-بقلم مجدى حسين-
تعيش عواصم الغرب بحق مأتم وتقيم سرادقات العزاء لرحيل الهيمنة الغربية عن العالم . هم لايجدون ما يقولونه لشعوبهم أو للعالم . فقد أصبحت أمريكا التى تظن أنها مازالت القوة العظمى الوحيدة أصبحت مسخة بين الأمم ومضغة فى الافواه . وأهم موضوعات السخرية فى وسائل التواصل الاجتماعى على مستوى العالم بينما ظهرت أوروبا بحجمها الحقيقى وكأنها لاقيمة لها ، أمريكا تتخذ القرارات المنفردة وهى تضيع فى الأقدام . بقدرمانعيش نحن العرب والمسلمون فى فرح ، يعيشون هم فى نكد . فتحرر أمة من قبضتهم ليس خبرا سعيدا أبدا لهم . وانسحاب قواتهم بمذلة أمر لايمكن تجرعه بسهولة . وقد لخص وزير الدفاع البريطانى هذا الموقف الدرامى والاستراتيجى بالبكاء على الهواء فى حديث تلفزيونى ، وماقاله أشد من البكاء حين قال : إننا انسحبنا وقد لانستطيع استعادة كل مواطنينا من هناك . وهذه حالة نفسية منهارة لأنها حتى لاتعبر عن الحقيقة . فطالبان لن تمنع أى بريطانى مدنى أو عسكرى من مغادرة أفغانستان وهى تطالب بذلك . ولايزال أمامهم وقتا حتى 11 سبتمبر القادم حسب اتفاقية الدوحة . ولاتنوى طالبان أن تهاجم القوات الأجنبية وهى تنسحب وهى تبرهن كل يوم على أنها أصبحت أكثر تعقلا بكثير من 20 سنة مضت . ولكن مجرد إحساس وزير الدفاع البريطانى أنه لاحول له ولاقوة وأنه تحت اليد العليا لطالبان فى كابل أشعره بالهوان والمذلة والهزيمة فبكى وزير دفاع الدولة العظمى المتقاعدة . وأنحى عسكريون بريطانيون باللائمة على أمريكا لأنها حددت وقت الانسحاب بشكل منفرد ولم يكن وقتا كافيا ، وهو ما أدى إلى حالة الازدحام فى مطار كابول جعلت أقوى جيوش العالم فى صورة مخزية وجبانة بحيث تطير بالطائرات والمدنيون معلقون بها وتعرضهم للموت المحقق . إنه مشهد تايتنك وهى تغرق . إن مشهد الطائرة التى يتعلق بها المدنيون الأفغان يلخص نهاية فبلم الامبراطورية الامريكية – الغربية . وأينما نظرت وجدت المناحات قائمة وجلسات المعدداتية منصوبة ولم يعودوا فى حاجة إلى استئجار نائحات . فى واشنطن رغم انه لايوجد أحد فى أمريكا يريد أن يستمر أو يحارب فى أفغانستان فى تلك الحرب الفاشلة التى لانهاية لها . إلا أنه لايوجد أمريكى كان يتمنى أن يشاهد يوما مظهر الهوان للقوات الامريكية والغربية وهى لاتستطيع أن تركب طائرة للعودة للوطن . والسفارة الامريكية التى لملمت أوراقها وهى فى حالة ذعر غير مبرر لأنه لم تكن هناك مؤشرات على أن طالبان سستقتحم السفارة الامريكية أو غيرها من السفارات . ووصل الذعر إلى حد حرق الأوراق الحساسة بل حرقوا جوازات سفر لأفغان كانوا يطلبون التأشيرة والهجرة مما صعب الأمر عليهم .وتم وقف خدمة التأشيرات ! مشهد مهين آخر لم يكونوا مضطرين له ولكنه ذعر الهزيمة . أطلقوا نيران على المحتشدين فى المطار فمات عشرة بين التدافع والرصاص ثم رأينا اثنين يسقطون من جسم طائرة بعد أن طارت ثم أخيرا أصيب 17 أفغانيا فى حادث تدافع أمام أبواب المطار بسبب حماقة السفارة الامريكية التى أعلنت ترحيبا بأى مواطن أفغانى يخشى على نفسه .. رسميا لايزال 15 ألف أمريكى عالق فى أفغانستان . و1500 بريطانى . قادة الغرب يتسابقون فى استخدام تعبيرات الأسى والحديث عن الحزن ، والست ميركيل تقول أنها لاتجد سوى كلمة المرارة لوصف الموقف . وقال مسئول ألمانى إن طالبان اذا طبقت الشريعة الاسلامية فلن تحصل على أى دعم مالى من بلاده ! وماكرون قال إن ماحدث فى أفغانستان سيكون له تأثير على الوضع العالمى وهذا صحيح . والمسئولون الاوروبيون عموما خاصة فى البلاد التى حاربت فى أفغانستان ينحون باللائمة على أمريكا : هى السبب فى كل ماجرى ، ليس خلال 20 سنة فحسب بل خلال هذا الانسحاب المهين .فأمريكا هى القائد كما يقولون . وبايدن وفى خضم الدفاع عن نفسه قال الحقيقة : إن أفغانستان مقبرة الامبراطوريات ! فى اسرائيل لطم الخدود طبيعى فإن بايدن قال صراحة ان أمريكا لن تقاتل دفاعا عن أحد . اسرائيل تشعر بالقلق وأنها وحيدة بين وحوش المقاومة . والقلق لابد تسرب إلى مراكز صناعة القرار فى تايوان واليابان وكوريا الجنوبية ! بدا وكأن عقد الناتو قد أنفرط وأوروبا تشعر بالضعف واليتم . كانت القوة الأمريكية تستند إلى ثلاثى : أمريكا – أوروبا – اليابان . القوة الامريكة تراجعت ولكن القوتين الأخريين تهاويتا وكأنها بلا أى تأثير على المسرح الدولى . وحكاية تفرغ أمريكا لمواجهة الصين وروسيا أشبه بالمزحة . فماذا تستطيع أن تفعل معهما. حتى وإن حشدت بعض القوات على مقربة من حدودهما . إن روسيا والصين كل منهما على حدة قادرتان على تدمير أمريكا من على بعد بالصواريخ والقنابل النووية . إن الصراع مع الصين صراع حضارى اقتصادى لم تعد تقوى عليه أمريكا ، بينما قطعت روسيا شوطا خطيرا فى التفوق العسكرى على أمريكا بالاضافة لاستعادة عافيتها الاقتصادية . بل إن هذين البلدين حليفان الآن . وسيظهرهذا فى أفغانستان سيحدث تقارب كبير بين طالبان وكل من روسيا والصين وايران وستطرد أمريكا من وسط آسيا . ثم من غربها ( الشرق الاوسط ) ، ستخرج أولا ببقايا قوتها العاجزة من العراق وسوريا وستندحر خطتها فى اليمن . ثم تكون المعركة الكبرى حول وجود اسرائيل .
لقد كان الكاتب البريطانى الشهير ديفيد هيرست محقا حين عنون مقاله الأخير بأن هزيمة أفغانستان هى بداية نهاية الامبراطورية الغربية .
