الأحد 11 يونيو 2000: الساعة 9:40 مساءا(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً{47} وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً{48 أكتب المذكرات, وليس فى ذهنى موضوع محدد أكتب فيه، فأنا أكتب المذكرات كما أتحدث إلى صديق، والأصدقاء حين يتقابلون لا يضعون مسبقا جدول أعمال اللقاء، ولكن يتركون الحديث يقودهم إلى حيث يقود.
منذ كتابتى الأخيرة فى المذكرات وقعت أحداث جسام على مستوى الأمة وعلى مستواى الشخصى.. ولنبدأ بأحداث الأمة. وأعنى وفاة الرئيس السورى حافظ الأسد الذى علمت بوفاته مغرب أمس عندما جاء أحد الأصدقاء يبلغنى بالنبأ، مشفوعا بقفشه مصرية، وهى إن جمال مبارك هو المرشح يحل محل الأسد فى رئاسة سوريا!! والخبر خطير بكل المقاييس، ولكننى تعودت فى سكينتى الراهنة أن أتقبل أخطر الأخبار بهدوء وسكينة.. وعندما تركنى الصديق الذى لا يمكنه أن يدخل الزنزانة بناء على تعليمات المأمور, بل يحدثنى فقط بشكل سريع من على الباب، عندما تركنى صديقى كان أول رد فعل لى: يا رب أستر وأحفظ سوريا من الحلف الصهيونى – الأمريكى، وبعد ذلك لم أكن مستفزا من طقوس تنصيب بشار الأسد، فهذا يحدث فى النظم الملكية منذ الأمويين حتى الآن، المهم فى هذه اللحظة أن يسير بشار على نهج والده الصلب فى مواجهة الحلف الصهيونى – الأمريكى، وعندما كنت فى سوريا لم أسمع عن شخصية (بشار) أى سوء، فهو مواطن جيد، ولم تكن له أطماع سياسية، وكان يدرس الطب فى انجلترا ولكن وفاة باسل شقيقة الأكبر، هى التى حضت الأسد على استدعاء بشار، ليقطع دراسته، وينخرط فى السلك العسكرى، ليعده لخلافته، وكان الإعداد قد قطع 80% من الشوط، والآن فإنهم يستكملون الـ 20% الباقية. ولا يعنى عدم استفزازى نظرا للأولويات القومية أننى أقر هذا الأسلوب كنظام للحكم خاصة فى بلد كمصر، ولكننى أناقش من وجهه نظر الظرف السورى الدقيق. كنت أتمنى كصحفى وسياسى أن التقى بالرئيس الأسد وقد طلبت ذلك فى زيارتين متتاليتين لسوريا، ولكن أقصى ما حصلت عليه هو لقاء مع وزير الإعلام وكان لقاءا جيدا ومفيدا، وكان الرجل كريما معى، وأدخل “الشعب” للسوق السورى لأول مرة منذ صدورها.
كان حافظ الأسد شخصية غير عادية.. والذين التقوا به قالوا أن إيمانه بالقومية العربية لا يتزعزع وإنه رجل مبدئى من هذه الزاوية، وقد أثبتت الأحداث صدق هذا التقرير. ولا شك أن موقف الأسد وهو من النماذج القليلة التى كانت متبقية من حقبة القومية العربية (وبعده لم يبق سوى صدام حسين وعلى عبد الله صالح والقذافى) موقف الأسد من الإسلام اختلف على الأقل من رؤية قومية ووطنية وسياسية، وشبكة علاقات نظامه كانت قد بدأت تتسع مع الدول والحركات الإسلامية.. تحالف استراتيجى مع إيران لم يهتز للحظة منذ عام 1979 حتى الآن، تحالف مع حزب الله، وعلاقات جيدة مع باقى الحركات الإسلامية فى لبنان والأردن وفلسطين، وأيضا مع السودان.
وحتى الآن لم يظهر على السطح ما يثير القلق على مستقبل السياسة السورية، بل أن الرئيس كلينتون المنافق الأكبر.. مثل دور الحزين على فراق الأسد الذى يحترمه رغم الخلاف معه، وكذلك أصدرت إسرائيل بيانا مؤدبا جدا أعربت فيه عن احترامها لحزن الشعب السورى، وأنها لم تثر أى مشكلات على الحدود مع سوريا أو لبنان، من أين أتى الإسرائيليون بكل هذا الأدب؟! إنها قوة سورية التى أرساها الرئيس حافظ الأسد.. وإذا كانت قيادة الجيش موحدة حول مسألة خلافة بشار الأسد، فلا قلق فى المدى القصير، ولكن إدارة بلد له كل تعقيدات سوريا ليس بالأمر الهين.. فهل ينجح بشار؟!
