مذكراتى فى السجن : عن الأحلام والكوابيس وغياب الأحبة وتقصير بعضهم.. وعتاب لحسنين هيكل

الاثنين 12 يونيو 2000: الساعة 7 صباحا
نمت نوما عميقا ليله أمس وهذه من نعم الله علىّ, لا أحلم بكوابيس أبدا والحمد لله, أنا نادرا ما أحلم بكوابيس خارج السجن أو فى السجن, ولم أحلم فى السجن بكوابيس إلا مرتين أو ثلاثة فى السنة الماضية، وقد تمحورت الكوابيس حول خوفى على الأوراق التى أكتبها.. لأننى أبذل فيها مجهودا كبيرا، وهى أهم تحضير للكتابة النهائية للدراسات عقب خروجى من السجن، لذلك أخشى على هذه الأوراق خشيتى على أولادى، وكان الكابوس الذى تكرر مرتين أو ثلاثة فى المرة الماضية، يدور حول تعرض هذه الأوراق لمخاطرة الضبط، والتفتيش، وقد أيقظنى صلاح بديوى فى هاتين المرتين كى أتوقف عن المنازعة، أما هذه المرة فلم أتعرض لأى كابوس والحمد لله, وهذه تجربتى فى الحبس الانفرادى، ورغم إصرارى عليه، إلا أننى كنت أخشى من عدة أشياء بينها هذا الاحتمال.. ولكننى مع الأيام أزداد اطمئنانا، وأنام أكثر عمقا، ولا أتذكر أى أحلام تقريبا، دون أن أسرف فى النوم لأن ذلك من علامات الكسل وما يزال مجموع ما أنامه يتراوح ما بين 7،8 ساعات يوميا، وبمناسبة حكاية الأحلام، فنحن نتعرض لتجربة مثيرة فى هذه الحبسة، وإن كانت قد  حدثت فى الحبسة الماضية على نطاق أقل، فكثير من المساجين يحلمون لنا أحلاما جميلة.. ويروها لنا. فى الحبسة الماضية حلم عدة مساجين بأننا سنخرج قريبا من السجن.. وتتكرر نفس الظاهرة هذه المرة على نطاق أوسع؛ فلا يمر أسبوع دون أن يروى لنا  مسجون جنائى أو سياسى عن حلم جميل لنا، قال لنا أحد المساجين أنكم ستخرجون يوم خميس فقد حلمت حلما فى يوم جمعة، ونحن نتحدث عن خروجكم فى اليوم السابق، وروى لى أحد المساجين التائبين أنه حلم بى وأنا أبكى, قلت له: إنك إنسان شفاف لأننى أبكى كل يوم تقريبا.. قالى لى. أتبكى حزنا على البلد.. قلت له : بل أبكى خلال تلاوة القرآن والصلاة. وآخر حلم حلمه أحد المساجين ورواه لعصام وصلاح أنه حلم بركوب صلاح وعصام طائرة, بينما هو لم يلحق بهم وسقطت أسنانه، والمعروف أن سقوط الأسنان فى الحلم علامة سيئة، وهى ترمز لخروجنا دون خروجه على الأغلب، إلا أننى غضبت من هذا المسجون لأنه لم يحلم بى معهم فى حكاية ركوب الطائرة!! وحلم مسجون آخر بأننا نلبس ثلاثتنا بدلا آخر شياكة, ولابسين كرافتات والعياذ بالله وخارجين من السجن، وقلت فى نفسى إن صلاح بديوى هو الوحيد الذى معه بدله وكرافتة! وتسعدنى هذه الظاهرة لأنها تعكس إن وجودنا فى السجن يشغل المساجين وهم يدركون إننا مظلمون، وإن مكاننا الطبيعى خارج السجن للدفاع عن المظاليم، وأنهم يتمنون خروجنا قبل خروج أنفسهم، وكل هذه مشاعر تثلج القلب، كما إن بعض الأحلام (رؤية) تتحقق بالفعل، وهذا ما تأكدت به بنفسى مرارا داخل وخارج السجن، وقد حدث لى ذلك مرتين، ولكن كان الحلمان بمنزلة كشف ما وقع بالفعل منذ يوم أو يومين ولم يصل إلى علمى. فى الحبسة الماضية حلمت بحزن عادل حسين ثم اتضحت وفاة شقيقه عمى محمد، وفى هذه الحبسة قرأت فى الحلم نبأ حبس أحد الزملاء قبل قراءته فى اليوم التالى بالصحف.
قرأت بالأمس مقالا رائعا للطبيب النفسى الدكتور أحمد عكاشة عن الدين والصحة النفسية، وهو مقال حقيق به أن يدرس، وأن يقرأه كل مسلم وكل متدين، وقد قلبت فى مجلة نصف الدنيا التى أصبحت أحرص على متابعتها ولكن مستواها ليس ثابتا فى كل عدد.. فى هذا العدد لم يلفت نظرى أو يعجبنى إلا مقال سناء البيسى عن عجائب العسل والنحل، ورسائل الشيخ محمد عبده لتولستوى، وليس من المفترض أن تعجبنى المجلة كلها.. وكل عدد.. فهى مجلة موجهة للنساء فى المحل الأول!!

*****

هذه مجرد ثرثرة صباحية قبل أن أبدأ عملى الشاق اليومى (اليدوى والفكرى) فأنا لم أعد أتحدث مع أحد.. إلا قليلا جدا, ولذلك فإن كتابة المذكرات هى ملاذى كى أظل كائنا اجتماعيا..
أصبحنا .. وأصبح الملك للـه

*****

الســـاعة 10 مساءا
وهكذا تمضى الساعات والأيام.. تزدرى بالطغاة والمستبدين.. إن الأيام تمر وستطوى صفحة الجميع مستكبرين ومستضعفين، حكاما ومحكومين, وستكون الدنيا كلها كأنها ثانية من زمن العالم.. وسيحصل المؤمنون على جوائزهم وكل ما لم ينالوه من حقوقهم فى هذه الدنيا الفانية وسيعض الكافرون الفاسدون الظالمون على الأنامل.. بعد فوات وقت الندم.. وسيقولون لبعضهم البعض (سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) إن كل يوم يمر فى السجن هو شاهد معى يوم القيامة على الطغاة, وكل يوم يمر هو سيف جديد مسلط على رقاب الظلمة.. الذين لا يستظلون بظل الله يوم لا ظل إلا ظله..
وبعد الشكوى التى وجهتها للنائب العام.. ولرئيس الجمهورية.. لم يعد لهما حجة أمام الشعب.. وأمام الله.. نحن ثلاثتنا محبوسون ظلما وفقا لقوانينهم الوضعية، كما إن قيادات الحزب مقصرة أيما تقصير تجاه قضيتنا، ولا عذر لهم فيما يتعرض له الحزب من مخاطر لأننا جزء لا يتجزأ من هذه المخاطر, ولابد من تقسيم عمل، ولابد من تخصيص مجموعة للجانب الإعلامى.. وتوزيع الفاكسات على كل الصحف ووكالات الأنباء، ومتابعة عملية النشر، فحتى الآن لم تنشر أى صحيفة أى خبر عن شكوتى للنائب العام أو رئيس الجمهورية، وقد سلمتها للمحامين يوم 5 يونيو الماضى.. أى منذ أسبوع كامل. رغم أن الأحرار والوفد والعربى على الأقل لا يمكن أن ترفض النشر!
وعلمت أن شكوتى لرئيس الجمهورية تم توزيعها على الحاضرين فى عيد الصحفى، ولم تلق فى الميكرفون، إن شكوى عضو مجلس النقابة المنتخب المحبوس ظلما لا تقرأ فى الميكرفون فى عيد الصحفى، بينما يهزى نقيب الصحفيين عن إنجازاته وعن ارتباط المسئولية بالحرية.. والتزام الصحفى بالقانون، ألا يعلم هذا النقيب أن تنفيذ الحكم ضدنا، دون حكم مماثل ضد صحفيين آخرين هو إلغاء لفكرة القانون من أصله.. طيب يا نافع .. لنا لقاء.. أين ستذهب منى؟ بل أين ستذهب من الله عز وجل؟ ولماذا قبل زملاؤنا المعتصمون هذا الهزل؟! وماذا يفعلون فى النقابة؟! وما هذا الكلام الذى قاله الأستاذ هيكل فى النقابة، دون أن يتعرض لنا بالذكر؟ وكيف يأتى إلى النقابة لأول مرة منذ عشرات السنين ولا يتحدث صراحة عن كارثة إغلاق “الشعب”؟! لقد انتهى ما بيننا يا أستاذ هيكل.. ولن أسعى للقائك بعد اليوم، حتى تصحح مواقفك.
كذلك فإننى أسجل احتجاجى فى هذه المذكرات (السرية حتى الآن) على عدم متابعة المحامين فى الحزب لمسألة التصاريح، وإذا لم يأت محام حتى نهاية هذا الأسبوع فأننى سأدبج شكوى أخرى للنائب العام، بلغة أكثر وضوحا وحزما، يجب أن تعلم النيابة، أنها لا تملك الافتئات على حقوق المواطنين.. وأن دورها أن تكون حامية للمواطن بالقانون، وأنه لا علاقة لها بالسياسة، حتى لو كنت محبوسا بتهمة إهانة رئيس الجمهورية.
ولا أتحدث عن انقطاع أعضاء مجلس النقابة عن زيارتنا لأكثر من شهرين.. ولكننى أريد أن أسجل ذلك فحسب، حقا لقد أغلظت لهم القول.. وكانوا يستحقون أشد اللوم.. على تقصيرهم الذى لا مثيل له فى تاريخ النقابة تجاه قضيتنا، ولكن واجبهم يحتم عليهم أن يتجاوزوا ذلك, وأن يواصلوا زيارتنا.
وكذلك فإن الأستاذ إبراهيم شكرى فعل ما لم يفعله فى كل تاريخه، فأنا محبوس منذ 72 يوما, وهو لم يأت لزيارتى، رغم أنه بإمكانه أن يصر ويأتى.. رغم كل الكلام الطيب الذى ذكره عنى فى الصحف باعتبارى ابن أحمد حسين.
أنا أسجل كل ذلك، لأنها وقائع غريبة لم تحدث لى فى أى مرة فى السجن، فالتشديد على منع الزيارات يكون عادة فى البداية فقط، فى أول أسبوعين أو أول شهر، ولا أسجل ذلك لأننى فى ضيق لا يوصف، بل الحمد لله.. فأنا فى صحبة الله عز وجل.. ورسوله.. والمؤمنين من المساجين ورجال الشرطة, وسعيد بزيارات أسرتى 3 أو 4 مرات فى الشهر، وزيارة زوجتى عندى بالدنيا كلها.. ولكننى أسجل تقصير الآخرين.. وتعنت النيابة.. واستسلام المحامين لهذا التعنت.
كيف أحمدك وأشكرك يا رب.. أنت وحدك الذى تزورنى كل يوم وكل دقيقة وكل ثانية.. أنت وحدك الذى تسمح لى باللقاء معك أناء الليل وأطراف النهار.. أنت وحدك الذى تسمح لى بالتحدث إليك فى أى وقت.. أينما شئت.. ومتى شئت؟ وأنا العبد الضعيف, ولست سوى ذرة صغيرة من ذرات مخلوقاتك.. لست حزينا يا رب وأنت معى.. لا ينقصنى شئ وأنت معى.. ولكنى أكره الظلم، وأغضب من الذين لا يقاومون الظلم.. فأغفر لى ولقومى يا رب العالمين.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading