-فى الصورة رجال الأمن يكتفون مجدى حسين فى إحدى المظاهرات-
. هذه الصفحات كتبت فى سجن المرج 2009 ونشرت ومجدى حسين بالسجن ومبارك فى الحكم ونشرت فى صحيفة الدستور الورقية ولكن رئيس التحرير اكتفى بثلاث حلقات وامتنع عن النشربعد ذلك .
هذه السطور تكتسب أهميتها من أنها ستكون تسجيلا حرفيا لما دار بينى وبين حسنى مبارك فى السماء لعدة ساعات، حيث أننى لم ألتق بالرئيس حسنى مبارك بصورة شخصية على الأرض أبدا!!سأكتب بكل أمانة ما دار فى هذه اللقاءات بدون تعليق، حيث أنها واضحة لا تحتاج إلى تعليق وربما أعلق فى النهاية.وهى أيضا لم تكن لقاءات ثنائية ولكن تمت وسط رؤساء التحرير والوزراء والحاضرين فى الرحلات الثلاث.ولا أكتب هذه السطور على سبيل الافتخار – كما يكتب البعض – لقد قابلت الرئيس الفلانى أو الملك العلانى وقلت له: كذا وكذا!! ولكن أكتب هذه القصة القصيرة لعلها تكون مفيدة فى توضيح العلاقات الواقعية بين الحاكم والكاتب، أو بين الحاكم والمعارض، أو بين الحاكم وصاحب الفكر. وهى المشكلة الأزلية: ما هى العلاقة الصحية بين الفقيه والحاكم؟ أو بين المعارض والحاكم؟ هل يقترب منه أم يبتعد عنه؟ وقد اختلفت الآراء فى ذلك فى تاريخنا الإسلامى؟ولكن لا أناقش هذه القضية رغم أهميتها فى هذه السطور، وإنما أقدم لها (أى لهذه القضية) مادة واقعية أمينة مهما تكن محدودة، فأهميتها تكمن فى صدقها بدون تذويق أو ادعاءات بطولة، وبدون تحريف، وبدون خوف، وإذا قرأ أحد يوما ما هذه المذكرات فليكن واثقا من صدقها إلى حد الحرفية، وما يؤكد ذلك أننى لا مصلحة لى مع أو ضد هذا الحاكم أو غيره لأسباب شخصية، وأننى طالما دفعت ثمن التزامى بالصدق. وبالتالى لا يوجد ما يدعو إلى تحريف هذه الوقائع المذكورة. كذلك فإننى لا أقصد الإساءة إلى أى شخص يرد اسمه وبعضهم مات لأن هذه الحوارات جرت فى العلن بين رؤساء تحرير ووزراء وفنانين ورجال أعمال. أما عن بعض الحوارات الثنائية، فإن كشف الحوارات مع المسئولين ليس من قبيل الإخلال بأمانات المجالس، فالحديث لا يجرى إلا فى أمور عامة.علاقتى مع الملوك والرؤساء شبه منعدمة:رغم انخراطى فى العمل العام منذ 37 عاما، فإن نوع مشاركتى فى العمل العام بما فى ذلك العمل الصحفى لا يجعلنى متقاطعا مع الملوك والرؤساء، وخلال لقاءاتى المحدودة بهم فإنها لم تتجاوز المصافحة مع البعض أو اللقاءات الجماعية مع وفود حزبية: (الملك فهد – الرئيس البشير وهو الرئيس الوحيد الذى أجريت معه حديثا صحفيا – القذافى – زين العابدين بن على- أسياسى أفورقى رئيس إريتريا، حيث التقيت به فى قصر القبة مع عدد محدود من المفكرين والصحفيين وهاجمته هجوما شديدا لعلاقته بإسرائيل ولعدائه للسودان وللعروبة رغم أنه عربى! وهو لم يجد وسيلة للفكاك منى إلا بدعوتى لزيارة إريتريا للتأكد من عدم وجود قواعد إسرائيلية!، وهى الدعوة التى لم يرسلها أبدا، وعندما طلبت فى وقت لاحق زيارة أحد محررى جريدة الشعب لإريتريا من سفارة إريتريا لم تستجب للطلب. وقد كان د. أنور عبد الملك يحاول التخفيف خلال اللقاء من وقع حديثى على الرئيس الإريترى. وقد نشرت هذا الحوار فى جريدة الشعب فى ذلك الوقت خلال التسعينيات من القرن العشرين). كذلك تشرفت بلقاء الرئيس السودانى السابق سوار الذهب عدة مرات بعد خروجه من الرئاسة، التى لم تمتد إلا لعام واحد. وهو من النجوم النادرة فى سماء حكام العرب!
دعوة مفاجئة لمصاحبة مبارك إلى الولايات المتحدة:فى عام 1993 شنت صحيفة الشعب التى كنت أرأس تحريرها حملة رهيبة ضد إعادة انتخاب مبارك تحت شعار الذهاب إلى الاستفتاء والتصويت بلا. والحملة استمرت عاما كاملا وقادها الأستاذ/ عادل حسين الأمين العام لحزب العمل ود.حلمى مراد نائب رئيس الحزب. وقد كان مبارك فى شدة الغيظ من هذه الحملة، حتى أنه لم ينتظر لحلف اليمين الدستورية بعد إعلان نتائج الاستفتاء، وصدر أمر النيابة بحبس عادل حسين و د.حلمى مراد. وصلاح بديوى، وعلى القماش وكاتب هذه السطور على ذمة التحقيق، وتم إيداع الجميع فى قسم مصر الجديدة.وكنت بالمصادفة خارج البيت فلم يتم إلقاء القبض علىّ فورا. وقد جرى التحقيق وفقا لقوانين قديمة سيئة السمعة متعلقة بقلب نظام الحكم وعقوبتها قد تصل إلى خمسة عشر عاما!!وقد كنت أعانى من آلام غير عادية فى العمود الفقرى، فقررت البقاء خارج البيت حتى تتحسن حالتى الصحية. وتم الإفراج عن المحتجزين بعد 48 ساعة بكفالة.ورغم أننى لم أتماثل للشفاء، وكنت لا أزال طريح الفراش عند أحد أصدقائى. فقد أرسلت مقالى لجريدة الشعب بعنوان “رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه” ثم بعد التشاور مع د. حلمى مراد قررت العودة إلى منزلى، وقال لى الدكتور حلمى إذا أرادات النيابة أن تلقى القبض عليك فأطلب عربة إسعاف وأذهب إلى النيابة على نقالة!!ومن قدر الله فى ذلك الوقت أننى خلال فترة “هروبى” إن جاز التعبير، قرأت حديثا فى مجلة عربية للشيخ أحمد ياسين زعيم حماس من داخل سجون إسرائيل، وقد كان حديثا قويا مفعما بالإيمان والصلابة وهو الرجل المشلول كليا والمسجون، فشعرت بالخجل من نفسى ونفذت ما اقترحه د. حلمى مراد.وذهبت إلى منزلى فى الروضة، وأقمت فى الفراش، حيث لم يكن هناك أى تحسن فى العمود الفقرى، وكنت أمام حالة انزلاق غضروفى حاد وهو أمر متكرر الحدوث معى.وكانت أذنى على طرق باب الشقة أو رنين الهاتف انتظارا لاستدعاء النيابة فالأساتذة والإخوة الأربعة تم التحقيق معهم جميعا ولم يبق سواى.ولكن حدث ما لم يكن يمكن أن يخطر على بال، فأنا أنتظر استدعاء النيابة، فتأتينى دعوة للسفر مع الرئيس حسنى مبارك إلى واشنطن!!وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم أعرف أى معلومات تفسر هذا الانقلاب المفاجىء فى موقف السلطة: بين اتهامات تؤدى إلى السجن 15 عاما، إلى دعوة للسفر مع الرئيس! ولكن طبعا كانت هناك الكثير من التحليلات، كتصور أن السلطة شعرت بالمغالاة فى التعامل معنا وأرادت تصحيح الخطأ سريعا، أو الرغبة فى إرسال رسالة للولايات المتحدة أن مصر ديمقراطية.لا أريد الاستفاضة فهذه السطور تسجيل للوقائع وليس تحليلا.كنت أتقلب على السرير وكأننى أتقلب على جمر النار، وجاءت زوجتى بالهاتف تقول لى: الأستاذ صفوت الشريف وزير الإعلام على التليفون!!.قلت لنفسى.. هل سيطلب منى الذهاب إلى نيابة أمن الدولة؟!التقطت السماعة من زوجتى وأنا فى شدة الاندهاش وكان صوت صفوت الشريف ممتلئا بالسلامات والتحيات والحبور والسعادة مع السؤال عن صحتى، وقلت له: مع الأسف فإن صحتى ليست على ما يرام.قال: أنا أدعوك مع الإخوة رؤساء التحرير لمصاحبة السيد الرئيس فى رحلته الوشيكة للولايات المتحدة.قلت وقد بلغ منى الاندهاش مبلغه: أنا شاكر جدا لهذه الدعوة، ولكن حالتى الصحية لا تسمح لى بالحركة حتى داخل الغرفة!قال: لا يا رجل أنت لما تروح الولايات المتحدة الروح حترد فيك وصحتك هتبقى تمام وزى البمب!وضحكت ضحكا شديدا، واستطال الحوار لبعض دقائق على هذا المنوال: أنا أعتذر وهو يصر، ولم أجد فكاكا تحت هذا الإصرار سوى الموافقة، خاصة وأن السفر بعد أيام، وربما تتحسن صحتى.وكان فى الحزب رأيان، رأى يقول برفض السفر على أساس ما جرى مع قيادات الحزب وصحفيه منذ أيام، والتعلل بالحالة الصحية وهو سبب حقيقى.ورأى آخر يقول بالموافقة على السفر. وقد كنت مع الرأى الأخير لأننى وجدت فى سفرى مع رئيس الجمهورية بعد أيام من هذه الاتهامات الفظيعة، أكبر لطمة للدوائر السلطوية التى نصحت بالبطش بنا، ورأيت أن سفرى سيوضح أن تحقيقات نيابة أمن الدولة معنا كانت مجرد هزل، بل ستتحول هذه القضية إلى نكتة. وبالإضافة لذلك فقد كانت هذه أول مرة أدعى لمصاحبة رئيس الجمهورية كرئيس تحرير، والمعروف عنى التشدد فى المعارضة، ورأيت من المناسب أن أرسل رسالة ضمنية للرأى العام قبل الحكام أننى لست متشددا عمالا على بطال. وأن من يمد يده للحوار معى لا أرفضها. خاصة وأن سفرى كصحفى لا يمثل أى تنازل سياسى أو صفقة أو مساومة.وقررت قيادة الحزب الأخذ بهذا الرأى الثانى، وبدأت الاستعداد للسفر، وكان السفر على حساب وزارة الإعلام المصرية، وأرسلت جواز السفر للسفارة الأمريكية للحصول على تأشيرة.بعد يوم أو اثنين تلقيت مكالمة من السفارة الأمريكية، حيث طالبت مسئولة بالسفارة أن أحضر شخصيا لتقديم طلب التأشيرة. فقلت لها: أنا مريض ولا أستطيع الحضور. قالت: وكيف ستسافر إلى الولايات المتحدة وأنت مريض. فقلت لها: ربما تتحسن صحتى بعد أيام، وأحتاج لأقصى راحة قبل السفر. ثم أضفت: هل يأتى إليكم كل رؤساء التحرير المسافرين مع الرئيس؟ وهل تميزون أنتم أيضا بين صحفى الحكومة والمعارضة؟ قالت: أنت تسافر لأول مرة. قلت لها: أنا شخصية معروفة، فإما تعطونى التأشيرة وإما لا ولن آتى إليكم!كان الحوار ساخنا، وانتهت المكالمة دون اتفاق. وشعرت بسعادة غامرة، ستحل السفارة الأمريكية المشكلة بعدم إعطائى تأشيرة، فقد كنت بالتأكيد غير مرحب جدا بالسفر وأدرك أن فيه نوع من الحرج السياسى، وقد وافقت على السفر للأسباب السالفة الذكر، كذلك من الناحية الصحية فإننى بالتأكيد أحتاج إلى راحة تامة فى الفراش لمدة أسبوعين على الأقل. ورأيت أن ذلك أحسن حل للمعضلة فأنا أبديت المرونة بموافقتى على السفر ولكن الأمريكان هم الذين منعونى وسيرضى ذلك من كان معترضا على سفرى فى قيادة الحزب.ولكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن، وفوجئت بالتأشيرة لدخول الولايات المتحدة الأمريكية! واكتشفت شيئا آخر أراحنى وهو أن السفر مع الرئيس للولايات المتحدة بالذات لا يكون على طائرة الرئاسة بالنسبة لرؤساء التحرير، حيث تكون طائرة الرئاسة مشحونة بوفد كبير يتراوح بين 200 أو 300 ولا أدرى لماذا هذا العدد الكبير؟ ووصلتنى فى البيت تذكرة سفر تجارية القاهرة – واشنطن – القاهرة.ولا أدرى كيف سافرت بحالتى الصحية؟ وقد كان الانزلاق فريدا فى هذه المرة فقد كان “ساعة تروح وساعة تيجى” ففى لحظة أشعر بأننى شفيت تماما، وبعد ساعة أشعر بآلام مبرحة!!وفى المطار فوجئت برؤساء تحرير الصحف الحكومية يسافرون معى على نفس الطائرة، وقد كانت دهشتهم مروعة، فقد كنت آخر شخص يتوقعون أن يجدوه معهم فى هذه الرحلة وأذكر منهم: مكرم محمد أحمد، وسمير رجب، وربما محفوظ الأنصارى، وسألونى فى نفس واحد: أنت مسافر على فين؟ قلت: معكم! قالوا: كيف؟ ما الذى حدث؟ (فقد كان من المفترض أن يحقق معى أمام نيابة أمن الدولة بتهمة إهانة الرئيس وتهم أخرى لا السفر مع الرئيس!!)قلت لهم: لقد سوينا كل الأمور، وسيدخل حزب العمل التشكيل الوزارى القادم (كنت أمزح بطبيعة الحال)، قالوا وقد تضاعفت دهشتهم وتضاعف قلقهم: لا قول الحقيقة بالضبط. فرويت لهم ما حدث من مكالمة صفوت الشريف. وقد فرقت بيننا مقاعد الطائرة ولا أذكر أننا تحدثنا طوال الرحلة الطويلة فى شىء. وربما حدث حوار ولكننى لا أتذكره.فى واشنطن كانت الإقامة بفندق فخم، وإن لم يكن ضخما (ربما اسمه ماديسون) لقربه من بلير هاوس حيث ينزل الرئيس، وأيضا لقربه من البيت الأبيض. كان المكتب الإعلامى المصرى فى انتظارنا ويرعى إقامتنا، وهناك التقيت بجمال بدوى رئيس تحرير الوفد رحمة الله عليه، وإبراهيم نافع وقيادات وكالة أنباء الشرق الأوسط.باختصار شديد تبين لى أنه لا توجد لقاءات خاصة بين الصحفيين المصريين والرئيس مبارك وأن مهمتنا هى تغطية وقائع الرحلة وحضور المؤتمر الصحفى، وكان ذلك من دواعى ارتياحى لأننى لم أكن أعلم كيف سأتعامل مع الرئيس مبارك بعد كل الأحداث الأخيرة المتعلقة بحملتنا ضد إعادة انتخابه. ولكننى كنت أعانى من الحرج الأصلى، كيف أكتب عن هذه الرحلة الميمونة وأنا ضيف على وزارة الإعلام المصرية وأنا فى نفس الوقت رافضا للعلاقات المصرية – الأمريكية فى صورتها الراهنة القائمة على التبعية. لذلك قررت التركيز على جمع المعلومات حتى أعتمد فى تقاريرى على الموضوعية وعلى الوقائع. وهو الأمر الذى حملنى إرهاقا إضافيا.وفى أول صباح بفندق ماديسون كان لقاءا مع إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام، ولأنه يعانى من نفس المرض الذى أعانى منه، فأخذنا نتحدث ونحن نتمشى فى مدخل الفندق، وما أذكره أن إبراهيم نافع كان يحدثنى عن صعوبة أو استحالة تخفيض المعونة الأمريكية لمصر لأنها مرتبطة كصفقة واحدة مع المعونة الأمريكية لإسرائيل!! ولم أعلق فقد جئت مستمعا فى هذه الرحلة العجيبة!وقد أراح ضميرى أن الإخوة فى حزب العمل أبدوا إعجابهم برسائلى، وقالوا أنها كانت أفضل ما كتب عن الرحلة، وأنها اتسمت بالمبدئية الشديدة (وقد علمت ذلك بعد عودتى للقاهرة)، وكنت لا أنام الليل لإرسال رسائلى بالفاكس من المكتب الإعلامى المخصص لنا داخل الفندق، وكانت أول مرة استخدم فيها جهاز الفاكس بنفسى، وكان موعد الإرسال المناسب – وفقا لفروق التوقيت. هو موعد صلاة الفجر بتوقيت واشنطن! وكانت جريدة الشعب تصدر مرتين فى الأسبوع: الثلاثاء – الجمعة.وساعدنى على أداء صلاة الفجر يوميا إضراب العاملين المطرودين من الفندق حيث كان إضرابهم يبدأ كل يوم قبل الشروق ويستخدمون ميكروفون يدوى مرتفع الصوت، وكانوا طوال النهار يودعوننا ويستقبلوننا بالهتافات: عار عليكم!! فقلت لهم ماذا تريدون منا للتضامن معكم ؟ قالوا : غادروا هذا الفندق الذى طردنا . قلت لهم مع الأسف: إننا ضمن وفد إعلامى ولا نملك تغيير محل إقامتنا، فردوا علىَ: عار عليكم !!وكان هناك رجل شرطة واحد على باب الفندق لمراقبة الموقف. ولم يقل أحد أن الفندق به وفد مرافق لرئيس جمهورية دولة صديقة، ولا داعى للإضراب فى هذا التوقيت!! واستمر هذا الوضع طوال وجودنا بالفندق لمدة قاربت الأسبوع.وبعد استخراج بطاقات خاصة ذهبنا للبيت الأبيض للمرة الأولى لحضور أول لقاء بين مبارك وكلينتون فيما يسمى فرصة للتصوير أى مجرد أخذ صورة للقاء مع سؤال واحد أو سؤالين وهذا فى بداية الزيارة أما المؤتمر الصحفى فيكون فى نهاية الزيارة.ولكن مجرد دخول قصر الرئاسة الذى يحكم العالم أمر لا يخلو من طرافة بالنسبة لى. وسرنا فيه مسارات طويلة نسبيا فى حدائق وممرات حتى وصلنا إلى غرفة أو صالة بها كلينتون ومبارك ووجدت نفسى بدون ترتيب فى مواجهة حسنى مبارك مباشرة، وطبعا لم نتحدث معا ولم تكن هناك فرصة لأى أحد لأى حوار جانبى. وألقى كلينتون كلمة قصيرة لإتاحة الفرصة لأخذ صور للقاء لمحطات التلفزيون والصحف، وربما ألقى مبارك كلمة قصيرة أخرى، وكان مشهدا احتفاليا لا معنى له. ولم أهتم بمتابعة ما يقال وانشغلت بزاوية الرؤية العجيبة التى وجدت نفسى فيها فقد كنت أمام مبارك من جهة اليسار قليلا فكنت أرى وجهه وخلفه كلينتون، وانشغلت بأمر عجيب للغاية: هذا التناقض الحاد بين “صُفرة” وجه مبارك و”حمرة” وجه كلينتون!! لقد كنت فى هذا الموقف الغريب بالنسبة لى أشبه بسائح يزور متحفا للشمع فى بلد أجنبى!!بعد عدة أيام عدنا من جديد إلى البيت الأبيض والذى دخلته للمرة الثانية وغالبا ستكون الأخيرة لحضور المؤتمر الصحفى، ورأيت من واجبى أن أستغل الفرصة لطرح موقف من خلال سؤال للرئيس كلينتون أعرب فيه عن رفضى لحصار العراق، والمطالبة برفعه فورا. ولكن عدد الصحفيين الحاضرين الأمريكيين والعرب والمصريين كان بالعشرات وكنت متطرفا ناحية يسار المنصة، ورفعت يدى مرتين ولم يلحظنى كلينتون، ولم أكن شديد الحماس أو الإلحاح كما يفعل بعض الصحفيين وقد كان من الملفت أن أسئلة الصحفيين الأمريكيين لكلينتون كانت حول شئون شتى وليس حول العلاقات المصرية – الأمريكية!! وبدا مبارك خارج صورة المؤتمر الصحفى فى معظم الأوقات.وانتهت الزيارة بسلام.. واستمريت فى واشنطن لمدة يومين لإجراء عدد من اللقاءات مع المصريين الأمريكيين وبعض الأمريكيين، وعدت على الطائرة التجارية إلى القاهرة، ولم ألتق عمليا بالرئيس مبارك فى أول رحلة معه.ومن باب الوفاء لابد أن أسجل امتنانى لشقيق الأستاذ محمد حسنين هيكل والذى اهتم بى لظروف مرضى، وهو يعيش فى الولايات المتحدة وقد ساعدنى وقد حل التعب علىّ فى ترتيب حقيبتى وتوصيلى للمطار بسيارته الخاصة، وقد دارت بيننا حوارات مفيدة بالنسبة لى.وقد كتبت سلسلة من المقالات عن العلاقات المصرية – الأمريكية بمناسبة هذه الزيارة، وقد كان من اهتمامات أمريكا بهذه الزيارة استخدام مصر فى الصومال والاتفاق على إرسال قوات مصرية، وكان الصحفيون الحكوميون المصريون سعداء بذلك، فإن أمريكا لا تستغنى عن مصر!! وقد برهنت الأيام بعد ذلك انتهاء الدور المصرى – الأمريكى فى الصومال إلى صفر كبير.ولكنى ركزت فى مقالاتى على الأهداف الأمريكية العامة من الاهتمام بمصر، ووثقت آرائى بتقارير أمريكية حملتها معى، وكتبت ضد علاقات التبعية المصرية لأمريكا.وبعد ذلك بفترة ما التقيت بالأستاذ/ مصطفى بكرى فى نقابة الصحفيين الذى قال لى: إن صفوت الشريف وزير الإعلام قال له: هل معقول بعد أن أدعو مجدى لمرافقة الرئيس فى رحلته للولايات المتحدة أن يعود ويكتب عن التبعية لأمريكا. وقال مصطفى بكرى له: أنت تعلم مجدى حسين، هل يمكن تغيير موقفه بتذكرة طائرة أو رحلة حتى وإن كانت بأفخم الفنادق بواشنطن. والعهدة على الراوى.وبالفعل لم أتلق أى دعوة أخرى لرحلات الرئيس على مدار سنوات، وظننت أن هذه الصفحة قد طويت بسلام.
حضور لقاء مبارك مع المثقفين فى المعرض:دعيت مرة واحدة للقاء السنوى الذى كان يجريه الرئيس مبارك مع المثقفين فى المعرض السنوى للكتاب فى شهر يناير، ولكننى لا أذكر فى أى عام بالضبط. ودعيت بصفتى رئيس تحرير صحيفة الشعب.كنت خلال الحملة على وزير الداخلية، انتظر إيقاف أو مصادرة الجريدة فى كل عدد، حيث أننى كنت أنزل بنفسى لشراء عدد جريدة الشعب مساء صدورها من السوق لأتأكد من أنها لم تصادر أو توقف، ولم أفضل الاتصال بزملائنا الذين يكونون فى مطبعة الأهرام حتى لا أزعجهم أو أنقل إليهم قلقى. وقد وصلت أعداد الطباعة رقما قياسيا 170ألف نسخة، بدون مرتجع تقريبا، وعندما طلبت رفع رقم الطبع إلى 200 ألف وهذا أمر طبيعى فى هذا الوضع، رفضت إدارة الأهرام بحجة عدم وجود ورق كاف! وفكرت فى طباعة الزيادة فى مطبعة أخرى ولكن ذلك يتعارض مع العقد مع الأهرام التى تتولى التوزيع أيضا.كنت أعرف أننى أسير على حبل مشدود مشتعل نارا، ولم أشعر بالأمان يوما، وكنت أتسائل إلى متى سيتحملنا النظام؟ ونحن نرفض أى نوع من المساومة فى أى موضوع، ولا نقبل ضغوطا أو توجيهات بدأ النظام يعتاد ممارستها على صحف المعارضة، من خلال الضغط على رئيس التحرير أو رئيس الحزب أو كلاهما، وأيضا من خلال الترغيب (والدعوة لمصاحبة الرئيس مبارك فى رحلاته أحد أهم أشكال الترغيب). لذلك كنت أستريح مؤقتا لمثل هذه الدعوات لأنها تشير إلى أن ساعة الحسم معنا لم تأت بعد.المهم حضرت اللقاء ضمن عشرات من المثقفين ورؤساء التحرير والكتاب مع الرئيس مبارك، ولم يصافح الرئيس مبارك الحاضرين لكثرة عددهم، وبالتالى لم ألتق بصورة مباشرة معه، وكان اللقاء قد تم ترتيبه – على خلاف العادة – على أساس عدم الحوار المباشر وإنما مجرد إرسال أسئلة مكتوبة. وبطبيعة الحال لم أرد أن أكون سلبيا فأرسلت سؤالا حول الديمقراطية وضرورة تطوير التجربة الديمقراطية وإلغاء حالة الطوارىء. وكان د. أسامة الباز هو الذى يتلقى الأسئلة، وبالتأكيد هو الذى اختار الأسئلة التى يجاب عليها والأسئلة التى يتم حجبها، وتم حجب سؤالى! ولا شك أن الباز يعلم أن موضوع الديمقراطية ثقيل على الرئيس حسنى مبارك، فماذا عساه أن يقول فيه؟!وأهم ما أذكره فى هذا اللقاء تركيز مبارك على أننا “مش قد أمريكا” ولابد أن نكون “واقعيين”، وليس هذا هو المهم فالذى لفت انتباهى أكثر تجاوب الحاضرين مع هذه النغمة بالابتسامات والضحك والتأوهات والتمتمة التى تؤكد الإعجاب بهذه الفكرة “الرائعة”، وهذا التوجه “الرشيد”، ساعتها أيقنت أن المشكلة فى النخبة وليس فى الرئيس! خاصة وأن كثيرا من الحاضرين لم يكونوا من أعضاء الحزب الحاكم أو من الذين يتولون مناصب رسمية فى الصحافة.وكان الحاضرين أشبه بالسميعة المعجبين بالمطرب مهما كانت الأغانى التى يرددها، مثلا فقد غمز مبارك من قناة كلينتون، وأشار بصورة ما إلى فضيحة لونسكى دون أن يحدد أسماء ودون أن يذكر أمريكا. وضجت القاعة بالضحك. فرد مبارك: انتم فهمتم إيه من كلامى؟ لا لا أقصد ما فهمتوه! فضحكوا مرة أخرى. كانت حالة من الانسجام التام بين المطرب والسميعة، وكنت غريبا فى هذا اللقاء.
