الأعراب ” أشد كفرا ونفاقا “كانوا الجسم الأساسى للردة
ولم يكونوا الجسم الأساسى لفتوحات الشام وفارس
الصورة للمؤرخ والعلامة ابن خلدون
الحلقة 84 من المستطيل القرآنى و14 من الردة
هذه الحلقة كتبت أصلا قبل الشروع فى دراسة حد الردة فى إطار التسلسل الزمنى لقصة المستطيل القرآنى والتى بدأت بمحور مصر أى نظرت للمستطيل القرآنى كله من الموقع المصرى حتى عهد محمد على ثم انتقلت لمحور ثان هو الجزيرة العربية حتى وصلت إلى عهد سيدنا أبى بكر الصديق ولكننى رأيت أن أفصل دراسة حد الردة كدراسة فقهية نظرية عن أحداث حروب الردة . ولاخلاف بين المسلمين على تقييم الموقف من هذه الأحداث وقد أشرت إليها فى الدراسة التى ركزت على ظاهرة الردة الفردية ، إما هذه الردة الجماعية المتمردة فلا خلاف حول قتالها . لذلك لزم التنويه .م. أ ح
بعد الصورة الباهرة التى عرضناها للفتح الاسلامى فى العراق وفارس والشام وهى ليست بعيدة عن معرفة المسلمين وإن شحت الثقافة التاريخية فى حياتنا ويتعرض الشباب لحالة من التجهيل غير المسبوق. بعد هذه الصورة الباهرة نستطيع أن نعود إلى الجملة الاعتراضية التى تعمدنا تأجيلها ، وهى حروب الردة لنزيد الأمر ايضاحا :
أولا : ان الردة كانت تشمل أساسا الأعراب الأشد كفرا ونفاقا ولذلك لم تكن مفاجأة محيرة فلقد كان دخولهم للاسلام سطحيا وفى إطار السير مع المنتصر ، فإذا شعر ان الطرف المنتصر ضعف ويمكن أن توجد المصلحة مع طرف آخر فيغير ولاءه . والامتناع عن الزكاة توفير للمال ! والسير وراء زعيم القبيلة المتنبىء ربما يعود بفائدة أكبر!
ثانيا : إن حملة الفتوحات الاسلامية لم تعتمد على هذه الشريحة ولكن كما اوضحنا على نخبة النخبة من الصحابة من أرقى بيوتات العرب فى المجتمعات المستقرة مكة والمدينة والطائف ومختلف المدن والقرى وماحولها .
ثالثا : وقلنا إن حملة الفتوحات الاسلامية اعتمدت على القبائل اليمنية بنسبة لاتقل عن 70 أو 80 % فى جبهة الشام كما شاركوا بنسبة أقل فى جبهة العراق ثم شاركوا بكثافة فى المعارك الكبرى التالية شرقا وغربا . وأهل اليمن ليسوا من الأعراب ، ولكن هل ارتد اليمنيون ؟ سنأتى لذلك .
والآن نواصل المزيد من التوضيح . التوضيح الأهم ان هناك مبالغة غير معقولة فى تقدير حجم وعمق حركات الردة أكثر من الواقع بكثير ، وهذه المبالغة أدت إلى أكبر اساءة للاسلام وللصحابة . ولا أريد التوسع فى البحث عن المسئول عن هذا الضجيج الذى لايمكن نسبته إلى شخص واحد ولكن من العيوب التى اتسم بها كتاب الناريخ المسلمون وأقول كتاب التاريخ لأنهم ليسوا حقيقة بمؤرخين . المؤرخ يتفرغ للتاريخ وعندما يكتب عن حقبة يجمع معلوماته من مصادر عدة ثم يقوم بعملية تحليل أو محاكمة للأحداث والمعلومات ويربط ذلك بقواعد المنطق وبما يمتلكه من ثقافة سياسية وتاريخية واقتصادية وجغرافية ، ويبحث فى التاريخ عن وقائع مماثلة ويعقد المقارنات . إنه حقيقة أشبه بالفقيه ، بل هو فقيه بالفعل ، فى دراسة فقه الواقع وحقائق التاريخ . المؤرخ كالقاضى الكبير فى المحكمة العليا يدرس القضية من مختلف الجوانب ثم يعود ويدرس آراء الشهود ثم يلجأ للمتخصصين فإذا كانت القضية اقتصادية يلجأ إلى رأى متخصص فى الاقتصادالخ أو مايسمونه فى القضاء ( رأى الخبير ) ويستخدم كل مايمتلكه من ادوات قانونية ( مراجع ) أو ( أحكام قضائية فى قضايا مماثلة ) وبعد عناء طويل يصدر الحكم .
المؤرخ يفعل ذلك وأكثر ويجب أن يمتلك الحد الأدنى من القدرة على التحليل السياسى وهى لا تتأتى إلا بالثقافة السياسية . ما أطلعت عليه من كتب الاسلاميين فى التاريخ حتى المشاهير منهم لم أجد عنده كل هذه الملكات . بل لم أجد أنه بذل أى مجهود من أى نوع كان عندما يكتب معلومة تاريخية ، بل هو يضعها هكذا وقد ينسبها لشخص معلوم أو مجهول رغم خطورتها . طبعا ستجد بعض المناقشات هنا وهناك ولكنها ترتبط بتحيزات الكاتب وليس بروح القاضى ، فإذا كان من أنصار الأمويين دافع عنهم وحشد كل المعلومات والاستناجات التى تؤكد عظمتهم ، وسخف من المعلومات التى تسيىء إليهم حتى بدون تقديم حجج أحيانا .وكذلك يفعل المنحاز للدولة العباسية وهذه مجرد أمثلة . هذه ظاهرة منشرة ولكنها لاتلغى محاولات البعض الآخر لتوخى الموضوعية وذكر مختلف الجوانب السلبية والايجابية لعهد معين . ويمكن الرجوع لملاحظات العلامة ابن خلدون حول أخطاء الاسلاميين فى كتابة التاريخ .
فى موضوع الردة أكتفى بأمثلة بسيطة لأن الجميع اشترك فى الخطأ تقريبا وفى حدود ما قرأت . موقع راغب السرجانى يكتب فى باب الردة ( ارتدت العرب قاطبة ) وهى عبارة منقولة من كتب التاريخ ، ومن خصائص كتاب التاريخ الاسلاميين أنهم ينقلون عن بعضهم بعضا بسهولة بدون تمحيص باعتبار أن كلهم ثقة .وأقف عند العلامة الكبير ابن كثير فى كتابه ( البداية والنهاية )وقد حاولت تجنب تقديم أى ملاحظات حوله فهو أستاذى فى مجال التفسير وأعلم قدره جيدا . ولكن هذا الأمر لايمكن السكوت عنه. كتاب البداية والنهاية يتسم بالمثالب التى أشرت إليها آنفا ومنها فكرة نقل وتسجيل المعلومات دون مصدر واضح ودون تمحيص . ولكن هذا الكاتب هو ابن كثير فإذا كتب شيئا أصبح معلومة مؤكدة يتناقلها الجميع . فهو القائل مثلا ( ولم يبق للجمعة مقام فى بلد سوى مكة والمدينة ) – البداية والنهاية -الجزء 6 – ص 846 وأضاف ( وارتدت العرب ولم يثبت الا ثقيف بالطائف لم يفروا ولم يرتدوا )
معلومات مؤكدة تؤكد حجم المبالغة
كل المناطق الواقعة شمال المدينة وحتى الشام لم يرتد فيها أحد !
البحرين لم ترتد وليس المقصود بها البحرين الحالية بل منطقة واسعة من شرق الجزيرة العربية . ولكن حدث صراع بين طرفين وانتصر المسلمون .
فى كثير من القبائل ثبت كثير من المسلمين على دينهم ولكن المرتدين كانت لهم شوكة عسكرية وهذه طبيعة العمل الانقلابى .
فى الأيام الأولى لاعلانات الردة أو الامتناع عن دفع الزكاة حدث التالى :
جاء صفوان بن صفوان بصدقات بنى عمرو . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات بنى عمروالذين هم فرع من تميم . جاء صفوان إلى المدينة بالصدقات وسلمها .
جاء الزبرقان بن بدر بصدقات بنى عوف وسلمها فى المدينة للخليفة أبى بكر الصديق . والزبرقان بن بدر التميمى ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه وكان من وجهائهم .
وجاء عدى بن حاتم الطائى بصدقات قومه .
وبعد عدة شهور جاءت صدقات كثيرة تزيد عن حاجة المسلمين.( محمد شاكر – التاريخ الاسلامى – الخلفاء الراشدون والعهد الأموى – مرجع سابق ).
ولما أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى المرتدين من طىء ( الممتنعين عن دفع الزكاة ) طلب منه عدى بن حاتم 3 أيام ليكسب إليه قومه وقد حدث ذلك فعلا بدون قتال .
وكان خالد بن الوليد لا يهاجم قوما إلا إذا لم يؤذنوا ، فالآذان كان علامة الاسلام ومعنى ذلك ان هناك أقواما كانت تقيم الصلاة على عكس السائد فى كتب التاريخ ( لايسجد لله الا فى 3 مساجد) ويعنى ذلك أن خالدا كان يدخل بدون قتال ولكن كان عليه أن يحسم مسألة الزكاة وغالبا فان القوم كانوا لايمانعون فى العودة لدفع الزكاة وكان قد أشيع انها ضريبة خاصة بالنبى محمد وحده . أى أنه كان هناك بعض الاضطراب ولم تكن مسألة ردة صريحة دائما الا عند المتنبئين ( مدعى النبوة ) وبعض غلاة الأعراب . وكان موت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حدثا كبيرا مزلزلا تسللت منه بعض الارتباكات التى استغلها أصحاب المآرب الخاصة والمرتدون فعلا .
أما فى البحرين أى شرق الجزيرة( منطقة الاحساء ) فقد حدث انشقاق بين جماعة بقيادة الجارود تمسكوا بالاسلام وجماعة مرتدة حتى أرسل أبو بكر تعزيزات للمسلمين فانتصروا .
أى أنه لم يرتد العرب قاطبة كما روجت البداية والنهاية ومن خلفه جوقة واسعة من كتاب التاريخ ولكن حدثت انشقاقات فى أماكن عدة .وماحدث فى البحرين حدث فى الجنوب منها فى عمان بنفس السيناريو تقريبا .
ويبقى السؤال الأهم والأكبر .. هل ارتد المسلمون فى اليمن ؟ هذا موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله .
