مذكرات السجن : شكر نعم الله.. وأولها الزوجة الصالحة ..عندما قال لى الشاويش : الخبز هو الحريةيا أستاذ !

( الصورة لفؤاد سراج الدين زعيم الوفد )

الأحد 18/ 6/2000: الساعة 7 صباحا
يا صباح الخير يا قارئ المذكرات.. ما زلت أصحو فى موكب العصافير.. الجو شديد الحرارة والرطوبة، ولكن جسدى متكيف معه، وروحى هادئة مطمئنة لا تشكو من شىء, وليست مشغولة إلا بمحاولة إحصاء نعم الله (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) وأنا لا أحاول الإحصاء.. فأخرق هذه الحكمة الإلهية.. ولكننى أتذكر ما يمكن أن تعيه الذاكرة من بعض هذه النعم، حقا إن الإنسان لظلوم كفار ، نعم الله تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، ولكن (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سبحانك اللهم وبحمدك.. أشهد أن لا إله إلا أنت.. مقسم الأرزاق.. وواهب النعم، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك.. وصفيك وخليلك.. 
بالأمس حبانى الله بنعمة كبرى جديدة.. فى الصباح ذهبت متثاقلا للحصول على الصحف التى لم يعد بها أى شىء مثير.. ولكن لابد من قراءتها.. فرأيت شكوتى لرئيس الجمهورية منشورة فى الوفد بصورة شبه كاملة، ثم رأيت أخى أبو العباس محمد قد كتب عنها خبرا بارزا بصورة لى فى أول صفحة من صفحات مجلة الأهرام العربى تحت عنوان: “مجدى حسين يطالب رئيس الجمهورية بمساواته بمصطفى بكرى”، وقد كنت فى ضيق شديد من عدم نشر شكوتى للنائب العام أو لرئيس الجمهورية رغم إرسالهما عبر المحامين منذ 5 يونيو الماضى.. وابتئست وكتمت حزنى، هل لم يعد فى الدنيا خير إلى هذا الحد؟! وهل انقرض صنف الرجال حقا من بلادى؟! حتى صحف المعارضة أبت واستغشيت ثيابها، وكنت قد طلبت من زوجتى فى اللقاء الأخير أن تتصل بفؤاد سراج الدين مباشرة، لأنها أعطت الشكوى لسعيد عبد الخالق دون جدوى.. أما أن تنشر الشكوى فى الوفد ومجلة قومية فى يوم واحد.. فهذا والله شىء كثير.. بذلك فقد ضمنت أن قرأها عشرات الآلاف.. فالحمد لله.. وفى هذه الحالة لا تهمنى النتيجة, المهم أن الرسالة وصلت.. وأن الحجة أقيمت أمام الله.. والشعب.. ولا يستطيع رئيس الجمهورية أن يقول أن الشكوى لم تعرض عليه, ولا يستطيع أن يقول ذلك أى مسئول.. ونفس الشىء ينطبق على الأستاذ إبراهيم نافع وأعضاء مجلس النقابة الموقر.. وجماهير الصحفيين، وكل من يهمه الأمر.. فلابد أن يكون الظلم معروفا.. ومثبتا بالأدلة والبراهين, وليتحمل الظالمون العواقب.. ولأهدأ أنا فى سجنى.. فإذا عجز الناس حكاما ومحكومين عن تصحيح الأوضاع.. فهذا هو قدر البلاد وقدرى.. وأنا لا أشكو – حاشا لله – من قدرى.. بل أنا أسعى لجمع ثواب من هنا أو هناك أستتر به يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، أستتر به تحت ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).
كنت سعيدا قرير العين.. وأرسلت النبأ إلى صلاح وعصام مع مخصوص!! فلا المجلة (الأهرام العربى) ولا الوفد من ممتلكاتى, وإنما أقرأهما على سبيل الاستعارة، ومع ذلك جاءت ظهرا مجموعة من الصحف والمجلات (مع الطبلية) وكان الأهرام العربى من بينها.. ومع ذلك فأننى سأسعى من خلال زوجتى الرائعة التى تطوقنى كل يوم بجميل أو أكثر؛ لنشر الشكوى فى باقى صحف المعارضة.. وسأصل فى إحراج إبراهيم نافع إلى أقصى مدى.. فسأطلب منه نشر الشكوى كإعلان مدفوع الأجر فى صحيفة الأهرام.. وسنرى ماذا سيكون رد فعله!!
وعند الظهر قمت بقياس الضغط فكان قد وصل إلى 120/87، وأنا سعيد بهذه النتائج لأنها ثمرة المزاوجة بين العلاج بالقرآن.. والعلاج بالدواء، والدواء وحده لا يكفى, والأمثلة حولى كثيرة فى نفس النوع من المرض، وهكذا اقتربت من لحظة الاستغناء عن الدواء نهائيا بإذن الله.. وربما يكون هذا الانخفاض (كان آخر مرة 140/90) هو من أسباب حالة الإقبال على النوم التى أصابتنى أمس الأول والتى ما تزال متواصلة..
ألا تكفى هذه النعم فى يوم واحد.. لا والله أنها حتى لا تشكل 1% من أنعم الله..
ونشرت الأهرام أمس الأول عن الذكرى الأولى لرحيل شقيقتى “حرية” وزوجها وبنتها نيفين.. ولقد تعجبت كيف فاتنى الموعد؟ ويرجع ذلك أننى كنت أتصور دائما أننى فقدت “حرية” منذ وقت قصير جدا، فهل معقول إن عاما بأكمله قد مر؟! ما زلت حتى الآن غير مصدق، وغير مستوعب أننا فقدنا هذا الركن الركين من حياتنا.. إن فراقك يا “حرية” صعب جدا، ولكننى أحسب أنك أهدأ بالا، علينا أن نتعود على فراقك.. هذه هى المشكلة.. أما الدنيا فالأحمق وحده هو الذى يبكى عليها.. ولأستغل هذه المناسبة كى أكتب وصيتى: هى أن أدفن بجوار والدى قدر الإمكان.. أما بالنسبة لزوجتى – فبعد عمر طويل – يجب بإذن الله أن تكون فى القسم النسائى لمقبرتنا، ولا تدفن أبدا فى مقبرة أسرتها.. فلابد أن تكون – بإذن الله – بجوارى.. فعندما أكون فى قبر مع والدى وحلمى مراد.. وباقى أفاضل الأسرة.. ثم – بعد عمر طويل – زوجتى.. فسيكون أسعد برزخ بإذن الله..
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فى جنازة: “مستريح ومستراح منه”, قالوا: يا رسول الله  ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) (البخارى – مسلم).
اللهم أرحمنا.. اللهم أرحم العباد والبلاد والشجر والدواب من الكفرة الفجرة.. الذين عاثوا فى الأرض فسادا..
(قطعت المذكرات الآن لإحضار الخبز من الفرن).
* فى طريق عودتى من الفرن سعيدا بأرغفتى الثلاثة.. ومدفوعا برغبتى فى مداعبة الناس واختلاق الأحاديث والطرف، لأننى أمضى 13 ساعة منفردا، التقيت بشاويش.. وقلت له وأنا لا أعلم هل سيفهمنى أم لا؟ (لقد حصلت على الخبز ولم يبق إلا الحرية).. فرد علىّ بثبات ويقين (ما هو الخبز هو الحرية يا أستاذ) وكانت إجابة مروعة فيها من العمق بقدر ما فيها من تشخيص داء الأمة.. وارتج علىّ ولكننى تمسكت وحاولت أن أشرح له أن الحرية تشير إلى المسائل المعنوية.. والخبز يشير إلى النواحى المادية التى لا يمكن للإنسان أن يستغنى عنها.. ولكنها وحدها لا تكفى (ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان) ولم أستطع أن أتبين هل فهمنى أم لا؟! ولكننى كنت مرعوبا من يقينه وهو يتحدث (الخبز هو الحرية يا أستاذ) فغدوت بعيدا عنه.. وكأنى أهرب من جنى.. كنت أخشى أن يرفض كلامى ويقول لى (يا أستاذ الخبز هو الحرية).. ورغم ما يبدو من خلاف ظاهرى بيننا؛ إلا أن الرجل عكس بعمق أزمة الفقر والفاقة.. التى يحياها ما لا يقل عن 40 – 50% من الشعب المصرى.. إن سد احتياجات الحياة المادية الأساسية يشغل كل تفكير هؤلاء الناس، وبهذا المعنى فإن الحاكم الظالم يفتن الناس فى دينها.
* بالأمس أيضا قمت بشىء عجيب لم أفعله من قبل فى السجن، فقد حصلت على دواوين شعر من مكتبة السجن كى تساعدنى فى كتابة رسائل الحب والغرام لزوجتى. فالمحبون أناس جادون.. لا يهزلون.. ويحضرون لكتابة الرسائل الغرامية، كما يحضرون لشهادة الدكتوراه.. بل وبجدية أشد وبرغبة جارفة من داخل أنفسهم.. وتساءلت.. هل سيدفعنى السجن إلى مرحلة المراهقة الرومانسية؟! ولكن ما العيب فى أن أحب زوجتى رغم تقدمنا فى السن؟! وما العيب فى قراءة الشعر وأنا أحب أن أفعل ذلك؛ ولا يحول بينى وبينه إلا المشغوليات.. وبدأت بصلاح عبد الصبور.. وأحضرت كل دواوينه.. ولكننى اكتشفت أننى سقطت فى تخليطات مرحلة الشباب، فصلاح عبد الصبور لا يمكن تجريده من ثقافته وأمتلاكه للغة، وموهبة شعرية، ولكننى وجدته بعيدا عنى.. إنها نفس تأوهات الشيوعية المنهارة، وقد انهار صلاح عبد الصبور قبل انهيار الشيوعية بعقدين من الزمان، ولم تعجبنى نسبيا إلا قصيدة واحدة كنا نحبها فى الشباب (أحلام الفارس القديم), ولكن دواوينه التى طبعتها وزارة الثقافة فى 1993، ينبث فيها الإلحاد.. وبعض من قلة الحياء.. والضياع والعدمية.. أما فيما يتعلق بالحب فوجدت أننى يمكن أن أكتب أفضل منه, ولكن نثرا، وهو على أى حال بدأ عملية هدم القصيدة العمودية. أدركت أننى أخطأت.. ولكن هذا المسح الشامل لشعره لم يخلو من فائدة، وسأنتقل اليوم إلى “ناجى” فلا شك أنه سيكون شاعرا سويا!!

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة