الرؤية الغربية. هم يرون ان الاسلام ينمو “كالسرطان” فى أحشائهم ، وعدد المسلمين فى أمريكا لايخيفهم حتى الآن . ولكن بلاد أوروبا بدأت ترتعب ، فقد أصبح عدد المسلمين بنسبة مقدرة فى بعض البلدان تقترب من 20 % فى فرنسا مثلا . وهم أى الأمريكان يدركون ان البلاد الاسلامية لن تحتاج لفترة طويلة كى تهدد الغرب بالقوة المادية ( العسكرية والاقتصادية ) اذا اتيح لهم إقامة نظم اسلامية حقيقية ومستقرة .ولذلك فهم مرتعبون من ايران ومن قبلها من عراق صدام حسين لأنه متواجد فى محيط اسلامى عربى وفى بلد عربى اسلامى بل تحول فى أيامه الأخيرة إلى إدعاء التوجه الاسلامى ,ومالبزيا قدمت نموذجا على أن المسلمين قادرون على اقتحام مجال التقدم التكنولوجى والنمو الاقتصادى وكذلك تركيا رغم كل تحفظاتنا على سياسات أردوجان ، لذلك بذل الامريكيون كل طاقتهم لمنع قيام دولة اسلامية فى البوسنة والهرسك وكذلك كوسوفا ونجحوا فى ذلك حتى الآن. أفغانستان الاسلامية فى عهد طالبان سببت إزعاجا للأمريكان ولكنها لم تقدم نموذج الدولة الاسلامية العصرية التى تأخذ بأسباب النمو العلمى والاقتصادى ، واعتمدت الجهاد المسلح فى شكله الارهابى ، وهذا مزعج ولكنه لايثير خطرا استراتيجيا ، وقد تم وأدها بغزو 2001 ولكنهم لم يقدروا على وأد المقاومة المسلحة فهذا ما تجيده طالبان . ونأمل أن تتطور طالبان فى المستقبل بعد دحر الاحتلال الامريكى .
وهكذا نحن لانرى الجيش الامريكى نشطا الا فى المحيط الاسلامى ( العراق – أفغانستان – سوريا – دعم اسرائيل عسكريا – منطقة الخليج – الصومال – اليمن – بلاد الصحراء ) ويأتى فى المحل الثانى النشاط الامريكى فى شرق آسيا حول الصين وبحر الصين . أى أن النشاط العسكرى الامريكى يتركز فى المحور الذى تحدث عنه هنتنجتون ( التحالف الاسلامى الكونفشيوسى ) وقد تنبأ عن حق وحذر من تحالف متوقع بين الطرفين .ويمكن أن نلحظ ذلك فى علاقات الصين بماليزيا وأندونيسيا والعلاقات المتنامية مع باكستان والنشاط الاقتصادى الصينى فى المجال العربى والاسلامى ،وتوقيع اتفاقية استراتيجية مع ايران وتأسيس قاعدة بحرية فى جيبوتى .ومشروع إحياء طريق الحرير .
فى قلب العالم الاسلامى فإن مساندة أمريكا لاسرائيل أولوية قصوى مع عدم التخلى عن تركيا فى إطار الناتو والتمسك بالعلاقات مع مصر .وبالتالى فان نشأة نظم اسلامية فى قلب العالم الاسلامى خط أحمر ، وهذا كان العامل الموجه لأمريكا لإفساد الثورات العربية حتى لاتتحول البلاد الثائرة إلى نظم اسلامية حقيقية مستقلة وهى لاتمانع من التعامل مع الحركات الاسلامية بل بالعكس تتحمس لذلك ولكن فى إطار إبعادها عن المواقف الاستقلالية ، بينما لايوجد اسلام حقيقى بدون استقلال . وبالتالى لم تعترض أمريكا على تولى الاخوان المسلمين للحكم فى مصر ولكنهم أى الاخوان هم الذين فشلوا فى إدارة المشهد ومع ذلك لم يكن الامريكان يوما مع إقصائهم تماما وهذه نقطة خلافية لاتزال موجودة مع النظام المصرى ، وأمريكا مرحبة بدور النهضة فى تونس والعدالة والتنمية فى المغرب واخوان العراق فى حكومة بريمر واخوان ليبيا فى حكم طرابلس واخوان اليمن فى محاربة الحوثيين ومع استمرار شرعيتهم فى الاردن بالتوافق مع الملك . فهذا النوع من الاسلاميين الذى لايخالف أمريكا ويرى العلاقات معها استراتيجية ( كما كتب خيرت الشاطر فى صحيفة أمريكية )، والذى لايقيم الاقتصاد على أسس اسلامية مستقلة ، ولايعترض على التطبيع بل يمارسه كما فعل الاخوان فى مصر ويفعلونه الآن فى المغرب . والأمريكان يحبون الاخوان الذين صوتوا علنا فى البرلمان اللبنانى لصالح العميل الاسرائيلى سمير جعجع وبطل مذابح الفلسطينيين فى صابرا وشاتيلا صوتوا لصالحه كرئيس لجمهورية لبنان بدلا من التصويت لعون لأنه مرتبط بسوريا وكان يمكن أن يبطلوا أصواتهم الثلاثة . أمريكا ليس لديها أى اعتراض على اسلام منزوع الدسم اسلام بدون جهاد وبدون استقلال وبدون زكاة. ولكن دعونا نرجع إلى ماقبل الثورات العربية وكيف حاربت أمريكا تطبيق الشريعة الاسلامية فى مصر والسودان .؟!,
magdyahmadhussein@gmail.com
