الكسندر دوجين المفكر الأكثر تأثيرا على بوتين ماهى أهم أفكاره ؟

إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[*]
(خاص بمركز الزيتونة).

مقدمة:

ما إن تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حتى بدأت رحلة فكرية بين القادة والمفكرين الروس لتحديد هوية الدولة الجديدة، ويبدو أن الفوضى والتراجع الاقتصادي وفقدان المكانة الدولية أسهم في تحفيز النخبة الروسية لتحديد المعالم المركزية للهوية من ناحية، والاستراتيجية الروسية من ناحية ثانية، وهو ما تبلور بشكل واضح مع تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة سنة 2000، وبدأ يطرح افكاره تباعاً حول “تَشكُّكه في المنظور الليبرالي بنسخته الغربية، وتأكيده على منظومة القيم الروسية، واحترام مكانة الكنيسة الأرثوذكسية، والدعوة إلى قيم العائلة، وأخيراً رفض الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي”.[1]

ويرى الدارسون للسياسات الروسية منذ سنة 2000 أن التوجهات السابقة هي صدى لتوجهات أبرز المنظرين السياسيين في روسيا وهو ألكسندر دوغين بل يجمع المحللون السياسيون بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية على “تأثير” أفكار دوغين على النخبة السياسية الحاكمة في روسيا، لكن الخلاف بينهم يتمحور حول “وزن” هذا التأثير، والذي يراه البعض كبيراً إلى حدّ اعتبار دوغين بأنه “عقل بوتين السياسي”،[2] بينما يرى آخرون تأثيره دون هذا الوصف مع الإقرار بالتأثير.[3]

ونظراً لغزارة وتنوع إنتاج دوغين الفكري، فإننا سنركز مناقشتنا على موقفه من الاستراتيجية الروسية تجاه الشرق الأوسط بشكل عام، وتجاه الموقف من “إسرائيل” بشكل خاص، لكن ذلك أمر صعب دون تحديد الإطار النظري لرؤية دوغين للعلاقات الدولية المعاصرة، والتي يمكن فهم موقفه من الشرق الأوسط و”إسرائيل” من خلالها بشكل أكثر وضوحاً.

أولاً: نظريته العامة:[4]

ثمة قدر من الإجماع بين الباحثين في الفكر السياسي الروسي المعاصر على أن ألكسندر دوغين هو أحد أبرز من يمثل هذا الفكر، ويصنفه الباحثون على أنه تعبير عن النسخة الروسية لتوجهات اليمين الأوروبي المتطرف.

ونعتقد أن جوهر تنظيره السياسي الأكثر أهمية في الأدبيات الروسية السياسية المعاصرة يتجلى في دراستين هما “أسس الجغرافيا السياسية: مستقبل روسيا الجيو سياسي The Foundations of Geopolitics: Russia’s Geopolitical Future”، ودراسته الثانية “النظرية السياسية الرابعة The Fourth Political Theory”.

وسنحاول أن نتوقف مع الأفكار المركزية في هاتين الدراستين خصوصاً من الجوانب ذات الصلة بموضوعنا، على الرغم من الإقرار بأن دوغين له عدد كبير من الدراسات، وتنقل بين عدد من الحركات السياسية ذات التوجهات المختلفة، إلى جانب أنه عمل في هيئات رسمية وأكاديمية عديدة، وهو ما ترتب عليه “التباس” بين الباحثين في تحديد توجهاته في بعض الجوانب.

يبدو دوغين في نظريته الجيوسياسية أقرب إلى صموئيل هنتينغتون في صدام الحضارات منه إلى فرانسيس فوكاياما في “نهاية التاريخ”، فهو يقسم العالم إلى أربع مناطق متنافسة هي: الأمريكية، والأفروأوروبية، والباسيفيكية الآسيوية، والمنطقة الأوراسية (وهي الكتلة التي يوليها دوغين عنايته الفكرية الأكبر). كما أن دوغين يعيد الجدال المعروف حول نظريات الصراع بين القوى البرية لماكيندر والقوى البحرية لماهان ، واستناداً لتقسيمه هذا يرى أن الصراع سيدور بين هذه المناطق، لذا فإنه يقترح لروسيا ما يلي:[5]

1. التحالف مع ألمانيا التي تمثل قلب القارة الأوروبية، وقد بنى دوغين شبكة علاقات مع اليمين الأوروبي لتدعيم هذا التوجه على الرغم من بعض التباينات في النظرة العامة لكل منهما.

2. التحالف مع اليابان.

3. منح إيران مكانة خاصة في العالم الإسلامي (على حساب تركيا)، انطلاقاً من موقفها الرافض للعولمة الأمريكية، وهو يرى أن هذا التحالف الذي تبنيه روسيا لنفسها هدفه مقاومة القوى البحرية.

4. يدمج دوغين الأراضي السوفييتية السابقة مع الكتلة الأوراسية إلى جانب دمج أوروبا الشرقية ومنشوريا والقطاع الأرثوذكسي في البلقان امتداداً إلى شواطئ المحيط الهندي.

5. تبدو نظرته للشيعة في الكتلة الإسلامية أكثر إيجابية من نظرته للسنية خصوصاً في طبعتها الوهابية.

أما نظريته السياسية العامة، النظرية الرابعة،[6] والتي تستهدف تقويض أسس نظرية العولمة بمضمونها الليبرالي الديموقراطي، فهو يرى أن لا وجود لقيم عالمية، بل قيم ثقافية لكل قومية، وكل محاولة لتحدي القيم القومية في أي مجتمع تتم مواجهتها بقوة في كل مجتمعات العالم. فوفقاً لدوغين عرف العالم ثلاث نظريات سياسية في مرحلة الحداثة هي: الليبرالية الديموقراطية، والماركسية، والفاشية، وهو يقترح نظرية جديدة توظف بعض معطيات هذه النظريات، فكما أن لكل نظرية من النظريات الثلاثة وحدة تحليل مركزية، فإن وحدة التحليل المركزية لنظريته الرابعة ليس الفرد (كما في الليبرالية)، وليس الطبقة (كما في الماركسية)، ولا الأمة (كما في الفاشية)، بل في ما يسميه دوغين الأبدية (أو الوجود )، والتي تتم من خلال صياغة نظرية تقوم على فلسفة متعالية تؤمن بعالم متعدد وأخلاقي، عالم يعترف بالشعوب الأخرى وبحريتها بعيداً عن قيم المركزية الغربية المفروضة، وتحترم هذه الفلسفة التقاليد والعائلة والأديان.

وتمر هذه النظرية عبر ثلاث مراحل:

• المرحلة الأولى أو المرحلة الفردية: هي الإسهام في تطوير التقاليد.

• المرحلة الثانية: هي إعادة التأكيد على تفوق قوانين الكنيسة، أو على سبيل المثال الشرائع الدينية.

• المرحلة الثالثة أو المرحلة الاجتماعية: هي المساعدة في استعادة وإحياء تقاليد التسلسل الهرمي لبنية مجتمعات القرون الوسطى.

ومع ذلك، فإن دوغين ليس مجرد “منشئ” لأيديولوجيا بسيطة محايدة، بل هو يسعى إلى “إضفاء الطابع الروسي” على المذاهب التي تلهمه، وتكييفها مع ما يسميه المفاهيم التقليدية للعالم الروسي، والتي ترتكز بشكل أساسي على النزعة القومية والمعتقد الأرثوذكسي، ومناهضة الحداثة ورفض القيم الأمريكية.

ويبدو موقفه العدائي للمنظور الليبرالي الغربي من المفهوم الذي أطلق عليه اسم “النوماخيا أو حرب العقول، والذي يعني رفضه لنظرة التسلسل الحضاري (حضارة أعلى، وحضارة أدنى)، فالحكم على الحضارات والثقافات هي مهمة أصحاب هذه الثقافات وليست مهمة من هو خارجها، وهذا التعدد الحضاري والثقافي يتسق في رأيه مع دعوته إلى التعددية القطبية في النظام الدولي، فالتعددية الثقافية والقومية تبرر التعددية القطبية.[7]

وفي إطار نظرته للنظام الدولي المعاصر يرى “أن روسيا تعيد تأكيد نفسها ليس على أنها القطب الثاني في النظام ثنائي القطب الجديد، ولكن كواحد من الأقطاب القليلة في سياق نظام متعدد الأقطاب تقف فيه روسيا (عسكرياً، وعلى مستوى الجغرافيا والموارد الطبيعية) مع الصين (اقتصادياً) كطرفين يشكلا مع الغرب شيئاً يشبه النظام الثلاثي الأقطاب. لكن الهند والعالم الإسلامي وأمريكا اللاتينية وإفريقيا يمكن أن تشكّل يوماً ما أقطاباً أخرى مكتفية ذاتياً. لذا، فإن الجغرافيا السياسية الروسية للدولة العظمى تتطور الآن في سياق جديد للتعددية القطبية. وكالعادة، ما تزال روسيا “القوة البرية” التي تعارض “القوة البحرية”، لكن الصين هي كذلك القوة البرية التي لها الخصم العالمي نفسه تماماً، أي الغرب الليبرالي. ومن هنا يبدو تبرير التعاون العربي الإسلامي مع روسيا والصين لا على أساس أيديولوجي أو منظومة قيمية، ولكن على أساس أن لهم جميعاً العدو نفسه، وهو الغرب الليبرالي.[8] وهو ما يعني أن نقطة التلاقي بين روسيا والصين مع العرب والمسلمين هي العداء الاستراتيجي للمنظور الغربي المعاصر.

والآن إلى موقفه من اسرائيل

( يتبع )

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading