مذكراتى فى السجن: البكاء من خشية الله وعلاقته بالإيمان

السبت 17/ 6/2000: السادسة صباحا
يا صباح الفل.. يا صباح العندليب.. والعصافير.. ومواء القطط.. والنسيم الخفيف.. والهدوء والسكينة.. طبعا صاحى آخر مزاج بعد يوم طويل عريض كله كسل.. فبالأمس الجمعة تحقق بشكل تلقائى ما اتخذت به قرارا منذ عرفت السجون.. ولم أنفذه.. أن يكون يوم الجمعة أجازة.. يوم للاسترخاء والنوم والكسل.. ولكننى لم أفعل ذلك أبدا بشكل حقيقى، أما أمس فقد كنت أستيقظ لأنام.. وأنام لأستيقظ فى دوائر متصلة متقاربة.. غلبنى جسدى المتعب.. الذى لا أرحمه.. فلا شك أن كثرة القراءة والكتابة مجهدة.. ولا شك أن لعب التنس كل يوم.. مسألةover  لرجل عجوز مثلى.. فلم أبارح السرير أمس إلا قليلا.. ورغم أنفى.. فقد كان النوم يغالبنى كل ساعة.. وحتى الآن أريد أن أنام مرة أخرى!!
وبالتالى لا أجد أحداثا أسجلها.. بالنسبة لتطورات الحزب الآن أصبح مملا بالنسبة لى، فالزيارات كما توقعت بعد زيارة المحامين الأخيرة.. أى منذ 12 يوما، أى أن النيابة مصرة على انتهاك حقوقى القانونية، وبالتالى لا أستطيع أن أتابع أى شئ إلا من خلال زوجتى.. وهى مهما كانت متابعتها.. إلا أنها مشغولة بأشياء عديدة فى متابعة أمورى كسجين، والدتها كانت متعبة، ابنى هشام فى امتحانات الثانوية العامة، طبعا تقاريرها كافية لطمأنتى.. ولتحقيق حد معقول من المتابعة، ولكن زياراتها معرضة بدورها للتباعد حتى 26/6، وقد ركزت على نصيحة أساسية فى لقائى الأخير معها، وهى أن يمارس الحزب كل أنشطته (أو معظمها) بصورة اعتيادية وعدم الوقوع فى فخ الانتظار، لأن الانتظار يولد الإحباط، ويخلق مناخا مواتيا للمؤامرات الخارجية.
أما الصحف فواضح أنها تلقت تعليمات بعدم ذكر أى شىء سلبى أو إيجابى عن الحزب، وحتى الصحف المعارضة والمستقلة فهى لم تسلم من الضغوط.. ثم جاء تأجيل المحكمة إلى 27 يونيو.. بينما تتواصل تحقيقات المدعى الاشتراكى فى الترهات التى قدمها كومبارس الفن, وبالتالى ليس لدى ما أقوله أو أفعله فى حالى هذا، والرسالة التى نقلت فحواها زوجتى بأسلوبها الرشيق. وتم توزيعها على اللجنة التنفيذية فيها كل المعانى التى أريد إيصالها.. وبالتالى فبالنسبة لقضية الحزب: الزمن يبدو قد توقف بالنسبة لى, وعنى شخصيا لا أرى ضيرا فى تأخر عودة الجريدة إذا قمنا بباقى مهمتنا الحزبية على نحو معقول.. فالتأخير يعنى مزيدا من الاضطهاد؛ ويعنى مزيدا من الأوسمة على صدر الحزب..
وفى فترات اليقظة أمس.. لم أقرأ سوى القرآن.. والصحف، وأنهيت كتابا للشيخ الشعراوى، وبدأت فى كتاب المعذبون فى الأرض لطه لحسين.. وهو كتاب ظريف ولطيف.. وأنا أحب أسلوب طه حسين ولكننى لم أقرأ كل كتبه.
وتم إصلاح البنية التحتية المنهارة فى الزنزانة، فقد عشت 4 أيام بدون مياه.. أى بدون خزان مياه.. فطوال فترة انقطاع المياه ليلا وجزءا من النهار.. كنت بلا ماء.. إلا زجاجات قليلة.. والسبب انهيار شامل فى شبكة المواسير داخل زنزانتى.. وقد حدث لى ما يحدث فى أفلام لوريل وهاردى، فعندما أغلق المحابس.. تنطلق المياه.. وعندما أفتح المحابس تنقطع المياه.. ثم أصبحت المياه تتفجر من الخزان من أعلى.. ولكنها لا تدخل فى المواسير؟! فالصنابير سكوت.. المهم لقد كانت مسألة مضحكة مبكية، حتى تم بالأمس إحضار محابس جديدة وانتظم الأمر.. كذلك عجزت أمس عن حلاقة شعرى، لأن نائب المأمور لم يسمح بانتقال الحلاق إلىّ من عنبر 2، ولا انتقالى إليه وكان حلاق عنبرنا مشغولا.. وقد أصبح شعرى طويلا وقررت اجتثاثه من الجذور.. على الزيرو.. اليوم إن شاء الله.
كذلك قرأت بالأمس عددا من الصفحات فى كتاب مهم عن التصوف الإسلامى.. وهو عالم أهاب الاقتراب منه.. أو بالأحرى أهاب التعمق فيه، لأننى بالفعل أحيا تجربة روحية عميقة.. لم أعهدها من قبل، وهى على روعتها تهز كل كيانى.. وسألت الله عز وجل أن يرفق بى.. وأن يأخذ بيدى خطوة خطوة.. لأن نفسى تحولت إلى بركان مشتعل.. وفهمت ماذا يعنى محمد إقبال فى شعره (لابد للمكبوت من فيضان).. وعندما يقول:
صعدت إلى شفتى خواطر مهجتى .. ليجيب عنها منطقى ولسانى
أنا ما تعديت القناعة والرضا .. لكنها هى قصة الأشجان 
يدعو لك اللهم قلب لم يعــــش  .. إلا لحمد علاك فى الأكوان 
شكواى أم نجواى فى هذا الدجى .. ونجوم ليلى حسدى أو عودى 
أمسيت فى الماضى أعيش كأنما .. قطع الزمان طريق أمس عن غدى
والطير صادحة على أفنانها .. تبكى الربى بأنينها المتجدد 
قد طال تسهيدى وطال نشيجها .. ومدامعى كالطل فى الغصن الندى
فإلى متى صمتى كأنى زهرة .. خرساء لم ترزق براعة منشد
ويشير إقبال إلى تجاوب المجرات وزرافات النجوم والكواكب مع نداءات المؤمن لربه..
وجاوبت المجرة على صوتا .. سرى بين الكواكب فى خفاء 
وقالت هذا صوت شاك .. يواصل شدوه عند المساء
ولم يعرف سوى رضوان .. وما أحراه عندى من وفاء 
*****
وليست الصوفية فى أصلها السليم، إلا التأسى بالقدوة المصطفى “صلى الله عليه وسلم”، والتأسى بسيرته.. فى طريق منير مستضئ إلى الله.. وهى رحلة تزدرى بكل الرحلات.. وتسخر من كل متاع الدنيا.. والخطورة كل الخطورة أن تتحول إلى طلاسم، أو أسرار خفية.. فالصوفية الحقة مبسوطة فى القرآن والسنة بلا أسرار.. وهى ملك الجميع.. هى مشاع.. أو قطاع عام.. لمن يريد أن ينهل بلا حدود.. وسيعرف طريقه وحده..
والصوفية من الصفاء.. وهذا أحلى تفسير لغوى لها.. أن تكون صوفيا يعنى أن تكون صافيا.. وهل يوجد أحلى من الصفاء؟! وكثرة البكاء فى جوف الليل هى من أبرز العلامات على الاقتراب من الله.. لأننى عرفت أناسا يبكون بصورة تمثيلية، كما يبكى الممثلون على خشبة المسرح، والبكاء فى جوف الليل أو عندما تكون خاليا مع الله، ليس فيه شبهة رياء للناس، أى ليس فيه شبهة التظاهر بالتقوى..
ومنذ بدأت كتابة مذكراتى فى السجن من عام 1998 كنت أريد أن أكتب فصلا عن البكاء.. ولكن الله لم يأذن لى.. وأنا أعنى البكاء من خشية الله، أو من شدة حبه؛ وهذا نوع خاص من البكاء.
ومن علامات تدهور مجتمعنا من الناحية الإيمانية أن البكاء تحول إلى عيب, خاصة للرجال، ونحن كثيرا ما نقول: (الرجال لا يبكون) وهذا هراء عموما.. ليس فى مجال خشية الله فحسب, ولكن فى الأحداث الجسام كالموت.. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يبكى فى وفاة الأعزاء: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن).. ولكن كان أكثر بكاءه حبا وخشية من الله..
ولا شك أن المرأة أكثر بكاءا من الرجل بوجه عام فى مجال الحياة اليومية.. وهذا ما ينفس عن المرأة، ويجعل صحتها أفضل، وعمرها أطول.. ولكن فى مجال خشية الله فلا أحسب أن هناك فرقا بين الرجل والمرأة.. فالمسألة متعلقة بالشحنة الإيمانية.
ويطول الحديث فى هذا المجال.. وهو مسجل فى القرآن الكريم فى عدة مواضع:
(وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (الإسراء: 109).
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) (مريم: 58).
ولكننى أريد تسجيل بعض الأحاديث التى وردت فى مجلة منبر الإسلام فى عدد يونيو 1975، فقد وجدت هذه المجلة فى مسجد العنبر، وهى وثيقة تؤكد كيف تدهورت مصر فى كل المجالات.. فهى أفضل بكثير من حالتها الراهنة بعد ربع قرن، وأنت تود أن تقرأ المجلة كلها من الجلدة للجلدة.. وهى منوعة وشاملة لكل المجالات وبأفضل الأقلام..
وقد وجدت فيها هذه الأحاديث تحت عنوان: (أثر البكاء من خشية الله) وهى غير محددة المصدر بصورة كافية.. لذلك سأسجلها لمراجعتها فى كتب الأحاديث بعد خروجى إن شاء الله.
* عن أبو سعيد الدرامى قال: حدثنى جدى عن أنس بن مالك قال: جاء فتى من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أمى تكثر البكاء وأخاف على بصرها أن يذهب فلو أتيتها فوعظتها, فذهب معه فدخل فقال لها فى ذلك.. قالت: يا رسول الله أرأيت إن ذهب بصرى فى الدنيا ثم صرت إلى الجنة أيبدلنى الله خيرا منه؟ فقال: نعم.. قالت: فإن ذهب بصرى فى الدنيا ثم صرت إلى النار أفيعيد الله بصرى؟ فقال النبى للفتى: إن أمك صديقة.
* عن ثابت بن سعيد قال: ثلاث أعين لا تمسها النار: عين حرست فى سبيل الله، وعين سهرت فى كتاب الله، وعين بكت فى سواد الليل من خشية الله.
* وعن محمد بن الفضيل عن العلاء بن المسيب، عن الحسن قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: (ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دم فى سبيله, وقطرة دمع فى جوف الليل من خشيته، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة ردها بصبر وحسن عزاؤه, وجرعة غيظ كظم عليها).
صدقت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading