من مذكراتى – الحلقة الثانية: أول لقاء مباشر مع الرئيس مبارك على طائرة الرئاسة.ودخلت السعوديةبدون جواز سفر

-مبارك مع صفوت الشريف-

وهذه المرة – وبدون مقدمات – تلقيت دعوة لمصاحبة الرئيس مبارك فى رحلة إلى الرياض. إما فى ديسمبر1997 أو يناير1998 ولا أذكر التاريخ تحديدا، ولكن أذكر أن ذلك كان عقب خروج الألفى من الوزارة بعدة أسابيع. وكنا نرى أن النظام فى حالة إيجابية نسبيا، فعلى المستوى العربى تم عقد القمة العربية بعد طول انقطاع: وتم تغيير الموقف من حزب الله اللبنانى من حركة إرهابية إلى حركة تحرر وطنى، وكان ترك جريدة الشعب تخوض هذه الحملة الضارية ضد وزير الداخلية والفساد فى البلد بشكل عام دون اتخاذ قرار استثنائى ضدها وهذا ما كان يطالب به وزير الداخلية، كل هذه المؤشرات اعتبرناها إيجابية نسبيا. لذلك لم تكن دعوتى هذه المرة لمصاحبة الرئيس مبارك مثيرة للدهشة كالمرة الأولى.ولا أتذكر من الذى دعانى، ولكن أتصور أن الدعوة كانت من رئاسة الجمهورية، ولا أتذكر الآن هل كان د. زكريا عزمى أم شخص آخر. وافقت هذه المرة بدون تردد، بل كنت متفائلا بهذه الدعوة للأسباب السالف ذكرها عن تطور مواقف النظام فى اتجاه إيجابى.واكتشفت أننى أمام مشكلة فنية سخيفة، فجواز سفرى كان عند السفارة الإيرانية لاستخراج تأشيرة، والوقت كان ضيقا، ولم أتمكن من الحصول على جواز السفر، فقلت سأحاول السفر فأنا على طائرة الرئيس! ولم يكن أحد يعرف هذا السر العجيب إلا زوجتى، فقد رأيت أنه لا يصح رفض الدعوة بسبب هذا السبب التافه(!!) رغم أننى أعلم أن رؤساء الجمهوريات والملوك يحملون جوازات سفر!وفى هذه الرحلة دخلت لأول مرة فى حياتى عالم السلطة العليا، واكتشفت حجم ما فيه من إغراء ومتعة بحيث يصعب على أى إنسان مقاومة سحره، إنه عالم أشبه بشبكة عنكبوتية مخملية كأنها تقطر عسلا!كان الدخول للمطار من بوابة خاصة، ولا أذكر مع من دخلت وفى أى سيارة؟ المهم أننى لم أدخل من بوابات “الرعاع” حيث التفتيش وكل أمور الجوازات السخيفة، ونسيت أننى لا أحمل جواز سفر وأدركت فعلا أنها مشكلة تافهة فى عالم الكبار.دخلت صالة سفر خاصة بالرئيس حيث وجدت جمهرة من الوزراء ورؤساء التحرير، وكان لابد أن أحيى من أعرفهم على الأقل، وفى أحد الأركان كان يجلس يوسف والى أمين عام الحزب الوطنى ونائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة مع حبيب العادلى وزير الداخلية، وكنت أعرف يوسف والى من خلال عضويتى بمجلس الشعب، وعندما صافحتهما، بادرنى يوسف والى قائلا : على فكرة يا مجدى كل ما يكتبه صلاح بديوى عن امتلاك حسن الألفى لأراضى زراعية غير صحيح تماما وقد راجعت ذلك بنفسى، وعلق العادلى قائلا صلاح بديوى ده ماله ده بيكتب اللى هو عاوزه!!وأخذ والى يشرح أنه قام بمراجعة سجلات الجمعيات الزراعية التى ذكرناها فى “الشعب” والتى قلنا أنها خصصت أراضى للألفى فلم يجد أثرا لذلك. وقلت له لقد رأيت دفاتر الملكية بنفسى. فأكد من جديد أنه لا أساس لذلك من الصحة، ولم يكن هناك وقت للاستطراد، كما أننى فقدت اهتمامى بالموضوع لأننا أنهينا بالفعل الحملة على الألفى بعد خروجه من الوزارة، فليس لنا معارك شخصية مع أحد.ولم يكن والى ولا العادلى من المسافرين ولكنهما كانا من المودعين، وربما كان هناك أيضا اللواء طنطاوى وزير الدفاع، دعينا إلى طائرة الرئاسة وتعجبت حيث لم نتعرض لأى تفتيش وكنت أحمل حقيبة صغيرة ولم يكن الرئيس قد ظهر بعد. لم يكن غائبا من رؤساء التحرير إلا إبراهيم سعده.وبعد دقائق من دخولنا، وكنا نجلس فى كابينة مخصصة للصحفيين، وطائرة الرئاسة مقسمة إلى غرف، وليس كتلك الطائرات التى يركبها “الناس العاديون”!!، بعد دقائق دخل الرئيس مبارك قبيل إقلاع الطائرة، وأخذ يصافح رؤساء التحرير، وعندما وصل إلىّ رحب بى ترحيبا شديدا، وقال: أيوة كده ذقنك خفيفة، لما بتكون ذقنك كبيرة بتخوف. (كنت بالمصادفة حلقت شعرى منذ أيام وأنا معتاد أن أطلب من الحلاق تخفيف الشعر والذقن إلى أقصى حد حيث ليس لدى وقت للاهتمام بهما!!) كنت الوحيد الذى داعبه الرئيس ربما باعتبارى ضيفا جديدا على طائرة الرئاسة، ولكن لم أدرى أن هذا بداية الاهتمام الخاص بى طوال الرحلة. وقد كانت رحلة طويلة حوالى 7 ساعات ذهاباوإيابا أمضاها الرئيس مبارك مع الصحفيين، وقد أعدت كابينة الصحفيين بحيث تكون هناك منصة للرئيس تواجه مقاعد الصحفيين، ولكن بسبب ارتفاع صوت محركات الطائرة فلابد من الوقوف حول المنصة للاستماع الجيد أو للمشاركة فى الحوار.وبعد إقلاع الطائرة جلس الرئيس مبارك على المنصة والتف رؤساء التحرير حوله، بينما جلس إبراهيم نافع طوال الرحلة على مقعده بسبب مشكلات العمود الفقرى، وربما تجنبا للدخول فى الدردشات السياسية المتشعبة التى تحدث، وبالنسبة لى كانت أحوال العمود الفقرى معقولة فاستطعت الوقوف مددا طويلة، ولكن ليس طول الوقت كما فعل آخرون.وكان هدف الرحلة هو مصالحة بين مصر وقطر بدعوة من السعودية. وقد رأيت أن انشغال مصر بين فترة وأخرى بالتشاجر مع قطر ثم الصلح معها من علامات تدهور دور مصر السياسى العربى، فالمفترض أن تحتوى مصر هذه المشكلات مع الدول العربية الصغيرة أو حتى الكبيرة بدون أزمات وحكايات وقصص. ولكن على أى حال فنحن مع إنهاء أى خلافات عربية – عربية بغض النظر عن رأينا فى الأنظمة. وبالتالى فإن هذه الرحلة كانت مريحة أكثر بالنسبة لى من رحلة أمريكا، رغم تضاؤل حجم الموضوع!