أجرى الاتحاد الثقافي قبل فترة حواراً مع المفكر الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري، في إطار تحقيق حول الموسوعات العربية، لم يتسن نشره خلال حياة صاحبه· فيما يلي ننشر الحوار الأخير مع الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيرة تقديراً لجهده الفكري وحياته الثقافية الحافلة: قبل حوالي تسع سنوات أصدر المسيري موسوعة ”اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل” في ثمانية مجلدات، ونالت الموسوعة عدة جوائز، باعتبارها أهم عمل صدر عام ،1999 ثم نال المسيري جائزة الدولة المصرية للتفوق، وبعدها جائزة الدولة التقديرية، وكانت الموسوعة هي الحيثية الأهم لفوزه بكل جائزة، خارج مصر، وتم تكريمه في عدد من الدول العربية· وبعد هذه السنوات كان السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يحن الوقت لإصدار طبعة جديدة من الموسوعة خاصة وقد نفدت طبعتها الأولى منذ فترة، ثم صدرت طبعة مبسطة ومختصرة منها للقارئ غير المتخصص ونفدت أيضاً· وفي حالة إصدار طبعة جديدة هل تصدر كما هي أم تصحبها زيادات وتعديلات؟ والمعروف عالمياً في إعادة إصدار الموسوعات، أنه لابد من تحديث المعلومات وإضافة ما يستجد· حلمي النمنم قال د·المسيري: نعد لإصدار طبعة جديدة من الموسوعة، وستكون موسعتين لا واحدة، الأولى بعنوان ”اليهود واليهودية”، والثانية ”الصهيونية وإسرائيل”، وهذا التقسيم ضروري، والجزء الخاص بإسرائيل به تعديلات كثيرة، وسوف نختزله في الأساسيات مثل التغييرات الحزبية الكثيرة في إسرائيل، فكل يوم هناك تغيير تقريباً، بين أحزاب دينية ومدنية ونحن لا نلاحقها، ولذا سوف أتكلم عن النظام الحزبي في إسرائيل وليس عن الأحزاب، وهناك إضافات اخرى·· لاحظ أننا لا نعرف الكثير عن علم الاجتماع وعلم النفس في إسرائيل، وحين بدأت العمل في الموسوعة عام 1976 كان ينقصنا الباحثون المتمرسون في الشؤون الإسرائيلية، والأمر يختلف اليوم فقد أصبح لدينا كوادر من الباحثين الشبان الجدد، من خريجي الأقسام العبرية بالجامعات المصرية، فضلاً عن الباحثين من الأراضي المحتلة وبعضهم من خريجي الجامعة العبرية في القدس وهؤلاء متمرسون أكثر في فهم اسرائيل والتعامل معها ونستعين بهم، في تناول جوانب الحياة في اسرائيل، ولدينا باحثة هي نادية رفعت تكتب عن المجتمع المدني في اسرائيل والجزء الخاص بالصهيونية التغير فيه طفيف حيث حدثت بعض التغييرات في الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي لكنها محدودة· ؟ ما أهم التغييرات الديموجرافية الإسرائيلية وانعكاسها على فلسطين؟ ؟؟ لم تعد أوروبا الشرقية هي المخزون للهجرات اليهودية إلى الأراضي المحتلة، هذا المخزون نفد تقريباً، وتذكر أن نصف المهاجرين الروس لإسرائيل لم يكونوا يهوداً، وكذلك الفلاشا الذين تم تهجيرهم لم يكونوا يهوداً باعتراف الحاخامات انفسهم· الهرولة والهجرة ؟ كيف ترى حال العرب منذ ظهور الموسوعة فيما يخص إسرائيل؟ ؟؟ هناك تدهور على مستوى النخب الحاكمة وهرولة أكثر نحو اسرائيل· مثلاً ما علاقة موريتانيا بإسرائيل حتى تتبادل السفراء معها؟ تأمل اتفاقية الغاز بين مصر واسرائيل، هؤلاء يريدون رضا أميركا ويتصورون أن المفتاح مع اسرائيل· ؟ كل يوم نسمع عن متسللين أفارقة إلى إسرائيل عبر الحدود مع مصر، هل صارت اسرائيل ملاذاً أو حلماً للمواطن الافريقي؟ ؟؟ بعض المؤشرات التي قد تراها سلبية ربما هي إيجابية، هذه الظاهرة تعني أن العنصر الافريقي يتسلل، وهذا يهدد طبيعة الدولة العبرية، وهويتها، لقد أقاموها كي تكون دولة ليهود أوروبا البيض· واحد الوزراء الأردنيين حكى لي أنه حين بدأ التطبيع بين اسرائيل والاردن وتمت عمليات تبادل البضائع، لوحظ أن السيارات الاردنية كان يتم تعطيلها داخل اسرائيل، فقد وجدوا ان ظهور البضائع الأردنية تهديد لهم، فما بالك بالعنصر البشري الافريقي؟، ؟ بعض التهديدات جاءتك من داخل إسرائيل ومن منظمات صهيونية في الولايات المتحدة قبل إصدار الموسوعة، لكن ماذا بعد ظهور الموسوعة؟ ؟؟ التزموا الصمت التام تجاهها، على غير عادتهم مع أعمالي السابقة، وأتصور أنهم وجدوا أنفسهم بإزاء اول خطاب نقدي معاد للصهيونية على اسس عقلانية وانسانية· ؟ أنجزت الموسوعة وغيرها من الكتب عن إسرائيل والصهيونية وأنت لم تزر اسرائيل نهائياً، ويقال لنا كصحفيين: لابد أن تذهبوا الى هناك كي تروا وتتابعوا بأنفسكم؟ ؟؟ حكاية أن الصحفي لابد ان يزور اسرائيل ليكتب عنها مسألة خائبة جداً، فبعد أن ضربت اليابان ”بيرل هاربور” في الولايات المتحدة، طلب إلى استاذة أن تعد لهم كتاباً عن اليابان، يريدون أن يعرفوا هذا البلد وهذا الشعب، فعادت إلى المراجع واعدت كتاباً هو ”العمدة” إلى اليوم في الكتب عن اليابان، رغم أنها لم تذهب إلي اليابان ابداً، ولم تلتق يابانياً واحداً ولا كانت تعرف اللغة اليابانية· ولو ذهب الصحفي إلى اسرائيل فإن رؤيته سوف تتعمق، وأنا أتوق لبعض الاماكن التي كتبت عنها، مثل شارع ”ديزنجوف” بتل ابيب، ويعد اسوأ شارع على مستوى العالم من حيث الأخلاق، وعدد المتاحف لديهم ضخم جداً، وهناك دعاة السلام ودعاة الحرب، اتوق الى أن اواجههم، لكن المعلومات عن اسرائيل متاحة الآن، كل صحفهم موجودة بالعبرية والعربية والانجليزية واتابع يومياً ”يديعوت احرونوت” على الانترنت، وكذلك موقع ”يوري افنيري”، لأن بهما الكثير من المعلومات التي أطالعها وأنا في غرفة نومي·· المشكلة الآن كثرة المعلومات، وليس ندرتها، ولو ذهبنا إلى هناك فسوف نعطي الإسرائيليين طمأنينة بأن كل شيء قد انتهى ولم تعد هناك قضية· نهاية إسرائيل ؟ ألا تجد غضاضة في أن تنقل الصحف العربية مواد عن الصحف الإسرائيلية؟ ؟؟ أنا في غيظ من الإعلاميين العرب، الصحف الإسرائيلية تمتلئ بكتابات وآراء عن نهاية وزوال إسرائيل، ولا احد في صحفنا ينقل كلمة واحدة عن هذا، لدينا هزيمة داخلية حقيقية، لا نتصور أن اسرائيل ضعيفة ومجتمع هش مفكك، وفي الصحف الاسرائيلية كمية من النكات عن نهاية اسرائيل، مثلاً نشرت نكتة عن أن مواطناً مهاجراً خرج من مطار بن جوريون نهائياً وترك لافتة تقول على آخر من يخرج أن يغلق الباب·· وهناك موسى يعلون قائد اسرائيلي كان يفخر بأن الشعب الإسرائيلي شعب محارب، ولكن في محاضرة اخيرة قال عكس ذلك تماماً، وقال إن قدرة اسرائيل على الصمود اكذوبة، وإن كل ما يقوله حسن نصر الله صحيح، وانتبه صحفي من ”الأهرام” إلى هذا الكلام فنشره في صفحة داخلية وعلى مساحة صغيرة، رغم أنه كان يستحق ان يكون المانشيت الرئيسي· ؟ الخطورة في النقل عن الصحف والكتاب الإسرائيليين في المصطلح لأن الفلسطيني المقاوم في كتاباتهم إرهابي والصهيونية حركة تحررية؟ ؟؟ تجربتي في البحث أن المصطلحات الاسرائيلية تخفي مفاهيم ودلالات معينة، ودورنا كباحثين أن نظهر المفاهيم الخفية، وأن نعطي المصطلحات قيمها التفسيرية، ولذا عرَّفت الصهيونية في الموسوعة بأنها ”حركة استعمارية·· استحلالية أتت بكتلة بشرية غربية لتحتل أرضاً عربية وتطرد السكان منها”، وهذا ما تفعله الامبريالية وما يقوم به الاستعمار واميز بين الصهيونية الاستيطانية أي أن يترك يهودي وطنه وارضه، ويأتي لينتزع أرض العرب في فلسطين، والصهيونية التوطينية اي ان يتبرع يهودي في اميركا أو اوروبا لاسرائيل كي تقيم مستوطنات، وهذا يكشف ازمة الصهيونية· ؟ ما ملامح هذه الأزمة؟ ؟؟ إنهم لا يجدون مهاجرين جدداً، ولذا اتجهوا إلى افريقيا لاستجلاب المهاجرين، واكثر من ذلك ان حاخامات اليهود الارثوذكس ضد التهويد على طول الخط، ومع ذلك ذهبوا إلى بيرو واستجلبوا 80 أسرة من الهنود الحمر وطّنوهم وهوّدوهم، وهناك الآن ما يطلق عليه مستوطنات الأشباح، اي مستوطنات أقيمت ولا تجد مستوطنين، وهناك ما أسميه المستوطنات المكوكية، وهي ان يشتري بعض اليهود بيوتا بالضفة الغربية لأن سعرها رخيص، والآن صارت الهوية اليهودية لدى الصهيونية ما هو غير عربي حتى لو كان من الهنود الحمر أو افريقيا· ؟ حين صدرت الموسوعة أول مرة توقعت أن يحدث في فلسطين ما حدث في جنوب افريقيا التي تخلصت من الحكم العنصري، هل مازلت عند هذا الرأي؟ ؟؟ حين بدأت جنوب افريقيا تصفية المستعمرات العنصرية، طلبت من أحد الزعماء الفلسطينيين- وهو مجاهد لاشك في إخلاصه ووطنيته- تشكيل لجنة أكون عضواً بها، تذهب إلى جنوب افريقيا لمتابعة تفاصيل فك المستوطنات هناك، حتى نتعلم من التجربة كي نطبقها في فلسطين حين تنتهي إسرائيل، فرد عليّ باعتباري أطرح مستحيلاً، ولكن ستتم تصفية المستوطنات لا المستوطنين، كما حدث في جنوب افريقيا، بقي البيض هناك ولكن بلا عنصرية، نحن نريد فلسطين دولة متعددة القوميات والديانات، وسوف يحدث ذلك، وهو موضوع كتابي القادم الذي أوشكت على الانتهاء منه وعنوانه ”نهاية اسرائيل”· بدايات أدبية ؟ أنت متخصص في الأدب والنقد الانجليزي، وتحديداً ”ت· س· اليوت”، كيف حدث هذا التحول العلمي في مسيرتك منذ وقت مبكر؟ ؟؟ حدث منذ أول يوم سافرت فيه للبعثة التعليمية بالولايات المتحدة في الستينات من القرن الماضي، وجلست إلى جواري بالمدرج زميلة هادئة ووديعة، سألتني عن بلدي فقلت لها مصري عربي، وبادرتها بالسؤال نفسه فقالت: ”أنا يهودية”، والتفت إلى أن اليهودية عندهم ليست كما نعرفها نحن كديانة، بل هي جنسية، ومن هنا بدأت أتابع هذا الموضوع ونصحني زميلي وصديقي الدكتور اسامة الباز بأن استمر، وحين عدت إلى مصر التقيت الاستاذ محمد حسين هيكل بالأهرام وبدأت تأسيس وحدة الصهيونية بمركز الأهرام للدراسات السياسية· وأصدرت اول كتاب عن اسرائيل عام 1972 بعنوان ”نهاية التاريخ”، وواصلت طريقي إلى اليوم·
23 يوليو 2008
