تصريحات نارية أطلقها وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن تجاه إيران برد جماعى ضد تهديد طهران للملاحة البحرية، وأعلنت بريطانيا ورومانيا وإسرائيل عن ضرورة الرد القوي، وهو ما أثار تكهنات بأن ضربة عسكرية وشيكة قد تتعرض لها إيران، لكن شيئا من هذا لا يبدو أنه يمكن أن يحدث، ونفس الشيء ينطبق على الحشود العسكرية الأمريكية فى شرق أوروبا والبحر الأسود ضد روسيا، والتى دفعت بالرئيس الروسى بوتين للتلويح برد عسكرى قوى ضد أى استفزازات من الولايات المتحدة أو حلف الناتو، أما الكلام عن أن الولايات المتحدة قد انسحبت من أفغانستان لاستكمال تطويق الصين، فلا يمكن النظر إليه بجدية، فلا يمكن توجيه ضربة عسكرية للصين مهما بلغت الحشود أو إرتفعت نبرة التهديدات، وكل ما فى الأمر أن إدارة الرئيس الأمريكى بايدن تواصل سياسة الضغوط القصوى التى كان ينتهجها سلفه ترامب، برغم أن البرنامج الانتخابى لبايدن كان يطرح الوسائل الدبلوماسية سبيلا لحل الأزمات مع الصين وروسيا وإيران، وأن بايدن سيتخذ خطوات سريعة لإنهاء الحرب فى اليمن والعودة إلى الإتفاق النووى مع إيران، وحل القضية الفلسطينية على أساس مبدأ الدولتين، وإجراء مباحثات مع الصين وروسيا لحل المشكلات العالقة، وبدلا من انتهاج الدبلوماسية تحول بسرعة إلى المزيد من العقوبات لتشمل سوريا وكوبا ودولا أخرى، على العكس من سياسة الرئيس الأمريكى الأسبق أوباما الذى كان قد خفف الحصار على كوبا وسعى إلى احتوائها، لكن بايدن لم يواصل سياسة أوباما، بل واصل سياسة خصمه اللدود ترامب، الذى طالما انتقد سياساته ووصفها بالحمقاء، وكان يحذر من تصعيد النهج العسكرى وتوسيع نطاق العقوبات التى أضرت الولايات المتحدة، فلماذا هذا التحول من إدارة بايدن؟ وهل هو جاد فى الوصول بالتهديدات والعقوبات إلى حد الصدام المسلح؟. التصريحات التى تعلن عن خطط عسكرية يواكبها مناورات مكثفة وزيادة الميزانية العسكرية تعزز هذا التوجه، وتوحى بأن الولايات المتحدة اختارت طريق التصعيد العسكرى والاقتصادي، لكن نتائج مثل هذا التصعيد وتحوله إلى واقع يعنى أن الولايات المتحدة قررت أن تهدم الأرض على رؤوس الجميع، وهو سيناريو غير قابل للتنفيذ، وأن كل ما فى الأمر أن الولايات المتحدة لم تجد أنها ستجنى أى مكاسب بالطرق الدبلوماسية، مالم يواكبها تصعيد عسكرى واقتصادى يجبر تلك الدول على تقديم التنازلات المرضية والكافية لكى تطمئن واشنطن على مستقبلها، والحفاظ على مكانتها كقوة وحيدة دون منازع. لكن الخطر الحقيقى يكمن فى التلويح طويلا باستخدام القوة دون أن تحقق نتائج ملموسة، مما قد يدفعها إلى المزيد من التصعيد الذى لا يخلو من المجازفة بالتورط فى حرب قابلة للاتساع، وهذا السيناريو ليس مستبعدا، فما يجرى على أرض الواقع لا يصب فى مصلحة الولايات المتحدة، فالصين توسع نفوذها وقوتها الاقتصادية، وبدأت مؤخرا فى خطوات سريعة لتعزيز قدراتها العسكرية، فالتقارير الواردة من أمريكا الجنوبية تقول إن الصين أصبحت الشريك التجارى الأول لعدد متزايد من دول أمريكا الجنوبية، وتضخ استثمارات كبيرة فى نحو 15 دولة، وأثمرت عن تنامى القوة السياسية للصين، وأن دولا عديدة قطعت علاقاتها مع تايوان التى تعتبرها الصين جزءا من أراضيها، وهو مؤشر على أن الوقت ليس فى مصلحة الولايات المتحدة حتى فى حديقتها الخلفية، كما أن روسيا تواصل تحديها بكل جرأة للنفوذ الأمريكي، ولم تتراجع فى سياساتها مع أوكرانيا وسوريا وإفريقيا ووسط آسيا، بينما تنسحب الولايات المتحدة من أفغانستان والعراق وربما من سوريا دون تحقيق أى من أهدافها، كما لم تجبر إيران على التجاوب مع مطالبها المتعلقة بوقف برنامج تطوير الصواريخ الباليستية وتغيير نهجها تجاه إسرائيل مقابل العودة إلى الاتفاق النووى وإلغاء العقوبات، وكذلك لم تغير كوبا سياساتها الداعمة للدول المتمردة على النفوذ الأمريكى مثل فنزويلا وبوليفيا، وهذه الجبهات المتعددة لم تربح فيها الولايات المتحدة أى معركة، بل تخسر بعض معاقلها، ومن شأن ذلك أن يقلل من فرص كسب جولات أخرى، فالثقة تتراجع فى القوة الأمريكية، فالقوة الاقتصادية الصينية لا يمكن مواجهتها بالمنافسة الحرة، والقوة العسكرية لروسيا تحقق تقدما سريعا، والمستقبل لا يحمل أى علامات تفاؤل، لهذا وجد بايدن أن عليه مواصلة الضغوط القصوى، لكنه أمام اختبار صعب أمام إيران التى ازدادت تشددا مع تولى إبراهيم رئيسى مقاليد الحكم، وأصبحت مصداقية تهديدات إدارة بايدن على المحك.