وبدأ الرئيس مبارك المؤتمر الصحفى والذى تحول فيما بعد إلى دردشة مفتوحة فى كل موضوع وأى موضوع، فتحدث عن الخلاف الأخير بين مصر وقطر (لا أذكر التفاصيل الآن لأن الأزمات مع قطر متعددة) وقال أن السعودية دعت إلى لقاء ثلاثى فى الرياض لتسوية الأمر، ومصر وافقت على ذلك، كما أنها حريصة على استقرار أوضاع العاملين المصريين فى قطر، ولم يستغرق الموضوع وقتا طويلا لأن الموضوع بسيط. ولم أكن أتصور أن الرئيس سيبقى جالسا معنا حتى الوصول إلى الرياض ولكن هذا ما حدث.حضور الرئيس مبارك مؤتمر عدم الانحياز فى طهران:من الموضوعات التى فرضت نفسها هو مؤتمر وشيك لدول عدم الانحياز (وربما منظمة الدول الإسلامية فلست متأكدا) والذى سينعقد فى طهران، وقد طرح الموضوع الأستاذ/ مكرم محمد أحمد مقترحا أن يحضر الرئيس مبارك المؤتمر، وقد استفاض فى عرض وجهة نظره, وكان لا يعطى فرصة لأحد غيره فى التحدث فى الموضوع، بينما كان مبارك مستمعا, وقد كانت رؤية مكرم قائمة على أساس دعم مبارك للرئيس محمد خاتمى ضد باقى النظام الإيرانى، وقدم تحليلا قائما على أنصاف الحقائق، حيث قدم صورة للخريطة السياسية الإيرانية، على أساس أن خاتمى وحده، وكل أجهزة وأجنحة النظام ضده، ولذلك فإن دعمه واجب! وتدخل د. أسامة الباز فى النقاش واصفا تحليل مكرم بأنه ساذج. وكنت أتصور أن معرفتى بالساحة الإيرانية أكثر من جميع الحاضرين، وكلما حاولت الحديث قاطعنى مكرم أو غيره فعزفت عن الحديث، ولكننى تمكنت قبل انتهاء النقاش حول هذه النقطة، من القول أنا أوافق مع رأى الأستاذ مكرم فى أهمية وضرورة حضور مبارك للمؤتمر، ولكن ليس بحيثيات مكرم، ولكن لأهمية تطبيع العلاقات مع إيران، وأيضا لعدم الغياب عن هذا المحفل، ورد مكرم: محفل! محفل أيه؟!وكانت هناك آراء أخرى بعدم المشاركة. وأنهى مبارك الحديث فى هذا الموضوع قائلا: لقد استمعت لوجهات النظر وسأفكر فيها وأقرر فيما بعد إذا كان ممكن ولا مش ممكن (بكسر الميم كما نطقها فؤاد المهندس فى أحد المسرحيات) على طريقته فى حب الهزار.وفى وقت لاحق، ولما رأيت مبارك لا يريد التحدث فى الموضوع، فتحت حوارا مع عمرو موسى وزير الخارجية حول نفس الموضوع، وقلت له: إن القطيعة بين مصر وإيران ليس من مصلحة مصر. وإيران كفت منذ زمن عن حكاية تصدير الثورة، وهى تقيم علاقات سياسية واقتصادية قوية مع معظم البلاد العربية. وأكد لى عمرو موسى أنه يوافقنى ويقول بنفس الرأى وأن هذا هو رأى وزارة الخارجية.مبارك يمد الخط معى طوال الرحلة: بعد موضوع حضور مؤتمر دول عدم الانحياز فى طهران، لم يناقش أى موضوع محدد، ولكن حرص الرئيس حسنى مبارك أن يجعلنى محور الجلسة من حين لآخر عبر المداعبات السياسية وغير السياسية، فعندما طلب أحد رؤساء التحرير معونة مالية لمؤسسته (غالبا كان مكرم لدار الهلال) قال له مبارك: تحدث مع مجدى فإذا وافق فأنا سأوافق!وعندما سأل أحد رؤساء التحرير عن سر اختفاء علاء مبارك ولماذا لم يعد يظهر فى أى مناسبات عامة؟ قال مبارك: والله لاحظ أن الكلام كتر عليه، فآثر الاعتكاف ولكن طلع الكلام على علاء آخر، على علاء مجدى حسين، ولم أفهم الدعابة فقلت له: أنا أولادى صغار ولا علاقة لهم بالبيزنس! فقال أحدهم (ربما جلال دويدار): يبقى أنت مفهمتش!فقلت له: الآن فهمت!! (أى أنه يقصد علاء الألفى نجل حسن الألفى الذى كانت حملتى مركزة عليه).. وضحك الجميع.وكان هذا اعتراف ضمنى بعدالة الحملة التى شنتها جريدة الشعب على وزارة الداخلية بل تحول الموقف إلى انحياز صريح لحملة الشعب، عندما اقترح أحد رؤساء التحرير الاهتمام برفع معنويات الشرطة فى الفترة القادمة خاصة فى عيد الشرطة القادم، ورد مبارك: إن معنويات الشرطة لم تتأثر بعزل الألفى، بل إن رجال الشرطة عموما كانوا لا يحبونه.وعندما طلب أحد رؤساء التحرير مطلبا ماليا آخر لمؤسسته، قال له مبارك خذ من مجدى حسين ده معاه فلوس كتير!ولم أقبل الدعابة هذه المرة.. وقلت: معروف عننا أننا أفقر السياسيين فى هذا البلد. ويبدوا أن كلامى كان بصورة حادة فقال بعض رؤساء التحرير يا أخى الريس بيمزح معك.وربما بسبب موقفى الحاد توقف الرئيس مبارك عن المزاح معى!ولكننى عدت مرة أخرى موضوعا للحديث بشكل جاد هذه المرة، حين اقترح مصطفى بكرى إيجاد حل للقضايا المرفوعة من وزير الداخلية السابق (حسن الألفى) ضدى، وقد وصلت أحكام الحبس الصادرة فى حقى إلى 4 سنوات فى 4 قضايا، صدرت جميعا عندما كان الوزير فى السلطة، ولا يزال أمامى الاستئناف. واقترح مصطفى بكرى إجراء مصالحة بين الألفى وبينى.ولكنى رفضت هذا الطرح، وقلت للرئيس مبارك: هذه فرصة لمناقشة حرية الصحافة. فالواقع أن الصحفيين لا يهددهم الحبس إلا من الوزراء والمسئولين. وهناك عشرات القضايا المرفوعة من وزراء ضد صحفيين. والوزراء يتجهون إلى القضاء مباشرة، دون ممارسة حق الرد، رغم أن حق الرد فى القانون المصرى جيد جدا، فهو يلزم الصحيفة بالنشر فى ذات المكان وبذات البنط من العناوين وبمساحة تصل إلى مثلى مساحة الخبر الأصلى. وإذا لم ينشر الرد يحبس الصحفى 3 شهور. وهذه شروط جيدة جدا إذا كان الوزير على حق.وأنا أرى أن يصدر الرئيس توجيهاته للوزراء بالكف عن رفع القضايا أو سحب القضايا القائمة والاكتفاء بإرسال الردود على الاتهامات المنشورة. وقلت للرئيس إن هذه مشكلة عامة ولا تخصنى وحدى، وهى الطريق المبدئى لإنهاء شبح التهديد بحبس الصحفيين. لأن المواطن العادى لا يرفع عادة قضايا نشر ضد الصحفى. وهنا أبدى الرئيس مبارك تفهمه واقتناعه بهذا الطرح، ونادى على صفوت الشريف الذى كان قد انسحب إلى غرفة الوزراء. وجاء صفوت الشريف وزير الإعلام وطلب مبارك منى أن أعيد طرح الموضوع عليه، فقلت له باختصار، وأضفت بإمكانى أن أحضر من نقابة الصحفيين (لم أكن عضو بالمجلس وقتها) قائمة بأسماء الصحفيين المرفوع عليهم قضايا من وزراء. وقال صفوت الشريف: أنا فى انتظار هذه القائمة على أساس إقناع الوزراء بسحب قضاياهم والاكتفاء بحق الرد. وشعرت أن هذا هو الإنجاز الأساسى الذى يمكن أن أخرج به من هذه الرحلة.وهنا لابد من الخروج عن التسلسل الزمنى لإنهاء هذه القصة، فعقب عودتى من الرياض، طلبت من محامى نقابة الصحفيين قائمة بالقضايا المرفوعة من وزراء ضد الصحفيين، وقد استجاب الرجل سريعا وخلال أيام قليلة أصبحت لدى القائمة وهى بعشرات القضايا (حوالى أربعين قضية).وفى الرحلة التالية مع الرئيس حملت معى ظرفا به هذه القائمة، والتقيت مع صفوت الشريف وذكرته بالموضوع وأعطيته القائمة.ولكن الموضوع انتهى عند ذلك ولم يحدث أى رد فعل، فمن قتل الموضوع؟ صفوت الشريف؟ أم مبارك نفسه عندما ذكره صفوت الشريف؟لا أعلم ولكن أروى ما حدث.ولكن سيتبين فيما بعد أن المصالحة التى ترضى الألفى كانت هدفا لمبارك والمجموعة المحيطة به.

المشاركة فى صياغة البيان المشترك المصرى القطرى:

عندما اقتربت الطائرة من الرياض، كان لابد من صياغة مشروع البيان المشترك المصرى القطرى للمصالحة، وشاركت فى صياغة البيان فى وجود مبارك حيث كان أحدهم يكتب ما نقول، وعدل عمرو موسى كلمة فى الصيغة التى اقترحتها، وهى صيغة تقليدية تؤكد على ضرورة تحسين العلاقات العربية – العربية، وعودة العلاقات المصرية القطرية إلى سالف عهدها.ووافق مبارك على صيغة البيان وقد كان قصيرا لا يتجاوز عدة سطور.وعندما وصلت الطائرة إلى أجواء الرياض لم تهبط فورا وظلت تدور حول المطار لمدة غير قصيرة، حيث تبين للمسئولين المصريين أن أمير قطر لم يصل إلى المطار بعد، ورأوا أن أمير قطر لابد أن يكون فى استقبال مبارك مع الملك فهد، وأن هذا المعنى مهم جدا!!وتعجبت على الاهتمام بهذه الأمور، ولكننى لم أعلق.

فى القصور الملكية: 

هبطت الطائرة، وأتضح أنها تهبط فى قاعدة عسكرية (لا مطار الرياض) وخرجنا كصحفيين من الباب الخلفى للطائرة، ثم ركبنا سيارات إلى أحد القصور الملكية ولم يسألنا أحد عن جوازات السفر، وقد نسيت أننى بدون جواز سفر!!وكان الوقت حوالى الظهر وكانت فرصة لإلقاء نظرة على مدينة الرياض النظيفة والمنسقة والمترامية الأطراف، وهناك فهمنا أن مبارك يعقد لقاءا ثلاثيا مع الملك السعودى وأمير قطر، وتوزعنا فى بهو القصر بغير هدى. ووجدتنى بجوار اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة الذى ألقاه لأول مرة، وكان خلال الرحلة يطل علينا من باب الوزراء ليتابع بعض الحوارات لبعض دقائق ثم يدخل غرفة الوزراء، وكنت أتسائل هل يتعالى على هذه الدردشات بين الصحفيين والرئيس، أم أن طبيعة عمله تلزمه بعدم المشاركة فى مثل هذه الدردشات.