كان اليسار الفلسطيني الذي تربيت بين اكنافه، وترعرعت على مفاهيمه وأهدافه الإنسانية النبيلة، انهل منها ما تيسر في بدايات الوعي السياسي، عندما كنت شابا يافعا في فلسطين، خلال المراحل الإعدادية والثانوية، والبدايات الجامعية، كان يسارا فريدا، مليئا بالحيوية، والنشاط، والثورية المشبعة بأمل الانتصار، في تلك الحقبة من التاريخ الفلسطيني. كانت النقاشات تتمحور دائما حول بناء حزب يساري ثوري راديكالي، واضح الهوية، والخطاب، والتوجه، يطمح لأن يلعب دورا مميزا ضمن الحركة اليسارية العالمية لتحرير العالم من الامبريالية، ومن ظلم النظام الرأسمالي الشرس. بحيث يتم ذلك من خلال تحرير فلسطين من البحر الى النهر، اخر استعمار كولونيالي في التاريخ الحديث، وهزيمة التجسيد المادي الاستعماري للحركة الصهيونية، ” دولة إسرائيل” بشكل نهائي. ولكننا الان، إذا ألقينا نظرة على ما آل اليه وضع اليسار، فأننا نشاهد فصائل وأحزاب قد أصبحت ضبابية في الخطاب، رمادية في المواقف، تفتقر إلى نواة وجوهر أيديولوجي صلب، والى هوية واضحة، وفي الكثير من الأحيان تُمتَهَن لليمين.
فبالرغم من ان أيديولوجيات اليسار الفلسطيني، كما اليسار العالمي عموما، بنيت على أفكار نبيلة وثورية، الا انها فشلت في تحقيق أهدافها. نحن هنا نعالج العامل الذاتي الحاسم، ونعرف ونعي نظريا وعمليا دور العوامل الخارجية المضادة التي ساهمت بهذا الفشل بهذا القدر او ذاك. ولكن التركيز هنا على العامل الذاتي كونه الأداة، والوسيلة الوحيدة المتاحة للتغلب على قوة العوامل الخارجية المعادية، وقلب موازين القوى لصالح اليسار، في حالة توفر عامل يساري ذاتي قادر عل فرض هذه المعادلة، تماما كما يفعل محور المقاومة الان بقلب موازيين القوى لصالحة في صراعة مع الامبريالية الصهيوامريكية وحلفائها من انظمة العرب الرجعية.
فَشِل اليسار الفلسطيني في تحقيق اهدافه لأن ممارساته بكافة الجوانب لم ترتق إلى مستوى تنظيره والشعارات التي رفعها. وعندما أتكلم عن اليسار، فأن الثقل هنا يقع على عاتق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فهي باعتقادي، كانت قد شكلت المشروع اليساري الوحيد، الذي حمل ولا يزال، الإمكانية الكامنة، والتاريخ، والوعي الثوري، والمخزون النضالي، لأن تصبح ارهاصا يساريا حقيقيا، بحيث تعمل كداعمة ورافعة للعمل الثوري التحرري الجذري على الساحة الفلسطينية. فالجبهة لم تستطع ان تمتلك نظريتها المادية وتصورها وعقيدتها، ففشلت بسبب ذلك في اعادة انتاجها، وطرحها على الناس بألوان واشكال نابعة من محيطها وبيئتها. وهكذا جاءت تصوراتها ورؤاها جاهزة في قوالبٍ مستوردة من التجارب اليسارية العالمية، وخصوصا السوفياتية منها، دون القدرة على تكييفها وتطويعها لتتلاءم مع الواقع والتاريخ والموروث والتجربة واللغة الفلسطينية والعربية. كل هذا ساهم في عدم قدرة الجبهة الشعبية على استقراء طبيعة وخصوصية وظروف المجتمع الفلسطيني والعربي بدقة، مما أدى الى عجز في إحداث التغيير المطلوب وتحقيق الاهداف المنشودة.
كانت الغلطة الكبرى بالجبهة الشعبية، التي وعت مبكرا الطبيعة الطبقية للشريحة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية. حيث كان لها باعا طويلا في تصنيف وتحليل طبيعة هذ الطبقة البرجوازية، واستقراء الطريق السياسي الذي كان هذا النهج اليميني المستسلم سيقود به القضية الوطنية الفلسطينية، وقد اثبتت الأيام صحة هذا الطرح. لكنها أخطأت في التعامل وتنظيم الصراع معه ضمن هذه الرؤية والتحليل، على أساس هزيمته سياسيا وجماهيريا، واخذ زمام القيادة منه، بل انها، في عدة مراحل، نهجت نهجه، وجلست في حضنه وتحت رعايته، كما هو حاصل الان. ومهما كانت الأسباب التي أدت بقيادة الجبهة لهذا التوجه، فقد بات واضح بشكل لا يقبل الجدل، ان الشريحة الحاكمة في السلطة هي منظومة مصالح طبقية، تبحث عن حالة تعايش مع كيان صهيوني استعماري احلالي، سرق الأرض الفلسطينية، وزور هويتها التاريخية، ومارس أبشع جرائم القتل والابادة بحق انسانها وحيوانها وشجرها، ولم يعد هناك أي مجال للتعايش معه.
تم تقزيم وتقييد أحزاب اليسار، ومن ضمنها الجبهة الشعبية، منذ البداية، بضمِّها إلى “منظمة التحرير الفلسطينية (م ف ت)،” التي كانت تقودها حركة “فتح.” وعملت (م ت ف) داخليا كآلية تستخدمها حركة “فتح” لإدارة شئون المنظمات الفلسطينية المعارضة، وذلك لإبقاء نبضها وايقاعها ومواقفها تحت سيطرتها لتحقيق غاياتها وبرامجها اللاهثة وراء مشروع الدولة. دأبت حركة “فتح” ومن ورائها (م ت ف) تلهث وراء حلول للقضية من خلال المفاوضات والمساومات و”الشرعية الدولية،” ولم تبحث عن نصر بالعمل الجاد على تحرير الارض. هذا الأمر قصم ظهر اليسار وأصابه بالشلل والمرض، لان طاقته المحدودة والثمينة هدر معظمها في مسار من اجل حد الهرولة اليمنية نحو الحلول الاستسلامية، التي كانت محددة ومضبوطة بقاعدة الوحدة والصراع، ومبدأ الوحدة الوطنية، التي سخرتهما ووضعت قوانينهما قيادة حركة “فتح” بمهارة ولصالحها. وبهذا انحصر اليسار وبذر معظم طاقته ووقته الثمين ضمن هذا المسار، وأهمل العمل بين الفقراء والمظلومين، وخصوصا مخيمات اللجوء، والنضال ضد الاستبداد والفساد والفردية لدى الحزب السلطوي الحاكم. فكيف لفصيل ثوري أن ترضخ قيادته بالعمل تحت اتفاقيات أوسلو المشؤومة، وتقبل بالعيش تحت وصاية من وقعها، بطريقة تضمن عجزها عن رفع صوتها السياسي، أو التدخل في صنع أي قرار؟ فأصبح اليسار والجبهة الشعبية بالخصوص، تتراوح بين السبات والشلل والقهر.
فمنذ أوسلو، توجهت طاقة الجبهة بشكل عام نحو النشاط المدني والأهلي، كعقد اجتماعات شكلية، وتقديم الندوات والمحاضرات الثقافية، وإقامة الحفلات الفنية، والاحتفال ببعض المناسبات العامة والأعياد الوطنية، واعيادها الخاصة. وان كان كل هذا مفيدا ضمن خطة ورؤية ثورية شاملة، الا انه يصبح عجزا عندما تنحصر برامج العمل والرؤية في هذا المسار. الجبهة الشعبية الان بحاجة الى رؤية جديدة، تنطلق من فهم أعمق للمشروع الصهيوني، وفهم أعمق لطبيعة الشريحة الكومبرادورية الأوسلوية، الطغمة الحاكمة في السلطة، التي حولت الوطن الى سجن ومنفى، وانسلاخت عن الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري الوطني، وعن إدراك ان الوظيفة الأمنية للسلطة هي اهم الوظائف التي تهتم إسرائيل باستمرارها. تحتاج الجبهة الى رؤية أعمق في ماهية معسكر الأصدقاء والاعداء ونسج التحالفات، وخصوصا الالتحام مع محور المقاومة، بل ولعب دور قيادي فيه، واعتبار منجزات المقاومة في غزة رافعة للعمل الوطني. والاهم، البدء بالعمل الجماهيري والنقابي والسياسي على أساس هذه الرؤية الجديدة، وبنفس الجرأة والصلابة الثورية التي عهدناها بها، والالتصاق بالجماهير وحقوقها مهما كانت التضحيات. فالحزب الثوري ينشأ من اجل خلق النصر بالتضحيات الجسام.
على اليسار عموما، وعلى الجبهة الشعبية خصوصا، ان تقف امام مجريات الواقع بكل حكمة وتجرد، وان تسجل إجابات شافية على أسئلة باتت مشروعة، مثل علاقتها بأوسلو، علاقتها بحركة “فتح” وحركة “حماس،” وعلاقتها ودورها في محور المقاومة، بهدف توضيح الحقائق بعد سنوات طويلة من حالة التيه السياسي. وإذا لم تستطع، فعليها ان تترك الساحة للأجيال القادمة من اليسار، الأجيال الشابة التي ما زالت تنظر الى الجبهة، وإلى ميراث جورج حبش الثوري، على انهما الدرب الذي ينير الطريق، او تسلم زمام القيادة لهذه الأجيال الشابة لان ذلك هو حقها وهذا هو وقتها. الشهيد غسان كنفاني قال “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين. لا أن نغير القضية.” وهذا ينطبق على قضية التحرر الوطني وعلى قضية التحرر الاجتماعي معا.