الملايين في البلاد المفتوحة تدخل الإسلام بدون إكراه>الفتوحات الإسلامية تمت بدون جيش نظامي

عربي قال لقائد الفرس : لن تهزمونا لأننا القدر

تشجيع أرامل الشهداء على الزواج سياسة صائبة

الحلقة 87 من دراسة المستطيل القرآنى

تذكرة بالمسيرة

كانت لنا رؤية عامة شاملة لتاريخ المستطيل القرآني ( الشرق الأوسط – مركز العالم ) حتى وصلنا إلى نهايات عصر محمد علي باعتبار ذلك الحدث الأهم في المستطيل في النصف الأول من القرن 19 م وليس للانحياز للتاريخ المصري باعتباري مصرياً !

وقد تناولنا أبرز أحداث التاريخ في المستطيل : نشأة الحضارة الإنسانية في الشرق الأوسط – صراعات القوى العظمى حوله : الفرس – اليونان – الرومان – الاسكندر الأكبر – البطالمة في مصر والشام – الإمبراطورية الرومانية في مصر والشام – المسيحية – الإسلام – الفتوحات الإسلامية – الحملة الصليبية – التتار – حكم المماليك – العثمانيون – محمد علي حتى نهاية حكمه .

  • بمناسبة صدام محمد علي مع الحركة الوهابية وتأسيس هذا المذهب الوهابي وله أهمية تاريخية وتاثير لا يزال مستمراً حتى الآن رأينا أن ننقل زاوية الرؤية لمجمل المستطيل ( الشرق الأوسط ) من الجزيرة العربية . فبدأنا من فجر التاريخ مرة أخرى من آدم حتى الحضارة اليمنية – وعاد وثمود حتى وصلنا إلى عهد ابي بكر الصديق وقمنا بالتوسع في تقييم الفتوحات الاسلامية انطلاقاً من المستطيل . وفي عهد الصديق تناولنا حركة الردة وهذا ما دفعنا لتناول قضية ” حد الردة “.
  • والآن نعود لمسيرتنا التاريخية في عهد الخلافة الراشدة ومنهجنا دائماً ليس استعراض حركة التاريخ ورصد الأحداث ، ولكن التحليل الاستراتيجي ، ومآلات القيادة المركزية للعالم من قبل الدولة الإسلامية العظمى . ونفصل ما أجملناه في الحلقات الأولى ولا نكرره ، ففي الحلقات الأولى كنا شديدي الاختصار ونركز على الرؤية الإجمالية إلى أقصى حد ، في هذه المرحلة ومنذ بدأنا الحديث عن جزيرة العرب نفصل أكثر في هذه الرؤية الإجمالية للمزيد من شرح النظرية التي نروج لها ، وهي وثيقة الصلة بكل مشكلاتنا الحالية والمعاصرة وليست من قبيل الترف الفكري . نحن أمام المزيد من التعمق والتحليل ، وليس المزيد من عرض الأحداث والتفاصيل والحواديت . حتى نعود لنلتقي مع نهاية عهد محمد علي في القرن 19 ، ونكمل قصة المستطيل القرآني ( الشرق الأوسط ) في العصر الحديث ، أما لماذا ننظر إلى المستقبل من زاوية رؤية مختلفة أي من خلال الجزيرة العربية ، لأن الجزيرة العربية يكمن فيها قلب المشروع الإسلامي رغم أنها وصفت من المؤرخين بأنها القلب الميت ( من زاوية غياب الحضارة في قلبها) وهذا ما نوافق عليه ونعتبره علامة كبرى على إعجاز الإسلام ، واستحالة أن تكون رسالته من عمل البشر .

ما يهمنا في هذه الدراسة هو فهم وإدراك الحقائق حول القيادة في المستطيل ، ففي العهد الإسلامي تم توحيد المستطيل القرآني ( الشرق الأوسط ) لأول مرة حول راية واحدة ( الإسلام ) ومن ثم امتد القلب شرقاً وغرباً ، وظلت القيادة دوماً في المستطيل في المدينة ثم الشام ( دمشق ) ثم ( بغداد ) ثم مصر وكلها مواقع وبلدان داخل المستطيل ، وكانت القيادة العثمانية استثناءاً فحتى وإن ضمت المستطيل إلا أن القيادة ظلت في اسطنبول وكانت هذه من نقاط ضعف الدولة العثمانية .

والآن نحن نتناول بالتحليل مرحلة ( مكة – المدينة – الشام – الكوفة – البصرة ) حيث كانت قيادة الدولة والأمة الإسلامية .. وأحسب أن مرحلة القيادة المصرية قد استوفت حقها بالحد الأدنى في الحلقات الأولى ، ولكن قد نعود إليها إذا اقتضت الضرورة للمزيد من التحليل .

الخلافة الراشدة في عهدي الصديق وابن الخطاب

قمنا بتغطية أهم ما في هذا المرحلة وهي حرب الردة والفتوحات الإسلامية من زاوية التحليل لا التأريخ التفصيلي ، وهي تعكس مدى صلاحية وصلابة وصلاح القيادة في هذين العهدين ، فالفتوحات الإسلامية تعكس في طياتها صلاح البناء الداخلي والأسلوب الذي تمت به يعكس أن القيادة الإسلامية في المستطيل ( مركز العالم – الشرق الأوسط ) كانت ناجحة في قيادة العالم نحو حياة أفضل وحضارة لم تعرفها البشرية من قبل .

  • فهذا أول توسع عسكري يتم بدون جيش نظامي محترف ، فقد قامت جيوش الفتح على قاعدة التطوع المطلق ، كانت دعوة للجهاد بدون أي إلزام .. كانت دعوة لنشر الدين الإسلامي أي كانت عبادة ، هذا أول توسع لإقامة دولة عظمى بدون إكراه ، بل تقرباً لله واستعداداً لبذل الروح ، وحباً للموت كما يحب الأعداء الحياة . كان النداء يوجه للجهاد والمؤمنون يقبلون طواعية أو لا يقبلون وهم لا يحصلون على أي مرتبات ، ولكنهم يجهزون فقط لمن لا يملك سلاح أو مركب ، ولكن سيكون لهم نصيب في   الغنائم ، ولكن أي غنائم كان يمكن للمرء أن يتوقعها في حروب ضد القوتين الأعظم : الروم والفرس ؟! وحتى التجهيز بالسلاح والكراع والخيل كانت تأتي به القبائل في أغلب الأحيان ، وما يفيض منها يوزع على الأفراد الذين لا يملكون ما يحملهم أو ما يقاتلون به ، فلم تكن أموال بيت المال عامرة بالمال في ذلك الوقت وظل الوضع هكذا حتى جاءت أموال كسرى وقصوره .

والتاريخ يشهد على ذلك .. فعندما أراد عمر بن الخطاب أن يعزز جبهة الفرس بالمزيد من المقاتلين بعد الانكسار الذي حدث في موقعة واحدة ( الجسر ) فكان يوجه نداءاً من المسجد بالمدينة ولا يجيب أحد وتكرر ذلك ثلاث مرات حتى بدأ الناس يتوافدون . ولم يعلن عمر تجنيد من أعمارهم تتراوح بين كذا وكذا .

وهكذا كانت الفتوحات في عهد أبي بكر ، الخليفة يعين القادة ويجهز المقاتلين ويضع الخطط ويتابع تنفيذها فحسب ، حدث هذا في حرب الردة حيث أرسل أبو بكر بنداءاته للقبائل وجاء من جاء طوعاً ليدافع عن بيضة الإسلام ، وقام أبو بكر بالتنظيم والتوجيه والمتابعة وشحذ الهمم ، وكانت خططه بالغة الدقة وهو يوزع قواته على مختلف مناطق الجزيرة العربية ، وأوضحنا كيف أقبلت القبائل على المدينة استجابة لنداء أبي بكر حتى ازدحمت بالقادمين من مختلف أرجاء الجزيرة . ومن عجائب الدهر أن بداية غزو فارس كانت باقتراح ومبادرة من الحارثة الشيباني بعد انتهاء دوره في حرب الردة في شرق الجزيرة ، حيث طلب من الخليفة السماح له هو ومن معه من قومه بمهاجمة حدود فارس ، والطريف أن الصديق لم يكن يعرفه شخصياً فسأل من يعرفه فسمع كل التقدير عنه فوافق له على بداية مناوشة الفرس ، حتى ألحق به خالد بن الوليد بقواته ، ولم يخسر الشيباني معركة واحدة قبل أن يأتي خالد إليه !! ابحثوا في التاريخ عن مثال الشيبانى ، مجاهد غير معروف للخليفة يقترح مهاجمة دولة عظمى ويوافق الخليفة ، مع المتابعة بطبيعة الحال ولا يعني هذا أن القرار لم يكن في ذهنه ولكن أتحدث عن التوقيت وكيفية البدء .

كان جيشاً لا مثيل له في التاريخ وهو الأمر الذي حير الفرس والروم معاً ، وقد أشرت لذلك من قبل ، ولكن أضيف هذه القصة العجيبة : بعد سلسلة من الانتصارات على الفرس تم ندب القائد رستم القدير لمواجهة هذا الزحف العربي غير المفهوم الذي لا يهزم أبداً أمام قوات الفرس النظامية المدججة بالسلاح والمدربة  والأكثر عدداً ، خلال مسير رستم من موقع لآخر قبل المعركة الكبرى مع المسلمين صادف عربياً يسير بشكل منفرد ( ربما كان يقوم باستطلاع ما ) فاحتجزه وسأله : لماذا أتيتم لغزونا ؟ ماذا تريدون ؟ فقال له نفس كلام القادة المسلمين الذين تفاوض معهم : إننا لا نريد شيئاً سوى نشر الإسلام فإما تقبلوه او تدفعوا الجزية أو نقاتلكم . نفس الخيارات الثلاثة التي كان يحفظها كل مقاتل عربي . قال له رستم : إنكم تتحدثون بثقة شديدة وكأنكم تملكتمونا بالفعل . قال له العربي : نعم الأمر بالضبط كما تقول ، لاحظ إننا لسنا بشراً ولكننا القدر أنتم تواجهون القدر فكيف تنتصرون عليه؟! وجن جنون رستم فقتل العربي الذي كأنه يقول له : نحن الجن .. نحن قوة ميتافيزقية ( غيبية ) لا قبل لكم بها . وعندما وصل رستم إلى البلدة التي كان يقصدها تجمع الأهالي حوله وأخذوا يشكون له ما فعله جنوده من فظائع في حق الرجال والشيوخ وما قاموا به من اغتصاب النساء والممتلكات . فقال رستم : يبدوا أن هذا العربي الذي قتلته على حق . فنحن نهزم أنفسنا بأيدينا .

 لو راجعت كل الحروب التي سبقت هذا الفتح لفارس والشام لن تجد مثيلاً لهذا الجيش العربي المسلم. كان جيشاً رسالياً حقاً . كان جيشاً عقائدياً  حقاً حتى أنه لم ينقل عنه أنه أخطأ في حق المدنيين أو النساء أو الشيوخ ، لم يدمروا مدينة ولم يحرقوا أي بلدة . وكانت الشعوب العربية والفارسية تلاحظ الفرق الكبير بين هؤلاء المقاتلين ،  ومقاتلي دولتهم الذين يسومونهم سوء العذاب . ومن الطرائف أيضاً والأمثلة الجميلة الدالة على ذلك .. أن العرب المسلمين عندما دخلوا بعض البساتين في القصور الملكية وجدوا نوعاً من الفاكهة ذات الطعم الجميل والمتميز ( لا أتذكر الآن اسمها فهي غير معروفة لنا ) ضمن خيرات بلاد فارس ، وكان الحكام يحتكرون هذه الثمرات لحلاوتها لأنفسهم ويحرمونها على الشعب . وعندما علم العرب بذلك تعمدوا ألا يكثروا في استهلاكها وقاموا بتوزيعها على على أبناء الشعب فكان لذلك وقع كبير في نفوسهم .

هذا الجيش يتميز بخصائص لا مثيل لها ، وسنكتشف عظمة فكرة تعدد الزوجات ، وفكرة عدم الخجل من زواج الأرامل من زوجات الشهداء .

في فتوحات فارس كانت الحرب تطول لشهور بل وأكثر من سنة وسنتين ، وكانت الزوجات يصحبن المقاتلين وهذه سياسة صحيحة في الحرب الطويلة ، في معركة القادسية رغم الانتصار الباهر للمسلمين إلا أن خسائرهم كانت كبيرة ففي قبيلة النخع استشهد كثيرون حتى أصبحت هناك 700 امرأة بلا زوج ( أرامل ) وفي بجيلة ألف امراة ، فكان هناك قرار أو سياسة بتزويجهن – اذا أردن – للقادرين على ذلك ووفقاً لتناسب الظروف الاجتماعية بالتراضي بطبيعة الحال . وهذه سياسة ناجحة وخطيرة ، لا أدري لماذا يخفيها كثير من كتاب التاريخ وكأنها عيبة ! وفي رأيي أن هذه سياسة عبقرية من عدة وجوه .. (1) أن من أسوأ نتائج استشهاد المقاتل أن تترمل زوجته ويتيتم أولاده وبالتالي فإن مداواة هذا الجرح بزواج جديد يخفف من المأساة وليس في هذا أي إساءة للشهيد ، وقد رأينا كيف كان من دوافع بعض زيجات رسول الله – صل الله عليه وسلم – جبر خاطر من فقدت زوجها كأم حبيبة.(2) من زاوية أخرى مهمة جداً في ظروف القتال المستعر ، ماذا لو عادت 1700 امرأة بسبب استشهاد الزوج ( نحن نتحدث عن قبيلتين فقط فالعدد كان أكبر من ذلك ) إلى المدينة دفعة واحدة كيف ستكون الحالة النفسية لجماهير المدينة ؟ إنهم سيشعرون بالهزيمة رغم أن القادسية كانت المعركة الفاصلة مع الفرس وانتصر فيها المسلمون . كانت المدينة ستتحول إلى مآتم كبير . ولكن نؤكد أن هذه الزيجات كانت اختيارية بطبيعة الحال ولم يحدث بالفعل أن عادت هذه المئات من الأرامل دفعة واحدة للمدينة .

اتسم هذا الجيش بسمة أخرى : الأمانة الشديدة فما أكثر الروايات عن المقاتلين الذين عثروا على الذهب والفضة ومختلف النفائس الأخرى وما أكثرها في قصور كسرى وقاموا بتسليمها للقادة حتى يوزعوا هم الغنائم . وعندما وصل خمس الغنائم لعمر بن الخطاب فقد كان مبهوراً وكان الخمس يصل تباعاً للمدينة عقب كل معركة ، وقال عمر : ( إن قوماً أدوا هذا لأمناء ) فرد عليه علي بن أبي طالب ( إنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت ) !!

إدخال الشعوب في الإسلام بدون إكراه 

هؤلاء الفاتحون ( ولا نقول الغزاة ) لم يكرهوا الشعوب على الدخول في الإسلام ، غيروا عقيدة الملايين بدون إكراه أو تبشير خاص ، ولكن بتقديم النموذج والقدوة الحسنة والمعاملة الإنسانية الراقية . بعض الشعوب دخلت الإسلام سريعاً والبعض الآخر تأخر عشرات السنين ولكنهم دخلوا بثبات واقتناع تام كشعب مصر .

في أوروبا في ذلك الزمان كان الكاثوليك إذا دخلوا قرية بروتستانتية أجبروا أهلها عن بكرة أبيهم على تغيير مذهبهم ليكونوا على الكاثوليكية أو يبادوا جميعاً . وأحياناً كانوا يبيدونهم جميعاً قبل أن يخيروهم ! وعندما ذهب الأوربيون العالم الجديد ( أمريكا ) في الشمال لم يحاولوا تغيير عقيدة السكان الأصليين إلى المسيحية بل أبادوهم جميعاً ولم يبق إلا بضع آلاف من عشرات الملايين ويسمونهم ( الهنود الحمر ) ، في أمريكا الجنوبية قام الأسبان بإبادة البعض وإكراه البعض الآخر على دخول المسيحية ، فالمسيحية أو الموت ، ولذلك تجد في أمريكا الجنوبية عدداً كبيراً من السكان الأصليين على خلاف أمريكا الشمالية . وعندما احتلت بريطانيا الهند لم تستطع أن تنصر أي أعداد مقدرة من الهنود . وكذلك هولندا في أندونيسيا . ولكن عندما جاء المسلمون للهند ، فإن مناطق السند في الشمال وهي باكستان الحالية دخلت في الإسلام طواعية وتركت البوذية بل وكانت تتحدث باللغة العربية خلال حكم العرب له . وعشرات الملايين في جنوب الهند الآن دخلوا الإسلام طواعية في ظل حكم المغول الإسلامي ، وكان حكماً صالحاً كما أشرنا من قبل .

أما أندونيسيا فهي أكبر بلد إسلامي الآن في العالم من حيث عدد السكان ( تقترب من 300 مليون ) لم يذهب إليها أي جيش فاتح إسلامي أصلاً .

جيوش الفتح لم تكن مصحوبة بمبشرين على طريقة الاستعمار الغربي المصحوبة بالقساوسة والراهبات بل كان كل مجاهد كل فرد في جيش الفتح داعية بصورة تلقائية وبدون أي توجيهات رسمية ، من خلال سلوكه العملي وإجابته على أي سؤال من أسئلة السكان الأصليين عن الدين الجديد ( الإسلام ) . وحتى المبشرين المسيحيين الأوروبيين كان تبشيرهم مرتبطاً بحوافز مادية : مستشفيات – عيادات – مدارس . وهذا مالم يكن من أدوات الفاتحين الإسلاميين ، كان معهم القرآن محفوظاً في صدورهم وسلوكهم الأخلاقي وعبادتهم المستقيمة . وكانوا يخرجون الناس من العبودية للأديان إلى حق الاختيار بين الإسلام أو الجزية . وكانت الجزية في حدود دينار واحد في السنة أو أقل قليلاً أو أكثر قليلاً ولكن لا تزيد عن 2 دينار على الفرد الواحد ولكن دون الأطفال والقصر والنساء والرهبان وكل المنقطعين للعبادة في صوامعهم والشيوخ وأيضاً المصابين بأمراض مزمنة أو يعانون من إصابات معوقة . فهي ضريبة ( بدل الجندية ) . وبالتالي فإن أحداً لن يغير دينه هروباً من هذه الضريبة التافهة التي لا تقارن بالزكاة . كما أن الفقراء – فقراً مدقعاً – كانوا يعفون منها . كان أهل الشام من أسرع الشعوب دخولاً في الإسلام بعد ما رأوا من آيات السمو الإسلامي بالمقارنة مع فظاظة الرومان وخشونتهم مع الناس تكفي قصة واحدة – ربما أشرنا إليها من قبل – فعندما انسحب المسلمون من حمص جنوباً لتجميع قوات المسلمين في مواجهة الزحف الروماني الكبير القادم من الشمال ، أعاد المسلمون الجزية التي جمعوها من أهل حمص ، لأن الجزية – كما ذكرنا – هي ضريبة الدفاع ، فإذا كان المسلمون لن يدافعوا عن حمص بانسحابهم فقد أصبحت الجزية غير مشروعة فأعادوها . هذا الموقف وحده كفيل بأن يجعل أهل حمص يدخلون الإسلام فهو سلوك لا مثيل له في ذاكرة الشعوب عبر التاريخ .

كما لم نسمع في فتوحات الشام وفارس أنه كان يتم تجميع الناس قسراً ليسمعوا تلقيناً وشرحاً للإسلام من أجل الإقناع ، فعندما يفعل هذا جيش فاتح فقد يرسل رسالة بالإكراه المبطن . كان الإسلام يسري بين الناس كالنسيم ، مثل الأوكسجين في الهواء ، والماء في مجاري الجداول والأنهار والينابيع ، وكان هذا مؤثراً أكثر من جمعهم قسراً لسماع محاضرة عن الإسلام . رأى أهل الشام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يأتي راكباً بغلاً أو جملاً بدون زينة ، بزي متواضع ، وعندما مر بمخاضة خلع مركوبه وسار حافي القدمين والمركوب تحت إبطه ويسحب دابته . لم يتخيل أحد في الشام أن هذا هو حاكم الدولة التي قهرت الرومان !!

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading