الاثنين 26/6/2000: الساعة 8 صباحا:
هكذا كما هو واضح لم أتمكن من مواصلة الاسترسال فى مذكرات أمس، فأنا مشغول.. وحياتى مزدحمة.. وما أروعه من شعور فى السجن, إن السجين أحيانا يفتعل المشغولية.. ليقتل الوقت، فهذا يقرر تنظيف المسجد، وهذا يعمل فى الغسيل، وذاك فى الورشة، وهذا مشغول بمتابعة مسلسل تليفزيونى، وإجراء مناقشات حوله.. ومتابعة بطولة أوروبا لكرة القدم قضية عظمى، والتعليق يأخذ ساعات, وهذا يحدث بطبيعة الحال خارج السجن.. ولكن المسألة تأخذ هنا آلية قتل الوقت. وأحمد الله أننى لا افتعل المشغوليات.. فأنا مشغول حتى الأذقان، وهذه نعمة من الله.. والواجبات أكثر من الأوقات.. وهذا ما يجعلنى فى حالة انتباه دائم فى ألا أقسو على نفسى.. وعلى بدنى.. فأحيانا أشعر بالإثم عندما استرخى.. أو أقرأ قصة خفيفة.. أو استمع لأغنية.. أشعر أن الأربع والعشرين ساعة يجب أن تكون كلها: عبادة – تلاوة – دراسة – قراءات جادة.. ولكننى أتراجع عن هذا الشعور الذى يلاحقنى داخل وخارج السجن.. وأتذكر حديث رسول الله صلى الله علية وسلم: (ساعة وساعة), وأتذكر الله عز وجل حين يقول فى محكم كتابه: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى).. فأناقش نفسى وأهدىء من روعها, على أساس أن فترات الاسترخاء والترفيه ضرورية لشحن البطاريات وتجديد النفس، وتخفيف العبء على العقل والفؤاد معا، والمهم أن تكون ساعات الجد هى الأكبر والأعظم بصورة واضحة.
كذلك أصبحت أتألم من الكتابة بسبب كوع يدى اليمنى.. وهى من أمراض كبار لاعبى التنس!! وسيتعين علىّ أن اتخذ قرارا صعبا؛ فإما الكتابة؛ وإما لعب التنس؛ ويا له من خيار مفزع!
أشعر الآن بإجهاد كبير فى كوعى الأيمن.. وهو مصاب أصلا فى حادث سيارة ضمن عديد الحوادث التى اقتحمتها بجرأة سائق لا مثيل له فى مصر إلا قليلا.. وأحمد الله أن كل هذه الحوادث الدامية حدثت وأنا وحدى بدون أسرتى أو أصدقائى (عدا مرة واحدة كان معى أحد زملاء الحزب.. عبد العزيز مرسى.. وهو الآن فى الإمارات, وكانت إصابته طفيفة.. أما أنا فقد أصبت يومها فى الكوعين, وهذا هو الحادث الذى لا يوجد أى شك حول عدم مسئوليتى عنه) لكن ذلك فى عام 1986.
وقد كتبت أمس واليوم كثيرا.. كتبت طلب تقصير مدة لرئيس محكمة النقض، وقمت بعملية تبيض وتنقيح، رغم آلام يدى اليمنى, لأن عدم إرسال هذا الطلب سريعا يجعله بلا جدوى.. وإن كانت احتمالات تأثيره لا تتجاوز – من وجهة نظرى – 5-10%, ولكنه جهاد الشكاوى.. جهاد الفلاح الفصيح.. الذى رأيت التأسى به عندما انقطعت بى السبل، ووجدت نفسى نزيل السجون الدائم، بينما لا أحد يبكى علىّ.. إلا قليلا, ولا توجد أى حركة مؤثرة لرفع الظلم عنى وعن زميلىّ.. ثم انشغل الحزب بقضية وجوده.. فلم تعد من أولوياته أن أبقى فى السجن أو أخرج.. وهذا صحيح بطبيعة الحال.. فأنا أيضا مشغول بتجميد الحزب وإغلاق الجريدة، أكثر من انشغالى “بتجميدى” فى السجن “وإغلاق” .حريتى الشخصية!! كما ذكرت لا أستطيع الاستطراد.. فالآلام متزايدة فى كوعى الأيمن ولابد من إعطائه بعض الراحة.
حاشية : فى آخر زيارة لى لسجن مزرعة طره فى هذا العام حيث تم الافراج عنى من خلاله لم أجد ملعب التنس لذلك لزم التنويه حتى لايصاب القارىء بالذهول : ملعب تنس . فى السجن بمصر !!كما لاحظت اختفاء ملعب الكرة الطائرة أيضا . ومع ذلك أصيب القارىء بالذهول مرة أخرى ففى هذا السجن الآن 2 صالة جيم ولكننى لم أدخلها حتى عندما بقيت فى مستشفى السجن 5 شهور عام 2014 . وهاتان الصالتان أعدهما كبار رجال الأعمال المحبوسين .
