المصدر:
يرى نعوم تشومسكي في كتاب «الحرب على غزة»، ترجمة ناصر ونوس دار الحصاد دمشق ،2010 أن معظم ما تقوم به إسرائيل وما تقوله، تخطط له انطلاقاً من مبدأ تسير عليه في بدء وإنهاء أي هجوم عسكري تشنه على الفلسطينيين، فهي حين شنت الحرب على غزة، بحجة معاناة الإسرائيليين من إطلاق «حماس» الصواريخ، فإن حجتها لم تكن سوى فنتازيا من الأعذار، بينما كانت تمارس المبدأ نفسه: «تلقين» «حماس» الدرس عن طريق قتل أكبر عدد ممكن من مقاتليها، وإلحاق الأذى الواسع بالمدنيين، وهذا الدرس له مفعول على أرض الواقع، فهجمات الجيش الإسرائيلي تتوجه ضد «حماس» بجناحيها العسكري والاجتماعي.
لماذا؟ أتت الهجمة قبيل محادثات «حماس» ـ «فتح» في القاهرة، التي كانت تهدف إلى تسوية خلافاتهما وتشكيل حكومة وطنية قوية، ووفقا لما كتبه المراسل الصحافي البريطاني روري مكارثي، فإن هدف إسرائيل، ببساطة، أنها لا تريد شريكاً قوياً من أجل السلام، فالضفة الغربية تعيش تحت قهر مطبق من دون عوائق، بينما غزة تستمر في المقاومة. من هنا يأتي اجتياح غزة؟ ورغم معرفة إسرائيل أن «حماس» ليست مجرد ميليشيا مُسلحة، إنما هي حركة اجتماعية تمتلك قاعدة شعبية واسعة ومتجذرة في المجتمع، فإنها تمارس عقابها في ضرب الأهداف المدنية وتدميرها، لكي ينقلب الناس على «حماس» ويضطرونها لإنهاء المقاومة، وبهذا يخلو الجو لإسرائيل أكثر، لتستمر في تنفيذ برامجها التوسعية الاستراتيجية. أما ما يخص توقيت إنهاء الحرب على غزة، فإنه أتى مباشرة قبيل تنصيب الرئيس أوباما، بدافع تقليل الخطر البعيد الذي يمكن أن يأتي من قيامه بتوجيه أي إدانة ممكنة للجرائم الوحشية التي ارتكبتها على مرأى من العالم كله.
تدعي إسرائيل أن «حماس» منظمة إرهابية، مُكرسة من إيران لتدميرها، أما كونها مُنتخبة ديمقراطياً وتدعو من زمن إلى قيام الدولتين وفقاً للإجماع الدولي، فهي قضية تنكرها إسرائيل، ولا تكتفي حليفتها أميركا بدعمها، إنما تزودها أيضا بالسلاح ـ أميركا أكبر مُزود سلاح في العالم لإسرائيل على الإطلاق، كما أنها قدمت لتسليحها، أثناء إدارة بوش، أكثر من 21 مليار دولار ـ لماذا أيضا؟ لأن إحدى وظائف إسرائيل الإضافية تنفيذ السيطرة الأميركية على النظام الشرق الأوسطي، لأن إسرائيل تقوم «باختبار» الأسلحة الأميركية الجديدة عن طريق استخدامها ضد أهداف مدنية، وظيفة تجعلها الدولة المفضلة لدى الولايات المتحدة ولدى أصحاب الصناعة المتخصصة بالتكنولوجيا العسكرية المتطورة.
يبدو اليوم، بشكل لا لبس فيه، أن إسرائيل تُفضّل خيار الحرب على المدى الطويل، في الوقت الذي يعرض عليها العالم خيار السلام، ويرسم يوري أفنيري لإسرائيل صورة لدولة مُلطخة بالدماء، وجاهزة لارتكاب جرائم حرب جديدة، الأمر الذي يقود إلى عواقب وخيمة، ويقضي على أي فرصة لها في السلام، ولا يترك أمامها، في النهاية، سوى أن تخوض الحرب ضد وجودها.
إن مؤيدي إسرائيل هم مؤيدو انحطاطها وانهيارها الشامل المتوقع، فنحن نشهد، كما يرى عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيميرلنغ، حدثاً نادر الوقوع في التاريخ، حدثاً سماه «القتل السياسي»، وهو يعني أن دولة إسرائيل تقتل نفسها بيديها
8 -أكتوبر 2010
