- الحلقة 79 من المستطيل و9 من حد الردة والتكفير- الصورة للفريق سوار الذهب
أمريكا تمنع تطبيق الشريعة الاسلامية فى مصروالسودان
ينشغل الاسلاميون بشعار ” تطبيق الشريعة الاسلامية ” الذى عادة ما يتحول إلى شعار لتطبيق الحدود أو مايمكن أن نسميه القانون الجنائى الاسلامى وإن كان حكم الاخوان لم يطبق شيئا من الشريعة فى أى مجال . وأرى ان الاسلام نظام متكامل يقوم على العدل السياسى والاجتماعى وقيم الأخلاق والقوة والحضارة والروح الانسانية التى تخشى الله ، وليس الاسلام هو الحدود فالحدود هى التى تحمى المجتمع بسياج يمنع اختراق هذه الروح، وهى فعلا حدود الاسلام التى يجب عدم تخطيها أو خرقها كالحدود السياسية الآن فى العالم الدولى المعاصر . ومع ذلك فإذا دعا حاكم لانثق تماما فى اسلامه وورعه وتقواه إلى تطبيق الشريعة الاسلامية فلا شك أن نعتبر هذا خطوة ايجابية ، فالشريعة الاسلامية كنظام قانونى كانت دوما على مدار 13 قرنا هى المرجعية القانونية والدستورية لكل النظم التى حكمت المسلمين ولم تكن كلها أنظمة صالحة . والعودة إلى هذه المرجعية القانونية عمل ايجابى يساعد على عودة المجتمعات الاسلامية إلى طبيعتها الأصلية . مع ضرورة اصلاح النظم السياسية الفاسدة حتى وإن أعلنت تطبيق الشريعة الاسلامية .
كان أنور السادات يسعى لرفع مستوى شعبيته بعد تدهورها عام 1977 فأعلن العودة للشريعة الاسلامية فى استفتاء شعبى . وبدأ بالفعل فى تقنين الشريعة الاسلامية فى ظل وجود د. صوفى أبى طالب رئيسا لمجلس الشعب ، وتم بالفعل إكمال تقنين معظم القوانين ( الجنائية والمدنية ) . وفى نفس الوقت كان السادات مشغولا باستعادة سيناء من الاحتلال الاسرائيلى لتأكيد شرعيته وكان يسعى لتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة كى تساعده فى ذلك وأيضا تساعده اقتصاديا ، وفقا للتصور القاصرالذى يرى فى الولايات المتحدة كدولة غنية منقذا من الأزمات الاقتصادية . ولكن الولايات المتحدة أقنعته بأن مشروعه لتطبيق الشريعة الاسلامية سيباعد بينه وبين مايريد من أمريكا سواء على مستوى استعادة سيناء أو المساعدة الاقتصادية . واقتنع السادات . وعلى طريقة حكم الفرد المستبد اتخذ قرارا مفاجئا بإلغاء عملية التقنين قبيل عرض هذه القوانين على مجلس الشعب والتى شارك فى صياغتها خلاصة علماء الأزهر ، وأطاح بصوفى أبى طالب وعين د. كامل ليلة رئيسا جديدا للمجلس ، والذى توقف بدون اعلان ، وكلما سئل عنها قال : لا أعلم شيئا عنها ! وظلت هذه الأكذوبة تتردد حتى عهد رئاسة رفعت المحجوب للمجلس وعندما كنا نسأله فى بعض الجلسات عن مصير مشروع التقنين فكان يقول : لا أعلم ولايوجد شىء من هذا القبيل فى أدراج المجلس !! وهذه أكذوبة لأن تقنين الشريعة الاسلامية كان قد اكتمل فى مجلدين وهما موجودان فى مكتبة وأرشيف المجلس وبعض الأعضاء القدامى لديهم نسخا من ( كما قال لى الشيخ صلاح أبو اسماعيل ). كانت العملية تجرى فى النور وفى لجان داخل المجلس وتثير مناقشات فى الاعلام طوال عام ( لاحظ انه كان عاما حاسما ، عام زيارة السادات لاسرائيل واتخاذ طريق كامب ديفيد )1977 بل كانت الكنيسة الأرثوذكسية تحتج عليها وقام البابا شنوده بإضراب واعتصام ( صوم ) داخل الدير احتجاجا عليها . المهم لقد انتهت قصة تقنين الشريعة بتعليمات أمريكية ولم تعد مطروحة على جدول أعمال النظام . وحتى مجلس شعب الاخوان لم يفتح باب هذا الموضوع رغم أن الشريعة الاسلامية كانت البند الأول فى البرنامج الانتخابى للاخوان والنور وغيرهما . ولم يصدر أى تشريع خلال عام له صلة بالتقنين ولم يتحدث الاخوان فى هذا الموضوع إطلاقا ، وكانت علاقتهم بالأمريكان من أهم كوابح غلق هذا الموضوع .
محاولة منع الشريعة الاسلامية فى السودان
فى المرحلة الأخيرة من حكم جعفر نميرى تحالف مع الاخوان المسلمين بزعامة حسن الترابى ولدعم شعبيته أعلن تطبيق الشريعة الاسلامية ولقد كان قرارا مفاجئا وسريعا ولم يمر عبر عملية تقنين طويلة كما حدث فى مصر ، فلم تتمكن أمريكا من وقف الموضوع .وتم تطبيق الشريعة الاسلامية فى المحاكم السودانية استنادا لنصوص القرآن والسنة وثوابت الفقه الاسلامى . وطبقت الحدود فعلا ( وكأن هذا هو جوهر الشريعة ) وتمت عمليات لقطع يد السارق بحكم المحاكم .وتم تطبيق حد الردة فى حق رئيس الحزب الجمهورى وأعدم فعلا ، وتم منع الخمور والملاهى الليلية ، وتمت زيادة جرعة تعلم القرآن الكريم فى المدارس وحتى فى الكلية الحربية وهو ما عزز صفوف التيار الاسلامى فى الجيش السودانى ( ضرورة حفظ ودراسة سورتى الأنفال والتوبة )
وأنا لا أقيم نميرى ولا حكمه الآن ولا أقيم السادات وحكمه فى هذه العجالة ولكننى أعيد وأكررإن إعادة المرجعية القانونية للاسلام عمل ايجابى دون أن يعنى هذا إعطاء شهادة صلاحية وبراءة كاملة لنظام الحكم فالعبرة تظل فى النهاية للاخلاص .ولكن إلغاء القوانين الوضعية التى وضعها المحتل البريطانى والمتعارضة مع الاسلام عمل ايجابى فالقوانين الوضعية لم تدفع بلادنا إلى الأمام وليست هى طريق حل مشكلات أمتنا . فتبقى المرجعية الاسلامية دائمة فى ظل الاجتهاد المتواصل ومع ضرورة إصلاح فساد الأنظمة السياسية أيضا بقواعد الاسلام وعلى رأسها الشورى المغيبة فى حياة الأمة منذ معاوية بن أبى سفيان .
فى عام 1985 قام نائب الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب بزيارة الخرطوم وكان رئيسا للمخابرات الامريكية من قبل وخلال لقائه مع الرئيس جعفر نميرى أكد له ان العلاقات مع أمريكا لن تتطورفى ظل هذا التوجه للشريعة الاسلامية وطالبه بضرورة التراجع عن ذلك من أجل فتح الطريق لانعاش العلاقات بين البلدين خاصة فى المجال الاقتصادى . واقتنع نميرى ووعده خيرا وكأن الشريعة موضوع تقبل فيه المساومات كأى موضوع سياسى فرعى . وبعد سفر جورج بوش بفترة قصيرة ، بل بأيام قليلة ، قام نميرى بحملة اعتقالات واسعة لقيادات وكوادرالجبهة الاسلامية القومية وهى عبارة عن انشقاق كبير فى حركة الاخوان المسلمين السودانية استقطب أكثر من 80 % من التنظيم ،وكان أول المعتقلين د.حسن الترابى مستشار نميرى ! وتم عزل أو اعتقال الوزراء الاسلاميين . تصور نميرى أن إلغاء الشريعة الاسلامية لا يمكن أن يتحقق فى وجود هؤلاء الحلفاء معه فى الحكم وكانوا قد تغلغلوا فى أجهزة الحكم جميعا بما فى ذلك الجيش . وكانت الخطوة التالية هى تجميد العمل بالشريعة الاسلامية فلايملك أحد أن يعلن إلغاء الشريعة .ولكن نميرى لم يجد وقتا اذا اندلعت انتفاضة ابريل التى شاركت فيها كل القوى السياسية وكان الجميع قد أصابه الاختناق والضجر من حكمه الاستبدادى الفردى ( انقلاب نميرى كان فى مايو 1969), واشتد أوار الثورة وكان نميرى خارج البلاد فاتصل بقائد الجيش الفريق عبد الرحمن سوار الذهب طالبا منه قمع المظاهرات والاضرابات بقوة السلاح، ولكنه رفض بإباء وشمم أن يقوم بهذه المهمة القذرة ، فاضطر نميرى أن يبقى فى مصر حتى مات .وتولى سوار الذهب مع المجلس العسكرى حكما انتقاليا لمدة عام سلم بعده الحكم للمدنيين المنتخبين . وقد كان سوار الذهب صديقا للجبهة الاسلامية القومية وكانت زوجته عضوا فى التنظيم النسائى للحزب ، وقد كان لى شرف اللقاء مع الفريق سوار الذهب عدة مرات بعد تركه الحكم وتوليه مسئولية منظمة الاغاثة الاسلامية التابعة للجبهة الاسلامية . وهو شخص نقى نادر المثال . كان آخر لقاء لنا فى تومباكتو عاصمة مالى فى اطار فاعليات مؤتمر اسلامى عام 1999 ، واذكران حديثنا انصب على جرائم أمريكا فى العراق وطلب منى أن أحدد له أهم الكتب التى كتبت فى هذا الموضوع ودور النشر التى اصدرتها وذكرت له ما أعلم . المهم ان سوار الذهب والمجلس العسكرى لم يصدرا أمرا بتجميد تطبيق الشريعة الاسلامية . وعندما حكم الصادق المهدى رئيس حزب الامة بعد عام وفقا لنتائج الانتخابات لم يتعرض لهذا الموضوع ، رغم ان الشريعة الاسلامية مطروحة فى برنامج حزبه ولكنه غير جاد عموما فى هذا الموضوع وقد قابلته شخصيا وتحدثت معه ..لاحظ أن الوضع فى السودان كان حرجا ففى مصركانت عملية التقنين لم تعلن بعد أما فى السودان فقد تم تطبيق الشريعة بالفعل ومباشرة وبدون تقنين .. ولم يعد بمقدور أى حاكم سودانى أن يعلن إلغاء الشريعة الاسلامية فهذا فى حد ذاته كفر بواح !! ولذلك حدث ويحدث فى السودان شىء عجيب ؛ الشريعة الاسلامية مجمدة فى الثلاجة لاتطبق بشكل حى ومتكامل فى مختلف المجالات . ولكن بدون إلغاء وهذا الوضع مستمر حتى الآن ! فالمحاكم لم تعد تطبق الحدود وبعد 4 سنوات جاء الانقلاب العسكرى للبشير وأخفى توجهه الاسلامى فى البداية ثم عاد وأسفر عن وجهه وعن علاقته بالجبهة الاسلامية القومية التى تحولت إلى حزب المؤتمر الوطنى . ولكن ظلت الحدود لاتطبق ولكن فى المقابل تمت محاولة جادة لتطبيق فريضة الزكاة من خلال مؤسسة نظامية كذلك فإن الحكم لم يخف توجهه الاسلامى فى القضايا الكبرى ( الاستقلال والتنمية والاعتماد على الذات ) ولست هنا أيضا فى مجال تقييم التجربة السودانية ، لذلك أعود للموقف الأمريكى . انزعجت أمريكا عندما أعلن السودان أنه وطن لأى مسلم يريد أن يعيش فيه ( فجاء أسامة بن لادن مثلا !) كذلك عمق السودان علاقاته بالحركات الاسلامية الافريقية والعربية وأقام جامعة اسلامية افريقية وتم تأسيس مؤتمر عربى سلامى شعبى لسائر الاحزاب والقوى العربية والاسلامية . رأت أمريكا فى هذا التوجه خطرا عليها وعلى الغرب . فتم تسخين نشاط التمرد الجنوبى بقيادة جون جارانج وتحريك الثلاثى ( أثيوبيا وكينيا وأوغندا ) لدعم هذا التمرد بالسلاح إلى حد مشاركة دبابات من جيوش هذه الدول فى حرب الجنوب السودانية وهى من أحدث الدبابات الامريكية . ثم تم تنشيط ودعم حركات التمرد فى دارفور ( الغرب ) ثم تنشيط ودعم حركات تمرد فى الشرق اعتمادا على ارتريا ووضع السودان على قائمة الدول الارهابية . واستعرت الحرب لتمزيق السودان إلى عدة دويلات واعترفت اسرائيل مرارا بدعمها العسكرى لهذه الحركات ، بالاضافة للعقوبات والحصار الاقتصادى , وأدى احنكار البشير للسلطة وإقصاء الاسلاميين المخلصين إلى إضعاف السودان . فضاع الجنوب ومعه البترول ، والجنوب يمثل قرابة ربع السودان . ولا تزال المعارك الانفصالية تجرى فى النيل الأزرق وأبييه دون أى استقرار فى دارفوروكردفان . خضع حكم البشير للضغوط الامريكية ظنا ان هذا هو الحل والمخرج من كل هذه الأزمات فازداد ضعف الحكم فى السيطرة على الأطراف .وتدهورت الأحوال الاقتصادية بعد أن كانت تتقدم فى التسعينيات من القرن العشرين . وما يهمنا أن الطابع الاسلامى للحكم أصبح باهتا ثم مختفيا ويمكن القول بأن تجميد الشريعة الاسلامية أصبح شبه تام ولكن بدون اعلان .
وهذه من أهم انجازات أمريكا ضد الاسلام فى منطقتنا ، فلايمكن نعت نظام البشير بالاسلامى الآن فقد أصبح كسائر النظم العربية .
أمريكا هى العدو الاول .. والاساسى للاسلام وليست هذه المجموعة من المثقفين العلمانيين من أهل الوطن وهم لايتقبلون التصور الاسلامى ويساعد على ذلك الطرح الاسلامى الحالى الذى يزيد الخلافات عمقا. ولوأن الحركة الاسلامية أعلنت المواجهة مع هذا العدو الاساسى لوجدت قسما لا بأس به من هؤلاء العلمانيين يقفون معهم .ولوجدت الشعب أساسا ملتفا حولها ، بدلا من حالة الانفضاض التى أدت هزيمة الاسلاميين فى كل مكان !( كتبت هذه السطور قبل سقوط البشير وقبل قيام الثورة السودانية ).
واذا عدنا لمصر وإلى معركة نصر حامد ابى زيد وهى معركة قديمة ولكن المنهج الذى أدى إليها هو نفس المنهج الذى أدى بالقنوات الاسلامية لشن حملات على ممثلات السينما للطعن فى أخلاقهن والتشهير ببعض اللقطات فى أفلامهن وكأنهن – مرة أخرى – هن الخطر الأساسى على الاسلام . ( ولست هنا فى معرض تقييم الانتاج الفنى عموما وليس كله غثا ) بينما لم تتعرض هذه القنوات حتى أغلقت للولايات المتحدة بأى سوء أو بأى كلمة تخدش سمعتها وما فعلته فى مصر طوال عهد مبارك . لم يتحدث أحد الا العبد الفقير عن جرائم يوسف والى التى هى فى الحقيقة جرائم اسرائيل وأمريكا فى نشر السرطان والفشل الكلوى والكبدى . وحتى بعد زوال يوسف والى ومبارك من السلطة فإن فتح موضوع محاكمة والى على هذه الجرائم يعنى فتح باب جهنم على أمريكا وهذا مالا يريده الاسلاميون المتحالفون مع أمريكا سرا وعلنا لذلك تراهم مشغولين بيسرا وفنانة أخرى اسمها إلهام شاهين !!
