الحلقة 85 من المستطيل القرآنى و15 من حد الردة
لماذا لم يذكر هؤلاء المبالغون فى شمول الردة لكل شجر وحجر وبشر فى جزيرة العرب عدا مكة والمدينة وقالوا ارتد العرب قاطبة، لماذا لم يذكروا ان اليمن كان يحكمه منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم عدد من الولاة كل على جزء ( 12 واليا ) وعندما حدثت وقائع الردة التجأ عمال النبى صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين ، وإن كانت الروايات لاتقول لنا شيئا عن العدد أو النسبة العددية للمسلمين الثابتين على دينهم. ولكن لاشك كان هناك قطاع كبير من المسلمين لجأ إليه هؤلاء الولاة واستطاعوا أن يحموهم. لم تكن ردة شاملة بل كانت أشبه بالانقلاب العسكرى الذى يستغل الحادث المذهل الذى أربك العقلاء قبل الحيارى : وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الواقعة التى كادت تجعل عمر بن الخطاب يفقد صوابه لولا وقفة أبى بكر معه ومع غيره حين قال ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لايموت ) مع التذكرة بالآية الكريمة ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ) آل عمران – 144
كانت الردة فى اليمن أشبه بالانقلابات الموضعية فى بعض المراكز حتى ان الحملات التى أرسلها أبو بكرما تكاد تصل حتى يحسم الأمر أو يقع قتال قصير يحسم فيه الأمر وكأنها أشبه بالعمليات الجراحية السريعة ( أو على طريقة مستشفى اليوم الواحد) فكانت الانتصارات تتحقق قبل وصول الرسائل إلى أبى بكر تنبؤه ببدء الهجوم .لم نكن أمام ردة جماهيرية عارمة تقاتل من أجل دين آخر أو مصلحة دنيوية . وهذا التقدير ينطبق على كثير من المواقع عدا مواقع قليلة سنتحدث عنها توا إن شاء الله . المهم تم سريعا إنهاء الردة فى تهامة وشنوءة وبجيلة وخثعم . وبالمناسبة هذه المناطق لا تتوقف أبدا عن التمرد عبر التاريخ فى كل العهود وحتى القرن العشرين ، تتمرد على أهل الجبال باعتبار تهامة هى السهل الساحلى . ففى تهامة ترتفع الحرارة أحيانا إلى 85 فرانهيت مع قلة شديدة فى الماء وتنتشر التربة الحجرية غير الصالحة للزراعة . وفى تهامة – وحتى القرن العشرين – مجموعات سكانية قليلة متناثرة وهم من البدو بشكل عام ويشتغلون بقليل من الرعى والصيد والزراعة . وقد زادت أهميتها مؤخرا بسبب الموانىء : المخا – اللحية – الحديدة . ويسكن الأهالى فى بيوت كالعشش . أما أهالى الهضبة اليمنية فهم أكثر حيوية وذكاء وعلى أرضهم بنيت حضارة اليمن ( تكوين اليمن الحديث – الطبعة الرابعة – 1993- د. سيد مصطفى سالم – مرجع سابق ).
وأمر سيدنا أبو بكر طاهر بن أبى هالة أن يسير إلى صنعاء لمساعدة المسلمين ، أى كان هناك مسلمون صامدون لم يفروا وهم فى حاجة إلى المساعدة . وفى نبأ آخر أرسل أبو بكر قوة إلى صنعاء فدخلتها ولا نسمع أى تفاصيل عن معارك أو قتال حامى الوطيس ، ولكن ملاحقة شذاذ الآفاق الذين هربوا خارج صنعاء . كانت قوة الردة متمثلة فى قانون الانقلاب العسكرى ، أى الانفراد المفاجىء بالقوة العسكرية وإصابة الأطراف الأخرى بالشلل المؤقت على الأقل .
كان عمال أبى بكرفى اليمن الذين لم يفروا فى صنعاء فى انتظار قوة أرسلها الخليفة ومعها والى حضرموت الجديد. كانوا ينتظرون الوالى الشرعى لتنصيبه بدلا من المتمرد الذى قام بالانقلاب . وتم اقتحام حضرموت وأرسلت خمس الغنائم لأبى بكر .وعادت الحياة طبيعية فورا فى ظل الوالى المسلم .
طبعا كانت هناك معارك مع أتباع الأسود العنسى المتنبىء اليمنى الذى قتل قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن بقى له بعض الأتباع .
خارج اليمن كانت معظم المعارك بين صغيرة ومتوسطة . فالقوم قد تصوروا ان الدولة المركزية الجديدة قد انهارت فلما تبين لهم ان ذلك لم يحدث تراجعوا بمعدلات متسارعة أو متوسطة أوبطيئة حسب كل حالة .
كانت المعركة الرئيسية الكبرى مع مسيلمة الكذاب زعيم اليمامة وهى بلدة جبلية فى وادى حنيفة شمال الرياض بأربعين كيلومتر. عرف فى الجاهلية باسم رحمان اليمامة وعندما جاء وفد بنى حنيفة لمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم فى أيامه الأخيرة على الاسلام كان مسيلمة معهم ولم يحضر اللقاء بحجة أنه يحرس المتاع والدواب الخاصة بالوفد وكأنه شخص عادى وكان يتحجج حتى لايقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد لاحظه سيدنا محمد ولم يرتح له وشعر بتعمده رفض اللقاء . لقد كان ينتوى التآمر . وفى المعارك معه كانت له عزوة كبيرة وقد أدت إلى استشهاد عدد كبير من الصحابة وحفظة القرآن بما لم يحدث فى أى موقعة أخرى . بل كانت كثير من المعارك بلا خسائر أساسا .
أننا لسنا إزاء حالة ردة عامة بالمعنى الدينى الضيق ، وإن كنت أفضل تماما استخدام مصطلح الردة على جميع من نقض العهد وبأى حجة ، لأننى مع تثبيت هذا المعنى الجوهرى للردة . وليس مجرد ارتداد شخص معزول بلا تأثير . فأصل معنى الردة هنا هو الانقلاب على النظام الاسلامى ، حتى وإن تنوعت الأشكال ، فهناك ردة صريحة مكشوفة بإدعاء نبوة كاذبة وهذه لم يحتكرها مسيلمة ، وهناك امتناع عن دفع الزكاة بمعنى الرفض الكامل لها ، وهناك الرغبة فى الزعامة وإعادة السلطات القبلية القديمة المنفكة من أى دولة مركزية الخ
لماذا نجح مسيلمة الكذاب فى خوض معارك شديدة وشرسة إلى حد إرهاق القائد الفذ خالد بن الوليد وإشعاره بصعوبة الانتصار . كما قلنا لأن لديه عزوة قبلية وكان أتباعه يظنون أنه قادر على إقامة دولة قوية على مساحة كبيرة من أرض الجزيرة ومركزها اليمامة ، اذا لم يسيطر على جزيرة العرب كلها ، وبهذا يعم الخير على أهل اليمامة قبل غيرهم . ولابد أن نتذكر مرة أخرى ان الدولة المركزية فى الجزيرة العربية لم توجد قط منذ فجر التاريخ . لم تكن جزيرة العرب إلا مجموعة كبيرة من القبائل المنتشرة على مساحة واسعة من الصحراء القاحلة الأشد جفافا فى العالم ( وإن كانت الصحراء الغربية المصرية أشد جفافا منها ) ، وكانت كل قبيلة صغرت أو كبرت دولة فى حد ذاتها .وزعيم القبيلة هو رئيسها حتى وإن كانت دولة متحركة تبحث عن الماء والكلأ ولكنها جاهزة دوما للقتال من أجلهما . وطبعا كانت هناك قبائل غير متحركة تمركزت داخل وحول المدن كقبائل مكة والمدينة
والطائف وكمعظم قبائل اليمن .
إن توحيد الجزيرة فى دولة واحدة مركزية حدث لأول مرة فى التاريخ بعد فتح مكة أى فى العام الثامن للهجرة وما أعقبه من بعض المعارك فى حنين والطائف وحتى غزوة تبوك فى العام التاسع للهجرة لتأمين الحدود الشمالية للدولة مع الامبراطورية الرومانية بالشام. وأصبح العام التاسع الهجرى يسمى عام الوفود حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل فى المدينة وفود القبائل التى تأتى للمبايعة ودخول الاسلام وكان جزء من هؤلاء كما قلنا قد قرروا السير فى صف المنتصر الأقوى وليس عن عميق إيمان واقتناع وكانت بنو حنيفة من أمثال هؤلاء . كانت هذه الدولة الجديدة كل الجدة ، الغريبة كل الغرابة عن كل أعرابى لم تستقر الا عاما واحدا تم تدشينه بحجة الوداع أو بالأحرى تدشين نهايته . كان هذا هو السبب الجوهرى من وجهة نظرى فالأعرابى البدوى لم يتعود هذا التدخل فى حياته ، وهو يكتفى برئيس قبيلته . أما الذى فاز قلبه بالتدين الحق وكانوا غالبا أهل المدن ( أى القرى المتطورة التى لم ترتفع إلى مستوى المدينة الحديثة ولذلك فإن القرآن الكريم سماها قرى وحتى مكة سماها أم القرى لمكانتها الروحية ). كذلك تدين بحق بعض الأعراب . التدين الحقيقى والايمان الحق برسالة الاسلام هو الذى يساعد على تخطى كل العصبيات ، بل قام الاسلام منذ البداية على محاربتها ، ولكنها دوما كانت عقبة كأداء .
فى النهاية لا نريد التقليل من حجم الردة وما مثلت من زلزلة فى المجتمع المسلم الفتى عقب كارثة رحيل
الرسول صلى الله عليه وسلم عن عالم الدنيا . وانها انتشرت فى بقاع مختلفة على خريطة الجزيرة . ولكنها لم تكن بالشمول الذى يحصر الاسلام المتبقى فى مكة والدينة وأحيانا تضاف الطائف وأحيانا يضاف مسجد فى البحرين ! ولم تكن حركة تافهة أو هامشية بطبيعة الحال ، بل فى منزلة بين منزلتين ولكن مع ضرورة تحديد أماكن استفحالها وأماكن وقوعها أصلا. وقد أشرنا للطابع الانقلابى العسكرى ، والمقصود به حالة الرغبة فى العودة للاستقلال القبلى ، وبالتالى استخدام القوة لتحقيق ذلك .. بينما أخذ المسلمون الصادقون على حين غرة لأنهم لم يكونوا يستعدون عسكريا لمواجهة اخوانهم . ولكن بمجرد ذهاب الارتباك الأول كان الأمر يعالج سريعا ولكن بدعم عسكرى مركزى ( لمواجهة انقلاب عسكرى ).
والحقيقة فإن أبا بكر برهن على أنه سياسى بارع من الطراز الأول ، فبعد موقفه الايمانى العقائدى الذى لايساوم على الزكاة وهى ركن من أركان الدين ، وبعد إصراره على إنفاذ بعث أسامة للشام فقد كان يمتلك التقدير السياسى والعسكرى الدقيق للموقف، وهذا مطلوب من القائد المسلم ، فان الاعتماد الكلى على الله سبحانه وتعالى لايعنى عدم تقدير الموقف حق قدره حتى يرتب استعداداته على هذا الأساس . كان رابط الجأش لم يصب بالهلع.فكان
إرساله لبعث أسامة رسالة ثقة وطمأنة ، وكان ضمانا لعدم حدوث أى ردة فى شمال المدينة حتى حدود الشام .
ثانيا : كان يخطط لتأجيل المعارك حتى يعود بعث أسامة الذى لن يأخذ سوى شهرين أو ثلاثة . كان يطيل أمد المفاوضات مع الوفود التى تأتى باقتراح الامتناع عن دفع الزكاة ، ويسمح بتبادل الوفود للتفاوض! كسبا للوقت ، وهو لم يكن يساوم مع ذلك على مبدأ دفع الزكاة ولكنه حوار ومناقشة فى الدين .
ثالثا: لم يكن جيش أسامة قد ابتعد كثيرا عن المدينة عندما بدأت مجموعات من الأعراب الاغارة على المدينة ولكن أبابكر وكبار الصحابة مع مجموعة من المقاتلين قاموا بصدهم وتأديبهم وملاحقتهم . مما كان له أكبر الأثربعد معرفته فى عموم الجزيرة . وفى الحروب تكون هذه المصادمات الأولية اختبارا للقوى ، وقد ظهر ضعف الأعراب المرتدين وعدم تماسكهم وعدم استعدادهم لقتال حقيقى وقد ظنوا ان الاغارة على المدينة ستكون سهلة بعد خروج جيش أسامة . وبمجرد انتهاء معارك الردة وآخرها كانت فى اليمامة وافق الخليفة فورا فى اليوم التالى على طلب الشيبانى بالاغارة على الدولة الفارسية ، وسرعان ما لحق به خالد بن الوليد !
لذلك فإن هذه الجملة الاعتراضية السخيفة ( الردة ) لم تشمل أساسا إلا الأعراب وبعض الزعامات الطامحة التى لم تدخل الاسلام أصلا ألا شكلا باللسان ، بل وحتى ذلك لم يفعله مسيلمة اذ رفض مقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا . إن الفيروس لم يصب قلب الجسد المؤمن ، وإلا لما استطاع أن يندفع بقوة إلى فتوحات الشام وفارس .ورغم أن أبا بكر منع كان قد منع المرتدين من المشاركة فى هذه الفتوحات بعد توبتهم إلا أنه عاد وتساهل معهم مع تقدير كل حالة على حدة .وزاد الأمر فى عهد عمر بن الخطاب . والبعض من هؤلاء أبلى بلاء حسنا فى القتال على الجبهتين الفارسية والشامية ، وحسن اسلامهم ، والحمدلله رب العالمين .
حد الردة
كما أشرت منذ قليل فإننى مع الأخذ بفكرة عقوبة الردة على أساس أنها جريمة الانقلاب على النظام الاسلامى ، وهذا هو قول الدكتور محمد عمارة ( راجع فيديو عمارة فى هذه المدونة ) بالاضافة إلى عدد من المفكرين الاسلاميين المعاصرين . ولكن فى المفهوم الفقهى التقليدى والمتوارث فقد تم إقرار ما يسمى حد الردة كعقوبة فردية على كل مسلم يتراجع عن العقيدة الاسلامية . وقد تبنت الحركات الاسلامية هذا المفهوم . وهذا فى تقديرى من الأمور التى أساءت للحركة الاسلامية وشوهت صورة الاسلام . لقد تعمدت فيما مضى من سنوات عدم إثارة مثل هذه الموضوعات الخلافية على أساس أن مهمة الحركة الاسلامية أن تصل للحكم أولا ثم نبحث ساعتها مثل هذه الخلافات . ولكن بعض الحركات الاسلامية بدأت تصل للحكم وبعضها أقام دولا اسلامية بالقوة وطبق شرائع الاسلام كما يراها . بل قبل ذلك قام بعض الاسلاميين بتكفير بعض المثقفين . بينما هم لايستطيعون التعرض بكلمة نقد لحاكم مثل مبارك وكأنها رغبة فى المعارك السهلة . التصور الخاطىء لمفهوم الردة كان ضمن آراء سيئة أخرى لهذه الحركات الاسلامية لتشويه الاسلام ، ولن يجد أعداء الاسلام أفضل من هذا ، فكانوا يسارعون وينشرون هذه الآراء ” الاسلامية ” على أوسع نطاق فى الاعلام الذى يسيطرون عليه . فبدت صورة الاسلام دوما ملطخة بالدماء أو العنف وعدم تحمل الخلاف فى الرأى وكثير من هذه الأمور الكريهة .
ونذكر بالآية الكريمة التى علقنا عليها من قبل أثناء تناول سيرة أبى الأنبياء ابراهيم لأنها مفتاح أو أحد مفاتيح الحديث فى موضوع الردة : ( وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) البقرة 126
أى ان الله سبحانه وتعالى أجل عقاب الكافر على كفره إلى يوم القيامة ولم يبح قطع الأرزاق عنه فى الدنيا ، أو معاقبته عموما فى الدنيا بسبب عقيدته .
ولكن فى هذا المجال يقول المدافعون عن حد الردة : هذا فيما يتعلق بالكافر ولكن المشكلة فى هذا الشخص الذى دخل الاسلام ثم يرتد عنه . فيجب أن يكون مفهوما أن الاسلام ليس لعبة أو ناديا أو حزبا انه عقيدة سماوية نراها هى الأتم والأكمل كما ورد فى القرآن الكريم ، فلا يسمح بالتراجع عنها بعد الدخول فيها . وهذا ما سنناقشه فى دراسة خاصة على أساس نصوص القرآن والسنة .
( كانت هذه فى الحقيقة هى المقدمة لكتابة دراسة حد الردة التى نشرت فى الحلقات السابقة فى13 حلقة)