وانعكست هذه الأحداث على حياتى الشخصية فى السجن، فالإذاعة بالنسبة لى عنصر جوهرى فى حياتى، وقد انقلبت البرامج فى معظم المحطات إلى برامج دينية وأناشيد دينية، وهذا جيد بالنسبة لى، وكنت صباح أمس أتمشى فى ممر العنبر، لأقتل الوقت انتظارا لمجيئ نجلاء، وكنت أفكر فى أننى فى اشتياق شديد لسماع أغنية أم كلثوم: حديث الروح لشاعر الإسلام العظيم “إقبال”، وتلحين السنباطى، وكنت أتعجب لماذا لا تذيع الإذاعة هذه التحفة النادرة؟! التى تستحق أن تسمى بحق لقاء السحاب، لا أغنية “أنت عمرى” التى تسمى كذلك، بينما هى – من وجهة نظرى – من أسخف وأضعف أغنيات أم كلثوم وأضعف ألحان عبد الوهاب.
وكانت وفاة حافظ الأسد.. سببا فى أننى سمعت هذه التحفة النادرة مرتين حتى الآن.. وتأثرت بها أكثر من أى وقت مضى.. ما أروعك يا إقبال يا درة الإسلام والمسلمين..
أما أمس الأحد.. فقد كان يوما جميلا.. لم يخذلنى الله عز وجل، (وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) واستجاب لدعائى التفصيلى، وجاءت نجلاء فى الموعد؛ فلم تعد تتأخر عن العاشرة ، وكان معها ابنى أحمد، وشقيقتاى إيمان وإحسان، وكانت جلسة عائلية حميمة استمرت أكثر من ثلاث ساعات، وكنت قد حضرت لهم وليمة قوامها (تفاح – كمبوت – كيك – بسكويت – عصير – مياه مثلجة – قهوة ) وأصابت المفاجأة إيمان عندما رأت السجين يمكن أن يعد كل هذا الأشياء، وقالت لى: ماذا تركت لنفسك؟! قلت لها: الخير كثير.. أكثر مما تتصورى. وطبعا كل هذه الأشياء آتية من الخارج (من خلال الطبلية) ولكن استهلاكى والحمد لله ليس كثيرا، ولذلك فإنى أرد الخير لأهله. أطمأننت من نجلاء على أخبار الحزب.. وكانت رائعة رغم كل المخاطر، ورتبنا كثيرا من الأشياء، كذلك اطمأننت على أخبار الأسرة، والأحاديث الدينية أخذت حيزا كبيرا من اللقاء.. وجددت سعادتى بقيام إيمان بالحج وبأنها أصبحت محجبة، وهى أول سيدة مصرية جديرة بالحجاب.. لقد تأخرت.. وكنت واثقا من أنها ستفعل يوما ما.. فالحمد والمنة لله عز وجل الذى يحقق الأمنيات وينير بصيرة المؤمنين والمؤمنات.. وأنا لا أشبع من زوجتى.. وأكون كالطفل لا أريدها أن ترحل.. وكان عزائى أنها ستعود قريبا فى زيارة المولد النبوى الشريف يوم الأربعاء القادم بإذن الله.. وكان أروع ما حملته لى 3 نسخ من كتابى الجديد (أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين) وكان الغلاف رائعا (أحلى غلاف لكتاب يصدر لى) والطباعة رائعة، والتصحيح أكثر روعة, فالأخطاء المطبعية نادرة جدا وقد قرأت نصفه حتى الآن.
ما أروع أن يصدر لك كتاب وأنت فى السجن، والله لو كنت خارج السجن ما خرج هذا الكتاب فى هذا التوقيت السريع, لأننى أكون مشغولا, ولكن بسبب توقعى للسجن, فأننى أعددت الكتاب قبل دخول السجن بيوم أو اثنين. وكانت النظرة النهائية الأخيرة هى الأمر الذى يعطل طباعته, طبعا لم أستطع أن أرتب توثيق الكتاب بالمراجع, ويمكن ذلك فى الطبعة الثانية بإذن الله.
وعندما أعدت قراءة الكتاب فقد كنت سعيدا بمعظم أجزائه, لكنى شعرت بأن بعض الأجزاء كان يمكن أن تُكتب بإحكام أشد وشرح أوفى؛ ولكن يبقى الحمد لله, وأنا اعتبر صدور الكتاب فى هذا الثوب القشيب علامة – على ما أعتقد – على رضاء الله عن هذه الدراسة, التى كتبتها فى أشق الظروف, كتبتها وأنا بين النيابات والمحاكم والمطبعة والاجتماعات الحزبية.. إلخ إلخ..
*****
وأنا الآن أكثر هدوء وسكينة واستقرارا, وكلما تصورت أننى وصلت إلى ذروة السكينة.. وجدت ما هو أحلى منها.. وما هو أكثر اقترابا إلى الله.. نعم إن سجنى هو الطريق إلى الله.
يا رب اجعلنا من هؤلاء الذين وصفتهم فى كتابك الكريم:
(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) صدق الله العظيم