ولذلك عندما التقيت به فى بهو القصر كنت أحترم صمته، ولكنه بادرنى بالتحية وقال لى: أنت تحمل دوسيه أحمر، وقد انتهى عهد الشيوعية!! وضحكنا، وقال لى: تعالى نجلس.. وسألته عن هذه الرحلة ومغزاها- وكنت أشعر أن الأمر لا يستحق كل هذا الركب الكبير- فقال لى: نحن نقدر الدور السعودى فى هذه المنطقة ، وأن السعودية تتحرك فى الخليج كأخ أكبر لباقى دول الخليج، ولابد أن نحترم الدور السعودى، ولذلك كان من الصحيح ألا نتأخر عن الطلب السعودى، وهذا أهم ما فى الموضوع. ولا أدرى لكم من الوقت اتيح لنا الاستمرار فى الحوار، لأنه سرعان ما دعينا لتناول الغذاء. ورغم قصر الحوار فقد شعرت بارتياح لشخص اللواء عمر سليمان ولثقافته السياسية غير المعهودة لدى المسئولين المصريين.كان فى الغذاء ما لذ وطاب مما لا يمكن أن أتذكره، مما لم أكن أعرفه أصلا. وقد كان أكبر مقلب لأنه بعد أقل من ساعتين دعينا للعشاء فى قصر ملكى أكثر فخامة، على مائدة الملك فهد ومبارك وأمير قطر، وكانت المائدة تحتوى على كل أنواع الأكل والشراب فى العالم، ولكننا تظاهرنا بالأكل لأنه ما كان يمكن أن نأكل مرة أخرى.ورغم أن المهمة يبدوا أنها انتهت إلا أنه أمتد بنا المقام فى هذا القصر الفخيم حتى أصابنا الملل فى صالة واسعة جدا لتناول القهوة، بينما يبدوا أنه كان هناك لقاء قمة آخر. وفى حمام القصر وجدت الصنابير مذهبة ولا أدرى هل كان ذهبا حقيقيا أم مجرد قشرة!؟ وكان يبدو أنه القصر الأول.أثناء تحركى فى القصر، صافحنى شخص بترحيب كبير(محمد أو أحمد عبد العزيز) وهو سكرتير الرئيس مبارك: وقال لى كلام كبير من نوعية: نحن سعداء جدا أن يكون شخص مثلك معنا. كنت فى حيرة من أمرى فهل يعنى ما يقول؟ ولكن لماذا يجاملنى أكثر من اللازم؟ عموما لم نلتق مرة أخرى. ولكننى سمعت عنه سمع خير.وأخيرا وقد بدأ الليل يتوغل، وانتهيت من صلاتى المغرب والعشاء وأذن بالرحيل، وسعدت لأن الملل أصابنى بسهم نافذ.وفى طريق العودة كان الرئيس مبارك معنا فى كابينة الصحفيين، وأدلى بتصريحات حول نجاح الزيارة، واستمر معنا حتى نهاية الرحلة.ولكن الإرهاق كان قد أصاب معظم رؤساء التحرير فاستلقى معظمهم على المقاعد، وحرصت ألا أفعل ذلك لعلى أجد حديثا مفيدا مع رئيس الجمهورية. ولكن ثرثرة رؤساء التحرير كانت هى الغالبة، وانعكس الإرهاق على غياب أى موضوع مفيد للحديث. فهذا يسأل عن صحة الرئيس ولماذا يضع بلاستر على ظهر كفه، وآخر يبدى إعجابه الشديد برابطة عنقه!!وقال مبارك: إن هناك بائع كرافتات ممتاز فى الكوربا يتعامل معه. وقد فشلت فى فتح أى موضوع جاد للحديث. وأذكر من ذلك أنى سألت الرئيس عن عدم سفره للهند، وتحدثت عن أهمية العلاقات الإستراتجية بين مصر والهند، ولكن لم أتلق أى ردود إلا إن شاء الله قريبا.وفى مرة أخرى قلت للرئيس: نحن أيضا لا نهتم بالجمهوريات الآسيوية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتى وهناك مصالح مشتركة عديدة تربطنا بها.فرد مبارك: نحن الآن نركز فى تطوير العلاقات مع روسيا، ونطور العلاقات مع هذه الجمهوريات من خلال روسيا فى وقت لاحق.لم أقتنع لأن هذه الجمهوريات مفلوتة الآن من روسيا، وهى عرضة لعلاقات خاصة مع إسرائيل!ولاحظت أنه لا فائدة من فتح أى حوار حول أى موضوع وانسحبت تدريجيا من الدردشة إلى مقعدى.وكان كل الوزراء فى انتظار الرئيس بالمطار رغم أنهم ودعوه فى الصباح.وفى المطار صافحت اللواء عمر سليمان وقلت له: أرجوا أن نلتقى مرة أخرى لأن هذه المرة لا تحتسب. قال: إن شاء الله ولكن لم نلتق أبدا بعد ذلك.ولا أدرى فى سيارة من عدت إلى منزلى.. ربما مع جلال عيسى. المهم لقد عدت إلى منزلى من المطار لأول مرة بدون تفتيش حقائبى، وبدون ركنى لمدة نصف ساعة حتى تقوم الأجهزة الأمنية بفحص جوازى، بل دخلت مصر كما خرجت بدون جواز سفر. سرحت فى خيالات بين المطار والروضة، فى الفارق المهول بين أن تكون مستضعفا مستهدفا من أصغر مخبر وبين أن تسير فى ركاب الرئيس. إن أخطر شئ فى هذه الصلة، أنك تشعر بأمان دنيوى، فأنت تلتقى عدة مرات فى السنة برئيس الجمهورية؟ فمن الذى يتعرض لك، أو يصنع معك مشكلة، كما أنك إذا واجهت مشكلة غير عادية فى حياتك، فيمكن خلال مثل هذه الرحلات، أن تهمس فى أذن الرئيس أو الوزير لتحل. لذلك قدرت أن من يدخل تحت هذه الشبكة المخملية لابد أن يسلم أوراقه وأن يتحول إلى إنسان مطيع حتى لا يطرد من هذه الجنة (جنة طائرة الرئيس).والحقيقة فقد كنت أفكر فى الإغراء الذى يمثله ذلك للآخرين، وكنت أتخيله، ولكن ليس من رأى كمن سمع.ولكن فيما يتعلق بى فقد كنت أحلم بعلاقة صحية بين حاكم وصحفى وكاتب معارض. هل يمكن أن يكون ما حدث اليوم بداية لها؟!يبدو أننى كنت أميل للتفاؤل فى هذا الصدد، رغم أننى إذا راجعت ما حدث بشكل موضوعى ما كان لى أن أتفاءل إلا بخصوص موضوع حبس الصحفيين كقضية عامة وليس كمشكلة خاصة بى. ولكن اهتمام الرئيس مبارك بى أثر علىّ وجعلنى أنحو إلى التفاؤل من هذه البداية، وكتبت خبرا عن الرحلة، اعترض عليه الأستاذ عادل حسين رغم أنه معروف عنه أنه أكثر اعتدالا منى!! وقال لى: يبدو من صياغة الخبر أنك سعيد جدا من المشاركة فى هذه الرحلة وهذا لا يجوز. قلت له لا أريد أن أبدو كذلك، أرجوك راجع الخبر وأعد صياغته كما تريد. وبالفعل أعاد الأستاذ عادل حسين صياغة الخبر بصيغة أكثر تحفظا. وقد أثبتت الأيام أنه كان أبعد نظرا منى. (هو نفسه كانت له تجارب فى لقاءات خاصة مع مبارك ووصلت إلى طريق مسدود، ومن قبله د. محمد حلمى مراد).ومع ذلك ظل خبر مشاركتى فى رحلة الرئيس عجيبا وهو منشور فى الصفحة الأولى للشعب. رغم أنه لم يكن الخبر الرئيسى بطبيعة الحال.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading