مذكراتى فى السجن عن أيام الهزيمة الأليمة عام 1967 وذكرى تنحى جمال عبد الناصر

السبت 10 يونيو 2000: الساعة 7 صباحا

اليوم 10 يونيو؛ وهو يوم تاريخى آخر.. وهذه هى المرة الثانية التى أتواجد فيها بالسجن فى شهر يونيو.

فى يونيو ( 9 و10 )يومان تاريخيان فى تاريخ الشعب المصرى، وهى ذكرى انتفاضة الشعب تلقائيا فى مصر والعالم العربى ضد استقالة جمال عبد الناصر، وأنا أسجل ذلك للأمانة، رغم أن مشاعرى فى هذين اليومين كانت متضاربة، ولم أشارك فى المظاهرات، وكنت أعانى من صدمة من الهزيمة المروعة.

فى 9 يونيو، كنت فى شوارع الروضة كفرد من أفراد الدفاع المدنى المشرف على إطفاء النور، وكنت لا أكاد أفقه حديثا بعد سماعى للخطاب المروع لجمال عبد الناصر، وكنت أسير مذهولا مع صديقى الذى تعرفت عليه فى الظلام، وشريكى فى نداء (طفى النور) حتى أننى بعد انتهاء الحرب قلت له تعالى إلى الضوء كى أرى وجهك. والتقينا مرة واحدة؛ ولكنه اختفى من حياتى بعد ذلك رغم أنه يسكن فى عمارة قريبة جدا منى.

كنت أسير مع صديقى هذا (الذى نسيت اسمه) فى شارع الإخشيد نضرب أخماسا فى أسداس، عندما دوت انفجارات رهيبة لم نسمع مثيلها طوال أيام الحرب؛ حتى أن شارع الإخشيد أصبح مضيئا كالنهار فى عز الليل، وبصورة تلقائية وجدت صديقى يمسك يدى خوفا ورهبا، ولم أكن أقل منه خوفا ورهبا، ولم نكن ندرى هل هذه أصوات قنابل طائرات إسرائيلية، أم أصوات المضادات الأرضية المصرية؟! لم تتواصل هذه الانفجارات، ونحن لم نترك مواقعنا ولم نتوقف عن الإشراف على إطفاء النور فى المربع المخصص لنا، فواضح من هذه الانفجارات إن الحرب لم تنته بعد.

وفى وقت متأخر من الليل كنا بين الوقوف والسير والجلوس على الأرض، بعد أن ذهبنا إلى مركز الدفاع المدنى فى معهد السكرتارية ولم نجد لديهم أية معلومات، وأتذكر أن قادة الدفاع المدنى كانوا بين هؤلاء الشباب الأكبر منا، المعروف عنهم الوقوف على النواصى، ومعاكسة الفتيات. ولكن الحرب خلقت الناس خلقا جديدا، فى وقت متأخر من الليل كنا واقفين أمام منزلنا وهو كائن على الناصية وهو محور المربع الذى نعمل فيه، عندما رأيت “عمو” يسرى، يسرى مرعى المحامى.. وشقيق سامح مرعى زوج أختى إيمان. والذى كان طيارا مقاتلا ويفترض أنه على الجبهة الآن، وكان “عمو” يسرى كما كنت أناديه، عائدا من المظاهرات وكان فى قمة السعادة والحماس، وقال لى: (لقد انتفضت الجماهير ورفضت التنحى وأنا عائد من منطقة وسط البلد، من القصر العينى حول مجلس الأمة، كل الشعب يرفض التنحى.. ويرفض الهزيمة.. لقد كانت مظاهرات رهيبة حتى إنى فقدت ساعتى!! ولكن مش مهم), كنت أسمع منه كالمذهول.. وكنت فى حالة نفسية مختلفة، فلم يكن ما يشغلنى أن يبقى عبد الناصر أو يرحل.. ولم أر فى هذه المظاهرات مدعاة للفرح رغم أننى كنت أعلم من تحليلات والدى أن اختيار عبد الناصر لزكريا محى الدين هو إعلان رسمى بالهزيمة والاستسلام، لأن زكريا له ميول غربية ويمينية, وهو يصنف باعتباره مواليا للولايات المتحدة، فقد كنت فى حالة لا توصف من الغم.. منذ أسابيع قليلة ارتفع بنا عبد الناصر إلى عنان السماء وها هو الآن يهبط بنا إلى سابع أرضين.. وبعد أن كنا نحلم أن ندق أبواب تل أبيب ها هى إسرائيل تقضى علينا خلال ساعات وتصل بقواتها إلى خط القناة.. وربما تتقدم أكثر من ذلك، لقد كنت متحمسا لعبد الناصر (رغم أنى تربيت فى أجواء تحمل له الكثير من الانتقادات) حتى أنى حولت مجلتى المنزلية التى أصدرها كل صيف من نسخة واحدة.. وأحصل على نصف قرش ثم قرش واحد من كل من يقرأها ويعيدها لى بشرط أن يقرأها داخل منزلنا!! حولت مجلتى التى اسمها “المجد” من مجلة اجتماعية إلى مجلة وطنية سياسية تناصر عبد الناصر فى مواجهة أعدائنا التاريخين، إسرائيل وأمريكا. طلبت التطوع فى المقاومة الشعبية وكان سنى أقل من 18 سنة، بل أقل قليلا من 16 سنة، ولكنهم رفضوا وقالوا لابد أن تكون سنك 18 سنة على الأقل. ولكن يمكنك أن تشترك فى الدفاع المدنى، كنت قد أنهيت الصف الثانى الثانوى بالمدرسة السعيدية – قسم أدبى, واشتركت فى دورات الدفاع المدنى منذ منتصف شهر مايو 1967، وكان فى الساحة الشعبية الرياضية بالجيزة فى عمق  شارع الصناديلى.. وكان عددنا كبيرا ولكن التدريبات مملة بالنسبة لى، وتركز على استخدام طفاية الحريق، وإطفاء الحرائق.. وإنقاذ المصابين، بينما كنت أتحرق شوقا للسلاح وأريد القتال على الجبهة.. وكان حلمى أن احتضن بندقية وأن أتدرب على إطلاق النار.. فى البيت كنت أستمع لتحليلات والدى أحمد حسين، أو أعد مجلة “المجد” التى نفذت فنيا بمساعدة زميلى وصديقى عزت حلمى لأنه فنان ورسام وكاتب ومثقف, كنا نعمل بهمة ونشاط, وكأن المجلة سيطبع منها عشرات الآلاف من النسخ، بينما هى نسخة واحدة.. وكنت لا أكف عن متابعة الراديو والتلفزيون وقراءة الصحف.. ومن منتصف مايو 1967عندما تحركت قواتنا إلى سيناء وإغلاق خليج العقبة، أصبحت سياسيا منغمسا حتى آذانى فى شئون الوطن ولم أكن كذلك قبل الأحداث بدقائق ومنذ وعيت الحياة!!

يوم الاثنين 5 يونيو فى التاسعة صباحا, استيقظت على نداءات أخوتى البنات، ولعلها كانت إيمان، “قوم الحرب قامت”!! انتفضت من سريرى. وقد أصبحت لى غرفة مستقلة بعد سفر أخى مصطفى للكويت. قمت كمن لدغته عقربة، قمت كجندى يجب أن يلتحق بمركزه القتالى، وفى دقائق كنت فى الطريق العام أهرول إلى الساحة الشعبية الرياضية بالجيزة، وكانت صدمة فلا توجد تعليمات محددة، وكنا نسمع من الإذاعات تساقط الطائرات الإسرائيلية بالعشرات وزحف الجيش المصرى على فلسطين المحتلة!! وقلت: لقد جاءت إذن ساعة الفصل وسنهزم إسرائيل الملعونة شر هزيمة. ولكننى أبحث عن دورى فى هذه المعركة الكبرى, ولا أدرى هل تم توجيهنا؟ أم أننى قررت ترك الساحة الشعبية والالتحاق بالدفاع المدنى فى مربعى سكنى.

وفى يوم 10 يونيو تواصلت المظاهرات على نطاق أوسع حتى تراجع عبد الناصر عن التنحى، ووقف “ميشيل” صاحب محل الزهور المجاور, وكان عضوا بالاتحاد الاشتراكى مع عمو يسرى؛ يوزع الشربات لعودة عبد الناصر، وهو الأمر الذى أثار حنقى لقد هزمنا شر هزيمة، وهذا يوزع الشربات، ما هذا الهزل؟!

وربما فى الحادى عشر من يونيو، وعندما تأكد لنا انهيار الجيش المصرى ووصول القوات الإسرائيلية إلى قناة السويس، كنت معتصما بمركز الدفاع المدنى بمعهد السكرتارية وقلت لهم لقد انتهى عهد الدفاع المدنى ولابد من القتال لتحرير سيناء، وتجمهر معى عدد كبير من الشباب، وبعد قليل قالوا لنا بالفعل إن دور المقاومة الشعبية قد بدأ وعليكم التوجه لمدرسة الفسطاط الثانوية، حيث سيتم توزيعكم وتدريبكم ودفعكم لجبهات القتال، وربما لمواجهة أى زحف للجيش الإسرائيلى عبر القناة، فأسرعت إلى هناك هرولة أسابق الريح. فالمدرسة ليست بعيدة ويكفى عبور كوبرى الملك الصالح، وهناك وجدت أمما من الشباب سعت كما سعيت، وكان فى استقبالنا المرحوم مصطفى كامل مراد ربما بصفته أمين الاتحاد الاشتراكى فى مصر القديمة، وألقى فينا كلمة بضرورة الاستعداد للمقاومة الشعبية، وطلب تسجيل أسمائنا ولكنه أشترط الشرط اللعين: أن يكون سن المتطوع 18 سنة على الأقل فأخذت أعض على البنان.. وأتمتم فى سرى: تبا لك من الذى بإمكانه أن يمنعنى من الدفاع عن مصر. فقررت أن أخفى سنى.. فلم أكن قد أتممت السادسة عشر.. كان لا يزال يبعدنى عنها أكثر من شهر.. فما بالنا بالثامنة عشر!! ورغم أن شكلى وجسمى لا يوحيان بذلك إلا أننى أصررت على الكذب, والمسجل لا يصدق، وأنا أصر على إن هذا سنى, ولكننى فقدت البطاقة الشخصية، فرضخ وسجل أسمى، وبعد قليل قالوا تعالوا لتسجيل أسمائكم عند موظف آخر، وتكرر نفس السيناريو بينى وبين الموظف، وربما دعونا إلى موظف ثالث لإعادة تسجيل الأسماء. ولاحظنا اختفاء مصطفى كامل مراد، وبدأنا نشعر مع انتصاف النهار أننا نتعرض لخديعة، وأنه لا توجد مقاومة شعبية ولا يحزنون، وبالفعل قالوا لنا إن أسماءكم مسجلة عندنا وسندعوكم قريبا عند الضرورة.. وعدت إلى منزلى أجر أذيال الخيبة والعار, وشعرت أن عدم تنظيم مقاومة شعبية هو هزيمة أكبر من هزيمة الجيش.. ولكننى لم أعد أنا نفسى الذى كنت قبل 5 يونيو 1967, لقد بدأت أبحث وأقرأ لأجد حلا لهذه الكارثة الوطنية.

*****

الآن اقتربت الساعة من التاسعة صباحا, فهل ستأتى حقا نجلاء؟! وهل حقا سينعم الله على بهذه النعمة الكبرى.. إننى عادة لا أدعو الله بأمور تفصيلية إلا قليلا، وبالأمس دعوته أن تأتى اليوم.. وأنت يا حبيبتى لست من التفاصيل، ولكننى أقصد أننى لا أدعو الله بأشياء محددة, بل أدعوه عادة بأن أكون من هؤلاء (الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، وأدعوه لنصرة الإسلام والمسلمين وتدمير الكفار والمنافقين.. وأنا أعقد مع الله صفقة كل يوم.. أو تجارة أظنها رابحة.. أقول له: متعنى بالصحة أنا وأهلى.. ونحن نكرسها فى سبيلك، فإذا انحرفنا عن سبيلك عامدين فانزع منا الصحة.. وعذبنا عذابا أليما فى الدنيا والآخرة، وقد جعل الإسلام الزوجة الصالحة للرجل أفضل ثروة يكتنزها من دنياه بعد الإيمان بالله وتقواه, وعدها أحد أسباب السعادة, وفى الحديث (ما أستفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته فى نفسها وماله) (ابن ماجه).

مظاهرات 9 و10 يونيو فى وسط القاهرة

وقال علية الصلاة والسلام: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) (رواه مسلم).

وقال: (من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة، والمسكن الصالح, والمركب الصالح) (رواه أحمد).

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة