الاسلاميون رفعوا 10 آلاف قضية ضد العلمانيين . لماذا تجاهل أسامة الباز هذه المعركةوفرح بها مبارك ؟

  • الصورة لجمال مبارك يحمل المصحف وهو فى طريقه للمحكمة-

الحلقة 80 من المستطيل و10 من حد الردة والتكفير

ماهى قصة حامد أبو زيد ؟ لاشك أن شباب اليوم لايعلمون عنها شيئا وأنا لست معنيا بشرح تفاصيل هذه القصة إلا لأخذ العبروالدروس . كانت أحداثها فى 1994 وباختصار شديد كان أبو زيد أستاذا فى كلية الآداب جامعة القاهرة وتقدم ببحث للترقى عن ” مفهوم النص فى علوم القرآن ” و ” التفكير فى زمن التكفير ” ولكن لجنة المناقشة التى ضمت الدكتور عبد الصبور شاهين لم تكتف برفض البحث ولكن حولت الموضوع إلى معركة فى الاعلام وربما أبو زيد هو الذى لجأ إلى الاعلام أولا ( لا أتذكر وهذا ليس مهما ) وذلك بعد قرار جامعة القاهرة حجب درجة الاستاذية عنه استنادا إلى تقرير اللجنة العلمية الدائمة . ولكن الموضوع تطور إلى رفع بعض الاسلاميين دعوى قضائية تطالب بالتفريق بين أبى زيد وزوجته على اعتبار أنه مرتد . وقد كان الأمر مثيرا للسخرية إذ أن زوجته تعتنق نفس الأفكار . وفكرة نصر أبو زيد تقوم أساسا على ان النص القرآنى لابد أن يفهم فى كل عصر بأسلوب مختلف وأنه قابل للتغير والتطوير . ثم تطور الأمر إلى حد إصدار أحد الاسلاميين كتابا يدعو فيه لرفع دعوى قضائية أخرى لفصله من الجامعة والتفريق بينه وبين زوجته قضائيا ويطالب زوجته بأن تطلب الطلاق منه !! حتى لاتقع فى جريمة زنا لأن زواجها من مرتد باطل .( رغم  أنها حسب تصريحاتها تعتنق أفكاره فهى مرتدة مثله !!) وقد تم رفض التفريق بين أبى زيد وزوجته فى الحكم القضائى الابتدائى . وأصدر الاسلامى الذى أصدر الكتاب المشار إليه طبعة ثانية وصم فيه زوجة أبى زيد بالمرتدة وهذه مسألة منطقية أكثر من المطالبة بالتفريق أو مطالبتها بطلب الطلاق !! وكانت الطبعة الثانية صادرة عن دار التوزيع والنشر الاسلامية وهى اخوانية .ثم جاء حكم الاستئناف بالتفريق بين أبى زيد وزوجته ، مما اضطره للهروب هو وزوجته  من البلاد إلى هولندا واكتفى بهذه التفاصيل .

وتصور بعض الاسلاميين أن جبهة القضاء جبهة رائعة لنصرة الاسلام ( ما أسهل هذا الجهاد ) ففى عام 1994 وصل عدد قضايا الحسبة إلى 200 قضية ، ولكن العدد ارتفع إلى 10 آلاف قضية فى عام 1997 . وقد أدت هذه القضايا لكشف خريطة القضاة الاسلاميين الذين يحكمون لصالح رافعى القضايا .وبعضهم اضطر للسفر للخارج والبعض تم وضعه تحت عيون السلطة للخلاص منهم بشكل قانونى ( من خلال دور وزير العدل فى القرارات الادارية الخاصة بهم ) وكان من الأفضل إدخار هؤلاء القضاة الاسلاميين لقضايا أكثر أهمية ولكن أين العقل السياسى .؟! ثم انتهى الأمر بصدور قانون يلغى حق الأفراد فى رفع قضايا حسبة وحصر ذلك فى النائب العام .

كان من الطبيعى والأوفق حصر قضية أبى زيد فى أروقة الجامعة ، ولامانع من أى قرارات تتخذها الجامعة ، وعدم تحويل المسألة للاعلام  والقضاء ، الا اذا توجه أبوزيد نفسه للقضاء ، ويظل الأمر محصورا فى هذا النطاق . ولا أقول أن الحملة أخطأت لأنها وضعت أفكار أبى زيد تحت الأضواء فهو لم يكن مرشحا للشهرة لأنه ليس كاتبا مرموقا أو مشوقا . والفكرة الجوهرية التى قام عليها بحثه ان النص القرآنى نص تاريخى ، وقد لا يصلح لكل الأجيال والظروف لأن النص يعالج مشاكل عصر نزول القرآن . وهذه فكرة خبيثة ومرفوضة من المؤمنين فكتاب الله وحده دون سائر الكتب يصلح لكل زمان ومكان ولكن مع عقول تفهم الواقع جيدا وتفهم النص . هذه الفكرة تنزع القداسة عن القرآن الكريم  . وهى تقدح صراحة فى الاسلام كدين وهى فكرة منتشرة بين العلمانيين ويكتبونها مرارا فى مقالات بالصحف الرسمية . ولكن من المهم أن نشير إلى أن بعض الاسلاميين يقعون فى نفس الخطأ عندما يفسرون الآيات وكأنها خاصة بعصرها  وحصر الآية فى أسباب النزول والأصح أن يقولوا مناسبة النزول ولكنهم لا ينزعون القداسة عن القرآن الكريم .

أنا لا أقترح أى شىء بأثر رجعى على مسألة انتهت إلا كما ذكرت وهو حصر مثل تلك الصراعات فى أروقة الجامعة وبين المختصين . ولكن الشىء الأهم الذى أركز عليه هو ترتيب الأولويات وتحديد مستويات مصادر الخطر على الاسلام .. فهل فكر أحد فى رفع قضية حسبة على الحاكم لتطبيع العلاقات مع اسرائيل والاعتراف بها والإقرار بضياع فلسطين ؟ أو أصدر موقفا بهذا المعنى فى صورة مقال أو بيان أو كتاب ( وهذا ماقمت به وزملائى بالاضافة لجبهة علماء الأزهر فى موضوع غزة ) هل فكر أحد فى رفع قضية ضد مبارك لإدخال مواد مسرطنة من اسرائيل . هذا الموضوع ( حامد أبو زيد ) شغل الرأى العام والمجتمع ربما لأكثر من عام بل ومع قضايا أخرى عديدة شغلت الناس لعدة أعوام وهذا حرف لأنظار الناس إلى الأمور الفرعية دون القضايا الأم ، تبعية البلاد للولايات المتحدة والتعاون مع اسرائيل ، وقضايا الظلم الاجتماعى . والدليل على صحة ذلك أن نظام مبارك كان سعيدا جدا بهذه المعارك وأدعى الحيادية وأكد عدم تدخله فيها . فالطرف العلمانى وهم مثقفون كثر ولهم صلات جيدة بالسلطة والاعلام مفتوح لهم ، بذلوا جهودا مضنية خلال هذه الأزمات التى امتدت عدة أعوام فى أواخر القرن العشرين ، بذلوا جهودا مضنية لإقناع السلطة بالغاء قانون الحسبة وأن تفعل كل شىء وهى تملك كل شىء لوقف هذه الحملات الاسلامية التى تتهم المثقفين والفنانين بالردة والالحاد. وفى كل هذه الاتصالات كانت الدولة باردة وتتصنع الحياد ، وتؤكد أن الموضوع ليس خطيرا الى هذه الدرجة وكان أسامة الباز أحد ممثلى الدولة فى هذا الحوار مع المثقفين . ولكن بعد سنوات مررت الحكومة قانون حصر الحسبة فى سلطة النائب العام دون جموع المواطنين .، بعد أن بلغ القلق لدى المثقفين مبلغه . ما أسعد مبارك عندما تكون اتهامات الردة موجهة للمثقفين أو الفنانين أو الراقصات ولا توجه ضده ، وهو يتعاون مع أعداء الأمة ( اليهود و النصارى الأمريكيين لضرب وتدميربلاد المسلمين فى العراق وفلسطين المحتلة والسودان وبعد ذلك أفغانستان .، أى وهو يرتكب أخطر الجرائم التى نهى عنها القرآن الكريم ( موالاة الأعداء ) ورغم اننى لست مع تكفير حكام المسلمين وهذا موضوع يطول شرحه ويمكن الرجوع لكتابى الجهاد صناعة الأمة ، ولكننى باختصار شديد أتهمهم بوضوح بالخروج على بعض تعاليم الاسلام وعدم الشرعية وعدم الصلاحية أما التصنيف النهائى بين الكفر والايمان فليس من وظيفة البشر إلا تجاه حكام أعلنوا كفرهم صراحة من أمثال أتاتورك حاكم تركيا الذى ألغى الآذان وأعلن الحرب على الاسلام صراحة أو بورقيبة حاكم تونس الذى دعا إلى الافطار فى رمضان وألغى تعدد الزوجات بقانون لايزال ساريا حتى الآن فى تونس . أما الآخرون من الحكام فالخروج عليهم أو المطالبة بإزاحتهم غير مرتبطة بفتوى لتكفيرهم .ولكن بفتوى بانعدام الصلاحية وذلك ، أى عدم التكفير لعدة أسباب رئيسية : أولا الجهل بتعاليم الاسلام المتكاملة . ثانيا : الميل لحب الدنيا والحرص على السلطة . ثالثا : الخوف من الأعداء ، أمريكا فى وقتنا الحاضر التى ترفض تطبيق الاسلام . فهل يمكن لأمريكا أن توافق على نشوء نظام مصرفى اسلامى لاربوى وهى المسيطرة على النظام المصرفى العالمى . ولكنهم أى حكام المسلمين الحاليين لا يعترضون على الصلاة أو الصيام أو الحج بل يشاركون فى أدائها وليسوا ضد جمع الزكاة بصورة أهلية أو بناء المساجد ويحرصون على الأزهر والمعاهد الدينية ويتسامحون إلى هذا الحد أو ذاك مع الدعاة لتطبيق كامل للشريعة الاسلامية ، ولا يمنعون إصدار الكتب والمجلات الاسلامية والبرامج والمسلسلات الدينية .وملتزمون بقوانين الاحوال الشخصية والمواريث كما وردت بالقرآن.

وبدون تكفير لهم يمكن الخروج عليهم أى الثورة عليهم وإزاحتهم من الحكم عند القدرة على ذلك لأن الاسلام لايتبعض ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) البقرة 85

أيضا تكفير الحاكم يقود إلى مشكلة أكبر ، وهى تكفير كل العاملين فى جهاز الدولة المدنى أو العسكرى ، وهنا ندخل فى متاهة أكبر ، هل التكفير يشمل كل كبارو قيادات الدولة ؟ هل يشمل وكلاء الوزارات وكبار الموظفين ؟ هل يشمل كل الموظفين ؟ أم بعض الموظفين ( الكبار فحسب ) اذا لأى درجة ؟ حتى الدرجة الثانية أو الثالثة مثلا ؟ أم ماذا ؟ وفى الشرطة هل يصل التكفير إلى المخبرين والجنود وصف الضباط (  كما يرى البعض ) هل يشمل كل الضباط وحتى أى رتبة ؟ وهل يشمل الموظفين بالداخلية والعاملين فى السجل المدنى ؟ هل يشمل رجال المطافىء والمرور؟ ومثل ذلك فى الجيش . والحقيقة أن التكفيريين يعيشون فى معضلة كبيرة من هذه الزاوية ولكى يتغلبوا عليها يكفرون الجميع ، جميع العاملين فى الدولة وهذا يؤدى عمليا إلى تكفير الشعب لأن ملايين العاملين بالدولة ( حوالى 7 ملايين ) هم جزء لا يتجزأ من الشعب وأسرهم حوالى 35 مليون فهل يتم تكفير الزوجة والأولاد غير القصر؟! التكفيريون لديهم قاعدة (من لايكفر الكافر فهو كافر) وهذا بالفعل يؤدى إلى تكفير الشعب بأسره. وهم عادة مايكفرون بعضهم بعضا بناء على هذه القاعدة . وهكذا تنشطر التنظيمات الاسلامية وتتحارب ، وهذا ما حدث بين الدولة الاسلامية داعش ، والقاعدة فى سوريا. ثم حدث بين مجموعات مختلفة داخل ما يسمى الدولة الاسلامية .

اذا عدنا لنختم مسألة أبى زيد ، فلا تفوتنا هذه المفارقة ، فالاسلاميون يهتمون بتطبيق حد الردة على هذا المثقف أو ذلك بينما نحن لا نعيش فى ظل دولة اسلامية ملتزمة تماما بتطبيق الشريعة الاسلامية ، وكأننا نعطى شهادة براءة وحسن سير وسلوك لحسنى مبارك .، ونصب جام غضبنا على من كتب بحثا غير منشور من أجل الترقية باعتباره هو العدو الأشر للاسلام .وبدون حكم بتكفير هذا أو ذاك فلا شك أن مبارك حارب الاسلام أكثر بآلاف المرات بل بملايين المرات بالمقارنة مع أبى زيد .. وفى النهاية نحن لم نحقق شيئا فأبو زيد سافر الى هولندا وكثير من المثقفين يرددون فى الاعلام المصرى نفس الفكرة التى وردت فى بحث أبى زيد ( تاريخية نصوص القرآن ) بينما مصر المسلمة كدولة وكمجتمع تدار من واشنطن ومن تل أبيب ّ! الذين شغلوا عامة الناس بأبى زيد أو يسرا ضللوا الشعب وأبعدوا أنظاره عن الكارثة ( ولا أقول الخطر المحدق ) الكارثة الواقعة فعلا على أم رأسه ، والكارثة الحقيقية على عقيدته . فحتى اذا كان أبو زيد مرتدا ويستحق الاعدام وإن كان أعداؤه استهدفوا تطليقه وطرده من الجامعة فحسب لأنهم يعلمون أنه لايوجد قانون بحد الردة فى مصر وهم مناضلوا القانون . ان كان يستحق الاعدام فالأولى أن يتهم مبارك ويطبق عليه الحكم أولا كمرتد .ولكننى أعود فأشدد على خطورة منهج التكفير ورفضى له . نحن نحاسب مبارك – ونحن لم نفعل – على جرائم ارتكبها فى حق الشعب بسبب موالاته لأمريكا واسرائيل  بما أضر بالشعب والوطن وليس لأنه كافر .

كنت أضحك عندما أرى جمال مبارك يدخل قفص الاتهام وفى يده مصحف ، وكأنه يستدر عطف الناس بهذا المشهدالايمانى . نحن لن نشق عن قلبه ولن نسأله كم حفظت فى السجن من سور القرآن . نحن نحاسبه على نهبه لأموال الشعب وجرائم أخرى . ولكن الأمر انتهى بأننا لم نحاسب أحدا من نظام مبارك لا على التكفير الذى لم يوجه اليه وهذا لايهمنا ، ولا على الجرائم التى ارتكبوها فى حق الأمة . أما ابو زيد فقد مات ميتة عجيبة ، مات بفيروس غامض ولم يتمكن الطب الاوروبى من معالجته. لست شامتا ولايمكن أن أكون فهو بين يدى ربه وخالقه ، ولكننى أتعجب من هذه النهاية الدرامية وكأنها رسالة من السماء .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading